الغيبة الكبرى
جاء في رسالة الإمام المهدي (ع) الثانية التي كتبها في
بداية الغيبة الكبرى للشيخ المفيد رضوان الله تعالى عليه:
( ولو أن أشياعنا وفقهم الله لطاعته على
اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخر عنهم اليمن
بلقائنا، ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة
وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه
ولا نؤثره منهم، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل،وصلواته على سيدنا البشير النذير محمد وآله الطاهرين وسلم )(1).
حينما يُراد تغيير مجتمع فاسد أو وضع بائس
في مكان ما فلا بد من تهيئة الظروف المناسبة لعملية الإصلاح في
ذلك المكان، وخلق المناخ المثالي والأرضية الصالحة لإنجاح
عملية التغيير، ولأن عملية التغيير للإمام المهدي (ع) ليست
مرتبطة بمكان محدود أو مجتمع محدود،
وإنما تغيير العالم تغييراً شاملاً فهذه العملية الإصلاحية
الكبرى لابد أن يتهيأ لها مناخ عالمي مناسب يشمل جميع الأرض بل
والكون أيضاً.
ولكي تتم هذه العملية بالشكل المطلوب
والفعال لابد من توفر شروط معينة، وهي التي ذكرها السيد محمد
صادق الصدر (قدس) في موسوعة الإمام المهدي (ع) تحت عنوان شرائط
الظهور، وهي بشكل مختصر تتمثل في أربع نقاط أو شروط (2):
الشرط الأول:
وجود النظرية أو الأطروحة الكاملة لعملية التغيير.
وبمعنى آخر وجود الأيديولوجية الفكرية
الكاملة والقابلة للتنفيذ في كل الأمكنة والأزمنة والتي تضمن الرفاهية للبشرية
جمعاء، وهذا ما
تم بالفعل بوجود
الشريعة الإسلامية والرسالة المحمدية الخاتمة.
الشرط الثاني:
وجود القائد المحنك الذي يقود عملية التغيير الشامل.
حيث ينبغي أن يمتلك هذا القائد العظيم
القابلية الكاملة لقيادة العالم كله ونشر العدل فيه،
وهذا أيضا قد حصل والمتمثل في وجود الإمام المهدي (ع).
ويقول السيد محمد باقر الصدر (قدس) بهذا
الخصوص ( إن الإسلام حوَّل فكرة الخلاص من الإيمان بها في
الغيب، ومن فكرة ننتظر ولادتها، ومن نبوئه نتطلع إلى مصداقها، إلى واقعاً ننظر فاعليته وإنساناً معيناً يعيش بيننا بلحمه
ودمه، نراه ويرانا ويعيش مع آمالنا وآلامنا ويشارك أحزاننا
وأفراحنا ويترقب اللحظة الموعودة )(3).
الشرط الثالث:
وجود العدد الكافي من الأنصار والمؤازرين للقائد العظيم.
الذين يشكلون قاعدة للتغيير ولديهم مستوى
عالٍ من الوعي والاستعداد للتضحية بين يدي القائد بحيث يعتمد
عليهم في نشر العدل في جميع أنحاء المعمورة ويكونون قادة لجيش
الإمام ومقاتلين بين يديه.
الشرط الرابع:
وجود قاعدة شعبية مؤيدة وكذلك استعداد عالمي للتغيير.
أي وجود العدد الكافي من المؤمنين المؤيدين
للإمام في حال ظهوره،
وكذلك وجود استعداد لدى شعوب العالم لقدوم المخلص المنتظر.
ن هنا نعرف أن ظهور الإمام سوف يتحققلنا متى اجتمعت
هذه الشروط في زمن واحد مهما طال الزمن، حيث أن هذه الشروط
كفيله بإنجاح عملية التغيير المنشودة، واستحالة تخلف وعد الله
لعباده الصالحين.
