السيدة فاطمة الزهراء (ع)

    الصفحة الرئيسية

الزهراء عليها السلام في عمق الزمن

هل باستطاعة أحد - مهما بلغ من الجبروت والعظمة أن يحجب ضوء الشمس وحرارتها عن الأرض؟؟ سؤال واضح وبسيط.. وجوابه أبسط منه.. ذلك لأنّ الشمس ينبوع نور غزير، ومصدر حرارة وفير.. من أراد أن يواجه تيّارها يحترق بنارها، ويتحوّل إلى رماد تذروه الرياح.

مَثَلُ الزهراء (عليها السلام) كمثل طاقة الشمس الهائلة.. ينبوع بركة، وبحر متلاطم الأمواج من الخير، لذلك سمّاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمباركة، وأطلق عليها ربنا الكريم صفة (الكوثر) حين قال: (إنا أعطيناك الكوثر)، وهو على وزن (فوعل) من صيغ المبالغة والكثرة، ومعناه: الخير الكثير العميم.. كخيرات الشمس المنهمرة في كلّ لحظة على ربوع الأرض..

أظهر مصاديق البركة والخير.. هو: توالد الأجيال المتعاقبة من نسل الزهراء (عليها السلام) الذي امتدّت جذوره في عمق الزمن.. والسؤال المنتصب أمامنا هو: من أين بدأ انتشار ذريّة الزهراء (عليها السلام)؟ وكيف تحقّق ذلك؟ ثمّ كم هو عددهم التقريبي اليوم؟ مع العلم بأنّ أجهزة السلطات الأموية والعباسية وغيرهما جندت كلّ قواها العسكرية والأمنية وغيرهما، وبذلت قصارى الجهود في سبيل استئصال نسل الزهراء وعلي (عليه السلام) من الأرض.. وتتبّعوهم تحت كلّ حجر ومدر.. وبنوا عليهم الجدران. وهدموا عليهم السُّجون، ووأدوهم فيها وهم أحياء وفعلوا الأفاعيل التي تقشعّر منها جلود مجرمي التاريخ ووحوش البراري.. رغم كلّ ذلك ضحك عليهم القدر.. وحكمت إرادة السماء بانتشار وتجذر خط الزهراء (عليها السلام) في عمق التاريخ والزمن!!

أعجب قضية تاريخية: علي المريض والحسن الجريح: في المعركة التاريخية بين معسكر الحقّ ومعسكر الباطل يوم عاشوراء. نادى عمر بن سعد بعد أن أجهز كاملاً عن بكرة أبيهم واستأصلوا شأفتهم من الجذور!!

إلاّ أنّ المشيئة الإلهية أبت إلاّ إرغام أنف الغطرسة الأموية الطاغية ضدّ الحق ورجاله.. فبقي علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) طريح الفراش يصارع آلام المرض.. فلم يضرب بسيف ولم يرم بسهم ولم يطعن برمح، وحين أراد شمر قتله وقعت عليه عمّته الصديقة الطاهرة زينب الكبرى (عليها السلام) قائلة: إن أردت قتله فاقتلني قبله!! وتكرّرت القضية في مجلس ابن زياد أيضاً، وهكذا تمكّنت من ردع ذلك الجبّار العنيد من اغتيال علي بن الحسين (عليه السلام) المريض. هذا من جهة، ومن جهة أخرى سقط البطل الحسن بن الحسن بن علي (عليه السلام) على أرض المعركة جريحاً، وقد أعياه نزف الدم، فظنّ القوم أنه استشهد، وبعد اجهازهم على سبط رسول الله الحسين (عليه السلام) رفعوا أصواتهم بالتكبير وهتفوا مستبشرين: قتل الحسين. سمع الحسن هتافهم الحاقد فقام واقفاً على قدميه المرتعشين، وضميره يستنهضه ويحفزه لشنّ هجوم على العدو.. فأخذ أسيراً إلى قائد الجيش عمر بن سعد الذي حكم فوراً بقتله.. إلاّ أنّ بعض أخواله من بني زهرة الذين كانوا في الجيش شفعوا له واستوهبوه من عمر. أبى عليهم، فأصروا على طلبهم وكادت الفتنة الداخلية أن تشتعل بين رجال عمر من جهة وبني زهرة من جهة أخرى.. فحسم الأمر قائلاً: أتركوه لأخواله.. أخذوه إلى الكوفة وعالجوه ثمانية عشر شهراً فبرأ من جروحه العميقة الخطيرة..

