أبو الفضل العباس

    الصفحة الرئيسية

وللحب مآثر.. وصور

الشيخ فاضل الصفار

هل يستطيع أحد منّا أن ينكر الحب أو يتناسى من يحب؟ فمن منّا لا يحب أو ما مر بتجربة حب؟ وهذا أمر لا عيب فيه بل هو كمال وجمال لأن من الكمال أن تمارس الانسانية دورها وتأخذ حقّها فيما يكملها ويرشدها ومن الجمال أن تسود الانسانية المحبة والتعاطف ولا شكّ أن الكثير منّا يحب ويعايشه في كل لحظة وفي كل خطوة.

والسؤال هو: مَن نُحب وكيف نحب؟

طبعاً لا نقصد من الحب ذلك الذي يمارسه الانسان بدوافع أنانية أو مصلحية وفيه من اللذّة أكثر مما فيه من السمو والرحمة.. بل نقصد الحب الذي يحرّكه الفكر الصائب والعقل الذكي والقلب السليم. الذي يعرف كيف ولماذا الحب؟

فليس من الفخر أن يحبّ الانسان بنزعة شهوانية أو غريزيّة فكل كائن حي يمارس هذا الحب بطريقته الخاصة.. وهل حبٌ ذلك الذي تسوقه الأطماع وتحفّزه الغرائز والشهوات؟ إنه ليس الحب بل الرغبات والمنافع نبادلها الآخرين أو يبادلها الآخرون لنا تحت شعار الحب، وللحبِّ قيمة كبرى، وأكبر منها سموّه وخلاصه وتجرّده.

والحبُّ قوة عظيمة وأعظم منها تهذيبه وتألّقه. بل الحبّ شعور مقدس.. وأقدس منه طهره وعفته وهدفيته. ومن هنا علينا أن نعرف أين نضع قلوبنا وعواطفنا حتى نحب. فليس كل أحد يليق بالحب ولا كل شيء يجدر أن نهبه الروح ونعطف عليه القلب ونسلّمه المشاعر، أليس كذلك؟

إذا بلغ الحب مداه لا تصده سيول من الجيوش ولا حصون من الأسلحة.. فطاقة الحب فوق كل طاقة وقيمته أغلى القيم.. فما إن وجد الحب حتى وجدت معه آلاف المبادئ وآلاف الفضائل والمآثر والمكرمات.. وإذا ولد نقيض الحب ولدت معه آلاف النقائض والمضادات من الشرور والمآثم.. فالحب مركز الخير وواحة الفضيلة ومغرس الخصال الخيّرة في الوجود من الجمال والكمال والجلال والرحمة والعطف وإلى آخره من سمات ومزايا انسانية نبيلة.

القلب فوق العقل لأنه مركز الاعتقاد واليقين بينما العقل يمدّان الفكر وآلة التفكير، والحب فوق الفكر أيضاً لأن الحب مزيج من العقيدة والعاطفة بينما الفكر خال من العاطفة مجرّد من الرحمة فإن المحبّ يفكر ثم يعتقد ثم يميل ويحب ويعشق.. وإذا بلغ الحب ذروته صار هياماً وعشقاً وعندها يتحرر من قيود الحسابات العقيلة والمعادلات الرياضية الجامدة التي تراودها المصالح والمنافع فتقرّب هذا لحساب وتبعد ذلك لحساب أيضاً. بينما الحب يتجرد ويسمو ويتألّق بمواقف الإبداع والإيثار والفداء والإباء وكل خصال الخير الأخرى.. فالمحبّ لا يحسب ما يريد من الحبيب وماذا ينتفع أو كيف ينتفع بل المحب يعطي ويعطي ويعطي وحسب.. فبالحب وصل أولياء الله سبحانه إلى ما وصلوا وبالحبِّ أيضاً أفاض عليهم بهم فيوضاته وجعلهم أوعية مشيئته ومظهر قدرته وإرادته…

وأعطاهم دون حساب.. وكذلك هم (عليهم السلام) أحبوه وعشقوه فعاشوا أيامهم تفاني وتضحيات جسام واحدة تلو الأخرى وكلما قدموا واحدة شعروا بالتقصير أمام نعم ربهم سبحانه فازدادوا عطاء وعبادة وجهاداً وصبراً ومقاومة.. ألم يقل سيد الشهداء أيام محنته وعطاءه:

تركت الخلق طُرّاً في هواكا وأيتمتُ العيال لكي أراكا

فلو قطّعتني بالحبّ إرباً لما مال الفؤاد إلى سواكا

صور من الشهامة

جمع الحسين أصحابه ليلة العاشر فقال بعد الحمد والثناء على الله سبحانه: (ألا وإني أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً وأني قد أذنتُ لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم مني ذمام وهذا الليل قد غشيكم فأتخذوه جملاً.. فإن القوم إنما يطلبونني)..

