|
|
||
|
عبد الحسين الدعمي |
|
على سر أبيه |
|
نشأ.. وهو ينظرُ إلى أبيه محدقاً في كتابٍ ثم يغادره إلى آخر.. فعشقَ الذي بينَ يدي أبيهِ ليعرفَ السر الذي يجعلهُ يغيبُ عنهم لساعاتٍ طويلةٍ من اليوم وهو بينهم مستغرقاً في رحلته بين سطور ذلك الكتاب، مُدِّوناً ما شاءَ مِنهُ في دفتره الكبير. سألهُ مرةً ما هذا الذي تَعمله يا أبي فقال: هذه خلاصةُ ما في هذا الكتابِ من حكمةٍ فالإنسانُ محتاجٌ إلى تغذية فكره كما يُغذى معدَتهُ.. فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (أطلبوا العلم من المهدِ إلى اللحد) وسأُوليكَ اهتماماً حينما تتعلمُ القراءةَ والكتابة جيداً وعاد مستمراً في قراءتهِ. مضت السنون على (عامر) وهو يحاول أن يختزلَ الزمنَ بالمواظبة على دروسةِ والاجتهادِ بها، متميزاً على أقرانه بسلامةِ لُغتهِ، سألهُ معلمهُ (أراكَ متمكنٌ من النطقِ السليم يا ولدي..!!) فردَّ عليه لقد تَعلمتُ ذلك من سماعي لأبي وهو يرتلُ القرآن ويكلمني دائماً بلغَتهِ، فقال المعلم: لو ان كل أبٍ كأبيكَ لعادَ مَجدُ الأمةِ كما كانَ عليه في فجر الرسالة باركَ الله فيكَ وفيهِ.. لقد لمستُ منك يا ولدي رغم صِغَرِ سنكَ طلاقةً في اللسانِ وجودةً في التعبير فأنتَ معفيٌ من درسِ الإنشاء... ولكني سأعطيكَ درجة على إجادتكَ في حكايةٍ قصيرةٍ تقصها على زملائكَ فيها موعظةٌ وحكمةٌ كل أسبوع. عادَ لوالديه مكتئباً فقالت له أمهُ ما بك يا ولدي: فقال إن معلم العربية طلب مني حكايةً كل أسبوع وأنا لم أعرف ذلك من قَبلُ... فقالت: إنها فكرة جميلةٌ عليك بأبيك فاخترق صَمتهُ وأعرض عليه أمركَ. فدخل مكتبة أبيه، نظرةُ أبوه مبتسماً قائلاً: أهلاً بطالب العلم، أهلاً بولدي، كيفَ حالكَ اليوم... فصمتَ مُطرقاً برأسه. فقال والدهُ: لم أعهد هذا منك من قَبلُ، لا بأس عليكَ إن كبوت في درسٍ ما، فباجتهادك ومثابرتك ستجتازُ الكبوةَ فـ (لكل جوادٍ كبوة) كما يقال وإني سأخصص لك وقتاً لمتابعة تعليمك. فلم يجبه (عمّار) فقال: ما بك يا ولدي، قُل: فأعاد عليه طلبَ مُعلمه منهُ... فتبسم الأب وهدأ قائلاً له: حسناً فعلَ، إنهُ معلمٌ ذكيٌ حقاً، فقد شعر بقابلية فيك فأراد أن ينَميها ويحَببُها إليك من خلال تكليفك بهذا، حتى تتعودَ فن الخطابة فأنهُ ليس يسيراً فهوَ يحتاجُ إلى العلم والجرأةٍ ولقد أدركها فيكَ وفعلَ خيراً... ثم نهض مُحدقاً في عناوين كتُبهِ على أدراجِ مكتبته فأختار منها كتاباً تصفَحهُ وأشار لواحدةٍ من قصص الكتاب قائلاً: اِقرأ هذه ثمَ عُد إليَّ لأشرح لك ما فيها ثم تحفظها عن ظهرِ قلبٍ فأسلوبُها سهلٌ شيِّق وهي لمن في مثل عُمرك. تناول الكتاب من أبيه وبدأ بقراءة القصة فأعجبتهُ ثم تصفح الكتاب ليقرأ على غلافه اسم مؤلفه، فبقيَّ هذا الاسمُ عالقاً