|
|
||
|
رئيس التحرير: أكرم إمارة |
|
ثورة الحسين.. صراع حضاري |
|
لا يمكن لأي إنسان أن يعيش منفصلاً عن التاريخ وتراكماته، وبعيداً عن التيارات الفكرية التي تتخبط بعرض الجدار لتجد لها مستقراً، ومن المستحيل على الإنسان ان يترك خلفه قلعة شامخة من التيارات الفكرية والثورات دون ان يكون له يد المشاركة فيها أو حتى التطلع على مفرداتها. إذن فإن هناك دروس كثيرة وتجارب عظيمة تمر بها الشعوب والأجيال من سير الملوك والأنبياء والحكام المملوءة بالعبر والدروس الممتلئة بالخير والشر، وبالطبع لا يمكن ان يمر علينا كل هذا الوابل من التراكمات دون ان تتمخض منه الفائدة، ويكون لنا مثلاً في الزمن المتغير. يقول الإمام علي (عليه السلام): عباد الله ان الدهر يجري بالباقين كجريه بالماضين آخر فعاله كأوله. إن مسألة العظة والاعتبار لا يمكن ان نخرج بها دون أن نصهر التاريخ في بودقة الفكر الناضج لكي نتخلص من كافة الشوائب والمتعلقات التي غطت وجه التاريخ منذ بزوغه، حتى يبقى الخالص النقي، لتستفيد منه الأجيال، فيكون درعاً لنا في المستقبل القريب على أقل تقدير. فقد جاء في الأثر: السعيد من اتعظ بغيره.. وقال الإمام (عليه السلام): من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذلك الأحمق بعينه.. والقصد من ذلك هو تلك الفئة من الناس الذين يكررون مآسي التاريخ دون أن تكون لهم دراية بعواقب ما يقلدون بسبب سوء التخطيط وعدم الفهم لواقعهم، وعدم المشاورة حتى يكون عملهم أحياناً مقصوداً. فمسألة التجارب تعني هي العلاقة الجدلية بين الحاضر والماضي، العلاقة التي لا يمكن فصلها عن بعض وتأثرها ببعض. فيقول الإمام (عليه السلام): صدق بما سلف من الحق واعتبر بما مضى من الدنيا لما بقي منها فإن بعضها يشبه بعضها وإن أخرها لاحق بأولها وكلها حائل فارق. لكن الحالة تختلف هنا عندما نتحدث عن ثورة الحسين (عليه السلام) الثورة الفكرية الحضارية، وليس العسكرية الحربية التي قدحت شرارتها، وتهيأ فرسانها للنيل من الذين يحاولون طمس التاريخ والدين وتحريف السنة، لابل تعدّوا إلى أبعد من ذلك وهو قتل النفس البشرية التي هي أساس ديمومة البشرية، وكذلك تعبدهم للناس الفقراء واستغلالهم، حتى كانت أعظم وأطهر وأسمى ثورة نهضوية، حيث ايقظت العالم من غفلته ووضعت للعالم أسس من الحق والعدالة والخير وحاربت الظلم والجور والشر بكل أنواعه، فتعلم منها القريب والبعيد ووصلت إلى كافة اصقاع العالم حتى قال غاندي الزعيم الهندي الراحل: علمني الحسين كيف أكون مظلوماً فانتصر.. ليس حرباً بسلاح، بل حرباً بفكر وتخطيط. إن السبب في ذلك يعود إلى شخصية الحسين (عليه السلام) ذات الأبعاد المستقبلية والرؤية الصابئة في دراسة الواقع، التي استطاع من خلالها ان يستقطب كافة الطاقات التي ساعدت في الالتفاف نحو الإمام (عليه السلام) وإنجاح ثورته التي تدعو إلى تخليص الإنسان من الجمود الذي يتخلل شخصية، وكذلك الخوف الذي أبعده عن ساحة الحق، حتى يلبس من جديد ثوب العز والكرامة ويخرج من نفق الذل والاستكانة. إذن لم تكن حاجة المجتمع إلى الحسين (عليه السلام) حاجة عابرة، بل الحاجة إلى مصلح يسد خلته ويسدد زلته ويكمل اعوازه ويقوم إوده لتوفر دواعي الفساد والظلم فيه، وبنفس الوقت الفضل الإلهي الذي يتتابع بفيوضاته عليهم على حد تعبير الإمام الصادق (عليه السلام) حين قال: لولا إنا نزداد في كل ليلة جمعة لنفذ ما عندنا. وبهذا استفادت الأمم من إقدام أبي الضيم (عليه السلام) على الموت وبذله كل ما لديه من جاه وحرمات في سبيل الدعوة المحمدية دروساً عالية وعرفوا كيفية الثبات على المبدأ وانه يستهان في تحرير النفوس عن الجور وإنقاذها من مخالب الظلم وبذل الغالي والنفيس، لأنه أراد أن يحتفظ بالشريعة المطهرة وإقامة أركان العدل والتوحيد. وبذلك تكون ثورة ونهضة الحسين هي الرياح التي نفضت غبار النوم وأيقظت العالم من سباته الذي بات مستفحلاً في نفوس الشعوب، تارة من الخوف والسياط، وأخرى خوفاً من الموت، الموت الذي رحب به الإمام (عليه السلام) وأعطى دمه الشريف ليطري به الإسلام ولولاه لما بقي للدين إلا الرسم والاسم ولمزقت الأمة شر ممزق. |