الفهرس

 

الصديقة الزهراء - 1

 

 

فاطمة الزهراء

 

الإمام السيد موسى الصدر


(إنّ الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها)، (فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن أحبّها فقد أحبني)، (فاطمة قلبي وروحي التي بين جنبي)، (فاطمة سيدة نساء العالمين).

هذه الشّهادات وأمثالها تواترت في كتب الحديث والسيرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، الذي لا ينطق عن الهوى ولا يتأثّر بنسب أو سبب ولا تأخذه في الله لومة لائم.

مواقف من نبي الإسلام الذي ذاب في دعوته وكان للناس فيه أسوة فأصبحت خفقات قلبه ونظرات عينه ولمسات يده وخطوات سعيه وإشعاعات فكره، قوله وفعله وتقريره، وجوده كله أصبح تعاليم الدين وأحكام الله ومصابيح الهداية وسبل النجاة.

أو سمة من خاتم الرسل على صدر فاطمة الزهراء، تزداد تألقاً كلّما مرّ الزمن وكلّما تطوّرت المجتمعات وكلما لاحظنا المبدأ الأساس في الإسلام في كلامه لها (يا فاطمة أعملي لنفسك فإني لا أغني عنك من الله شيئاً).

فاطمة الزهراء هذه مثال المرأة التي يريدها الله، وقطعة من الإسلام المجسّد في محمد، وقدوة في حياتها للمرأة المسلمة وللإنسان المؤمن في كلّ زمان ومكان. إنّ معرفة فاطمة فصل من كتاب الرسالة الإلهية ودراسة حياتها محاولة لفقه الإسلام، وذخيرة قيّمة للإنسان المعاصر.


أمُّ أبيها


إنّ فاطمة الفتاة تحاول أن تشارك في جهاد أبيها فتسعى مخلصة لسدّ الفراغ العاطفي الذي كان يعيشه الرسول بعد أن فقد أبويه في أول حياته وهذا الفراغ كان يزعج النبي ويعكس على قلبه الرهيف المشتاق إلى الحب. إن الرسول كان بحاجة إلى عطف الأم ورعايتها في حياته وفي عمله الشاق المضني في مواجهة بيئته القاسية بالنسبة إليه وقد وجد هذا كله في فاطمة.

إن التاريخ لا يحدثنا إلا نتفاً عن هذه المواقف الأمومية التي كانت تصدر عن فاطمة بالنسبة للرسول، ولكنه يؤكد نجاح فاطمة في هذه المحاولة التي أعادت إلى محمد الإكتفاء العاطفي الذي ساعده دون شك في تحمل الأعباء الرسالية الكبرى. إن التاريخ يؤكد هذا حينما ينقل تكراراً عن لسانه (فاطمة أم أبيها)، وحينما نرى أنه كان يعاملها معاملة الأم فيقبل يدها ويبدأ بزيارتها عند عودته إلى المدينة، ويوّدعها وينطلق من عندها إلى الأسفار والرحلات وكأنه يتزود من هذا النبع الصافي عاطفة لسفره.

ومن ناحية أخرى إنّ إحساس النبي بالأبوّة كان يتجسّد في صلاته مع فاطمة وحينما أمِرَ الناس بأن يخاطبوا محمداً برسول الله ونفذت فاطمة هذا الأمر، منعها رسول الله وطلب منها أن تناديه (يا أبه).

ونلاحظ في سيرة الرسول الأكرم كثرة دخوله عليه في حالات تَعَبه وآلامه أو حينما يجرح في الحروب أو حال جوعه أو فقره أو دخول ضيف عليه، ثم تقابله فاطمة الأم ترعاه وتحتضنه وتضمّد جروحه وتخفّف من آلامه وتقابله فاطمة البنت تخدمه وتطيعه وتهيئ له ما يحتاج إليه وهكذا نجد دورها العظيم في حياة رسول الله.


في طلب العلم


إن فاطمة لا تكتفي بما هيأ لها بيت الوحي من المعارف والثقافات على كثرتها، ولا تقتصر على الإستنارة العلمية التي كانت تهيئ لها شموس العلم والمعرفة المحيطة بها من كلّ جانب. لا أنَّ فاطمة تريد أن تكدح في طلب العلم ولا توفّر جهداً في سبيل كسب هذا الشرف. لذلك نراها في لقاءاتها مع رسول الله ومع علي، باب مدينة، تحاول امتصاص العلوم والمعارف بكل وسيلة بمختلف الأسباب والطرق.

ومن أجمل هذه الوسائل، إرسال ولديها الحسنين إلى مجلس الرسول منذ طفولتهما بصورة دائمة: ثم استنطاقهما بعد العودة إليها والسؤال عما يجري من سؤال وجواب ووحي هناك، وبهذه الطريقة كانت تحرص على التقدم الثقافي المستمر لنفسها مع تشجيع ولديها وترتبيتهما العملية لإستيعاب كامل للمعارف والعلوم بحيث يتمكنان من نقلها. هذا الجهد المتواصل في طلب العلم رغم الأوقات والطاقات التي كانت تبذلها فاطمة في سبيل أداء واجباتها البيتية ومسؤوليتها العامة، هذا الجهد جعلها من كبريات رواة الحديث وحملة السنة المطهرة. وكان عند أبنائها الأئمة المعصومين كتابٌ كبير لها باسم (مصحف فاطمة) ينقلون عنه كثيراً ويتحدثون عنه باعتزاز:

وقد رأيت أن خطبتها الشهيرة التي ألقتها بعد رسول الله وبحضور كبار أصحابه في المسجد حيث أنها صورة رائعة عن عمق تفكيرها الإسلامي واتساع ثقافتها وقوة منطقها ورفعة أدبها، بالإضافة إلى أنّ الخطبة في حدِّ ذاتها صوت الحق والجهر به، وهذا جهاد أكبر.

فاطمة في المحراب

يقول الحسن بن علي (سلام الله عليهما): (رأيت أمي فاطمة في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتّضح عمود الصبح وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء). وفي سيرتها أنها كانت تخصّص الساعات الأخيرة من نهار الجمعة للدعاء.

وأنها في العشر الأخير من رمضان المبارك لا تنام الليل وتُحرّض جميع من في بيتها بإحياء الليل بالعبادة والدعاء. وأنها كانت تشكو من تورّم في قدميها لكثرة وقوفها بين يدي ربّها خاشعة ومتهجّدة.

وهل خرجت فاطمة في حياتها كلها من المحراب؟ وهل كانت حياتها كلها إلا السجود الدائم؟

فهي في البيت تعبد الله في حسن التبعل وفي تربية أولادها (إن مسجد المرأة بيتها)، وهي في قيامها بالخدمات العامة كانت تطيع الله وتعبده في خلقه الذين كلهم عيال الله وأحب خلقه إليه أنفعهم لعياله.

وهي في مواساتها للفقراء وللمتعبين والمعذبين كانت تقوم بعبادة الله بنفسها وبأهل بيتها حيث أنهم كانوا حسب نقل القرآن الكريم (ويطعمون الطعام على حبِّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) حين كانوا (ويُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) والغاية على لسانهم وفي قلوبهم (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً) صفحة من حياتها وركعة من صلاتها.