|
|
||
|
الشيخ أكرم جزيني العاملي |
|
ثورة الإمام الحسين (ع) أفكار وقيم |
|
إن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ثورة نادرة. امتازت بها الأمة الإسلامية دون سائر الأمم. ولو كانت لبقية الأمم لاستدرت منها طاقات تؤهلها للسيطرة على الأرض. ولكن الأمة الإسلامية تبخسها لهبوط مستوى الوعي في قيادتها. فلا تستفيد منها بالمقدار الممكن ورغم أنها تهدر هذه الطاقات المعنوية الهائلة يجب عليها إبقاء هذه الثورة حية طرية في واقعها. عسى أن تؤوب إلى رشدها في يوم من الأيام، فتستنتج مواهبها لبناء كيانها من جديد. ولو أن الأمة فرطت اليوم بثورة الإمام الحسين (عليه السلام) لأنها أعجز من أن تعتصر مواردها لحكمت على نفسها بالدمار الشامل المحتوم، إذ تكون قد سدّت على الأجيال الطالعة أغزر مواردها. حتى لو استيقظت يوماً من الأيام لا تقدر على النهوض. إذ لا تجد مقوّمات النهوض. ولا أعدوا الواقع إذا قلت بأن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) أعظم أمانة امتحنت بها الأمة الإسلامية. فحافظت عليها بالضحايا الكثار، حتى تناقلتها أجيال الأمس وسلمتها إلى هذا الجيل الملغوم، فيجب على هذا الجيل أن يحافظ عليها بجميع إمكاناته لتسليمه إلى أجيال الغد. وعندما حاول الاستعمار هضم الأمة الإسلامية بادر إلى انتدال مصادر القوة فيها، فانتدل منها القرآن، وانتدل منها الحج، وشاء أن ينتدل منها ثورة الحسين، ولكن لم يقدر على انتدالها، وحاول مسخها وتشويهها حتى تشل عن التفاعل والإنتاج. فاستعصت على المسخ والتشوه لوجود مصادرها الأصلية، فانحسر الاستعمار وبقيت ثورة الحسين أقوى من أن تصادر أو تشوه. ولازالت الثورة الحسينية تقاوم الاستعمار، فمن منابرها ينطلق صوت القرآن، وفي مواكبها تجري خصال محمد وعلي والزهراء. وفي ظلها يعيش كل من هدى الله قلبه للإيمان، فشاء أن يتفيأ ظلال الإسلام. وهذه الحقيقة أقضت مضاجع المستعمرين، فراحوا يجندون قواهم ويركزوها على محاربة هذه الثورة الجبارة التي أبى الله لها أن تستسلم أو تهادن، فخسئت هجمات المستعمرين مغلولة خوارة. وإن الاستعمار وأذنابه في بلاد الإسلام يشنون هجوماً واسعاً وحرب عشواء لصد هذه الثورة المباركة، وهم يعلمون أن ثورة الحسين (عليه السلام) هي القلعة الوحيدة الصامدة التي تمنع انحسار الإسلام وتقدم الاستعمار. مع أن حربهم لا تستند إلى دليل معين، وإنما تنتهز كل حق وباطل لضرب هذه الثورة المقدسة، فمرة تستدل بالآراء الشاذة لبعض المؤلفين، بينما هم لا يعترفون بأولئك المؤلفين ولا بالمراجع الكبار إلا للتستر بأسمائهم فقط، وطوراً تتذرع بأن الأعداء يضحكون منها، فيما هي لا تحذر أن يضحك منها الأعداء والأصدقاء، عندما جعلت من نفسها أصابع طيعة للاستعمار. ويأتي دور الشعائر الحسينية التي تمثل امتداد ثورة الحسين (عليه السلام) والتي كانت ومازالت تؤدي دوراً كبيراً في الحفاظ على الإسلام ونشره بصدق وإيمان ووعي. وحيث إن أعداء الإسلام والتشيع، ما ملكوا منذ اليوم الأول سلاحاً من العقل والدين لمحاربة التشيع، لم يجدوا بداً من التوسل بالاستهزاء - الذي هو سلاح المبطلين - لمطاردة التشيع، غير أن الحق الذي مثله التشيع أكمل تمثيل أقوى من أن يهزمه الاستهزاء، وكانت الشيعة ومازالت أصلب من أن ينال منهم الحديد والنار، فكيف بالاستهزاء، وكان أئمتهم يشجعونهم على هذا الصمود، وقد دعا لهم الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: (اللهم إن أعداءنا عابوا عليهم بخروجهم، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا خلافاً منهم على من خالفنا فارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس، وارحم تلك الخدود