|
|
||
|
الأستاذ الشيخ: فوزي محمد |
|
كتاب: الحياة الشخصية لأئمة أهل البيت عليهم السلام |
|
يقع الكتاب في 215 صفحة وطبعته الأولى عن دار البيان في 1412 هـ 1992 م. وفي أسلوب مبسط يجيب الكاتب عن سؤال حول سبب اختياره هذا البحث، فيؤكد على أن العالم الإسلامي يشهد منذ سنوات عودة إلى الذات يحدونا إلى التعرف على نمط الحياة المطلوب للمسلم الذي يتجلى أولاً في نمط الحياة الشخصية ملاحظاً انه قد يكون من السهل مطالبة الآخرين بتطبيق المبادئ ولكن من الصعب ان يجسد ما يطالب به غيره، في حياته. والاتصاف والتحلي بالأخلاق ليس دليلاً نهائياً على الحياة (الخاصة) والسيرة الشخصية، وإلى السلوك في المنزل والتعامل مع الزوجة وإدارة الأطفال.. إلى حيث يبقى المرء وحيداً بلا رقابة خارجية، فكيف تكون أخلاقه؟! أو أي نمط يجسد؟ من هنا كان ضرورياً اللجوء إلى حياة المعصومين (عليهم السلام) وفي طليعتهم سيدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله). وهذا الجانب من حياتهم المباركة لم يتناول في شكل نظرية كاملة، ولم يول العناية الكافية. ويورد الكاتب لذلك أسباباً ثلاثة: 1 - إن هذا الجانب من حياتهم يقع غالباً في دائرة الآداب والسنن وهذه - أي الآداب والسنن - لا يتناولها المؤرخون باعتبارها أحداثاً تاريخية ليست مهمة فهي خارجة عن اختصاصهم. 2 - هي أمور يتسامح فيها الفقهاء بناء على تسالمهم على التسامح في أدلة السنن. 3 - ثم إن ذلك الجانب من حياتهم يتعلق بحياتهم الشخصية الخاصة بهم التي لم يبسطوا الحديث فيها كما فعلوا في مواضيع أخرى. ثم لا يلبث الكاتب أن يشير إلى أهمية تحري الدقة في بحث هذا الموضوع، لأننا في هذا الموضوع على حدي سيف قاطع: - البشرية المطلقة. - الغيبية المطلقة. فلا إفراط في النظرة البشرية المطلقة الذي ينتهي بنا إلى أن يكون بعض العلماء المتنزهين عن القبائح أفضل سيرة من رسول الله، وهذا خلاف معتقداتنا نحن المسلمين. ولا إفراط في الجانب الغيبي أيضاً بحيث يرفع إنهم لم يتبوؤا هذه المنزلة العظمى لأنهم كانوا بشراً مثلنا ولكنهم ارتفعوا بالوحي والعلم الإلهي، وتطبيق القرآن إلى درجة أعلى من منازل الملائكة (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ إنما إلهكم إله واحد) [سورة الكهف: الآية 110]. ويشدد الكاتب على أهمية تكوين نظرية كاملة عن هذا الجانب وان لا تبتعد التفاسير تبعاً للتمسك بالتفاصيل. وفي صيغة خطابية يورد الشيخ مثالين لذلك. ثم يطرح أسئلة تتعلق بالحياة الشخصية في محاولة لصياغة نظرية. هذه الأسئلة وسواها - يقول المؤلف - قد تجد إجابة في الكتاب كما سنحاول ونرجو وقد لا تجد، لكنها تفتح القمقم عن مارد العقل للتأمل في سيرهم الشخصية ولعلها تكون البسملة لسور آخرين من الباحثين (ص20). أهل البيت بين الغلو والتقصير ويلاحظ الكاتب ان الأئمة عاصروا في حياتهم وبعد مماتهم نوعين