|
|
|
الوصي المرتضى |
|
|
لا ظالم ولا مظلوم |
|
|---|---|---|
|
جورج جرداق يكتب عن صوت العدالة الإنسانية
- بقدر ما يحب الإنسان الجمال يكره القبح. وعلى مقدار ما يطلب العدل ينفر من الجور. وحسبما يتوهّج إلى دفء الوجود تهولُه برودة العدم. وهو لا تحمله قدماه في وعورة الأرض عبر الكهوف والأودية وصخور الجبال، إلا إلى ديار المودّة! أمّا الذي لا يكره فهو الذي لا يُحب! وتتصل حلقات السيرة العلوية في القضايا العامة اتصالاً مُحكماً كريماً. وتتداخل مواهب عليّ في الإدارة والولاية والقيادة والأخلاق العظيمة تداخلاً تتألف منه الشخصية العلوية الفذة في وحدة متلازمة العناصر. فذّة! فإذا ثورته على الاحتكار والاستغلال هي في الوقت ذاته ثورة على الظلم والظالمين. وإذا نقمته على الأثرياء والأقوياء المستثمرين ثراءهم وقوتهم بما يؤذي الجماعة، وعلى الأغبياء المتعالين. هي في حدّ ذاتها نقمة على الاستبداد بكافة أشكاله. وإذا نزوعه العميق إلى رعاية المستضعفين بالعدل وقد وُلدوا بشراً لا يهونون إلاّ في مجتمع مغلوط، وإلى تحرير المستعبدين، وقد خُلقوا أحراراً لا يذلّون إلا وقد ذلّت الكرامة الإنسانية بالذات، هي في الحين نفسه نقمةٌ على من أهان وأذلّ! وإذا كان في ما رأيناه حتى الآن من انتصار الإمام لأهل الحاجة، انتصارٌ للمظلوم وإذا كان في ما رأيناه حتى الآن من سخط الإمام على خصوم الإنسانية والمجتمع والعاملين في غير هدي الضمير، سخطٌ على الظلم، فما ذاك بسبب يكفينا عناء الكلام على موقف ابن أبي طالب من الظلم والظالمين نصّاً منطوقاً. ففي الظلم نصّاً، ما هو أشمل من الاحتكار والاستغلال والاستهتار بالكرامات، وما هو أبعد في الإشارة إلى هذه النقائص، إلى ما بدا منها وما اختفى! والظلم على كل حال، لفظٌ لا تجد للإمام قولاً في خطبة أو وصية أو عهد إلا وهو فيه. وإلا وثورته تنصب على روحه ومعناه. وإلا ولسانه وبيانه يصيبانه بكل لعنة! لا ظالم ولا مظلوم! هذه هي إرادة ابن أبي طالب. وهذا ما يأباه زمانه! ويتخلف عن مسايرته في هذه الإرادة حتى المظلومون أنفسهم لخوف قديم ألم بهم فباتوا يخشون معاندة ظالميهم. أو لجهل حملوا به على قبول الرشوة إلا من خلق ربك من كبار القلوب! ولكن، هل يضعف علي والناس متألبون عليه سائرون إليه في ركاب النافذين؟ هل يضعف الفارس الغريب الكئيب في أرض الآلام يقيم بها بين السباع الضواري، وفي أبناء آدم وحواء كراهية للموت، لاشك؟ هل يضعف و (الظالم يزداد عتوّاً) والنافذون (يعملون في الشبهات) ويتاجرون بضمائرهم فيدفعونها ثمناً للمغانم ينتهزونها وللمنابر يفرعونها، والبلاد نهبةٌ لهم وهم لمظالمهم متعصبون يأخذهم الكبِر ويغريهم الفخر، يتلوّنون ألواناً ويعدّون لكل حقٍ باطلاً ويتقارضون الثناء ويتراقبون الجزاء، وقد استغلّوا العدل والحق، وطغوا وبغوا وأفسدوا في الأرض وتجبّروا؟ هل يضعف وأنصاره أنفسهم (ما عزّت دعوة مَن دعاهم، ولا استراح قلب مَن قاساهم. ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب! صُمّ ذوو أسماع، بُكمٌ ذوو كلام، لا أحرار صدقٍ عند اللقاء ولا إخوان ثقة عند البلاء!) إن المرء ليضعف في مثل هذه الشروط، إن لم يكن علي بن أبي طالب! فالحنان العميق الذي يكنّه علي للناس يحمله على ألاّ يهادن مَن أساء للناس ولو كانت حياته الثمن لذلك! وإنه ليكذب، لعمري، أو يجهل حقيقة الطبائع، مَن يخال أن من شروط الحنان والرقّة، القعود عن الثورة على الظالمين. وأن من مظاهر العاطفة الودود الاستسلام دون التمرّد فالحنان العطف يحملانك دون تردد على أن تتمرّد وتثور على الظالم تخليصاً لمن تعطف عليهم مما يرسفون به من قيود! وإن العطف والحنان والحب هي التي تدفعك، في بعض الحالات، إلى العنف حتى أقصى حدوده. إنّ ابن أبي طالب لن يتراجع عن محاربة البغي، ولن يضعفَ وفي الأرض عزيزٌ يضطهد ذليلاً، وكبيرٌ يقهر صغيراً! لن يضعف ولن يتراجع وفي قلبه من الحنان والمحبة ما يكلّفه الثبوت في الصراع بين الحق والباطل، وما يضمن له القدرة على قيادة المعركة. وكان عليّ يؤمن إيماناً وطيداً بأنه (لابدّ من إمام يُؤخذ به للضعيف من القوي وللمظلوم من الظالم حتى يستريح بَرّ ويستراح من فاجر) و (أن الله قد أعاذ الناس من أن يجور عليهم) فكيف يجور عليهم الجائرون! و (أنه امتحن الأمراء بالجور) فإذا ظلموا انتهى أمرهم لأنه (إن أمهل الظالم فلن يفوت أخذهُ فهو له بالمرصاد على مجاز طريقه!) وعند ذاك يكون (يوم العدل على الظالم أشدّ من يوم الجور على المظلوم!) ومن أوامر ابن أبي طالب الدائمة (أمرتكم بالشدّة على الظالم) و (خذوا على يد الظالم السفيه!) ثم إنه لن يكفّ عن محاربة الظلم ولو رأى شهادته ماثلة لعينيه. ولن يبالي ولو تألّبت العرب عليه يساندها أهلُ الأرض جميعاً، في شعاب الأرض ووهادها! ورجال العلم في مذهب علي قادة الأمة، وعليهم من ثمّة مسؤولياتٌ جِسام في طليعتها مقاومة الظالم والانتصار للمظلوم. ويقول: (وقد أخذ الله على العلماء أن لا يُقارّوا على سغب مظلوم!) وهكذا وضع ابن أبي طالب رفع الظلم بأشكاله وألوانه جميعاً - ولاسيما الظلم المادي - في أساس دستوره في شعب. وهكذا حارب الظالمين بلسانه وسيفه وهو معتصم بذمته في ذلك، وظلّ يُديل من أهل البغي حتى استشهد عظيماً! ولو قد استوت قدماه من مزالق دهره لَغيّر أشياء! وتيك آية ابن أبي طالب! |
||