|
|
||
|
قتول عزيز |
|
الإمام الباقر (ع) جامعة أهل البيت |
|
لم يكن الباقر (عليه السلام) أكبر أبناء أبيه سناً، ولكن كان يختلف عن الجميع، كانت شخصيته ذات أبعاد تجعل منه متميزاً عن الآخرين وحتى عندما يمشي كانت شمائله تختلف عن أبيه وأخوته، فكيف بكلامه، الذي كان يخرج منه العلم والحكمة والمنطق حتى عندما يسمعه مريديهم ينتبهون إلى عناصره العظيمة. فكانت الإمامة هي الأَولى به وشخصيته هي التي تدلك على ذلك، حتى نصبه والده لها اتباعاً لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله). وقد سأله الزهري عن ذلك فقال له: (يا أبا عبد الله ليست الإمامة: بالصغر والكبر. هكذا عهد إلينا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهكذا وجدنا مكتوباً في اللوح والصحيفة.. فكانت الحياة التي نشأها في ظلال جده الحسين وحتى يوم شهادته. والإمامة تتجلى والصبغة الإلهية تأخذ رسمتها في معالم تكوينه، وحججه البالغة في الرد على من يحاول ان يسأل في الفقه والقرآن. إلى أن أخذ دوره المرسوم إليه من الله في نشر المعارف الإسلامية من خلال القرآن الكريم، وفي اللحظة التي كان الناس فيها بحاجة إلى ذلك، خاصة وبعد أن ولت عهود بني أمية، وضعفت سلطتهم. وبما أن الإسلام قد انتشر وأصبح له شأن عظيم ووصلت الفتوحات إلى الأقاليم البعيدة، أصبح من الضروري جداً استنهاض الهمم في التركيز على الجانب المعرفي للقرآن ونشر المبادئ التي تنظم حياة الأفراد بعد أن مزقتها العهود التي سبقت ولادته، حتى بدأ عصر الانفتاح النسبي الذي أتاح للإمام أن يفرض دوره القيادي البارز لكي يبدأ بالبنية العالية للمسلمين، فقام بتأسيس الجامعة العلمية الشاملة لكل من يريد العلم ويطلبه ومن كافة الأقاليم البعيدة. وهكذا بدأ الإمام (عليه السلام) يضخ علمه الرباني الغزير الذي الهمه الله من فضله وما لم يعط لأحد غيره، وأصبح للعلم مكانة خاصة، وقواعد علمية سليمة، وأساليب جديدة. ومن الطبيعي جداً أن يكون الإمام مدرك للعصر الذي هوفية ولد قائق الأمور ولمجريات الأحداث، حتى مارس أسلوبه الخاص في التصدي لكافة الظروف التي تحيط به رغم محاولته الجدية في الابتعاد عن المحور السياسي الذي يعيق عمله وهدفه العلمي. وبالفعل تفرغ كلياً إلى البحث الإسلامي والتأكيد على نشر الفقه الذي هو نواة الحياة وأساس البنية الإسلامية الصحيحة، حتى يعرف الناس ضرورات الرسالة المحمدية، وأهميتها. وتصبح في حلقة كاملة، ومحورية وذات أبعاد معروفة. فكانت الجامعة التي أسسها الإمام (عليه السلام) في مسجد المدينة هي المكان الأمثل لذلك حتى ضمت الآلاف من الطلاب ومن مختلف الأقطار لدراسة القصة والحديث والفقه والتفسير والفلسفة وغيرها من العلوم الحياتية المهمة. وكان الفضل لها في تخرج الكثير من العلماء، والذين وصلت شهرتهم إلى أبعد نقطة حتى أصبحوا من المراجع المهمة التي يعود إليها المسلمون في السؤال وأخذ العلم. وتوزع هؤلاء النخبة الشريفة من العلماء في مناطق الكوفة والبصرة والحجاز ومصر وأخذ كل واحد منهم دوره، وكشف عن حقيقة علم أهل البيت (عليهم السلام)، وقيمة الرسالة المحمدية ودور أهل البيت في تكملتها، ومدى حاجة الناس إلى ذلك. فكان أبان بن تغلب. ومحمد بن مسلم. وبريد، وأبي بصير الأسدي، والفضل بن يسار، ومعروف بن خربوذ، وزرارة ابن أعين، وأبو سعيد الكبدي. وهو من أشهر العلماء المقدمين في كل فنا وفي كل علم، وقد قال له الإمام (عليه السلام). - أجلس في مسجد المدينة وأفت الناس فأني أحب أن يُرى في شيعتي مثلك. وغيرهم من العلماء المقرور لهم بالصدق، وإليهم يرجع الفضل في تدوين أحاديث أهل البيت وكذلك في الرواية عنهم. ولم يتوقف الإمام عند هذا حتى ناظر الكثير من العلماء أصحاب الأديان الأخرى ومنهم المسيحيين والازارقة، وجامل الملحدين وقاوم الغلاة. وأظهر قدراته العلمية والإعجازية بحكمته وصبره وحلمه. وقد أجمع المؤرخون على أنه لم يسيء إلى من ظلمه واعتدى عليه، وإنما كان يغدق عليه بالبر والمعروف، ويقابله بالصفح والإحسان، حتى أن أحدهم قال يوماً: - يا محمد إنما اخشى مجلسي، لا حباً مني إليك، ولا أقول: إن أحداً ابغض إلي منكم أهل البيت، وأعلم ان طاعة الله وطاعة أمير المؤمنين في بغضكم، ولكني أراك رجلاً فصيحاً لك أدب وحُسن لفظ فإنما اختلف إليك لحسن أدبك. فنظر إليه الإمام بعطف وحنان وأخذ يغدق عليه ببره ومعروفه، حتى استقام الرجل وتبين له الحق فتبدلت حالته من البغض إلى الولاء للإمام، وظل ملازماً له حتى حضرته الوفاة فأوصى أن يصلي عليه. فلم يكن الإمام (عليه السلام) جامعة للعلم والمعرفة فقط، بل للأخلاق والفضيلة التي أثرت في بنية المجتمع الإسلامي حتى أعطى قطوفها ولحد الآن. |