ويقول شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي (قدس)
بهذا الخصوص: ( الذي نقوله في هذا الباب.. أن الذي هو لطفنا
من تصرف الإمام وانبساط يده لا يتم إلا بأمور ثلاثة: أحدها
يتعلق بالله وهو إيجاده (ع)، والثاني يتعلق به من تحمل أعباء
الإمامة والقيام بها، والثالث يتعلق بنا من العزم على نصرته
ومعاضدته والانقياد له )(4).
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا
غاب الإمام المهدي (ع) كل هذه القرون الطويلة ؟ وما الحكمة من
استمرار غيبته عليه السلام طوال هذه المدة المديدة التي لا
يعلم انتهاءها إلا الله؟
أسباب وغايات الغيبة الكبرى:
كما ذكرنا في السابق إنه لإنجاح عملية
التغيير للوضع العالمي الفاسد كان لابد من تهيئة المناخ
المناسب والبيئة المثالية لعملية الإصلاح والتغيير، ولكي يتم
ذلك بالشكل المطلوب كان لابد من حدوث عدة أمور هامة تشكل
مجتمعة العلة أو الحكمة من استمرار غيبة الإمام المهدي (ع) حيث
ذكرنا من قبل أن بدء غيبته كان من أجل الحفاظ على شخصه الكريم
من القتل، كما أنهلا ينبغي للإمام المهدي (ع) أن يكون ظاهراً
بين الناس ويرى بعينه المفاسد والظلم ويبقى صامتاً ومكتوف
الأيدي مستسلماً لقوى الطغيان في انتظار حصول هذه الأسباب
والأمور التي سنتحدث عنها، فكان لابد من استمراره في هذه
الغيبة الطويلة حفاظاً على روح الرفض لدى المؤمنين ضد الظلم
والطغيان حتى تجتمع هذه الأسباب وتكتمل، ومن هذه الأمور
المهمة التي كان لابد من حصولها:
1- وصول البشرية لمرحلة متقدمة من التطور العلمي والتقني:
لكي يتمكن الإمام المهدي (ع) من بسط سلطته
على جميع المعمورة وحكم كامل الكرة الأرضية بالقسط والعدل لابد
أن تكون الاتصالات في زمنه سريعة ومباشرة، بحيث يمكنه مراسلة
أي من ولاته في جميع الأقطار وحل مشاكلهم في زمن قياسي، وهذا
الأمر لم يكن بالإمكان تطبيقه قبل مئة عام من الآن مثلاً، إذ
لو أراد أحد ولاته أو الحكام المعينين منه في شرق الأرض أو غربها
مراسلته عبر وسائل المواصلات القديمة كالجمال مثلاً، لاستلزم
الأمر عدة شهور حتى تصل الرسالة له
، وقد تتفاقم المشكلة طوال هذه المدة بحيث لا يمكن حلها بالشكل
المطلوب.
ولذا كان لابد من الانتظار حتى تصل البشرية
لمرحلة متقدمة في العلوم والتكنولوجيا مما يساعد الإمام فيحكم كامل الأرض بسهولة
ويسر عبر استخدامه وسائل التقنية الحديثة في الاتصالات وأجهزة
المراقبة والتحكم عن بعد وغير ذلك من أجهزة وأسلحة متطورة،
مما يساعده أيضا في حروبه التي يخوضها ضد الأعداء من الكفار
والظالمين.
وهذا الأمر نفهمه من الروايات التالية التي تتحدث عن هذا
التطور التكنولوجي في زمان ظهور الإمام المهدي (ع).
فعن أبي الربيع الشامي قال: سمعت أبا عبد
الله (ع) يقول: ( إن قائمنا إذا قام مد الله لشيعتنا في
أسماعهم وأبصارهم حتى لا يكون بينهم وبين القائم بريد ـ أي رسول ـ يكلمهم
فيسمعون وينظرون إليه وهو في مكانه )
(5).
وعن ابن مسكان قال: سمعت أبا عبد الله (ع)
يقول: ( إن المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي
في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق ) (6).
