|
3- التحذير من ذهاب العلم
ان كل موجود يحظى بالعلم بقدر ما يحظى بالوجود،
واللّه-تعالى- يرفع الذين آمنوا على غيرهم بالعلم،
ويرفع الذين
اوتوا العلم منهم درجات، بمعنى ان العلم له مكان فى
دائره
الذين آمنوا، وهذه الدائره مراتب ولها ذروه، قال
تعالى: (يرفع
اللّه الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات)
«المجادله:
11»، وذروه الذين اوتوا العلم، مع الذين ارتبطوا
بكتاب اللّه، ولن
ينفصلوا حتى يردوا على الحوض، ومن دائره الذروه
تخرج
المعارف الحقه والعلوم المفيده، لان الذين فى
الذروه هم
العامل الذى يحفظ الاخلاق ويحرسها فى ثباتها
ودوامها، ولان
من عندهم تتدفق العلوم التى تصلح اخلاق الناس،
ليكونوا اهلا
لتلقى المزيد من المعارف الحقه، التى لا تكون فى
متناول
البشر الا عندما تصلح اخلاقهم.
وكما ان النبى(ص) امر امته بان يمسكوا بحبل اللّه
ليردوا على
الحوض، اخبر كذلك -بالغيب عن ربه- بان العلم سيرفع،
ورفعه هو نتيجه لذهاب اوعيته، عن ابى الدرداء قال:
(كنا مع
النبى(ص)، فشخص ببصره الى السماء ثم قال: هذا اوان
يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شىء،
فقال
زياد بن لبيد: كيف يختلس منا، وقد قرانا القرآن؟
فواللّه لنقرانه
ولنقرئنه نساءنا وابناءنا، قال: ثكلتك امك يا زياد،
ان كنت
لاعدك من فقهاء اهل المدينه، هذه التوراه والانجيل
عند
اليهود والنصارى، فماذا تغنى عنهم؟)(36)،
وفى روايه عن
شداد بن اوس قال: (وهل تدرى ما رفع العلم؟ ذهاب
اوعيته)(37)،
وفى روايه عن ابى امامه قال: (وهذه اليهود
والنصارى بين اظهرهم المصاحف، لم يصبحوا يتعلقون
بحرف
واحد مما جاءتهم به انبياوهم، وان من ذهاب العلم ان
يذهب
حملته، وان من ذهاب العلم ان يذهب حملته، وان من
ذهاب
العلم ان يذهب حملته)(38)، وقال فى تحفه الاحوازى:
(ومعنى هذه التوراه والانجيل عند اليهود والنصارى،
اى ان
القراءه دون علم وتدبر محل نظر، وقال القارى: اى:
فكما لم
تفدهم قراءتهما مع عدم العمل بما فيهما فكذلك انتم)(39).
وعلى امتداد المسيره ظهر ما كان فى بطن الغيب، ظهر
الذين
يقراون القرآن لا يعدو تراقيهم، يمرقون من الاسلام
كما يمرق
السهم من الرميه، وظهر الذين قراوا ثم نقروا ثم
اختلفوا ثم
ضرب بعضهم رقاب بعض، وظهر الذين قراوا ثم اعتزلوا
ثم
خرجوا على جيرانهم بالسيوف ورموهم بالشرك، بينما
كانوا هم
الى الشرك اقرب، وظهر الذين لا يقراون القرآن الا
فى حفلات
النفاق التى يشرف عليها اليهود والنصارى فى كل
مكان، وعلى
اكتاف هولاء وهولاء، انطلق البعض فى طريق التقدم
الى
الخلف، وارتبط مصيرهم بمصير الذين سبقوهم، قال
النبى(ص): (ان بنى اسرائيل انما هلكت حين كثرت
قراوهم)(40)،
واخبر النبى(ص) بان الذين يقراون القرآن لا
يجاوز تراقيهم، نطف فى اصلاب الرجال وقرارات
النساء، كلما
نجم منهم قرن قطع حتى يكون آخرهم لصوصا سلابين،
وقال:
(لا يزالوت يخرجون، حتى يخرج آخرهم مع الدجال)(41)،
وفى روايه: (كلما قطع قرن نشا قرن، حتى يكون مع
بيضتهم
الدجال)(42).
