فهرس العدد الثامن

فهرس الأعداد

الصفحة الرئيسية

 

آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي

السلام سنّة الأنبياء والأئمة (ع)

لما كان مبدأ (السلام) استراتيجياً وحساساً كان لابد لنا من أن نتحدث حوله بشكل أكثر تفصيلاً. والذي هو من أهم الأسس في النضال لإقامة حكومة الألف مليون مسلم في الأرض. فمن الضروري مراعاة السلم بالنسبة إلى القائمين بالحركة الإسلامية العالمية، لأن السلام يوجب أولاً التفاف الناس وثانياً يوجب كبح جماح الأعداء، ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لأصحابه: (إني أكره لكم ان تكونوا سبابين).

وقبل ذلك قال القرآن الكريم: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم). [سورة الأنعام: الآية 108]. فالسباب والاعتداء يوجب تقزز الأصدقاء وقوة الأعداء، ولا داعي إلى ذلك، فإن السب للاعتباطي لا ينتهي إلى شيء، وإنما الذي يجب أن يراعيه الإنسان أمام عدوه أن يدفع بالتي هي أحسن، كما في القرآن الكريم: (أدفع بالتي هي أحسن فإن الذي بنيك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم). [سورة فصلت: الآية 24 و 25].

فالقائمون بالحركة يجب ان يتحلوا بالسلام في فكرهم وفي قولهم وفي كتابتهم وفي مواجهتهم، وحتى إذا نظموا مظاهرات أو اضرابات أو ما أشبه يجب أن تكون تلك متصفة باللين، فالمهم ان يصلوا إلى الهدف، وليس المهم إفراغ الحقد والبغضاء وما أشبه.

فإن الحقد لا يولد إلا الحقد، وكذلك البغضاء، وفي المثل المشهور: (لا يجتني الجاني من الشوك العنب) فإن كل شيء يثمر مثله. الأخلاق الحسنة من الإنسان تثمر حسن الأخلاق في الجانب الآخر. أما الأخلاق السيئة فإنها تولد رد فعل سيئ وهكذا بالنسبة إلى السلام، وما يقابل السلام فكل واحد منهما يولد مثله.

وهكذا الأمر يحتاج إلى ضبط الأعصاب وإلى سعة الصدر، وكما قال علي (عليه السلام): (آلة الرئاسة سعة الصدر) يعني أن يسع صدرك لا في بُعد واحد فقط، وإنما لكل الأبعاد أخلاقياً، اجتماعياً. فكراً، نضالاً وإلى آخره. فآلة الرئاسة سعة الصدر. وكلما كانت سعة الصدر شاملة لكل الأبعاد أكثر كانت أقدر على استقطاب الناس وعلى الوصول بهم إلى الهدف المنشود.

ولذلك نشاهد في أنبياء الله تعالى والأئمة الطاهرين والمصلحين العظام هذه الظاهرة: ظاهرة حسن الخلق، العفو، السلام، سعة الصدر، الحلم، التواضع، الصبر، عدم رد الاعتداء بالمثل، وإنما رد الاعتداء بالتي هي أحسن.

وهكذا نشاهد أمير المؤمنين (عليه السلام) في حرب البصرة، وهي أول حرب أقيمت ضد لما انتهت الحرب عُزز جانب السلام: فأرسل إلى عائشة مَن قال لها أن ترجع إلى بيتها بالمدينة بسلام.

وبالفعل فقد البس الإمام أربعين من النساء لباس الرجال، وجعلهن مع عائشة لإرجاعها إلى المدينة، وأكرمها واحترمها، وإنما ألبسهن لباس الرجال حتى يظن الظان من القوافل وغيرهم انهم رجال، فلا يعتدوا عليهن، ومن جانب آخر حيث أن عائشة زوجة الرسول (صلى الله عليه وآله) فقد كره الإمام أن يرسلها مع الرجال، وإنما أرسلها مع النساء، وبالفعل ذهبت عائشة إلى المدينة المنورة من البصرة بصحبتهن.

فأية أخلاق سامية هذه؟

وكذلك نشاهد أنه عفا (عليه السلام) عن الذين أثاروا الحرب وفيهم الذين يصطلع عليهم في العصر الحديث بمجرمي الحرب، أمثال مروان وابن الزبير ومن أشبه فعفا عنهم، وكذلك عن الجيش المناوئ فقال (عليه السلام): (مننتُ على أهل البصرة كما من رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أهل مكة) فأطلق سراحهم ولم ينتقم منهم ولم يقابل سيئتهم بالسوء. بل قابلهم بالصفح والإحسان وأمر كل من كان قد نهب من أموال الجيش المهزوم يرد ما نهبه. فرد إليهم كل ما أخذ منهم حتى إن أحدهم كان قد أخذ قِدراً من جيش الأعداء المهزومين، وجعل فيه المرق، وجعله على النار، وعرف صاحب القدر ذلك أفرغ قِدره من المرق واعطاه لصاحبه.

لذلك فالواجب ان تراعي الحركة الإسلامية العالمية العامة السلام مراعاة دقيقة في كل شؤونها قبل الحركة ومع الحركة وبعد الحركة وحين النصر، وإقامة الدولة الإسلامية العامة بإذن الله تعالى.

وهكذا يجب أن يربى القادة كوادر وأفراد وأفراد الحركة على السلام لساناً، وفكراً تأليفاً، عملاً، مهما كلف ذلك، والله ولي التوفيق.

 

 

للأعلى