التي تتقلب على حفرة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا، وأرحم تلك الصرخة التي كانت لنا). وقد دعا النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) على من يستهزئ بالشيعة على إقامة شعائرهم في حديثه لأمير المؤمنين (عليه السلام) قائلاً: (.. ولكن حثالة من الناس يعيّرون زوار قبوركم كما تُعيّر الزانية بزنائها، أولئك شرار أمتي لا أنالهم الله شفاعي ولا يردون حوضي). ولكن، ما ضر الذين يقيمون شعائر دينهم أن يسخر منهم الجاهلون ماداموا يعلمون أنهم على حق وأن أعداءهم على باطل ولقد شكوا عند الإمام الصادق (عليه السلام) استهزاء الأعداء بهم فقال مهدّئاً روعهم: (والله لحظّهم أخطأوا، وعن ثواب الله زاغوا، وعن جوار محمد (صلى الله عليه وآله) تباعدوا). عندما تتدخل العناية الإلهية تنقلب الأحداث، وتتغير الأمور، وتبطل المعادلات، فتولد القوة من رحم الضعف، وينهار القوي أمام الضعيف، وقد يتغير وجه التاريخ بأكمله، ويبقى العقل حائراً، ثم لا يلبث حتى يذعن. عندما تتدخل العناية الإلهية تلد الصخرة ناقة وينتصر نبي الله صالح (عليه السلام)، وتأكل العصا حبالاً فينهزم السحر أمام عزم موسى (عليه السلام). عندما تتدخل العناية الإلهية ينهزم جيش الفيل أمام جيش الطيور فيسلم بيت الله! ويحكي كتاب الله: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل...). عندما تتدخل العناية الإلهية تنهزم كتائب الشرك أمام خيوط العنكبوت، فيسلم سيد الأنبياء والمرسلين في الغار. عندما تتدخل العناية الإلهية تتحول حفنة التراب في قبضة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى عاصفة تغزو عيون وأنوف الأعداء بأكملهم في معركة بدر ويحكي القرآن: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى). وعندما تتدخل مشيئة الله ينهزم النمرود أمام البعوضة، وتدمر الفئران قرى بأكملها، فيقول بعضهم: لا تَــــعْجَبُوا مِــــنْ صـَيْدِ طَيرٍ بَازِياً إنَّ الأُسُـــــودَ تُصـــــادُ بـالخِرْفَانِ قَــــدْ غــــرَّقَتْ أمْلاكَ حِـــمْيَر فَأرةٌ وَبَعُوضَــــــةٌ قَــــتَلَتْ بَـــني كنعَانِ هذا وقد تنعكس الأمور فتكون مشيئة الله في حجب النصر عن أوليائه، واتحافهم بالشهادة لحكمة قد تستنبطها من دراسة آثار شهادتهم، كما هو الحال بالنسبة لسيد الشهداء الإمام الحسين(عليه السلام) حيث يقول (عليه السلام) لأخيه محمد بن الحنفية: شاء الله أن يراني قتيلاً وأن يراهن سبايا، وحيث يخاطب ربه في ساحة الحرب: اللهم إن كنت حبست عنا النصر فاجعل ذلك لما هو خير لنا، ويقول أيضاً: هوَّن عليَّ ما نزل بي أنه بعين الله. لقد كان الإمام الحسين (عليه السلام) محط عناية الله منذ لحظة إشراقه في عالم الوجود، ففي كنف سيد الأنبياء نشأ، وفي حجر سيدة النساء توسد، وعلى عين سيد الأوصياء ترعرع، وهزت يد سيد الملائكة مهده، فهو الإمام المعصوم ابن المعصومين وأبو المعصومين، وهو خامس الأطهار الذين أذهب الله عنهم الرجس، وخامس الأقمار الذين لو أقسم الله بهم على جبل لأزاله من مكانه في يوم المباهلة، وهو رمز الإيثار في سورة الدهر، وهو وهو... وبالجملة لقد كان الحسين (عليه السلام) وارث الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد... ويختزل بوجوده في ساحة كربلاء وجود رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ووجود أمير المؤمنين (عليه السلام)، ووجود السيدة الزهراء (عليها السلام)، ووجود سيدي شباب أهل الجنة، ووجود القرآن والشريعة المطهرة، بل ويختصر وجود سائر الأنبياء. ومع ذلك فقد كانت مشيئة الله أن يحجب ويحبس عنه النصر في كربلاء، وما ذلك إلا لأن للنصر خطاب وللشهادة خطاب.