وعن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله
(ع): ( كأني أنظر إلى القائم
على ظهر النجف، فإذا استوى على ظهر النجف ركب فرساً أدهم أبلق
بين عينيه شمراخ، ثم ينتفض به فرسه فلا يبقى أهل بلد إلا وهم
يرون أنه معهم في بلادهم ) (7).
وعنه
أيضاً بشأن خروج الإمام المهدي (ع) قال: ( لا تراه عين في وقت
ظهوره إلا رأته كل عين، فمن قال لكم غير هذا فكذبوه ) (8).
وهذا ما يحدث فعلاً في الزمان الحاضر عبر
شاشات التلفزيون وكاميرات الاتصالات والإنترنت وغيرها.
وعن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه (ع) قال:
( إذا قام القائم بعث في أقاليم الأرض في كل إقليم رجلاً،
يقول: عهدك في كفك فإذا ورد عليك ما لا تفهمه ولا تعرف القضاء
فيه فانظر إلى كفك واعمل بما فيها ) (9).
فربما يكون مضمون الحديث السابق هو ما نراه هذه الأيام من
أجهزة اللاسلكي الحديثة أمثال النقالات ( الجوالات ) أو شاشات
الاتصالات أو ما شابه ذلك.
وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال:(
إنه إذا تناهت الأمور إلى صاحب هذا الأمر رفع الله تبارك
وتعالى له كل منخفض من الأرض وخفض له كل مرتفع منها حتى تكون
الدنيا عنده بمنزلة راحته فأيكم لو كانت في راحته شعرة لم
يبصرها ) (10).
فلعل المقصود بهذا الحديث الآنف الذكر أن الإمام المهدي (ع)
يمكنه أن يطلع على أي مكان في العالم أو أي موقع جغرافي عبر
شاشات الرادار أو الأقمار الصناعية أو ما شابه ذلك.
وعن أبي جعفر الباقر (ع): ( في تأويل قوله
تعالى ) هل ينظرون إلا
أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملآئكة وقضي الأمر وإلى
الله ترجع الأمور ( (11) قال: ينزل
ـ القائم ـ في سبع قباب من نور لا يُعلم في أيها هو حين ينزل
في ظهر الكوفة، فهذا حين ينزل ) (12).
ولعل المراد بهذا الحديث هو الطائرات في الزمن الحاضر أو
ربما الأطباق الطائرة أو ربما أجهزة أكثر تطوراً تكتشف في
المستقبل والله أعلم.
وعن أمير المؤمنين (ع) قال في إحدى خطبه عن
أحداث وعلامات الظهور للإمام المهدي (ع): ( وتقبل رايات شرقي
الأرض ليست بقطن ولا كتان ولا حرير مختمة في رؤوس القنا بخاتم
السيد الأكبر يسوقها رجل من آل محمد (ص) يوم تطير بالمشرق يوجد
ريحها بالمغرب كالمسك الاذفر يسير الرعب أمامها شهرا ) (13).
ولعل أقرب تفسير للحديث السابق هي الصواريخ العابرة للقارات
أو الصواريخ التي يتحكم بها عن بعد أو ما شابه ذلك بدليل قول
الإمام ( يوم تطير بالمشرق يوجد ريحها بالمغرب ) فمن المعروف
أن الرايات والأعلام لا تطير عادة.
وعن الصادق (ع) قال: ( إن قائمنا إذا قام
أشرقت الأرض بنورها واستغنى العباد عن ضوء الشمس وصار الليل
والنهار واحداً وذهبت الظلمة ) (14).
وهذا ما يحدث في الزمان الحاضر مع وجود الكهرباء حيث ذهبت
الظلمة وأصبح الليل مثل النهار مع وجود الأنوار والإضاءة
الكهربائية.
كما لا يمكن تأويل جميع الأحاديث والروايات
السابقة وهناك من أمثالها الكثير جداً بالمعجزات والخوارق،
ولا يمكن القول بأن دولة الإمام المهدي (ع) ستقوم على المعاجز
فقط طوال مدة بقائها.