نعم.. وشاءت إرادة السماء أن يتوالد الملايين من السادة الحسينيين من علي المريض، والملايين من الحسن الجريح!! قال العلامة الجليل آية الله الشيخ مهدي الحائري في كتابه القيّم [شجرة طوبى]: إن السادة الحسينيين - أبناء الزهراء (عليها السلام) - إنما هم من نسل علي المريض فقط، ويقدّر عددهم بخمسة وعشرين مليوناً.. كما أن أبناء الزهراء من السادة الحسنيين إنما هم من نسل الحسن الجريح فقط، ويقدّر عددهم بخمسة وعشرين مليوناً أيضاً، وقيل أن عددهم أكثر من ذلك.

•• أبناء الزهراء والبطولات التاريخية

إنّ الآلاف من أبناء الزهراء (عليها السلام) الذين صاغت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) شخصياتهم سطّروا بطولات فذّة.. وسجّلوا مواقف خالدة في الدفاع عن الحق ومسيرته.. كم منهم قادوا الثورات الإصلاحية العظيمة كمحمد ذي النفس الزكية في المدينة، وأخيه إبراهيم في البصرة، والحسين بن علي شهيد فخ في مكة، وزيد بن علي في الكوفة، وأولاده الشهداء الأبطال وغيرهم كثير.

وكم منهم أسّسوا حكومات إسلامية سارت بهم على نهج الكتاب والسنة.. كالسادة الحسينيين الأشراف في مكة المكرمة الذين طالت مدّة حكمهم حوالي ألف سنة، وكان آخرهم الحسين بن علي شريف مكة، وكالسادة الحسنيين الأشراف الذين أسّسوا دولة في المدينة المنورة، وطال عمرها أيضاً حوالي ألف سنة، وكالأدارسة في المغرب، والطباطبائيين في اليمن، وغيرهم كثير. وكم منهم شمخوا إلى قمم العلوم الإسلامية والأدبية والزمنية كالسيدين الشريفين الرضي والمرتضى، وابن زهرة صاحب كتاب [الوسيلة في الفقه الاستدلالي] والذين يعتبر من مصادر كتاب [المكاسب] لشيخ الفقهاء الأنصاري (قدس سره). وكم منهم تصدّوا للمرجعية الدينية العليا كالمجدد الشيرازي الكبير - قائد ثورة التنباك التي دحرت جيوش الاستعمار البريطاني في إيران - وحفيده المرجع الأعلى الإمام السيد محمد الشيرازي (دام ظله الشريف) صاحب (الموسوعة الفقهية) الشهيرة ذات المئة والأربعين مجلداً.. والتي أفتى العديد من المجتهدين ومدرّسي الخارج بأعلمية مؤلّفها.

وهؤلاء من سلالة زيد بن علي الذي كان مريضاً في يوم عاشوراء. ويذكر من رموز المرجعية الدينية العليا الإمام السيد أبو الحسن الأصفهاني، والسيد حسين البروجردي، والسيد محسن الحكيم (قدس أسرارهم)، وهم من سلالة الحسن المثنى الجريح الذي استنقذوه أخواله من مخالب عمر بن سعد..

هذا.. ومن أراد الاستقصاء سيقف مبهوراً من بركة الزهراء (عليها السلام)، ويكتشف أنّ عشرات الآلاف من أبناء الزهراء (عليها السلام) الذين انحدروا من سلالة الإمام زين العابدين (عليه السلام) - المريض - والحسن المثنى الجريح كانوا من العظماء الكبار ووجهاء بلادهم وأقواهم، وسجّلوا أدواراً مشرقة في التأليف والخطابة والأدب والمرجعية والثورات الإصلاحية، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

الشيخ ناصر حسين الأسدي

 
 

للأعلى