فهرس العدد التاسع

فهرس الأعداد

الصفحة الرئيسية

 

إعداد: علي الشمري

 

من دول الشيعة: الزيدية في اليمن

مر الشيعة خلال مسيرتهم التاريخية بمراحل صراع عقائدي وسياسي وجهاد عسكري متعددة ومتعاقبة، ضد مختلف أشكال أنظمة الحكم والهيمنة التي تسلطت باسم الإسلام على رقاب أمة المسلمين، وتعرض الشيعة خلالها لألوان الأذى والعدوان، وقد أصيبوا وأصابوا والحرب سجال كمال يقال، ولكنهم احتملوا أكثر من غيرهم.

وكان للشيعة خلال تاريخهم مواقف - مشهورة، وبطولات مرصودة، تشعبت وتفرقت وانتشرت يميناً ويساراً في مصادر التاريخ المختلفة.

إن الحديث عن تاريخ الشيعة إنما هو مسألة في غاية الأهمية، ذل لأن التاريخ بمجمله هو حياة الشعوب والأمم، بما في ذلك أمة المسلمين، فتاريخ الشيعة جزء لا يتجزأ من مسلسل مسيرة التاريخ الإسلامي على امتداد الـ (14) قرناً ونيف المنصرمة، بكل ما حفله من وقائع وأدوار على الصعيدين الرسمي والشعبي، حيث شاركت معظم تشكيلات الجماعات الشيعية بمختلف قواها السياسية وقواعدها الجماهيرية العريضة الناقمة والغاضبة، ومنها كانت الثورات والانتفاضات التي نجح البعض منها في قيام كيانات مستقلة ودول قائمة بحد ذاتها بلغت من النفوذ والقوة بحيث أخضعت دولاً وشعوباً إسلامية تحت سلطتها ونفوذها.

فعلى مدى قرون طويلة من تسلط بني أمية وبني العباس على زمام دولة المسلمين وكنتيجة للمعارضة السياسية المتواصلة، والمقاومة المسلحة العنيدة، من جانب الشيعة بقيادة العلويين، فقد أثمرت جهودهم عن نجاحات عدة تمثلت بإقامتهم كيانات سياسية مستقلة، تطورت أشكالها واتسعت رقعتها الجغرافية تدريجياً لتصبح دولاً هامة وبارزة في الخارطة الإسلامية الكبرى وقتذاك، يحسب لها خصومها وأعداءها ألف حساب، ولم يكن من السهل اليسير احتواء هذه الدول أو القضاء عليها، إذ ان العديد منها ترسخت واستعصى أمر التغلب عليها، وكما هو الحال بالنسبة للدولة الإدريسية والدولة الفاطمية والدولة البويهية وغيرها.

 

* الدولة الزيدية في اليمن

تعتبر إحدى الدول الهامة من سلسلة الدول الشيعية، وقد أسسها الزيديون وهم العلويون من أبناء زيد بن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، أحد أبطال الحرية وشهداءها في الإسلام، وأحد الذين لم يصبروا على ظلم وجور الحاكمين المتسلطين على الأمة ومن سياساتهم المنحرفة واستبدادهم، لذلك عمد إلى الثورة المسلحة إيقاظاً للأحرار وإنذاراً للظالمين، وإلى جانب أبناءه من ذريته، كذلك له اتباعه ومريديه من شيعته وممن ناصروه وناصروا أبناءه من بعده، وكانوا دعامة قوية لحماية الدولة الزيدية التي قامت في فترة من فترات التاريخ الإسلامي.


- مؤسس الدولة (الإمام الهادي إلى الحق)

وهو يحيى بن القاسم الرسي بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ويعتبر الإمام الأول في اليمن ومؤسس الإمامة وناشر المذهب الزيدي فيه، حيث بلغ عدد أئمته في اليمن منذ الهادي حتى محمد البدر 66 إماماً، بدأ حكمهم من سنة 284 هـ كان الهادي يسكن المدينة المنورة في الحجاز بمنطقة تسمى (الرس) بين الحجاز ونجد. وفي سنة 280 هـ قدم إليه وفد من أهالي اليمن يطالبه بالقدوم إلى اليمن لمبايعته إماماً كونه من آل بيت الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) ولتخليصهم من ظلم الحكام والولاة الظالمين.