فقالوا: إذن ما يقول الناس وما نقول لهم؟ إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا خير الأنام ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن برمح ولم نضرب بسيف ولا ندري ما صنعوا لا والله لا نفعل ذلك ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا نقاتل معك حتى نردّ مورد فقبح الله العيش بعدك. وقال آخر: أما والله لو علمت أني أُقتل ثم أَحيا ثم أحرق حياً ثم أذرى ويفعل بي ذلك سبعين مرة لما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك وكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً. وقال زهير بن القين: والله وددتُ أني قتلتُ ثم نُشِرت ثم قُتِلتُ حتى أقتل كذا ألف مرّة وان الله عز وجل يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن نفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك.

وكانوا في أبهج حالاتهم وأجمل ساعاتهم وكلما اشتدّ المرم ودنت ساعة اللقاء ازدادوا إيماناً واطمئناناً وانشراحاً ومداعبة. فهازل برير عبد الرحمن الانصاري، فقال له عبد الرحمن: ما هذه ساعة باطل؟ فقال برير: لقد علم قومي ما أحببت الباطل كهلاً ولا شابّاً ولكنني مستبشراً بما نحن لاقون والله ما بيني وبين الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم ولو ردتُ أنهم مالوا علينا الساعة!

وفي ليلة العاشر: خرج حبيب بن مظاهر يضحك فقال له يزيد بن الحصين الهمداني: ما هذه ساعة ضحك!! قال حبيب: وأي موضع أحقُّ بالسرور من هذا؟ ما هو إلا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم فنعانق الحور.

وللنساء مآثر:

ولمّا حمل الشمر جماعة من أصحابه على ميسرة الحسين ثبتوا لهم أصحابه فكشفوهم وكان منهم عبد الله بن عُمير فقتل منهم جمعاً حتى شدّ عليه أحد الأعداء فقطع يده اليمنى وقطع آخر ساقه وأخذوه أسيراً وقتلوه صبراً.. فمشت إليه زوجته وجلست عند رأسه تمسح الدم عنه وهي تقول: هنيئاً لك الجنة أسأل الله الذي رزقك الجنة أن يصحبني معك. فقال: الشمر لأحد غلمانه اضرب رأسها بالعمود فشدخه وماتت على جثة زوجها!!

وقطع شمر رأسه رمى به الجبهة الحسين (ع).. فجاءت أمّه وأخذت الرأس ومسحت الدم عنه ثم أخذت عمود خيمة وبرزت إلى الأعداء. فردّها الحسين (عليه السلام) وقال: ارجعي رحمك الله فقد وضع عنك الجهاد فرجعت وهي تقول: (اللهم لا تقطع رجائي فقال الحسين: لا يقطع الله رجاءك).

وجاء عمر بن جناده الأنصاري بعد أن قتل أبوه وهو ابن احدى عشرة سنة يستأذن الحسين (عليه السلام) فأبى وقال: هذا غلام قُتِل أبوه في الحملة الأولى ولعلَّ أمّه تكره ذلك قال الغلام: إن أمّي أمرتني، فأذن له ولما قتل رُمي برأسه إلى جهة الحسين فأخذته أمّه ومسحت الدم عنه وضربت به رجلاً قريباً منها فمات!!

ولا تنس موقف العقيلة الهاشمية عند جسد مولاها ومولى الكونين، لما بسطت يديها تحت بدنه المقدس ورفعته نحو السماء، وقالت: (إلهي تقبّل منّا هذا القربان)!! وأيضاً القربان العظيم سلام الله عليه.. وسلام الله على كل عضو من أعضائه.. كان كلّما أشتدّ عليه الأمر إزداد وجهه تهللاً وغمره النور والهيبة..

وكلّما مرّ بعظيم الخطب يقول: هوّن ما نزل بي أنه بعين الله، إنه مسرح تجسدت فيه صور الحب والتآخي والإيثار وهكذا يصنع الحب بأهله. ألم أقل إنّ الحبّ إذا وصل مداه لا يقف أمامه سيل من الجيوش أو حصون من الأسلحة.

 

للأعلى