فهرس العدد العاشر

فهرس الأعداد

الصفحة الرئيسية

 

د. خالد محي الدين

 

الصورة الفنية في نهج البلاغة

قد يكون مصطلح الصورة من أشد المصطلحات غموضاً ولبساً واحتمالاً للكثير من الدلالات والتأويل. فحالة الانزياح التي تحدث عنها النقاد البنيويون تمثل أفضل حالات التصوير الفني في الإبداع. وهي في، تفسيرها القريب، تحويل المفردات من معناها القاموسي إلى فضاء تحمل فيه معاني جديدة ما يضع المتلقي أمام حالة جديدة من الإدهاش. أو قل هي صدمة التحديث في الإفادة من طاقات اللغة.

والتشبيه في أفضل حالاته تصوير. والاستعارة صورة، والمقارنة بين شيئين في النص الأدبي وتحميلهما معنىً واحداً يُعَدُّ كذلك نوعاً من التصوير الفني. ولو أنك بحثت عن مصطلح الصورة الفنية في أفكار عشرة نقاد وعلماء جمال، لحصلت على عشر صور تتقارب وتتباعد. ولكن عمق الدلالة في النص. مما يقدم للنص أبعد من مدلوله اللفظي صورة. والطرافة والجدة في استخدام التعبير والبعد عن التعبير المألوف كذلك لون من ألوان التصوير الفني في النص.

على أننا لو حملنا جميع هذه الدلالات، ونحن نقرأ كلام أمير المؤمنين، لوجدنا آثارها القديمة والحديثة في أحاديثه وخطبه حتى لنستطيع القول: إن كلام عليٍّ تصوير فني كله أو بعضه ضمن أي معيار نقدي: (ملَكَتْني عيني وأنا جالس فسنح لي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: يا رسول الله ماذا لقيتُ مِن أمَّتِك من الأوَدِ واللَّدَدِ؟..) أليس في هذا النص إضافة إلى أناقته الباذخة، وبلاغته وتكثيفه ما يقع في أفق التصوير الفني يوم قال الإمام: ملكتني عيني؟ أَوَليس التعبير جديداً كلّه على اللسان العربي؟ إذا كان ذاك فالإمام أول من شق أفق الصورة الفنية في النص الأدبي.

ولن تغيب ظاهرة فنية الصورة عن كلام الإمام بطول الأثر الذي - ربما لا يعرف الناس غيره - وهو نهج البلاغة. وعبر كل حديث طال أو قصر كانت ريشة الألوان تمازج النصوص حتى ليظن المتلقي أن كلام علي كلّه يتحرك على بُسُطٍ موشاة من الصور البديعة بألوان نادرة وزخارف متفرِّدة في خصوصيتها، لا تتأتَّى إلا لصاحب (النهج) الذي دوَّن ألوحي لرسول الله، وامتزجت أنفاسه بأنفاسه، واستغرقه الإسلام فذاهب فيه.

ولا يشك من يطَّلع على لغة أمير الكلام أنه كان يخطب أو يكتب أو يوشوش المحبين، والعصور اللاحقة أمام عينيه وفي مجال رؤيته ورؤياه. فلم يكتفِ باستخدام التتابع اللفظي الذي يجيء إلى متلقِّيه عفواً وبلا تصنّع أو تكلف. وإنزال الحروف المتشابهة في أواخر الجمل. حتى تتكوَّن جمل حديثه بإيقاعات موسيقية عذبة النقلات لذيذة الوقع شهيَّة التلقي: (فإن الغاية أمامكم، وإن وراءكم الساعة تحدوكم، تخفَّفوا تلحقوا، فإنما تنتظر بأوَّلكم آخِرَكُم) أما حداء الساعة وتحميل هذا الرمز حواس المنشد الذي يحدو الإبل يحثها على المسير، فهي الإنزياح التي تحدث عنه البنيويُّون بعد الإمام ببضعة عشر قرناً من الزمان. فحملَّ اللفظة أبعد من مدلولها المألوف، ليتكثف الإيحاء وتتزاحم المعاني.