عندما تتحدث المعجزة فإن العقل يستسلم، وعندما تتحدث الشهادة فإن القلب يتقد، وما ذلك إلا لأن المعجزة إنما تحاكي العقول وتبقي القلوب على حياد، أما الشهادة فإنها تحاكي القلوب ثم تتسلل إلى العقول، لينتقل الحديث من قضية الجسد المقطَّع إلى الحق المضيَّع، وهذا ما يكشف عنه القرآن الكريم عند استعراضه لمعجزات موسى (عليه السلام) وما كانت النتيجة عند بني إسرائيل، حيث جاء (عليه السلام) بما يقارب الخمسة عشر معجزة كانت على مرأى ومسمع منهم، ثم انطلق إلى ميقات ربه، وعاد ليجد قومه يسجدون للعجل من دون الله، فمعجزاته كانت تحاكي عقولهم، أما قلوبهم فظلت مشربة بحب العجل، قال تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم). نعم فعندما تذعن العقول للمعجزات وتبقى القلوب فارغة، تُفقد ضمانات الاستمرار على الحق، وقد يقع التحول عن الحق إلى خلافه في أي لحظة، ومن هنا فقد قرنت شريعة سيد المرسلين بين الخطابين العقلي والقلبي، وجمعت بين الذكر القلبي والفكر العقلي، قال تعالى: (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض...)، بل وركزت أيضاً على الجانب القلبي (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى)، وحذرت من الإنقلاب (وما محمد إلا رسول الله قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم). ومن هنا فلو كانت مشيئة الله للحسين (عليه السلام) أن ينتصر في كربلاء لانخرط نصره في سلك المعجزات، وصار النصر خطاباً عقلياً فاقداً للضمانات، ولكن كانت مشيئة الله أن يحبس النصر، فلا قبضات تراب تتحول إلى عواصف، ولا طيور ترمي بحجارة من سجيل، ولا ملائكة عذاب تتدخل لإبادة جيش الباطل الباطل، بل شهادة عظيمة تلهب القلوب، وتزرع الضمانات، وتصون الرسالة، وتحول دون الإنقلاب، فصار الإسلام. كما يقول إمام الأزهر الشيخ محمد عبده. محمدي الوجود حسيني البقاء، ولولا الحسين لما بقي من الإسلام أثر. نعم فإن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لن تبرد أبداً بل تقوى وتشتد عند كل ذكر أو ذكرى للإمام الحسين (عليه السلام) فتغدوا حارقة تحرق كل المؤامرات التي تحاك ضد الإسلام، كما يعترف بذلك أحد زعماء الماركسية حيث يقول: (نحن نبني طيلة العام، ويأتي هؤلاء. يعني الشيعة. فيهدموا ما بنينا في عشرة أيام. أي أيام عاشوراء). إن أيام عاشوراء لهي حقاً ربيع الدين، ففيها تتفتح أزهاره، وتعود إليه حيويته ونضارته، ومن معانيها قد ندرك الحكمة في حبس النصر، ومشيئة الشهادة. اللهم أحينا حياة محمد وآل محمد وأمتنا على ما مات عليه محمد وآل محمد صلواتك عليهم أجمعين. |