فهرس العدد العاشر

فهرس الأعداد

الصفحة الرئيسية

 

 

 

من فيض يراع الإمام محمد الحسيني الشيرازي قدس سره

 

ما ينبغي للمرجع

المرجعية منصب ديني إلهي، والمرجع نموذج مثالي للأخلاق والمكارم، ومعلوم أنه بقدر أهمية المنصب وعظم الشخصية تكون المسؤوليات، وتأتي المشاكل والصعوبات، وقد عددت ذات مرة المشاكل والمصاعب التي لاقاها السيد أبو الحسن الأصفهاني (قدس سره) وصمد أمامها، فكانت كثيرة وجسيمة، مثل:

قتل ابنه بتلك الصورة الفجيعة أمام عينيه، وتبعيده من العراق حيث خالف سياسة الملك فيصل، وحمله السلاح ومحاربته للإنجليز في قصة احتلال العراق وهو حينذاك مرجع للناس قد ارجع إليه الشيخ الميرزا محمد تقي احتياطاته، وقصّة هجرته من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة حينما كثر الضغط هناك حوله واشتراكه مع الآخوند (قدس سره) في قصة المشروطة، وحمل أعبائها، واشتراكه مع القمي (قدس سره) وغيره في طرد الإنجليز من العراق، وذلك إبان الحرب العالمية، وصموده في نشر الإسلام وحفظ التشيع أيام تسلط أمثال البلهوي وأتاتورك وياسين الهاشمي على بلاد المسلمين، وغير ذلك من القضايا التاريخية المهمة.

وهكذا ينبغي أن يصمد المرجع أمام الحوادث والكوارث، والمشاكل والمصاعب، وذلك اقتداءً بالرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، فإن العلماء هم ورثة الأنبياء كما جاء في الروايات والأخبار.

تصحيح عقائد الغلاة

كان من دأب الميرزا الكبير، المجدد الشيرازي (قدس سره) أكبار رجال الدين وتوقيرهم، واحترامهم والاحتفاء بهم جميعاً، وذات مرّة دخل عليه واحد من رجال الدين، فاحترمه الميرزا غاية الاحترام، وأظهر له من العناية والإقبال ما لم يظهره لأحد، لقد استقبله بحفاوة وشيعه بإجلال كبير، مما سبب تعجب الحاضرين واستغرابهم، فسألوا الميرزا بعد ذلك عن السبب؟

فقال: احترمته لإخلاصه في دينه، ولواقعيته وصدقه مع ربه، ولقدرته النفسية العجيبة، إنه كان زميلي في الدراسة الحوزوية حتى إذا أكمل السطوح والدروس العالية وبلغ درجة الاجتهاد، عزم على الرجوع إلى بلاده ليكون هناك مرجعاً في الإفتاء ومتصدياً لمسائل الناس وأحكام دينهم، وفي طريقه إلى بلاده مرّ على منطقة كان يسكنها الغلاة القائلين بألوهيّة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من نواحي (كرمانشاه)، ولما عرف الأمر واطلع عليهم، رأى أن واجبه إرشاد هؤلاء وتصحيح عقائدهم، وإنه مقدم شرعاً على الذهاب إلى بلاده لإفتاء الناس وتصحيح فروعهم، فترك العودة إلى بلاده وبقي هناك، وبدأ عمله من المسجد، فقد قام فيه معلناً لأهل القرية: بأنه معلم، ومستعد ليعلمهم الكتابة والقراءة بثمن زهيد لا يتجاوز سدّ رمقه.

فتكاثر عليه التلاميذ وأخذ يعلّمهم إضافة إلى القراءة والكتابة، أصول الاعتقاد وسائر الأمور الإسلامية وبقي هناك حتى ربى جيلاً مؤمناً تحولت القرية على أثرهم إلى قرية شيعية، وصار أهلها شيعة بعد أن كانوا من الغلاة، وذلك على أثر تضحية هذا الرجل وتفانيه في سبيل الله، والإغضاء عن مصالحه ومآربه الشخصية، ولذلك فهو جدير بهذا الاحترام، ولائق بالتجليل والتقدير.

تأليف القلوب

يقال: إنه ادعي ذات مرة رؤية هلال شهر رمضان عند العامة، في سامراء ولم يدع رؤيته أحد من الشيعة فيها، فقام الميرزا المجدد (قدس سره) بمبادرة حسنة فقال لمن عنده: ادعو لي من يدعي رؤيته من العامة، فدعوهم له، فجاءوا وشهدوا عند الميرزا بأنهم قد رأوا الهلال وشرحوا له كيفية رؤيتهم له، ووفقاً لشهادتهم حكم الميرزا بالهلال.

فتعجب بعض الناس من هذه البادرة وسألوا الميرزا عن السبب وانه كيف اعتمد في الحكم بالهلال على شهادتهم؟

فقال الميرزا: إني كنت قد رأيت الهلال بنفسي وثبت عندي شهر رمضان لكني أردت عبر هذه المبادرة جمع قلوب المسلمين، والتأليف بينهم.

وهكذا يكون أولياء الله، فإن علماء الشيعة دأبوا على إيجاد الألفة والتقارب بين المسلمين، فإنّ في تنفير القلوب منشأ كل فساد.

التحدي الجريء

يحكى أنه لما أراد البريطانيون احتلال العراق، واجهوا مقاومة العراقيين لهم بكل شدة، ورأوا أن جذر المقاومة التي تمد الناس بالقوة والمعنوية هي مراكز العلم والعلماء وفي مقدمتهم: النجف الأشرف وكربلاء المقدسة.

ولذلك لما فرضوا سيطرتهم على العراق بالكامل، فكروا في الانتقام، فبدأوا بالنجف الأشرف، فبعثوا الحاكم البريطاني إلى السيد محمد كاظم اليزدي صاحب العروة (قدس سره) ليقول له: (إن الحكومة البريطانية تطلب من سماحتكم مغادرة النجف الأشرف).

قال السيد: ولماذا؟

أجاب: لأنا نريد الانتقام من الأهالي.

قال: أخرج وحدي أم مع عائلتي وأسرتي؟

أجاب: بل مع عائلتكم وأسرتكم.

قال: فإن أهالي النجف الأشرف كلهم أسرتي وعائلتي، وإني لن أخرج منها مهما كلف الأمر، وسوف أبقى وليصيبني فيها ما يصيبهم.

وبذلك ردّ الحاكم البريطاني خائباً، وتراجعت الحكومة البريطانية عن نواياها بالنسبة لأهالي النجف الأشرف على أثر مقاومة السيد اليزدي وشجاعته، ووفائه وإخلاصه.

 

للأعلى