إذ من المعروف أن الله سبحانه وتعالى أجرى
الحياة الدنيا بالسنن الطبيعية، والمعجزات لا تحدث إلا فيظروف
معينة وفي مجالات ضيقة، كإثبات صدق النبي أو الإمام، لكي لا
يدعي النبوة أو الإمامة أي مدعي كاذب، أو في حالة الحفاظ على
شخص النبي أو الإمام من الأعداء والمخاطر كما تكلم لحم الكتف
المسموم لرسول الله وذلك
حينمادست له تلك اليهودية فيه السم،
أو لوجود مصلحة ما لا تتم بالشكل الطبيعي ولايمكن تنفيذها إلا
بالمعجزة كما سافر الإمام علي (ع) إلى المدائن لتغسيل سلمان
الفارسي وعاد في نفس الليلة إلى الكوفة بقدرة الله تعالى.
وأما في غير هذه الحالات فإن الأمور تجري
بشكلها الطبيعي، وإلا لاستلزم الأمر أن لا يكون هناك جهاد من
قِبل الأنبياء والمعصومين لأعدائهم وتحمل الأذى منهم كما حدث
لرسول الله حينما كسرت
رباعيته، وأُلقيت عليه الحجارة والأوساخ بأبي هو وأمي،
إذ أن الله تبارك وتعالى قادر على نصره بالمعجزة ولم يكن هناك
حاجة حينئذٍ لاستمرار الدعوة الإسلامية طوال 23 سنة التي قضاها
الرسول في ذلك.
ويقول الشيخ حسن موسى الصفار حفظه الله
تعالى بهذا الخصوص: ( صحيح أن خضوع العالم وتسليمه ـ للإمام
المهدي- سيجعل المهمة سهلة، ولكن هناك مشاكل طبيعية يجب أن
نحسب لها حساباً في تصورنا لذلك المستقبل السعيد، منها اختلاف
اللغات وبعد المسافات وكثرة متطلبات الحياة …...، وقد يبادر
البعض إلى إلقاء المسؤولية على الإعجاز، فالإمام مؤيد من قبل
الله ويمكنه أن يستعين بالمعجزة لعلاج كل هذه المشاكل !
ولكنها حينئذٍ ستكون دولة يحكمها الغيب،
وتديرها المعجزة.. مع أن الغيب لا يتدخل في قضايا الحياة إلا
عبر السنن والقوانين الطبيعية، اللهم إلا في بعض الحالات
الاستثنائية المؤقتة،
حيث يحدث هناك التدخل المباشر وتكون المعجزة.
إما أن تتحول المعجزة إلى قانون يحكم
العالم كله، فهذا خلاف سنة الله التي لن تجد لها تحويلا ولن
تجد لها تبديلا ……، من هنا يحق لنا أن نحتمل أن من بين أسباب
تأخر خروج الإمام المهدي هو انتظار تهيؤ الأجواء والظروف
المادية والآلية والاجتماعية، ليستطيع الإمام عندها من إنجاز
مهمته وتنفيذ دوره الخطير على أحسن وجه، مستعيناً بإنجازات
العلم الحديث ومكاسب الإنسانية الجبارة ) (15).
كما يجب ألا يساء فهم الأحاديث التي تتحدث
عن خروج القائم بالسيف فيفهم بمعناه الظاهري أي ذلك السلاح
القديم، وإنما قد تعني هذه الأحاديث والروايات خروجه عليه
السلام بالقوة والسلاح وقتاله الأعداء ومحاربته لهم وعدم
مهادنتهم، وربما تعني هذه الأحاديث أنه عليه السلام يتخذ
السيف شعاراً ورمزاً لدولته أو في حروبه ولا مانع أبداً من
استخدامه للأسلحة الحديثة والمتطورة كما يذكر ذلك السيد حسن
الشيرازي (قدس)، حيث يقول: ( فرفعه السيف شعاراً أو حمله
رمزاً لا يعني استخدامه سلاحاً وحيداً في معاركه، وإنما تشير
جملة من الدلائل والقرائن على أنه يستخدم أسلحة أخرى شديدة
الفتك والتدمير إلى درجة رهيبة تخلع قلوب القادة العسكريين
فيستسلمون لتجاربها الأولية ) (16).
