|
|
|
عيد الغدير |
|
|
عندما تُقلب الحقائق |
|
|---|---|---|
|
العوامل والأسباب:
لدى كثير من الناس يعتبر الامتثال لأوامر القيادة في حضوره يختلف عن امتثالهم لها بعد غيابه، فعالم الشهادة والحضور عند عموم الناس ليس كمثل عالم الغيب، من هذا المنطلق فقد إذن لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أكثر من مرّة في تبليغ الناس الامتثال لولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) على أن يتخذوه أميراً عليهم من بعده، ولذلك دعت آية التبليغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالإشارة لهذا الموضوع في صيغة هي عند فقهاء الأصول دلالة على الوجوب لظهور الأمر بالوجوب في الآية الشريفة بقوله تعالى (يا أيّها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك، وان لم تفعل فما بلّغت رسالته) المائدة / 67 ولاشك فإن تفاعل الجماهير لتنفيذ أوامر القيادة في حياتها يختلف عما هو عليه بعد غيابها خصوصاً لدى ضعاف النفوس والذين يبحثون عن أيّة ثغرة ينفذون بمصالحهم من خلالها، فليس من المستغرب أن ينساق المتمصلحين مع تيار الجماهير المبايعة للإمام علي (عليه السلام) في غدير خم أمام مرأى ومسمع قائدهم ثم سرعان ما ينكثوا بيعتهم بمجرد وفاة الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله)، وكيف لا.. والتاريخ النبوي يشهد بأن الرسول قد عانى الكثير في إقناع بعض الصحابة بتنفيذ أوامر قد وجدوا في أنفسهم حرجاً منها، كالأمر بالحلق في منى وما شابه، فما هو المتوقّع إذاً بعد وفاته (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم) آل عمران / 144.
تشكّل العوامل النفسية المنحرفة والطبيعة القاسية لدى بعض الأفراد عاملاً مساعداً لمرض قسوة القلب الذي بدوره يشجع صاحبه على مصارعة حقوق الآخرين والقفز على الحقائق وتغليب المصالح الشخصيّة الضيّقة وعدم الخضوع للحق كونه مخالفاً لهواه، وهو ما يعبّر عنه لدى فقهاء الأصول بعنوان (التجرّي) ولعلّ مرض قسوة القلب لدى بعض مَن حضر واقعة الغدير قاده إلى هضم حق الطرف الآخر، وقد أنكر البعض من هؤلاء تنصيب النبي (3) علياً أميراً على المسلمين قبل تفرق الناس عن الواقعة والموقع، فما هو موقفهم والحال هذه بعد مضي أشهر على الواقعة في الوقت الذي لا وجود فيه لشخص ومقام سيدنا رسول الله (3) بينهم فما كان إلا أن نزلت الآية الشريفة بقوله تعالى حول هذه الظاهرة (وإذ قالوا اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو آتنا بعذاب أليم) [سورة الأنفال: الآية 32]. بيد أن تعاليم السماء تثمر في القلوب اللينة كما تثمر الأشجار وتنمو في السهول المنبسطة والأراضي الخصبة وليس في الصخور الصلبة والجبال والوديان الوعرة. وليس مستغرباً أن يخضع البعض لقول الحق ساعة ثم سرعان ما ينكر ذلك بعد فترة وجيزة، والسبب في ذلك واضح راجع لخراب النفس وفسادها بعد ما كانت تتقبل الموعظة وذلك لطغيان الشهوات وإهمال التزكية المستمرة للنفس إذ أن النفس أمّارة بالسوء (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة، وانّ من الحجارة لمّا يتفجّر منه الأنهار، وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وان منها لما يهبط من خشية الله. وما الله بغافل عمّا تعملون) [سورة البقرة: الآية 74] ومن الآفات التي تقود صاحبها لتحطيم حقوق الآخرين وتجاوزها آفة الحسد الحاطمة، فجرثومة الحسد إذا اخترقت صدر الإنسان قد لا يشعر بها ولكنها تنمو وتكبر شيئاً فشيئاً في القلوب الضعيفة وتعشعش في النفوس الوضيعة حتى تسيطر على كافة القلب فتودي صاحبه وترديه في دار الدنيا والآخرة، ولا يخفى ما لأمير المؤمنين (عليه السلام) من حسّاد مبغضون في طول التاريخ وعرضه، وذلك لتفوّقه (عليه السلام) على نظرائه جميعاً وفي كافة الأصعدة والميادين، فبدلاً من أن يستفيد الآخرون من إمكانيّاته وإنجازاته (عليه السلام) راح ضعاف النفوس يبحثون عن فرص تمكنهم فيها من قلب الحقائق والوقائع على تلك الحقيقة في قول الباري عزّ مَن قائل (ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق) [سورة البقرة: الآية 109]. ثالثاً: اتباع أسلوب تضليل الحقائق وكتمانها: وهذا النوع من الأسلوب الملتوي ليس جديداً في تاريخ البشرية، وهذا ما يصطلح عليه بأسلوب تزييف الحقائق بحيث يراها الناس حقيقة وواقعاً في حين أنها معكوسة ومقلوبة تماماً، وعادة ما تمارسه هذه الأيام وسائل الإعلام المضللة والفضائيات العالميّة عادة (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم، وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون) [سورة البقرة: الآية 75]، والمنافقون هم ابرز مَن يجيدون هذه الأدوار، فهم عادة ما يسطنعون للملأ دوامة من المشاكل ويفتشون عن ثغرة ينفذون من خلالها لتحريف الحقائق والوقائع الثابتة، كيف لا.. وقد رأينا بعضهم يقوم بتأويل باطل لكلمة (مولاه) الواردة في نص الغدير لغير المعنى الحقيقي الذي أراده قائله رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد كشف الباري تعالى أساليب هذه الفئة بقوله (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) [سورة آل عمران: الآية 7]. رابعاً: شراء الأقلام المأجورة: وهناك طبقة من الناس يصنّفون على اعتبار مستأجرين لخدمة أسيادهم من أصحاب الرساميل والطبقات الأستقراطية، فهم عبيد لمن يملأ أفواههم بالدينار والدرهم، فإذا كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو باب علم مدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلا يمنع أصحاب الأقلام المأجورة أن يجعلوا من حيطانها وأسقفها بل وحتى أسواقها لمن يدفع أكثر، انها البورصة التي قد تلاعب بها أمثال معاوية بن أبي سفيان كثيراً، والذي كان يغدق من أموال بيت مال المسلمين لهؤلاء بلا اكتراث منه للنيل من كرامة الإمام علي (عليه السلام) فوق رؤوس الاشهاد على منابر الجمعة لأكثر من عشرين عاماً متواصلة، وقد فضح الباري تعالى أمثال هؤلاء في القرآن الكريم بقوله (فويلٌ للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثمّ يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، فويلٌ لهم مما كتبت أيديهم وويلُ لهم يكسبون) [سورة البقرة: الآية 79]. |
||