|
|
|
حيدر السلامي |
|
أحد.. المعركة والدرس التاريخي |
|
في صبيحة اليوم السابع من شهر شوال السنة الثالثة للهجرة، اصطفت قوى الإسلام بثلاثمئة مقاتل أمام قوى الشرك المؤلفة من ثلاثة آلافٍ مدججين بالسلاح وكان جيش التوحيد قد جعل ظهره إلى جبل أحد، كمانع طبيعي يحفظ الجيش من الخلف وقد استقبل المدينة، لكن ثغرةً في هذا الجبل كان من الممكن أن يتسلل منها العدو، ويباغت المسلمين من ورائهم بضربة قاضية، ولهذا عمد النبي (صلى الله عليه وآله) إلى وضع خمسين من الرماة عند تلك الثغرة وأمرّ عليهم عبد الله بن جبير وقال: (انضح الخيل عنا بالنبل، واحموا لنا ظهورنا لا يأتونا من خلفنا، والزموا مكانكم لا تبرحوا منه إن كانت لنا أو علينا، فلا تفارقوا مكانكم). ثم جعل (صلى الله عليه وآله) يسوّي صفوف جيشه ويتفقد أحوال رجاله ويبوّيئهم للقتال، يقول تقدم يا فلان وتأخر يا فلان حتى إنه ليرى منكب الرجل خارجاً فيؤخره كما ذكر المؤرخون، وبعد أن أتم كافة الترتيبات الميدانية وتعيين مواقع القطعات العسكرية على أرض المعركة وتقديم الوصايا والتعليمات، قام النبي (صلى الله عليه وآله) فخطبَ خطبة رفع بها معنويات أصحابه وبعث فيهم روح الإقدام على نيل إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة وحثهم على الجد والاجتهاد في القتال والتزام وحدة الصف والنظام إلى أن قال: (وإنه قد نفث في روعي الروح الأمين إنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها ولا يبغض منه شيء وإن أبطأ عنها واختتم الخطبة بقوله: (المؤمن من المؤمنين كالرأس من الجسد، إذا اشتكى تداعى عليه سائر الجسد). وقبل بداية القتال بقليل، أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده سيفاً وهو يثير بذلك همم جنودهِ، قائلاً: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام إليه رجال فأمسكه عنهم حتى قام إليه أبو دجانة الأنصاري فقال وما حقه يا رسول الله؟ قال: أن تشرب به العدو حتى ينحني. قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه، فأعطاه إياه. حقاً إن مثل هذه الإثارة النفسية وهذا التحريك القوي للهمم أمر ضروري لجيش يقاتل دفاعاً عن الحق والقيم ولا يدفعه إلى ذلك سوى العقيدة الراسخة والإيمان بالقضية العادلة. وهكذا كانت أُحد وكانت التضحيات العظيمة والمواقف الحاسمة، والملاحم الخالدة التي سطرها رجالٌ معدودون امتحن الله قلوبهم ومحصوا بالبلاء، فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، تاركين بذلك للأجيال أعظم الدروس في التضحية والفداء، حتى دُعيت بأسمائهم وخلدت بخلودهم فمن لا يعرف عليّ بن أبي طالب وقد نادى جبرائيل يوم أحد بصوتٍ طبق الآفاق وكادت تخر منه الجبال أن: (لا فتى إلا علي، لا سيف إلا ذو الفقار). ولم كل هذا؟ وما فعل عليٌّ ليُهتف باسمه في السماوات والأرض؟ إنه المحارب الذي آمن بربه فذاد عن دينه وحفظه من الانهيار الذي أوشك ان يحلّ به يوم أحد، ودافع عن سيده وقائده الرسول الأعظم، وأطاع أواصره وهو وسط اللهيب تتلاقفه اللهوات يميناً وشمالاً ليعير التاريخ درساً عجز عن مثله سواه من الرجال حين لاذوا بالفرار، بعد تجاهل أوامر القائد الرسول بترك الرماة الخمسين مواقعهم التي أثبتهم فيها وأمرهم أن لا يبرحوا عنها مهما كانت الظروف، لكنهم أبوا إلا الغنيمة، ضاربين بأمر الرسول عرض الجدار، فكانت الهزيمة بعد الانتصار، وبعد الثبات كان الفرار، وهو ما أراد أن يتفاداه القائد الرسول بسد ثغرة أحد.. تلك الثغرة الستراتيجية التي نفذ من خلالها الأعداء بحركة التفافية سريعة ليمزقوا الصف الإسلامي المنتصر شرَّ تمزيق. فهلا نستلهم العبرة والدرس من أحد؟! ونعي حقيقة أن انتصارنا إنما يتحقق لدى التزامنا بتعاليم ديننا القويم وتطبيق أوامر قادتنا الحقيقيين..) الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار المعصومين (عليهم السلام). كما نعي أن هزيمتنا هي بسبب تقاع؟؟؟ عن القيام بواجباتنا تجاه الدين الحنيف، وتسامحنا في الامتثال لأحكامه وتشريعاته ونبذ وصايا الصفوة القائدة. |
|
عبد الحسين الدعمي |
|
الإيمان في مواجهة الكفر |
|
وقعت غزوة الأحزاب في السنة الخامسة للهجرة من شهر شوال ويطلق عليها أيضاً بمعركة (الخندق) لأن المسلمين احتفروا خندقاً حول المدينة عظيماً دفاعاً عنها ومنعاً للكفار عن اجتياحها.. وقد عبأ المشركون العرب واليهود قواهم في هذه المعركة ضد الإسلام وشكلوا اتحاداً نظامياً قوياً وحاصروا المدينة مدة شهر واحد وبما أن أحزاباً مختلفة اشتركت فيها لذا سميت بمعركة الأحزاب. ولليهود في هذه المعركة دوراً كبيراً في اشعال فتيلها وكانت الخطة كالتالي: قدم جماعة من سادة بني النضير مثل (سلام بن أبي الحقيق) و(حييُ بن أخطب) في نفر من بني النضير على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فلقد جئنا لخالِقكُم على عداوة محمد وقتاله. وقال حييُ بن أخطب: إن محمد قد وتركم ووترنا وأجلانا من المدينة من ديارنا وأموالنا، وأجلا بنو عمنا بني قينقاع فسيروا في الأرض واجمعوا حلفاءكم وغيرهم حتى نسير إليهم، فقد بقي من قومي بيثرب سبعئمة مقاتل وهم بنو قريظة وبينهم وبين محمَّد عهد وميثاق وأنا أحملهم على نقض العهد ويكونوا معنا عليهم، فتأتون أنتم من فوق وهم من أسفل. ونعقب هنا بأن إجراء الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في إجلاء يهود بني النضير في السنة الرابعة من الهجرة كان بسبب نقضهم للميثاق المعقود بينه وبين يهود يثرب. ونعود إلى كلمات اليهود وما قاله (حييُ بن اخطب وتأثيرها في نفوس المشركين الحانقين على رسول الله وأصحابه واستحسنوا خطتهم، وأبدوا استعدادهم للخروج إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقتاله. ولكنهم قبل أن يوافقوا اليهود على ذلك الرأي سألوهم قائلين: يا معشر اليهود إنكم أهلُ الكتاب الأول والعلم، أخبرونا عما أصبحنا نحن فيه ومحمد، أفديننا خير أم دين محمد؟ ويجب أن نرى الآن بما أجابت هذه الطائفة (التي كانت ولاتزال تعد نفسها حامل لواء التوحيد، الوحيد في العالم) أولئك المشركين الجهلة الذين وصفوا اليهود بالعلم والمعرفة، وطلبوا منهم حل مشكلتهم؟! أجل لقد قالا اليهود بوقاحة كبيرة: بل دينكم خيرُ من دينه، وأنتم أولى بالحق، إنكم لتعظمون هذا البيت وتقدمون على السقاية وتنحروف البُدن وتعبدون ما كان عليه آباؤكم فأنتم أولى بالحق منه!! ولقد أضاف اليهود بهذه الإجابة الوقحة وسمة عار أخرى إلى سجلِّهم الأسود، وزادوا تاريخهم المشؤوم سواداً، وسوءاً. ولقد كانت هذه الغلطة فضيعة، وقبيحة إلى درجة أن الكتّاب اليهود تأسفوا