وقد يكون أيضاً لسيفه القوة التي تغلب جميع
الأسلحة الفتاكة وتسيطر عليها كما كان لعصاة موسى (ع) فمن
المعروف أن معجزات الأنبياء والمعصومين تكون متحدية لفنون
وعلوم زمانهم، فلابد أن تكون في زمان الإمام المهدي (ع)
الأسلحة في غاية التطور،
والعلوم متقدمة جداً فيكون لسيفه الغلبة على جميع تلك الأسلحة
والتقنيات المتطورة.
فعن أبي عبد الله (ع) قال في وصف سيوف بعض
أصحاب القائم: ( لهم سيوف من حديد غير هذا الحديد، لو ضرب
أحدهم بسيفه جبلاً لقده حتى يفصله )
(17).
وعن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله (ع) قال: ( سيبعث الله ثلاثمائة وثلاثة عشر إلى مسجد مكة يعلم أهل مكة
أنهم لم يولدوا من آبائهم ولا أجدادهم عليهم سيوف مكتوب عليها
ألف كلمة كل كلمة مفتاح ألف كلمة، ويبعث الله الريح من كل واد
تقول هذا المهدي يحكم بحكم داوود ولا يريد بينة ) (18).
فمن الواضح من الحديث السابق أن سيوف
أصحابه ليست سيوف عادية
كما في الزمن الماضي وإنما هي أسلحة متطورة فيها أزرار
إلكترونية كثيرة،
وأيضاً من ضمن الحديث نستشف أن الإذاعات والفضائيات ستنقل
أخبار الإمام المهدي (ع) بدليل قول الإمام الصادق ( ويبعث الله
الريح في كل واد تقول ……. ) فالريح هنا ما هي إلا ذبذبات
وموجات كهر ومغناطيسية والله أعلم.
وليس معنى هذا الكلام أنه لن يكون هناك
معجزات مطلقاً في سيرة الإمام المهدي (ع) وقتاله لأعدائه حيث
أكدت الروايات على نصره بالرعب والملائكة والجن والعون والمدد
الإلهي فوق ذلك كله،
ومن المعجزات المؤكدة التي ستقع بإذن الله في بداية خروجه في
مكة هي حادثة خسف البيداء بجيش السفياني بين مكة المكرمة
والمدينة المنورة حيث أكدت عليها الروايات وأخبرت أنها من
المحتوم.
إذ أنه
في بداية خروجه لن يكون عنده أنصار سوى عدد قليل، بعدد جيش
النبي في بدر أي ثلاثمائة
وثلاثة عشر ناصراً فقط، بينما جيش السفياني كبير جداً ومجهز
بأفضل الأسلحة، ولذلك لابد من تدخل العناية الإلهية في هذه
الحالة للحفاظ على شخص الإمام حتى يتجمع باقي أنصاره وجنوده،
وهذا ما أكدت عليه الروايات حيث أخبرت أنه لا يخرج من مكة حتى
يجتمع عنده عشرة آلاف رجل.
كما لابد أن تظهر مثل هذه المعجزة للإمام
حتى يثبت للناس أنه المهدي الموعود فعلاً وليس أحد المدعين
للمهدية الذين يكذبون على الناس بافتراءاتهم.
وخلاصة القول أن الإمام المهدي (ع) سيستخدم
المعجزة في حالة وجود مصلحة معينة لا تتم بالشكل الطبيعي بينما
باقي سيرته
ومجاهدته للأعداء ستكون بالمقومات الطبيعية والأسلحة الموجودة
في زمان خروجه وبالتعاون مع أنصاره ومؤيديه وشيعته.
ولعل الحديث التالي من أوضح الروايات دلالة
على ما نحن بصدده، حيث يوضح الإمام الصادق فيه أن أصحاب
الإمام المهدي (ع) ينقسمون إلى قسمين، فبعضهم يأتي إلى مكة
بشكل طبيعي وهم القادرون على المجيء ودخول الأراضي المقدسة
بالحجاز، والبعض
الآخر ممن لم يجهزوا أنفسهم للسفر أو ربما ليس لديهم تصريح
دخول فيأتون إلى مكة بشكل إعجازي.