من التعامل معهم، خطين يخرجان عن الحد الوسط والجادة إلى حاشيتي الطريق، إفراطاً وتفريطاً. هذان الخطان هما الغلو والتقصير. الغلو الذي ابتلي به المعصومون من قبل الجهلة والخاطئين وتعامل معهم الأئمة (علي - الصادق عليه السلام) بعد النصح تعاملاً قاسياً إلى حد أن الإمام علي أحرق مجموعة منهم بالنار، وكان علي (عليه السلام) يقول (ول سكتّ عما قال أبو الخطاب - وهو أحد الغلاة في زمانه - لكن حقّاً على الله أن يصم سمعي ويعمي بصري). ويرى الكاتب أن عدم العلم بمرتبة الإمام، الناتج عن عدم المعرفة بالنبي، وعن عدم المعرفة بالله عزّ وجل. وتشابه الأحاديث والنصوص ودخول أصحاب العقول الناقصة في هذا الجانب فيفسدون ولا يصلحون. كما أن مصلحة المغالين كانت تدفعهم نحو الغلو وقد حذر الإمام الصادق (عليه السلام) منهم قائلاً: احذروا على شبابكم الغلاة ألا يفسدوهم فإن الغلاة شرّ خلق الله يصغرون عظمة الله ويدعون الربوبية لعباد الله، والله إن الغلاة شرّ من اليهود والنصارى والمجوس. ومن أسباب الغلو الأخرى اختلاط غير المسلمين بالمسلمين بعد عمليات الفتح، وكذلك ردة الفعل التي حصلت تجاه مظلومية شخصيات معينة من أهل البيت. أما نمط التقصير في حق النبي والأئمة (عليهم السلام)، فهو أيضاً نمط آخر من التعامل عانوا منه حتى ظهرت في بعض الصحاح أحاديث تدعي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يبول واقفاً، وأنه كان يشاهد الرقص في المسجد وخدّه على خدّ زوجته، وإنه يستمع لمغنيتين في بيته، وينسى آيات القرآن، وإنه يلعن بدون استحقاق. وتحولت هذه المسائل في جهتين: الأولى إنها توسعت لتشمل بقية الأنبياء (عليهم السلام). والثانية: إنها تبلورت في صورة عقيدة، بعد أن كانت (أخباراً). والفرق بين الغلو والتقصير هو أن الأول يشكل خطراً حقيقياً عمودياً على صفاء العقيدة وسلامتها، أما الثاني: فإنه يشكل خطراً آخر - أفقياً - على صعيد الجمهور والناس لأنه يتحرك في مساحة واسعة بينما يبقى الغلو محصوراً في فئة قليلة معزولة يسهل رصد فكرها ومواجهتها ولمواجهة نظرة التقصير المفرطة اتخذ المعصومون عدة تدابير لمواجهتها، فقد أكدوا في أحاديث كثيرة على أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يصطفي الرسل ويختار الأئمة. وفي الأحاديث أكدوا على أهمية حبّ أهل البيت (عليهم السلام) وولايتهم وعلى إرساء آداب خاصة في العلاقة مع الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته، وكذلك فهم يؤكدون على مسألة العصمة وأن الأنبياء والأئمة من بعدهم معصومون في حال نبوتهم وإمامتهم من الكبائر والصغائر. ويخلص الكتاب في نهاية الفصل الأول إلى نتائج ثلاثة: 1- لا يجوز تبرير التطرف بالتطرف المقابل، فلا يجوز أن يقوم البعض - خاطئين - بالمغالاة في هذه الشخصية أو تلك لا نظراً لأنها ظلمت ولم تعط حقها كما ينبغي (ص: 45). 