وبالجمله، اقام النبى(ص) الحجه فى اول الطريق،
وانطلقت مع
المسيره حتى نهايه الطريق، وامر النبى(ص) امته ان
تاخذ
بحبل اللّه حتى لا يضلوا، وقال: (ما من نبى بعثه
اللّه عز وجل
فى امه قبلى الا له من امته حواريون واصحاب ياخذون بسنته
ويقتدون بامره، ثم انها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون
ما لا
يفعلون ويفعلون ما لا يومرون، فمن جاهدهم بيده فهو مومن،
ومن جاهدهم بلسانه فهو مومن، ومن جاهدهم بقلبه فهو
مومن، وليس وراء ذلك من الايمان حبه خردل)(43)،
وقال
فى الفتح الربانى: (الحواريون هم خلصان الانبياء
واصفياوهم،
والخلصان هم الذين نقوا من كل عيب. وقيل:
الخلصان هم الذين يصلحون للخلافه بعد الانبياء)(44).
لقد دافع الاسلام عن العلم، ولم يقاتل يوما من اجل
الكرسى،
وامر بالجهاد للابقاء على الذروه التى تفيض بالعلم
الال-هى
ذروه كل العلوم واشرف العلوم، لان هولاء وحدهم هم
الذين
يحملون النور المحمدى، ذلك النور الذى يعتبر برزخا
بين
الناس وبين النور الال-هى، الذى تندك له الجبال.
ثالثا: العتره بين التحذير والابتلاء
ان اللّه-تعالى- يمتحن الناس بالناس، قال تعالى:
(وجعلنا
بعضكم لبعض فتنه اتصبرون وكان ربك بصيرا) «الفرقان:
20»،
فدائره الهدى على امتداد المسيره البشريه، فتنه
لسائر الناس
يمتحنون بها، فيميز بها اهل الريب من اهل الايمان، والمتبعون
للاهواء من طلاب الحق الصابرين على طاعه اللّه
وسلوك
سبيله، وكما ان النبى(ص) امر امته بان يتمسكوا بحبل
العتره
حتى لا يضلوا، وقال: (اذكركم اللّه فى اهل بيتى،
اذكركم اللّه
فى اهل بيتى، اذكركم اللّه فى اهل بيتى)(45)،
وقال: (انى
تركت فيكم ما ان اخذتم به لن تضلوا: كتاب اللّه
وعترتى اهل
بيتى)(46)،
فانه اخبر امته بانهم سيمتحنون باهل بيته، قال:
(انكم ستبتلون فى اهل بيتى من بعدى)(47)، واخبر
-بالغيب عن ربه- بما سيسفر عنه الامتحان، فقال: (ان
اهل
بيتى سيلقون من بعدى من امتى قتلا وتشريدا)(48).
واخبر النبى(ص) على بن ابى طالب بما سيجرى عليه من
بعده، وقال له: (ان الامه ستغدر بك بعدى، وانت تعيش
على
ملتى، وتقتل على سنتى، من احبك احبنى، ومن ابغضك
ابغضنى، وان هذه (يعنى لحيته) ستخضب من هذا (يعنى راسه)(49)،
وروى ان النبى(ص) قال له: (الا احدثك باشقى
الناس؟ رجلين، احيمر ثمود الذى عقر الناقه، والذى
يضربك يا
على على هذا (يعنى راسه) حتى تبتل منه هذه (يعنى لحيته)(50).
واخبر النبى(ص) الحسين بن على بما سيجرى عليه من
بعده،
وروى ابن كثير عن عمره بنت عبد الرحم-ن انها قالت:
اشهد
لقد سمعت عائشه تقول: انها سمعت رسول اللّه(ص) يقول:
(يقتل الحسين بارض بابل)(51)، وروى الحاكم عن ابن
عباس، قال: (ما كنا نشك واهل البيت متوافرون ان
الحسين
يقتل بالطف)(52)، وروى ان النبى(ص) قال: (ان
ابنى هذا
يقتل بارض من ارض العراق يقال لها كربلاء، فمن شهد
ذلك
فلينصره)(53)،
وقال النبى(ص): (اخبرنى جبريل ان ابنى
الحسين يقتل بعدى بارض الطف، وجاءنى بهذه التربه
واخبرنى
ان فيها مضجعه)(54).