(ما هي إلا الكوفة أقبضها وأبسطها). وأي ثوب ترى تلك المدينة؟ وما الذي يخطر على ذهنك حيال هذه الصورة المدهشة التي كان الإمام جوهرياً بارعاً في صوغها وإنزالها في مواقعها. أو أي معنى يهرع إلى خاطرك عندما تسمعه يقول: (.. فلأنقُبَنَّ الباطل حتى يخرج الحقُّ من جَنْبِهِ؟) إنها ظاهرة تجسيد ما ليس مجسداً. وإلباس غير المحسوس لبوس المحسوس، لتتحول الأشياء إلى أشياء جديدة من دون أن تفقد تواصلها مع معانيها الأولى. وكيف يتجسد الأمر؟ بل كيف تتحول مسألة ذهنية إلى كيان حي في الصورة التالية: (ولقد ضربتُ أنفَ هذا الأمر وعينه).

وكان يرسل كلامه أحياناً على هونه ورسله، أو هكذا يفهم من يقرأ. ومع التدفُّق والسلاسة والتحرك على قمة البلاغة، تفجؤك صورة لم تكن قريبة من ذهنك أو لم يكن خيالُك واصلاً إليها، لتتوقف وقفة الإدهاش أمام خطوطها وغرابة تكوينها. وتلتقط أنفاسك لتقرأ من جديد: (أرسَلَهُ على حين فترة من الرسل، وطولِ هجعة من الأمم، واعتزامٍ من الفتن، وانتشارٍ من الأمور، وتَلَظٍّ من الحروب، والدنيا كاسفةُ النور، ظاهرة الغرور، على حين اصفرارٍ من ورقها، وإياسٍ من ثمرها...). ألم يتبادر إلى ذهنك كيان الشجرة؟ حسناً. هل كنت تتوقع أن يرسم لك الإمام شكل الشجرة وتكوينها وألوانها، وهو يتحدث عن الدنيا وعن موعد بعث محمد لإنقاذ العالمين؟ ما لم يكن متوقعاً أن يحدث، هو الذي يحدث، لتظل الصورة الفنية ذات الطرافة والجدَّة والإدهاش هي التي تشكِّل محور الكلام لدن عليٍّ أمير الكلام.

(... فأنا فقأتُ عينَ الفتنةِ ولم يكن ليجرؤ عليها أحد غيري، بعد أن ماجَ غيهَبُها واشتدَّ كَلَبُها...). إن فقء عين الفتنة، في هذه الصورة البالغة الكثافة العميقةِ الخُصوبَةِ، تذكرنا على الفور بأهم الأسس البلاغية المعجزة التي اعتمدها أمير المؤمنين، وهي آيات القرآن الكريم. ألم يأت في التنزيل الحكيم: (واخفِض لهُما جَناحَ الذُّلِّ من الرحمةِ)؟

بهذا النموذج الأسمى يقتدي أمير الكلام ليفقأ عين الفتنة، بعد أن أبصرها بعين قلبه وبُعدِ بصيرته وشمولية رؤيته، بحراً متلاطماً موجُهُ في ليل أعمى، كما رآها مصابة - وهي هنا كيانٌ حيٌّ - بداء الكلب الذي يصيب فلا بُرءَ من إصابته. هكذا يرى الفتنة من استطاع إطفاء حُممها، وإخماد لهيبها.

على أنه لم يُنهِ تصوير الفتنة في حديث واحد وصورة واحدة بل سيعود إلى الحديث عنها في تصوير آسر آخر عندما نادى مريديه وصحبه والسادرين - كذلك - في غياهب الدنيا: (.. سَلوني قبل أن تشغَرَ برجلها فتنةً...) وهي لا تقل سُمُوَّاً عن الصورة السابقة. كأن هذه الصورة المدهشة كانت تتخلَّق بيسر وسهولة في أحاديثه جميعها لتتحول لغتة إلى مستودع من الصور الجديدة المفاجئة، كما كانت لغته مستودعاً للحكمة.