- بدايات الحركة الشيعية العلوية في اليمن

دخلت بلاد اليمن في حوزة العباسيين بعد انتقال الخلافة إليهم، وصار الولاة يتعاقبون عليها من قبلهم واتخذوا صنعاء حاضرة لهم، غير ان هذه الأمور في هذه البلاد كان يسودها الاضطراب، بسبب الحركات التي أثارها العلويون. فقد ظهرت دعوة محمد بن إبراهيم المعروف بـ (ابن طباطبا) الذي خرج على المأمون في جمادى الآخرة سنة 199 هـ / 815 م، ويصار يدعو إلى الرضا من آل محمد وبالعمل بالكتاب والسنة. وعاونه في نشر دعوته قائد جنده أبو السرايا السري بن منصور الشيباني، الذي استولى على الكوفة من يد وإليه العباسي، واستجاب لدعوته شيعة الكوفة وبايعه الناس، ولقب بـ (أمير المؤمنين)، ومن ثم بعث أخاه القاسم بن إبراهيم إلى مصر يدعو له، ويأخذ له البيعة، كما بعث إبراهيم بن موسى داعية له في اليمن.

ولما أيقنت الخلافة العباسية من خطورة الأوضاع في اليمن، جهزت جيشاً إلى تلك البلاد بقيادة محمد بن علي بن عيسى بن ماهان، فدارت بينه وبين إبراهيم بن موسى عدة معارك، ولم يزل إبراهيم بن موسى يتردد على القرى التي حول صنعاء، حتى وصل إليه، ودخل معه في عدة معارك، وأنضم إلى ابن ماهان الكثير من اليمانية، ودارت بين الفريقين موقعة (جدر) سنة 201 هـ / 816 هـ أسفرت عن هزيمة إبراهيم بن موسى وخروجه من اليمن.

على أن إبراهيم بن موسى، وان كان قد ترك اليمن ورحل إلى بغداد، فإنه أبقى علاقاته مع قبيلة بني فطيمة التي ناصرته وآزرته، وظلت هذه العلاقات باقية حتى قدم الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين إلى اليمن ليؤسس الدولة الزيدية، ويتخذ من مدينة (صعدة) عاصمة لها.

انتهز يحيى بن الحسين فرصة ضعف الدولة العباسية، وعدم استقرار الأمور بها، وعول على الدعوة لنفسه بالإمامة، وهو الأمر الذي لم يتيسر تحقيقه لجده القاسم، فعمد إلى إعلان الثورة في طبرستان بعيداً عن أعين العباسيين، وحيث تتوافر لدعوته الحماية والأمن في تلك البلاد، لأن طبيعتها الجيلية، وبعدها عن حاضرة الخلافة يحول دون إرسال جيوش العباسيين إليها، كما أن مذهب جده القاسم كان منتشراً في هذه المنطقة عن طريق الدعاة، وقد أثمرت جهود هؤلاء الدعاة، فظهرت في طبرستان (الممتدة بين جبال لابرز، وساحل بحر قزوين الجنوبي) دولة علوية حكمها الداعي الحسن بن زيد سنة 250 هـ / 864 م، غير ان الزيدية لم تعترف به إماماً لأنه لم يستوف شروط الإمامة، وهي العلم والزهد والسياسة، ورغم أن تجربة طبرستان تفشت سياسياً على ما يبدو في إقامة كيان الدولة التي كان يطمع إليها يحيى بين الحسين إلا أنها على الصعيد الديني - العقائدي حققت نجاحاً كبيراً، إذ انتشرت الدعوة الزيدية بين قبائل طبرستان وبلاد الديلم بشكل واسع، مما أوجد له أتباعاً وأنصاراً كثيرين، ساعدوه ودعموا فيما بعد دعواته ونشاطاته في المناطق الأخرى، ومنها اليمن التي نجح في إقامة دولته فيها، وكانوا من أخلص المقاتلين في معاركه ضد أعدائه هناك.