فعن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله الصادق
(ع) في تأويل قوله تعالى ) أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا
( (19) قال: ( لقد
نزلت هذه الآية في المفتقدين من أصحاب القائم عليه السلام،
إنهم لمفتقدون عن فرشهم ليلاً فيصبحون بمكة، وبعضهم يسير في
السحاب نهاراً يُعرف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه، قال:
فقلت جعلت فداك أيهم أعظم إيماناً ؟ قال
: الذي يسير في السحاب
نهاراً ) (20).
فالقسم الذي يأتي لمكة بشكل إعجازي هم
المفتقدون عن فرشهم ليلاً فيصبحون بمكة من غير ميعاد كما صرح
بذلك حديث آخر عن الإمام الباقر مشابه لهذا الحديث جاء فيه (
وبعضهم نائم على فراشه فيوافيه في مكة على غير ميعاد ) (21).
وأما القسم الآخر فيأتون بشكل طبيعي بالطائرات أوما شابه
ذلك كما جاء في الحديث ( يسير في السحاب نهاراً ) أي بشكل علني
بدليل قول الإمام ( يُعرف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه ) وهذا
ما ندعوه في الزمان الحاضر بجواز السفر أو بيانات الكمبيوتر أو
الحاسب الآلي أو ما شابه ذلك.
وهذا القسم من الأصحاب عبر عنهم الإمام
بأنهم أعظم إيماناً، ولعل السبب في ذلك لأنهم أعدوا العدة
للسفر وتحملوا مشاقه وربما عرضوا أنفسهم للاعتقال والمسائلة،
وربما دفعوا الأموال الطائلة في سبيل الوصول لمكة المكرمة،
فكانوا بذلك أفضل من الآخرين الذين جاءوا لمكة المكرمة بشكل
إعجازي، فالأجر على قدر
المشقة.
وفي الختام أقول لعل جميع هذه العلوم والتقنيات التي ظهرت
في السنوات الأخيرة والتي ستظهر في المستقبل إنشاء الله ما هي
إلا شيء بسيط من بركات قرب ظهور الإمام المهدي (ع) وحينما يظهر
سيخرج لنا بإذن الله أضعاف مضاعفة من العلوم النافعة والتقنيات
والأجهزة المتطورة.
فلقد جاء في الحديث عن أبي عبد الله (ع)
أنه قال: ( العلم سبعة وعشرون جزءاً، فجميع ما جاءت به الرسل
جزءان، فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الجزئين، فإذا قام
القائم أخرج الخمسة
والعشرين جزءاً فبثها في الناس، وضم إليها الجزئين حتى يبثها
سبعة وعشرين جزءا ) (22).
وصول الأمة الإسلامية ككل للنضج الفكري والاستعداد العالي
للتضحية:
سبق أن ذكرنا ضمن شرائط الظهور أنه لابد من
وجود قواعد شعبية كافية ذات مستوى عال من الوعي والنضج الفكري
ولديها الاستعداد العالي للتضحية في سبيل تطبيق العدل الإلهي
في جميع الأرض،
وأن هذا الأمر لم يحصل في الماضي ولا حتى في زمان وجود الأئمة
عليهم السلام.
فمن ذلك ما روي عن مأمون الرقي انه قال: (
كنت عند سيدي الصادق (ع) إذ دخل سهل بن الحسن الخراساني فسلم
عليه ثم جلس فقال له: يا بن رسول الله لكم الرأفة والرحمة
وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أن يكون لك حق تقعد عنه،وأنت تجد من شيعتك مائة ألف يضربون بين يديك بالسيف ؟ فقال له
: اجلس يا خراساني رعى
الله حقك، ثم قال: يا حنفية اسجري التنور، فسجرته حتى صار
كالجمرة وابيض علوه، ثم قال: يا خراساني قم فأجلس في التنور،
فقال الخراساني يا سيدي يا بن رسول الله لا تعذبني بالنار
أقلني أقالك الله، قال
: قد أقلتك.
