الفهرس

 

الوصي المرتضى

 

 

مولاي... ما أحوجنا إليك

 

حسن جابر


إنّ عجالة متواضعة، تستهدف بعضاً من شخصية هذا القائد الملهم وإن بدت وضيعةً، تبدو حاجة إنسانية ماسة وخصوصاً في تلك الظروف الملحة، والمراحل الحرجة التي نمر بها.

فالإمام (عليه السلام) طويٌ عمي، وعودٌ، بريٌ وقّاد والكشف عن حقيقة كُنهه يتركُكَ كأرشية تدلت مضطربةً في بُعدها الغائر... ونحن نبدو أسرى حقبنا الزمنية المتردّيَة، ندور في حلقاتٍ مفرغة لا نلوي على شيء.

أين نحن من علي (عليه السلام)؟... ومن سلوك ونهج وحياة علي؟

لقد أهملنا تلك الثورية العلوية في المفاهيم والقيم والمبادئ والفكر والإرادة الإنسانية والتقوى الإيمانية!!.. قصّرنا بحق تاريخنا، وبتنا بلا ماضٍ مشرق.. وبحاضرٍ مظلم.. ومستقبل مبرم.

أيُّها الأعزاء... إن سعة الدائرة التي انطلق منها إمامنا (عليه السلام)، وتصدّى من خلالها لهموم الأمة، كفايةً عن كونه الأكثر لصوقاً برسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى كان يرى نوَر الوحي، ويشمُّ ريحَ النبوَّة ففُتحت أبواب الدين له وتفتّقت آفاقُهُ به وقد عبّ منه (صلى الله عليه وآله) الكثير الكثير، حتى غدا صنوه ووارثه ونفسه بنفس القرآن والسُّنة.

فللإطلالة على هذه الشخصية الرسالية الجامعة المتفرّدة شأن خاص، فتغدو به أقلامنا سيّالة رغم عجزها، وتتزاحم العبارات ملقية حُجَبَها فيه، ليكون لها شرف السَّبقِ، وتفتخر على من سواها بذكره.

ومهما اتسّعت وتضافرت كتب الرواية والدراية لنقل صفاته وفضائله، والحديث عنه (عليه السلام)، تبقى ورغم ما أثقلت به عاجزاً عن بلوغ القرآن الناطق، كيف لا وقد قال فيه نبيُّنا (صلى الله عليه وآله) يا علي:... وما عرفك حق معرفتك آلا الله وأنا.

نعم، فهو استمرار الرسالة ودعامتها، ودستورها وعنوان ديمومتها، ومنهاجها القويم، وفيصلها، وصدّيقها، وفاروقها، وصراطها المستقيم... رفع لواءها، ودوّي صرختها الحقة... سيد العرفاء، وإمام الحكماء والأتقياء، وهادي الأمة ونبراس المسير، وميزان المحشر.

أمّا السُّلطةُ عنده، ما كانت إلاّ ليقيم حقاً ويدفع باطلاً ويزهقه ونصرة مظلوم، ومقارعة ظالم، وإلاّ فهي أرخص من شَسْعِ نعل، مسالمته، ما سلمت أمورُ المسلمين عامة، وإن كان الجورُ عليه خاصة، فلا الرئاسةُ هدفه، ولا الإمارة طموحُه.

فقد أسلم (عليه السلام) يافعاً، ونصر فتىً مقداماً، وجاهد شاباً وما ناهز العشرين، فغدا أحدَ بناة الدين المتين، وخيرَ قاضٍ فيهِ بعد رسول الإنسانية محمد (صلى الله عليه وآله)، وهو بابُ الورع والتقوى، لمحرابي البكّاء، عانى الصبرُ من جلادة صبره، إذْ قُدّر لهذا الإمام العظيم أن ينفذَ في مجتمع تراكمت أحداثُه، وجاءَت أيامُه مثقلةً بالآلام الجسام، وتشغله بفتنها الصمّاء العمياء، وأقصته رغماً عن دوره في تحقيق أمانيه، وتطلعاته... ثم جاء البيتُ الأموي المرواني (عليه لعائن الله) ليعمل على طمس تلك الحقبة المشرقة في تاريخ هذه الأمة، لئلا تكون شاهدَ إدانةٍ على ممارساته، وأفعاله.

ومع ما عاناه ولاقاه، لم تثنه تلك المحاولات، عن انحيازه للإنسان، أنّى ومَن كان.. فهما صنفان، أخٌ في الدين أو نظيرٌ في الخلق، ويبرز ذلك في عهده لعامله على مصر (مالك بن الحارث الأشتر النخعي) وهو أطول عهد لعامل على بلد من بلدان الخلافة، فالإمام (عليه السلام) ما ترك عوناً وما وفر نصحاً، ولا ادَّخر طاقةً في سبيل العدل والسلام إلا وأسداها... والله دائماً هدفه.

أما لولاته وعماله، أمرهم بتقوى الله واتباع أمره، وامتلاك الهوى، وشح النفس، واستشعار الرحمة والرأفة للرعية ووقاية ما يدغل القلب ويُنهك الدين، ولتكن استشاراتهم ممّن قلّت آصارُهُم، ولم يعاونوا ظالماً، وأن لا تكون لهم بطانة من أعوان الظلمة، ممّن يطرون ويمارون، وأمرهم بلزوم العدل، إذْ ليس المحسن والمسيء سواء، والأخذ بإيجابيات من قد سلف من الحكم، ومدارسة العلماء ومحادثة الحكماء... وتفعيل الإدارة، وتنسيق الجهود بين أبناء الأمّة لخير الرسالة... واستعمال القضاة، ممن لا تعسره الأمور ولا يتمادون في ذلة بعد سفورها، وأصبرهم على المراجعات، وحذرهم من الجور على الطبقة الفقيرة وأن يكون ما للأقصى للأدنى.

ومجالنا أيها الأخوة لا يتّسع لنتاج نفخة روح الله البهية، وقبس من محمد (صلى الله عليه وآله)، الذي يهتدى به المؤمنون لعز دنياهم وسعادة آخرتهم.

وعلى ما نحن عليه سيدي الإمام، نعيد ونكرّر: ما أحوجنا إليك.

الجنوب اللبناني - يانوح