|
|
||
|
الشيخ عبد الرضا معاش |
|
لماذا نجدد الذكرى؟ |
|
إن واقعة الطف الدامية أزاحت الستار عن المتسترين بالإسلام من الأمويين ومن حذا حذوهم، حيث كشفت حقيقة عداءهم للإسلام، ومكرهم للمجتمع بالتظاهر بالإسلام، زاعمين أنهم خلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) والله ورسوله منهم في براء. فكيف بهم إذا ارتكبوا أفظع جريمة في تاريخ البشرية، فأرادوا أن يتلافوا هذا الواقع الخطر وما يجلبه عليهم من عواقب تسيء إلى حكمهم وتزلزل عرشهم فكانت أول محاولاتهم. سعيهم الحثيث للقضاء على كل صوتِ يرتفع لندبة سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد قمعوا كل الأصوات التي تندب الحسين (عليه السلام) وترثيه وتصرخ لمظلوميته والمطالبة بحقه، والثأر ممن ارتكب هذه المجزرة المروّعة بحق أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله). لماذا خماد هذه النفوس؟ هل أن رثاء الحسين (عليه السلام) والتحدث عن عاشوراء، والبحث عن عوامل اندلاع الثورة واستشهاد الصفوة الطاهرة يعني زلزلة عرش الطاغية والمطالبة بارجاع الحق لأهل الحق؟ ص فمن هنا حاولوا بنو أمية خنق كل محاولة لإقامة مأتم، ومع كل محاولاتهم فقد كانت تثار واقعة الطف بشكل وبآخر، فهذا الكميت بن زيد الأسدي كان يرثي الحسين (عليه السلام) مع مجموعة من شيعة أهل البيت (عليهم السلام) فكانوا يقيمون النياحة وكان الكميت ينظم أشعاراً في رثاء الحسين (عليه السلام) منها: ومــــن أكبر الأحداثِ كانَتْ مصيبة علـــــينا قَـــتيلُ الأدعــياء المُلحّب قتيلٌ بجـــــنب الطـف من آل هاشم فــــــيا لَكَ لُحـــماً ليس عنه مُذَبِّب ومنعـــــفر الـــخدين مـن آل هاشم ألا حـــــبّذا ذاك الجبــــيـن المترّب فالحكام الظلمة من الأمويين والعباسيين ومن سار في ركابهم وإلى عصرنا الحاضر رغم كل محاولات سيطرتهم بالحديد والنار، بائت بالفشل، إذ لم يملكوا السيطرة على هذه الأحداث التي تثير الظلامة، فانطلق صوت الحسين (عليه السلام) مارداً يعبر الأجواء مهدداً عروش الظالمين. فالمجالس والمآتم الحسينية هي منارٌ للهداية والإرشاد والتوجيه نحو الخير والفضيلة مذكرة المجتمع بالمبادئ والقيم التي استشهد الإمام الحسين (عليه السلام) من أجلها، انطلاقاً من قول الإمام الحسين (عليه السلام): إن لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد (صلى الله عليه وآله)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر. فمنذ بداية الثورة حدد الإمام خطورة المرحلة وما يلزمها من متطلبات. وتأتي الثورة لتندلع مرة أخرى في المجالس الحسينية ومآتم الرثاء لتجتاح قصور الظالمين، فهذا قصر الطاغية يزيد انعقدت فيه النياحة من قبل زوجته هند بنت عبد الله حينما عرفت بفاجعة الطف... ولم تكن هذه المجالس - كما يصورها البعض - مجرد ذرف الدموع وتهييج العاطفة وحضور روتيني من أجل ارضاء شخص أو كسب جماعة... وإنما هي رسالة مقدسة تهدف إلى إحياء الدين وترسيخ مبادئه وقيمه لإحقاق الحق وإرساء قيم العدالة والكرامة والحرية. وقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا. وهذه هي مجالس الوعظ والإرشاد والتوجيه لما فيه خير الدنيا وسعادة الآخرة. إذ تقوم بمواجهة الأفكار الهدامة والعقائد المنحرفة التي اجتاحت بعض الشباب المغفّل والذي ذاب في الغرب وسار خلف الجاهلية العمياء تارك وراءه أكبر حضارة عرفها التاريخ وأكمل منهج سماوي جاء به الرسول الأمين. وتأتي ضرورة إقامة هذه المجالس المقدسة لإحياء روح الإسلام في المجتمع، مبتعدين عن شهوات الدنيا وملذاتها. وقد قال الإمام الحسين في يوم عاشوراء حينما وقف أمام القوم وهو ينظر إلى صفوفهم: ... فلا تغرنكم هذه الدنيا فإنها تقطع رجاء من ركن إليها، وتخيب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمرٍ قد أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحلّ بكم نقمته، وجنبكم رحمته، فنعم الرب ربنا، وبئس العبد أنتم، أقررتم بالطاعة، وآمنتم بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله) ثم أنكم رجعتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم. فتباً لكم ولما تريدون، إنا لله وإنا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم، فبعداً للقوم الظالمين. بهذا المنطلق وهذه العقيدة الراسخة انطلق الإمام الحسين (عليه السلام) في إحياء الدين وإرساء قواعده. فكان الدم الحسيني المقدس الذي أريق في أرض كربلاء من أجل ترسيخ كل مناهج الخير والعدالة الإنسانية وذلك لأن فيه إحياءً للقلوب، فعن علي بن الحسين بن فضل، عن أبيه قال: قال الرضا (عليه السلام): من جلس مجلساً يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب. من هنا جاءنا تأكيد أهل البيت (عليهم السلام) في إحياء هذه المجالس من عهد الإمام زين العابدين وإلى عهد الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) الذي يقول في زيارة الناحبة: ولأندبنك صباحاً ومساءً ولأبكين عليك بدل الدموع دماً. ولاشك أن إحياء أمر أهل البيت وإقامة هذه الشعائر لهي كفيلة بنشر الإسلام وحفظه. فكان تجديد هذه الذكرى بمثابة تجديد البيعة مع الإمام الحسين للسير على خطاه والالتزام بمبادئه وقيمه التي استشهد من أجلها، نحو عالم الخير والسعادة والأمن والسلام. |