قال الراوي فبينما نحن كذلك إذ أقبل هارون
المكي ونعله في سبابته، فقال السلام عليك يا بن رسول الله،
فقال له الصادق (ع): ألق نعلك من يدك و اجلس في التنور، قال:
فألقى النعل من سبابته ثم جلس في التنور، وأقبل الإمام يحدث
الخراساني حديث خرا سان حتى كأنه شاهد لها، ثم قال
: قم يا خراساني وانظر ما
في التنور، قال: فقمت إليه فرأيته متربعاً، فخرج إلينا وسلم
علينا، فقال الإمام
: كم تجد بخرا سان مثل هذا ؟ فقال: والله ولا واحداً.
فقال : لا والله ولا واحداً أما إنا لا نخرج في زمان لا نجد فيه
خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت )
(23).
وحيث أن حكومة الإمام المهدي (ع) هي حكومة
عدل مطلق لا عدل نسبي فهذا يستلزم أحكاماً خاصة من الصعب على
الكثيرين تحملها، فمثلاً حينما يقضي الإمام المهدي (ع) بين
متخاصمين ينبغي له ألا يأخذ بظواهر الأمور ولا يسأل عن البينة
كما دلت على ذلك العديد من الروايات، إذ ربما يكون للمتخاصم
الكاذب الكثير من شهود الزور بينما المتخاصم الآخر المحق لا
يملك أي دليل على صدقه، فالحكم العادل هنا يجب أن يتم بناءه
على الحقيقة المستترة ولا يتطلع لظاهر الأمور، وهذا الأمر صعب
على الناس تقبله،
فحتى إن بعض أولي العزم من الرسل لم يتحملوا ذلك كما حدث من
شأن نبي الله موسى (ع) مع الخضر حينما خرق السفينة وقتل الغلام
وأقام الجدار.
ولذلك لم يكن الرسول محمد
والأئمة عليهم السلام يحكمون بين الناس إلا بظواهر الأمور
والبينات مراعاة لهذا الوضع الاجتماعي المعاش.
فعن رسول الله قال: ( إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان وبعضكم
ألحن بحجته من بعض، فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً
فإنما قطعت له به قطعة من النار ) (24).
أما طريقة حكم الإمام المهدي (ع) فستكون كما حكم نبي الله
داوود (ع) بين المتخاصمين حيث لم يسأل عن البينة من المدعي.
فعن الصادق (ع) قال: ( لا تذهب الدنيا حتى
يخرج رجل منييحكم بحكومة آل داوود ولا يسأل البينة، يعطي كل
نفس حقها ) (25).
وعن أبي عبد الله (ع) قال: ( إذا قام قائم
آل محمد حكم بين الناس بحكم داوود لا يحتاج إلى بينة، يلهمه
الله تعالى فيحكم بعلمه، ويخبر كل قوم بما استبطنوه ) (26)
لهذا يجب على الأمة في زمن القائم التسليم
المطلق للإمام حتى وإن كان في ذلك مخالفة لما ترى أن فيه
الصلاح وهذا الأمر لا يحدث إلا بعد حصول الأمة على الكثير من
النكبات والمصائب لعدم إطاعتها للأوامر كماحدث للمسلمين في عهد
رسول الله في معركة أحد
وما حدث للكوفيين مع الإمام الحسين وما حدث بعد ذلك للشيعة في
زمان الأئمة (ع)، وسيحدث ذلك أيضاً في أول خروج القائم وحكمه.
فعن الصادق (ع) قال: ( إنه أول قائم يقوم
منا أهل البيت يحدثكم بحديث لا تحتملونه، فتخرجون عليه برميلة
الدسكرة ـ القرية أو الأرض المستوية ـ فتقاتلونه فيقاتلكم
فيقتلكم، وهي آخر خارجة تكون ) (27).