لوقوعها، فيما بعد. فهذا الدكتور إسرائيل يكتب في كتابه: (تاريخ اليهود في بلاد العرب) حول هذا الموقف المشين جداً قائلاً: (كان واجب هؤلاء ألا يتورطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش، وألا يصرحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامي ولو أدى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطالبهم كان من واجبهم أن يضحّوا بحياتهم وكل عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين، هذا فضلاً عن أنهم بالتجائهم إلى عبدة الأصنام إنما كانوا يحاربون أنفسهم ويناقضون تعاليم التوراة. وفي الحقيقة أن هذا المنطق هو الذي يتوسَّل به الساسة الماديون اليوم لإنجاح مقاصدهم وتحقيق مآربهم فهم يعتقدون - بكل جد - أن عليهم لتحقيق أهدافهم والتوسل بكل وسيلة ممكنة كانت أو غير شرعية، وهذا هو مقولة: (الغاية تبرر الوسيلة) التي طرحها ميكافيلي، وبالتالي فإن (الأخلاق) في منظور هذه الجماعة هو ما يخدم مصالحهم ويحقق أغراضهم ليس إلاً. ولقد أدرك مثيرو هذا الحرب العدوانية (اليهود) بأن مضيّ الزمان سيقلّل من مقدرة سادة الجيش العربي وقادته على المقاومة وخصوصاً برد الشتاء وقلة المأونة وبذلك توجه (حيي بن أخطب) إلى يهود بني قريظة للاستعانة بهم ويدعوهم إلى نقض العهد الذي عاهدوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) به، وكان بنو قريظة الطائفة اليهودية الوحيدة التي بقيت في المدينة تعايش المسلمين في سلام وأمن وكانوا يحترمون الميثاق.. واستطاع ابن جلدتهم أن يحرك نوازعهم الخبيثة وحقدهم الأعمى فنقضوا العهد لتشتعل حرباً بذلك بين المسلمين ويهود بني قريظة ويشتغل المسلمين بفتنة داخلية. لم يكن دافع جيش العرب ومن عاونهم وما لأهم من اليهود إلى محاربة الإسلام واحداً، فاليهود كانوا يخشون من اتساع رقعة الحكومة الإسلامية الفتية المتزايد وأما دافع قريش فكان هو العداء القديم للإسلام والمسلمين وأما قبائل (غطفان) و (فزاره) وغيرها من القبائل فلم يحركها إلا الطمع في محاصيل (خيبر) التي وعدهم بها اليهود. لقد كانت هذه الواقعة امتحاناً عظيماً واختباراً دقيقاً للنفوس والقلوب وهو امتحان لابد منه حتى يتميز الصادق عن المنافق والموفون بعهدهم والناقضون له. وقد منَّ الله تعالى بالنصر للمسلمين فيها. |
|
ميثم عبد الرزاق |
|
خدعة عسكرية بائسة |
|
بعد فتح مكة وفي شوال سنة ثمان للهجرة دبت حركة في قبائل هوازن وثقيف وجرت اتصالات مكثفة بينها وكان حلقة الاتصال والمدبر الحقيقي لهذه التحركات شاب عُرف بالفروسية والشجاعة يدعى (مالك بن عوف النصر) وقد تقرر بعد سلسلة من الاتصالات والمداولات بين زعماء هوازن وثقيف أن تبادر القبيلتان المذكورتان إلى توجيه ضربة قوية إلى جيش الإسلام عبر خدعة عسكرية، قبل أن يغزوها جنود الإسلام في عقر دارها. وقد اختارت لقيادة هذه المهمة شاباً متهوراً في العقد الثالث من عمره هو مالك بن عوف الذي أشرنا إليه واشترك في هذه الغزوة جميع قبائل هوازن وثقيف بصورة موحّدة. فكان من تدبير هذا القائد أن اقترح على جيشه أن يجعلوا النساء والأطفال والأموال وراء ظهورهم وعندما سألوه عن علة ذلك الإجراء قال: أردت من جعل كل رجل أهله وماله وولده ونساءه خلفه حتى يقاتل عنهم. على كل حال قبل المشتركين في تلك العملية بأمر قائدهم هذا بالإجماع، وجعلوا أموالهم وأهليهم خلفهم، ولكنّ شيخ مجرب حنكته الحروب منهم يدعى (دريد بن العمه) خالفهم في هذه الخطة عندما سمع رغاء البعير، وثغاء الشاة، وخوار البقر، وبكاء الصغير وجادل فيها مالكاً واعتبرها خطة فاشلة من الناحية العسكرية وقال للناس: يا قوم إن هذا فاضُحكُمَ في عورتكم وممكِّن منكم عدوكم، وهل يردُ المنهزم شيء؟ ولكن مالكاً لم يعر كلام هذا الشيخ ونصيحته اهتماماً وقال: وهو يتهمه بالجهل بفنون القتال الحديثة: أنك قد كبرت، وكبر علمك، وحدث بعدك من هو أبعدُ بالحرب منك. ولقد أثبت المستقبل صحة ما قاله ذلك الشيخ المحنَّك فإن اشتراك النساء والأطفال والأنعام في الحرب، وإخراجهم إلى ساحة القتال أحدث لمقاتلي ثقيف وهوازن مشاكل كثيرة فيما بعد. ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما سمع بتحركات هاتين القبيلتين بعث (عبد الله بن حدرد الأسلمي) وأمره أن يدخل في هوازن وثقيف فيقم فيهم حتى يعرف بنواياهم وخططهم، ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق الرجل إليهم ثم عاد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأخبارهم. وكان (مالك بن عوف) قائد هوازن وثقيف قد بعث بدوره ثلاثة جواسيس ليتجسسوا له على المسلمين، ويأتوه بأخبارهم، فعادوا بأجمعهم فزعين مما شاهدوه من قوة المسلمين وكثرتهم. فقرر قائد العدو أن يجُبر ضعف جنوده وقلتهم باستخدام الخدع العسكرية والتوسل بأسلوب المباغتة ليفرق - بهجوم مفاجئ - صفوف المسلمين، ويهدم نظامهم وإنسجامهم، ويصيبهم بالهرج والمرج، والفوضى والحيرة ليختّل باختلال الجيش أمير القيادة، فلا تتمكن من ضبط الأمور، وتحقيق انتصار على المسلمين. ولتحقيق هذا الهدف هبط (مالك بن عوف) بجيشه في واد ينحدر إلى منطقة (حنين) وأمر بأن يختفي الجنود والمقاتلون خلف الصخور والأحجار، وفي شغاف الجبال حتى إذا انحدر جنود الإسلام في هذا الوادي في غفلة من هذا التدبير خرج رجالُ هوازن وثقيف من مكانهم وكمائنهم ورموا المسلمين الغافلين عن خطة العدو بالحجارة والنبل ثم يخرج إليهم فريق في أسفل الوادي ويضربونهم بالسيوف..!! لقد فعلت مكيدة هوازن فعلتها في قلوب المسلمين فقد أوحشتها واصابت المسلمين بالفوضى وخلخلت صفوفهم فلاذوا بالفرار من دون اختيار. لولا صيحة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يندفع ببغلته إلى ساحة القتال في المكان الذي جعله (مالك) وجنوده حرماً لمهاجمة المسلمين وهو يقول: (يا أنصار الله وأنصار رسوله أنا عبد الله ورسوله). وثبت معه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) والعباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس وأبي سفيان بن الحارث وبأمر من رسول الله كان عمه العباس الذي كان صاحب صوت عظيم ينادي المسلمين الذي كانوا يواصلون الفرار: (يا معشر الأنصار، يا معشر السَمُرة). ويقصد من السمرة الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان، فكان هذا النداء تذكيراً بتلك البيعة التي تعهدوا فيها لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بأن ينصروه حتى الموت. وقد تسبب استخدام هذه التدابير العسكرية الحكيمة من انهزام هوازن وثقيف تاركين ورائهم أموالهم ونساءهم وصبيانهم فكانت هزيمة قبيحة. |