في ذاكرته فمضى يتلو من حكاياه على التلاميذ قصةً إثر أخرى وهم مصغون إليه بشغفٍ ومتابعةٍ فحظيَّ باحترام أستاذه ومحبةِ أقرانه فأحبَ بدوره مؤلفَ ذلك الكتابِ حُباً جماً باحثاً عن كتابٍ آخر من له. تدرج (عامر) في الدراسة وأصبح عاشقاً لذلك المؤلف الذي تعلَّم منه الكثير وأصبح من قرائه المتابعين فرأى فيه نبراس العلم ونابغةَ الزمان وعلمَ الأعلام لتنوع مؤلفاته وسعة أُفقه المعرفي فأنكبَ على كتُبه يقرأها الواحد تلو الآخر فأصبحت تلك الثروة الفكرية للمؤلف من مراجعه المهمة وانعكس ما فيها من علمٍ ليُخصب ذاكرتهُ علماً وفكراً نيراً ولتصبح أطروحاتُها دليلَ عمَلهِ ونظرياتُها منهاجهُ في الحياة ودلالاتُها ثوابتَ سلوكه الذي تسامى يوماً بعد يوم ليُصبح أستاذاً يشارُ إليه بعلوِّ المقام وجلالِ القدر، تعلم البساطة ودماثة الخُلق مما تلقاهُ من تلك الأزاهير التي قطفها من رياض الكتُب التي وهبها لهُ والدهُ لذلك المؤلف العالم فأصبح يرشدُ طلبته على اقتناء كتبِ ذلك العالم الجليل والمؤلف النافذ البصيرة ويعزو وصوله لذروةِ العلم بفضلهِ عليه من خلال قراءته لمؤلفاته القَيَمة. كان (عامرُ) يُمني النفسَ في أن يرى المؤلف العالم ولكن انشغاله في البحث والتدريس والتأليف حال دون ذلك ولبُعد المسافة بين بلديهما فإن آلاف الأميال تبعده عمن عشقهُ طفلاً وتبع خُطاهُ كهلاً... وفي ذاتِ يومٍ عزم على لقائه فراسلهُ مُهديا له بعض نتاجهِ فشد العالمُ المؤلفُ على يديه بتواضع العظام وبكلماتٍ رقيقةٍ أرسلها إليه فزادت من شوقهِ لرؤياه وتعلقهِ به فعزمَ وحزم حقائبه وبعضاً من مؤلفاتهِ الجديدة ليقدمُها هديةً لأستاذه. وصل (الدكتور عامر) إلى مطار بلد العالم المؤلف فاستقل مركبةً قاصداً مكتب أستاذه العالم ليفاجأ بالسواد يُجللُ المكان.. نزل من العربة التي استقلها فاستقبله من يَعرفُه وعرَّف به الآخرين فأحتفى به الناسُ رُغم العزاء لباعه الطويل في البحثِ والتأليف والثبات على منهج أهل البيت (عليهم السلام) ونشر علومهم، عرَفهُ الناسَ أستاذاً متمكناً من أدواتهِ البلاغية والعلمية من خلال كتُبهِ المنتشرة في كُلِ أسقاع الدنيا. وفي اليوم الثالث لرحيل العالم الجليل المؤلف الفقيه فأجاهُ المؤبنُ على أن يرتقي منصةَ التأبين ليرثي أستاذهُ الراحل الفقيد، فأرتقى جواد الكلمةِ متأملاً في الناس قائلاً. هَل تحسبون من ترك وراءه هذا الكمّ الهائل من المؤلفات في كافة العلوم قد رحل عن دار الدنُيا... إني أخالفكم في هذا وإني لأراهُ حياً في كل كتابٍ من كتبه يكلمُ الأحياء ويسدي لهم النصيحة ويرشدُهم إلى طريق المجدِ والسعادة والخلاص. فهوَ حيُ بيننا وسيبقى حياً وإني لأكاد أسمعُ صوتهُ رافضاً أن نرثيهِ لأنه لم يَمُت.. فإني أراهُ في كل كتاب بيننا. |