2 - إننا يجب أن نفصل بين نوعين من الحياة لدى المعصوم، الأول الحياة المرتبطة بالشؤون الدينية وما يمثله المعصوم من دور التبليغ لدين الله. والثاني: ما يرتبط بالحياة الشخصية باعتبارهم بشراً يعيشون وسط مجموعة من الناس. وفي هذا النوع الثاني لسنا مضطرين - بالضرورة - لإجراء قانون العصمة. (ص: 48). 3 - إن عظمة المعصومين (عليهم السلام) تكمن في صفاتهم ومسؤولياتهم وللدور الأساسي الذي كانوا يقومون به. أهل البيت والحياة الزوجية ويتناول الكاتب في الفصل الثاني الحياة الزوجية عند أهل البيت (عليهم السلام)، فيعالج أولاً قضية الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهرة التي تستوقف الباحث في حياتهم الشخصية، ويؤكد أن الدور الذي يجب أن يقوم به الأنبياء والأوصياء والذين يختزل هدف خلق الأكوان يقتضي أن يكون الأفراد المؤهلين للقيام بهذه المسؤولية من نوع خاص، يخلقون ويصنعون تحت عين الله، وفي قصة نبي الله موسى (عليه السلام) يشير إلى ذلك (وألقيت عليك محبة مني * ولتصنع على عيني) [سورة طه: الآية 49]. هذا (الاصطفاء) الذي لا يخضع للصدف أو العبث، ولا يؤثر فيه انتخاب الناس ورضاهم به ضمن تصويت (ديمقراطي). إن هذه العملية غيبية مطلقة وإلهية بحتة، ومهما حاول البشر تفسيرها فإنهم لن يصلوا إلاّ للمعاني الخارجية منها (ص 56). عن الرسول (صلى الله عليه وآله): (لم يلتق أبواي قط على سفاح، لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة، مصفى مهذباً، لا تنشعب شعبتان إلاّ كنت في خيرهما). ثم في الجزء الثاني من هذا الفصل يناقش الكاتب قضية أهل البيت (عليهم السلام) والمسألة الجنسية ويرى أن هنالك طريقتين بشريتين لمعالجتها. أ - أما القمع والكبت لها وهو طريق سلكه الرهبان وبعض المتصوفة، ويتلخص في ضرورة قمع الغريزة بترك الاستجابة لها، وإغفال نداءاتها من أجل إطلاق الطاقات العقلية الكامنة من جهة ولأجل التقرب إلى الله - في رأيهم من جهة أخرى (ص 72). ب - وأما الحرية الكاملة وفتح الباب على مصراعيه في عبادة اللذة وممارسة هذه الغريزة على اعتبارها عملاً عادياً تؤديه بعض أعضاء الجسم بشكل آلي، واعتبار أنها شأن شخصي فيمكن أن تمارس في أي مكان وزمان وبأية طريقة. ويجيب المؤلف عن سؤال ربما خامر الكثيرين وهو لماذا نجد أن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة تحدثوا في أحيان كثيرة عن الجنس بأسلوب صريح وهي قضية نتعامل معها عادة بكثير من الخجل والحياء؟ فيضع الجواب في نقاط: إنها إحدى الطرق لتعليم الناس الأحكام الشرعية حولها لأن أصحابهم (عليهم السلام) يخجلون في السؤال عنها صراحة كان المعصومون (عليهم السلام) أنفسهم يوصون أصحابهم ابتداءً نحو الحكم المناسب. ثم إنهم (عليهم السلام) يتعاملون مع الحياة الجنسية بصفتهم بشراً، ولكي يدفعوا عن أنفسهم الغلو والعقائد الخاطئة وإدانة منهم للإزدواجية والنفاق إذ يدعي بعض الصوفية التعفف من جهة ومن جهة أخرى تراهم يمارسون الحرام. وأخيراً لبيان تكاملية الدين الذي يعالج كل شيء.. (يا عثمان لم يرسلني الله تعالى بالرهبانية، ولكن بعثني بالحنفية السهلة السمحة أصوم واصلي وألمس أهلي فمن أحبّ فطرتي فليستنّ بسنّتي ومن سنتي النكاح) (ص86). ويتحدث المؤلف عن تركيز أهل البيت (عليهم السلام) على بناء أساسات الزواج فيما يسميه بـ (تقديس البناء وتهوين التفاصيل) عكس ما نجده اليوم في حالات الزواج، ثم نجد أن الزواج لا يصرفهم عن مسؤولياتهم، وأنهم يوفقون بسهولة بين أعمالهم الدينية والاجتماعية والسياسية، وبين مسؤوليتهم (عليهم السلام) عن عدد كبير من الزوجات كما ثبت ذلك في التاريخ، ذلك لأن المسألة الجنسية لم تعد عقدة، كما هي عليه اليوم لأننا نجد أن الناس يعظمون شأن المقدمات والشروط. بينما يتعامل الأئمة مع الموضوع بكل يسر (فالإمام السجاد يسمع عن امرأة تعجبه في بعض نواحي مكة فيرسل إليها يخطبها إلى نفسه، فتكون عنده) (ص92)؛ فيستهينون بالتفاصيل في الوقت الذي يركزون على أهل الكيان الزوجي وضرورة حمايته من أخطار الطلاق. فهم (عليهم السلام) يغفلون الاعتبارات الاجتماعية إذ (المؤمن كفؤ المؤمن)، وكذلك لا يبالغون في الاعتبارات المادية، قال (صلى الله عليه وآله): تياسروا في الصداق فإن الرجل ليعطي المرأة (المهر الكثير) حتى يبقى ذلك في نفسه عليها حسيكة (عداوة). ويتعرض الكاتب إلى مسألة تعدد الزوجات ليؤكد أن النبي (صلى الله عليه وآله) تزوج بخمس عشرة امرأة، دخل باثنتي عشرة منهن، وقبض عن تسع؛ وعلي تزوج بسبع، والحسن تزوج بأربع وعشرين عرف من الحرائز منهن خمس (ولذا يحتمل أن الباقي وهنّ تسع عشرة امرأة كنّ جواري وأمهات أولاد) (ص98). والحسين تزوج بخمس حرائر والسجاد بسبع والباقر بأربع... ويتناول المؤلف هذه المسألة عندهم سياسياً واجتماعياً وكذلك على الصعيد الشخصي. وعن الإماء اللائي تزوج بهنّ الأئمة يقول الكاتب إن الأمر قد يكون هيناً لو اقتصر على مجرد الزواج للاستمتاع، ولكن أن يكون هذا الزواج بقصد الإنجاب وأن يخرج سنة من أولاد الأئمة (عليهم السلام) من أرحام هؤلاء النسوة فهو أمر مثير للتساؤل والملاحظة. ويرى أن في ذلك العمل دلائل منها: 1 - إلغاء الاعتبارات الاجتماعية الخاطئة. 2 - إن فيهنّ من كنّ مؤهلات لاحتضان الأئمة وان كونهن جواري لا يعني أنهن كنّ مسخرات للخدمة والمتعة والجنس، بل يعني إنهنّ كنّ مسبيات في الحروب وبعضهنّ كنّ من البيوتات الرفيعة، ومثال ذلك (نرجس) أم الإمام المنتظر (عليها السلام) التي كانت من نسل يوشع بن نون، ومن أسرة عريقة وكريمة في الروم إلا أنها أسرت على يد المسلمين وبيعت على أنها جارية. 3 - كما إن الزوجة لا يجب أن تكون دائماً كفؤاً لزوجها، إذ (لو لم يزوجنا لاّ كفؤ لنا لم يزوجنا أحد) (ص113) كما عن الإمام الهادي (عليه السلام).
