الفهرس

 

الوصي المرتضى

 

 

السياسة الداخلية في حكومة الإمام علي (عليه السلام)

 

د. محسن الموسوي


تقوم السياسة الداخلية في الدولة الإسلامية على مبدأ التحابب والشعور المتبادل بالموّدة والمحبة، وعلى هذه القاعدة وضع الإمام علي (عليه السلام) أسس هذه السياسة مؤسساً بناءً شاهقاً للعلاقة بين الحاكم والرعية.

يقول الإمام: وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم، واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، يفرط بهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتي على أيديهم في العمد والخطأ. فاعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك والله فوق من ولاك، وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم.

فالعلاقة القائمة ليست علاقة حاكم ومحكوم بل هي علاقة أب لأولاده يكن لهم الحب والعطف ويلطف بهم كما يلطف الأب بأبنائه وإذا ما أراد معاقبتهم على أخطاء أرتكبوها فلا يتجاوز الحدود، فلا يكون عليهم كالسبع يريد التهامهم والانتقام منهم بل يكتفي في حدود التأديب.

وبالنص السابق يقلب الإمام (عليه السلام) مفاهيم السلطة ويأتي بمفهوم ليس بجديد بل يحيي تجربة الإسلام الخالدة في الحكم. فالحاكم هو أب قبل أن يكون حاكماً. وعلاقاته بشعبه هي علاقة حب وعطف. وعلى قاعدة أبوّة الحاكم ترسى جميع القيم والمُثل المتعلقة بالعلاقة بين الحاكم والرعية. وكما يرسم الأب سياسته في إدارة البيت على أساس من الحب والرحمة فكذلك الحاكم في خططه وسياسته فهو يعتمد هذه القاعدة أيضاً. فالحبّ هو الجسر الموصل إلى القلب. وعندما يحكم الحاكم بقلبه الكبير وليس بسوطه الطويل يصبح حاكماً على القلوب قبل أن يكون حاكماً على الأبدان. ويتكون على شاطئ هذه العلاقة، مستوى عال من الديناميكية بين الحاكم والرعية فالحاكم بحاجة إلى تعاون الرعية ومشاركتهم له كذلك الرعية بحاجة إلى الحاكم ليقود المسيرة إلى ما فيه الصلاح والخير.

معايير السياسة الداخلية

وبعد إرساء العلاقة المتينة بين صنوف المجتمع على قاعدة الحب، يبادر الحاكم إلى وضع سياسة معقولة ليسلكها مع أبناء بلاده.

يقول الإمام (عليه السلام): (وليكن أحبُّ الأمور إليك أوسطها في الحق. وأعمّها في العدل، وأجمعها لرضا الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة) فالسياسة التي تقوم على ثلاث موازين، ميزان الحق، ميزان العدل، ميزان رضا الرعية هي الكفيلة بتحقيق التقدم والسعادة للأمة. فالحق يصد الحاكم عن الانحراف والعدل يصدّه عن الظلم ورضا العامة يصدّه عن الدكتاتورية. ويقف رضى الناس معياراً هاماً يتوازن مع الحق والعدل لطرفي المعادلة التي تقوم عليها السياسة الداخلية.

الخاصة خطر على الجماهير

الخاصة وهي المجموعة المنتفعة الملتفة حول الحاكم، هي التي تُشكل خطراً مستمراً على الشعب. تدأب الخاصة على الإمساك بالحاكم من تلابيبه وتسيره لخدمة مصالحها فهي إذن العقبة الكبرى في طريق العلاقات بين الحاكم والمحكوم ولذا لم ينس الإمام (عليه السلام) من تحذير ولاته من مسايرة الخاصة فيقول: فإن سخط العامة يُجحف برضا الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة، وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء وأقل معونة له في البلاء هو أكره للإنصاف وأسأل بالإلحاف وأقل شكراً عند الإعطاء وأبطأ عذراً عند المنع وأضعف صبراً عند ملمات الدهر من أهل الخاصة.

فأية فائدة ترتجى من أفراد الخاصة فهم في أوقات الضيق لا يعرفون أنفسهم وفي أوقات الرخاء ينسفون العلاقة بين الحاكم وبين الناس بتصرفاتهم الغوغائية فهم رجال المصالح وليس رجال دولة ولا رجال حُكم. يدورون به ما دارت معايشهم... ويفهم من كلام أمير المؤمنين رغبة ملحة لاستبعاد طبقة الخاصة، فوجودها سيضرّ بمصلحة البلاد، وأول المتضررين من وجودها حول السلطة هو الحاكم نفسه. وعلى الحاكم أن يستبدل تلك العناصر الفاسدة بعناصر مخلصة.

يقول الإمام: والصق بأهل الورع والصدق ثم صنهم على أن لا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو وتدني من العزة ولا يكتفي أن يثق الحاكم بالخاصة إنهم من أهل الورع وحسب بل عليه أيضاً أن يروضهم على الصدق والواقعية في التعامل معه. وان يفهم أنه ليس بالشخص الذي يطير فرحاً بكلمة مديح، ويغيّر مواقعه بكلمة اطراء واحدة يسمعها من المتزلفين. بل هو حاكم صارم يتعامل مع الأشخاص بواقعية وليس بالكلمات البراقة.