والخلاصه، ان اللّه يختبر الناس بالناس، وبهذا
الاختبار يظهر
اهل الريب من اهل الايمان، قال تعالى: (وجعلنا بعضكم
لبعض
فتنه) «الفرقان: 20»، وقال سبحانه: (وكذلك فتنا بعضهم
ببعض ليقولوا اهولاء من اللّه عليهم من بيننا اليس
اللّه باعلم
بالشاكرين) «الانعام: 53»، وقال تعالى: (وهو الذى
جعلكم
خلائف فى الارض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم
فى
ما آتاكم) «الانعام: 165»، والدعوه الخاتمه بينت
الدرجات. وامر
-تعالى- بموده قربى النبى، حيث قال: (قل لا اسالكم
عليه اجرا
الا الموده فى القربى) «الشورى: 23»، وبينت الدعوه ان
الذين لا
يصلون ما امر اللّه به ان يوصل، والذين لم ياخذوا
بما امرهم
-تعالى- به من طاعه، ولم ينتهوا عما نهاهم عنه من
نهى،
فهولاء خاسرون فى الدنيا والاخره، قال تعالى:
(الذين ينقضون
عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما امر اللّه به ان
يوصل
ويفسدون فى الارض اولئك هم الخاسرون) «البقره: 27»،
وقال
جل شانه: (فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا فى الارض
وتقطعوا ارحامكم× اولئك الذين لعنهم اللّه فاصمهم
واعمى
ابصارهم) «محمد: 22-23».
وبينت الدعوه الال-هيه الخاتمه ان عدم موده الذين
امر اللّه
بمودتهم، يفتح الطريق امام موده اعداء الفطره، وقد
امروا بعدم
مودتهم، قال تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا
عدوى
وعدوكم اولياء تلقون اليهم بالموده وقد كفروا بما
جاءكم من
الحق) «الممتحنه: 1»، فالايه تنهى عن موده المشركين
والكفار، وتنهى ان يتخذوا اولياء واصدقاء واخلاء،
قال تعالى
حاكيا عن ابراهيم قوله لقومه: (وقال انما اتخذتم من
دون اللّه
اوثانا موده بينكم فى الحياه الدنيا ثم يوم القيامه
يكفر بعضكم
ببعض ويلعن بعضكم بعضا) «العنكبوت: 25»، قال
المفسرون:
وبخهم على سوء صنيعهم فى عباده الاوثان، وقال: انما
اتخذتم
هذه ليجتمعوا على عبادتها صداقه والفه منكم، بعضكم
لبعض
فى الحياه الدنيا، ثم يوم القيامه ينعكس هذا الحال،
فتصبح
هذه الصداقه والموده بغضا وشنانا، وتتجاحدون ما
كان بينكم،
ويلعن الاتباع المتبوعين، والمتبوعون الاتباع.
فالطريق يبدا بامر اللّه ونهيه، وعلى امتداد
الطريق يمتحن اللّه
الناس ببعضهم، فمن سلك فى ما امر اللّه به نجا، ومن
لم ياخذ
بوصايا اللّه ضل، واللّه-تعالى- امر بصله الارحام،
وذروه الارحام
عتره النبى الخاتم(ص)، قال(ص): (ان اللّه-تعالى- جعل
ذريه
كل نبى فى صلبه، وان اللّه-تعالى- جعل ذريتى فى صلب
على
بن ابى طالب)(55)، وقال: (ان لكل بنى اب عصبه
ينتمون
اليها الا ولد فاطمه فانا وليهم وانا عصبتهم)(56)،
وقال:
(نحن خير من ابنائنا، وبنونا خير من ابنائهم،
وابناء بنينا خير
من ابناء ابنائهم)(57)، وهكذا فكما ان للعلم
درجات،
فللارحام درجات، وميزان هذه الدرجات هو التقوى
والعلم
باللّه، فمن التف حول الذين امر اللّه بمودتهم شرب
من الماء،
ومن ابى فتحت عليه موده اخرى يتهوك فيها تهوك
اليهود فى
الظلم، ويوم القيامه يعض على يديه، قال تعالى: (ويوم
يعض
الظالم على يديه يقول يا ليتنى اتخذت مع الرسول
سبيلا× يا
ويلتى ليتنى لم اتخذ فلانا خليلا× لقد اضلنى عن
الذكر بعد اذ
جاءنى وكان الشيطان للانسان خذولا× وقال الرسول يا
رب ان
قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورا) «الفرقان: 27-30».