هو عنوان الفصل الثالث، ويعرض فيه المؤلف نمطين من اللباس، الأول خشن غليظ وفيه أحاديث منها: عن الصادق (عليه السلام) (إن رأيت أبي يلبسها، وأنا إذا أردنا أن نصلي لبسنا أخشن ثيابنا)، والثاني فاخر أنيق، وعندما يستنكر قوم من أهل خراسان على الإمام الرضا (عليه السلام) لبسه الفاخر فيقول لهم (عليه السلام): (إن يوسف بن يعقوب كان نبياً ابن نبي وكان يلبس الديباج ويتزيا بالذهب ويجلس مجالس آل فرعون فلمي ضعه ذلك، وإنما يذم لو احتيج منه إلى قسطه). إننا نعتقد أن الأصل لديهم (عليهم السلام) في حياتهم الخاصة والعبادية هو تناغم حقيقة الزهد (في قلوبهم) مع مظاهره في الخارج وأما في الحياة الاجتماعية فالأصل فيها التجمل والتأنق - في اعتدال - فالله يحب الجمال والتجمل ويبغض البوس والتباؤس، وقد خلق الزينة لعباده، والأبرار أولى بها من غيرهم. (ص 132). وللأئمة المعصومين (عليهم السلام) نظرات في القيم العامة إلى اللباس يتطرق إليها الكاتب فينتهي إلى أن الأصل في الملابس أنها جعلت للحفظ وستر ما بسوء كشفه أمام الناس كما أنها للحفظ والوقاية من العوامل الخارجية المؤثرة سلباً علم صحة الإنسان، من ظروف مناخية متقلبة، في حرها وبردها، ثم بمرور الزمان أصبحت تحمل معها اعتبارات اجتماعية خاصة. ومن خلال حياة المعصومين (عليهم السلام) نجد أنهم: 1 - يؤكدون على الفصل بين اللباس والشخصية، فليس الاحترام لصاحب الملابس الأنيقة بينما يحرم منه العالم إن لم يكن أنيقاً، وإذا تحول المجتمع إلى متسابق في الأناقة والملابس فإن قدرته تنتقل من الإبداع إلى الاستهلاك الفارغ (ص140). 2 - ولكن القاعدة في اللباس هي أن تلبس النظيف والجميل، لأن اللباس ستر وزينة فهو بالتالي مظهرٍ اجتماعي ولا يمكن تصور كونه ستراً وزينة إلا مع وجود الناس. أما الملابس التي ذمها المعصومون، فيأتي على رأسها اللباس الذي يتخذه أعداء الدين شعاراً، لأنه يغدو حينئذٍ خطراً يهدد شخصية الإنسان المسلم في ثقافته وانتمائه، ولعله هو السبب الذي حدا ببعض علماء المسلمين لتحريم (اللباس الإفرنجي)، أو تحريم رباط العنق (ص152). ومن الملابس المذمومة لباس الإثارة؛ إثارة الرجل للمرأة أو العكس ثم لباس الشهرة الذي ينفرد به أناس محصورون في المجتمع الذي قد يخلق حالة من العداء والانفصال عن المجتمع تمنع لابسه من القيام بدور ومسؤولية فيه. ولا تخرج التوجيهات الدينية عن النظر إلى اللباس بصورة واقعية حيث يجب أن يكون عملياً سواء في استخدامه أو في مناسبة للزمان وهذه من المسائل الحياتية الهامة التي توجه إليها الأحاديث. وفي الفصل الرابع من الكتاب يعالج المؤلف مسألة الطعام والشراب عند المعصومين (عليهم السلام)، فيرى أن موقفهم هو مضادة التوجه إلى الشبع والإكثار منها، ونموذجهم ما نقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) يصف صديقاً له بقوله: (كان خارجاً من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد). ويجب أن يكون وضحاً أن المعصومين (عليهم السلام) كانوا في نفس الوقت يغدقون من عطائهم على الناس ولكنهم فيما يرتبط بأنفسهم يكتفون بالقليل. ولكونهم (عليهم السلام) أئمة يقتدي الناس بهم تكتسب أعمالهم طابع السنة فهم يقومون ببعض الأعمال التي لا تقصد بذاتها وإنما تكون هذه الأعمال أحياناً من أجل التشريع وتحديد المشتبه في جوازه وحرمته من الطعام. ولتقديم نموذج كامل عن تعاليم الإسلام، تجد أن المعصومين يتخذون كلتا الطريقتين أمام الناس ليكون الناس في سعة، وإن كانوا يفضلون لو كانوا وحدهم التخشن والاكتفاء بنزر الطعام. والشبع يخلف ما يسميه المعصومون (عليهم السلام) ميراث البطنة لأنه يسبب: 1 - قلة الفاعلية والكسل عن الطاعة (من أكثر الأكل أكثر النوم ومن أكثر النوم أقل الصلاة، ومن أقل الصلاة كتب من الغافلين) (ص167). 