والصورة الفنية لم تكن زخرفاً في كلام الإمام، بقدر ما كانت تتدفق عبراً وعظاتِ وتعليماً يستمر تجدده على مرور القرون. فكان يرى: (الدنيا منتهى بصر الأعمى).

وكان يرى: (عدو الله إمام المتعصبين) و(إن لكل عملٍ نباتاً). وكان يعيب على المء إذا: (نفخ الشيطان في أنفِهِ من ريح الكبرِ) كما يعيب على أي إنسان يتحول إلى: (نظارٍ في عطفيه، مختال في برديه، نفاخ في شراكيه).

وبعد أن يسمو المتلقيِّ إلى أفق اللذة السامية التي شرحها أدغار ألن بو، والمتولدة من جراء القراءة الدافئة للصورة الفنية الغنية في وقعها وإضاءاتها، هل يرى في أي من هذه الصور الخمس ترفاً أو زخرفاً وهي مفرغة من دقيق المعنى وعميق الفكر؟ أم إنها مزيج من: الأخلاق/ الفن؟

تلك المعادلة الصعبة التي لم تكن تُسلسُ قيادها إلا للقلة من المبدعين العظام! فإذا أقسم يميناً تنثال من قَسَمه الصور: (وأيمُ الله لأفرطنَّ لهم حوضاً أنا ماتحُهُ).

ويستطيع المتلقِّي أن يقرأ حتى يتخم من معاني هذه الصورة الخصبة البالغة الكثافة. وإذا وصف الصالحين ومن كشفت عن بصائرهم أستار المعرفة يراهم: (يُغبقون كأسَ الحكمة بعد الصبوح...) أي أنهم مهديون تفيض عليهم أنوار الحكمة مساءً وصباحاً. لكن لا، حاول أنت كمتلقٍّ أن تصل إلى أعماق المعاني التي دارت بخَلَدِ الإمام عندما رَسَمَ هذه الصورة المترفة.

وإذا وصف المرتدين على أعقابهم بعد الإيمان رآهم يرجعون على الأعقاب وقد: (غالتهم السبلُ، واتَّكلوا على الولائج ووصلوا غير الرحم) وإذا وصف الزاهد المتبتِّل الذي طلق الدنيا بشهواتها ومغرياتها وسلك الإصلاح والحكمة والسلام طريقاً يراه قد: (قَضَم الدنيا قضما) أي لم ينلْ من لذاتها وشهواتها إلا ما يقيم أودَهُ، وبأطراف أسنانه. وكان عليه السلام مثلاً أعلى لهؤلاء في الزهد والترفّع عن معوقات الوصول إلى الله. وعندما يصبِّرُ أصحابه في زمن الفتنة - حتى في هذه اللحظات القلقة نتلمس صورة الحكمة تتدفق منسابة بألفاظها وخطوطها إنسياب الماء الفرات على لألآء الحصى - فيناديهم: (فاصبروا حتى يهدأ الناس وتقعَ القلوبُ مواقعها) أو يقول لهم: (فشُدُّوا عقد المآزر، واطووا فضول الخواصر). في أي صورة من هذه الصور التي تتخذ صيغة السَّردِ أو صيغة الأمر، أو صيغة الضراعة والعبادة، يرى المتلقي نفسه في شلال زاخر هادر بالألوان والموسيقى والمشاهد النادرة، ويتحسس خاصية الانزياح اللغوي، حيث تقع الألفاظ في مواقع أبعد من مواقعها القاموسية، ما يشحنها بمعانٍ جديدة لتتكثَّف معانيها بفعل بُعدها الأول وأبعادها المكتسبة في استخدامها التصويري الجديد.

 

للأعلى