- أسباب اختيار الهادي اليمن لإقامة الدولة الزيدية

تقف على مسأة اختيار الهادي لإقامة دولته، جملة أسباب منها داخلية تتمثل أبرزها في أن الدعام بن إبراهيم وهو من رجالات اليمن البارزين، تزعم وفداً لدعوة الهادي يحيى بن الحسين واستقدامه إلى اليمن ومبايعته إماماً، وكذلك دور الهادي في عملية المصالحة التي نجح فيها بين قبيلتي بني فطيمة والأكيليين، وأيضاً ضعف دولة بني يعفر (الموالية للخلافة العباسية)، إضافة إلى ما كانت عليه حال البلاد من القحط وجدب الأرض وفناء الرجال بفعل الحروب والمطاحنات الداخلية بين القبائل أما عن العوامل الخارجية التي شجعت الهادي على المسير إلى اليمن، فترجع إلى اضطراب أحوال الخلافة العباسية، وضعف السلطة المركزية في بغداد.


- سياسة الإمام الهادي في توطيد سلطته

دخل الإمام يحيى بن الحسين الهادي منطقة صعدة مع جميع الأكيليين، وبني فطيمة بعد أن أصلح بينهم، ولم يكن بصحبته إلا عدد قليل من بني معاوية بن حرب، الذين تبعوه أو من أنضم إليه في الطريق، كتب الهادي عند قدومه إلى صعدة كتاباً إلى أهل اليمن يدعوهم فيه إلى الجهاد، وحدد أصول الدين في معرفة الله وتوحيده، والعدل، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم الخروج مع أئمة آل البيت من ولدي الحسن والحسين، وشرط على نفسه في دعواته أربعة شروط هي:

1 - الحكم بكتاب الله وسنة نبيه.

2 - أن يؤثر اتباعه على نفسه، فلا يتفضل عليهم.

3 - أن يقدمهم عند العطاء قبله.

4 - أن يتقدمهم عند لقاء عدوهم وعدوه.

وشرط عليهم في مقابل ذلك الطاعة لله في السر والعلانية، وان يطيعوه ما أطاع الله فيهم، فإن خالف فلا طاعة له عليهم.


- أبرز إنجازات حكم الدولة الزيدية

1 - الاهتمام بتنظيم أمر البلاد، وتوليه العمال (الولاة)، وكانت مهمتهم جمع الخراج لزيادة موارد الدولة والإنفاق على دار الإمارة في (صعدة) والجنود).

2 - وضع عهداً بمثابة (إقرار ثابت) لولاته، حدد فيه واجباتهم، والتزامهم العدل في السياسة والأجراء بالنسبة للرعية.

3 - إشاعة العدل والمساواة بين المسلمين وعامة الناس.

4 - تحديد موارد الدولة وتنظيم ميزانية صرفها بشكل عادل ومرضي.

5 - العمل على استتباب الوضع الأمني في البلاد، من خلال القضاء على الفتن وتهدئة الأحوال.

6 - التأكيد على الطابع الديني والسياسي للدولة في آن واحد. على أن يكون الالتزام بالتعاليم والفرائض العبادية والواجبات والمقررات والقوانين بدءاً من قادة الدولة وولاتها أولاً ثم الرعية وعموم الناس من بعد ذلك.

المصادر:

آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي، ممارسة التغيير.

العلامة السيد محسن الأمين: موسوعة المعارف الشيعية، المجلد الثالث.

حسن خضيري أحمد، قيام الدولة الزيدية في اليمن.

 

للأعلى