2 - ويسبب الشبع سوء الصحة وسقم البدن، عن علي (عليه السلام): (إياك وإدمان الشبع فإنه يهيج الاسقام ويثير العلل). (ص168)، ويؤكد الطب الحديث على هذه الحقيقة حيث يثبت أن الشبع يؤدي إلى أمرض كالسمنة والحصيات الكلوية ونخر الأسنان وتصلب الشرايين والنقرس. 3 - ويسبب أيضاً خمول الإبداع والفكر: عنه (صلى الله عليه وآله): (لا تشبعوا فيطفي نور المعرفة من قلوبكم). 4 - وبالشبع يستعبد البطن صاحبه فيقدم على ما لا يحبّ أن يقدم عليه عبادة لبطنه. 5 - ولأن البطنة من دواعي تقوية الغريزة وخطر الشهوات في النفس لذلك تنتج عادة قسوة القلب؛ وفي التاريخ نماذج معاكسة لالتزام الأئمة بقلة الأكل إذ على العكس من ذلك تجد أن من ميزاتهم وعلاماتهم الفارقة كثرة الأكل مثل معاوية وسليمان بن عبد الملك. ومن خلال سيرة المعصومين (عليهم السلام) في هذا الجانب نعلم أن الأئمة كان لديهم وعي صحي بمدى تأثير المأكولات ومقاديرها على أجسامهم وأنه ورغم إعجابهم ببعض أنواع الطعام باعتبار أن لكل منهم ذوقاً خاصاً به إلا أن هذا الإعجاب لا يمنع المعصوم من التخلي عنه لسائل أو فقير وأن سلوكهم مع الأكل كان يتصف دائماً بالاعتدال، رغم أنهم ينعون إلى الإقلال من الطعام، ولكن ليس إلى حدّ الجوع المضعف؛ عن علي (عليه السلام): (وإن اجهده الجوع قعد به الضعف وإن أفرط به الشبع كفلته البطنة فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد) (ص182). كما إنهم (عليهم السلام) علمونا آداب وسنن الطعام وعلى رأسها أن ينوي الإنسان التقرب بما يأكله لله، قال (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر: (يا أبا ذر ليكن لك في كل شيء نية حتى في النوم والأكل). ثم أدب مراعاة شعور الآخرين، سواء فيما تخلفه بعض المأكولات من روائح أو فيما يتعلق بطريقة الأكل، كالنهي عن الأكل في السوق. وأخيراً الآداب الحياتية كغسل اليد وتجويد لمضغ وتخليل الأسنان وغيره. أما الفصل الخامس والأخير من الكتاب فيتحدث فيه المؤلف عن الخدم والموالي في حياة المعصومين. الذين كانوا يشترونهم من أجل عتقهم، ذلك أن الإسلام رغب المسلمين في عتقهم بعد أن كانت تجارتهم رائجة. ولم يكن كل من خدم في مجال الحياة الشخصية للمعصومين (عليهم السلام) عبيداً بل أن بعضهم كان يتطوع للخدمة قربة إلى الله تعالى ورغبة للاستعادة من علومهم ومعارفهم. ولقد كان تعامل المعصومين (عليهم السلام) مع خدمهم ؟؟ كانوا تعاملاً إنسانياً نبيلاً وسامياً فيه تأكيد لشخصيتهم، بل وأحياناً مزيد احترام وتقدير نجد ذلك في سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) مع مولاه زيد بن حارثة الكلبي، وفي سيرة علي (عليه السلام) حتى قتل عليه، وقد قتل على حبّ المعصومين (عليهم السلام) موالي آخرون ذكر المؤلف ترجمات سريعة لئلا؟؟ منهم قتلوا جميعاً مع الإمام الحسين (عليهم السلام) هم أسد التركي، وسليمان ومنجح، وقد كان بإمكاننا أن نعرض إلى آخرين مثل خيران الخادم الذي أصبح أحد الوكلاء للإمام الكاظم (عليه السلام) أو با؟؟؟ ونادر خادمي الإمام الرضا (عليه السلام) إلا أن خشيتنا من طول البحث وكون عرض هذه النماذج للاستشهاد أدت بنا إلى الاكتفاء بهذا القدر (ص206). |