وعنه أيضاً
قال: ( بينا الرجلعلى رأس القائم ـ أي واقف بجنبه ـ يأمر
وينهي إذ قال أديروه، فيديرونه إلى قدامه، فيأمر بضرب عنقه،
فلا يبقى في الخافقين شيء إلا خافه )
(28).
كما أن كثير من الأمور التي هي واقعاً
جائزة شرعاً ومباحة للمسلمين في الوقت الراهن لن تكون كذلك في
زمان القائم
لأجل المصلحة العامة وقيام الدولة الإسلامية بالشكل المطلوب،
ومثال ذلك نهي الإمام المهدي (ع) في حال قيامه وبعد ظهوره عن
الطواف المستحببسبب تضاعف عدد الحجاج والمعتمرين في ذلك الزمن
وبالتالي يسهل على المؤمنين الطواف الواجب.
فعن الصادق (ع) قال: ( أول ما يظهر القائم
من العدل أن ينادي مناديه أن يسلم صاحب النافلة لصاحب الفريضة
الحجر الأسود والطواف ) (29).
وعنه أيضاً
قال: ( موسع على شيعتنا أن ينفقوا مما في أيديهم بالمعروف
فإذا قام قائمنا حرم على كل ذي كنز كنزه، حتى يأتيه به
فيستعين به على عدوه، وهو قول الله عز وجل في كتابه ) والذين يكنزون الذهب
والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم
( (30) ) (31).
لذلك نرى درجة التسليم لدى أصحاب الإمام
المهدي (ع)وإطاعتهم وتقديسهم له منقطعة النظير لدرجة أنهم
يتبركون بسرجه كما جاء في بعض الروايات وهم أطوع له من الأمة
لسيدها كما وصفهم الإمام الصادق (ع) حيث يقول: ( رجال لا
ينامون بالليل، لهم دوي في صلاتهم كدوي النحل، يبيتون قياماً
على أطرافهم ويصبحون على خيولهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار،
هم أطوع له من الأمة لسيدها ….. إذا ساروا يسير الرعب أمامهم
مسيرة شهر، يمشون إلى المولى إرسالاً، بهم ينصر الله إمام
الحق )(32).
كما أنه لا يمكن أن تصل الأمة إلى حالة
التسليم المطلق هذه إلا بعد شعور الأمة بقيمة الإمام بعد فقده
بالغيبة و استشعارهم مدى حاجتهم إليه لطول مدة غيابه،
فمن المعروف أن الإنسان لا يقدر قيمة الشيء إلا بعد فقده.
وهذا ما حصل لبني إسرائيل في صحراء سيناء
حينما جاءهم الأمر من نبي الله موسى (ع) بدخول فلسطين ومجاهدة
الأعداء فما كان جوابهم إلا أن قالوا
) إنا لن ندخلها أبداً
ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون
( (33)،
ولكن بعد وفاة النبي موسى (ع) ومكثهم 40 سنة في التيه في صحراء
سيناء وشعورهم بأهمية النبي بعد فقده،
قاموا مع وصي موسى يوشع بن نون بدخول فلسطين ومحاربة الأعداء.
ودعونا الآن نستعرض هذه القصة التي حدثت في
البحرين في الزمن الماضي والتي ذكرها آية الله السيد محمد صادق
الصدر في كتابه تاريخ الغيبة الكبرى نقلاً عن أبيه السيد صادق
الصدر حيث يقول: ( إن الناس في البحرين في بعض الأزمنة
ولمقدار إحساسهم بالظلم وتعسف الظالمين تمنوا ظهور إمامهم
المهدي (ع) فاتفقوا على اختيار جماعة من أعاظمهم في الزهد
والورع والعلم،
فاجتمع هؤلاء واختاروا ثلاثة منهم ومن بين الثلاثة اختاروا
أفضلهم ليكون هو واسطتهم في الطلب إلى المهدي بالظهور.
فخرج هذا الشخص المختار إلى الصحراء وأخذ
بالتعبد والتوسل إلى الله تع