وعلى امتداد المسيره الاسلاميه، قامت طائفه الحق
بالدفاع
عن الفطره، ولم يضرها من عاداها او من خذلها، وفى
عهد
الامام على، خرج عليه اصحاب الاهواء، فقاتلهم
الامام على
تاويل القرآن، وعنه انه قال: (امرنى رسول اللّه(ص)
بقتال
الناكثين والقاسطين والمارقين)(58)، فالناكثون: اهل
الجمل، والقاسطون: اهل الشام، والمارقون: الخوارج،
وانطلقت
مسيره الامام -رضى اللّه عنه- باعلام الحميه، وروى
ان
النبى(ص) قال له: (انت اخى وابو ولدى، تقاتل فى سنتى
وتبرى ذمتى، من مات فى عهدى فهو كنز اللّه، ومن مات
فى
عهدك فقد قضى نحبه، ومن مات يحبك بعد موتك ختم اللّه
له بالامن والايمان، ما طلعت شمس او غربت، ومن مات
يبغضك مات ميته جاهليه، وحوسب بما عمل فى
الاسلام)(59)،
وقال(ص): (من خرج من الطاعه وفارق
الجماعه فمات، فميتته جاهليه، ومن قاتل تحت رايه
عميه،
يغضب لعصبته ويقاتل لعصبته وينصر عصبته، فقتل،
فقتلته
جاهليه، ومن خرج على امتى يضرب برها وفاجرها، لا
يتحاشى
لمومنها ولا يفى الذى عهدها، فليس منى ولست منه)(60).
وعلى هذا الضوء، انطلقت الامه الخاتمه تحت سقف
الامتحان
والابتلاء، واللّه-تعالى- ينظر الى عباده كيف
يعملون لاستحقاق
الثواب والعقاب يوم القيامه.
الفصل الثانى:اضواء على المسيره
اولا: اضواء على الساحه بعد وفاه النبى(ص)
كان فى الساحه بعد وفاه النبى(ص) جميع الانماط
البشريه،
بها المومن القوى والمومن الضعيف، وبها الذين فى
قلوبهم
مرض او زيغ، وهولاء لا يخلو منهم مجتمع على امتداد
المسيره
البشريه.
وكان الذين فى قلوبهم مرض يختزنون فى ذاكرتهم بعض
ما
اخبر به النبى(ص) فى ما يستقبل الناس، ومنه تفسيره
لقوله
تعالى: (وجاهدوا فى اللّه حق جهاده) «الحج: 78»،
وقوله: (فاما
نذهبن بك فانا منهم منتقمون) «الزخرف: 41»، وقوله تعالى:
(الم تر الى الذين بدلوا نعمه اللّه كفرا) «ابراهيم:
28»، وقول
النبى القرشى: (يا معشر قريش، ليبعثن اللّه عليكم رجلا منكم
امتحن اللّه قلبه للايمان، فيضرب رقابكم على
الدين، فقال ابو
بكر: انا هو يا رسول اللّه؟ قال: لا، قال عمر: انا هو
يا رسول اللّه؟
قال: لا، ولكنه خاصف النعل، وقد كان القى نعله الى
على بن
ابى طالب يخصفها)(61).
وكان فى الساحه افراد وقبائل ذمهم اللّه-تعالى- او
لعنهم على
لسان رسوله(ص) وهو يخبر بالغيب عن ربه لعلم اللّه
بما فى
قلوبهم، ومنه امره(ص) بجهاد مخزوم وعبد شمس(62)،
وقوله: (ان اشد قومنا لنا بغضا بنو اميه وبنو
المغيره وبنو
مخزوم)(63)،
وفى روايه: (بنو اميه وثقيف وبنو
حنيفه)(64)،
ولعنه للحكم بن ابى العاص(65)، ولعنه لابى
الاعور السلمى(66)، ولعنه لاحياء: لحيان ورعلا
وذكوان
وعصيه(67)،
وكان فى الساحه مجموعه تخريبيه من اثنى
عشر رجلا، حاولوا قتل النبى(ص) عند عودته من تبوك،
آخر
غزواته، واسر النبى(ص) باسمائهم الى حذيفه، وكان
حذيفه
وعمار بن ياسر معه(ص) عند محاوله هذه المجموعه
اغتياله،
وروى ان حذيفه قال: يا رسول اللّه، الا تبعث الى كل
رجل منهم
فتقتله، فقال: (اكره ان يتحدث الناس ان محمدا يقتل
اصحابه)، وقال النبى(ص) لحذيفه: (فان هولاء فلانا
وفلانا
(حتى عدهم) منافقون لا تخبرن احدا)(68)، وعدم افشاء
النبى(ص) باسمائهم يستنتج منه ان هذه المجموعه لم
تكن
من رعاع القوم، وانما من اشد الناس فتكا، وقتلهم
يودى الى
طرح ثقافه يتناقلها الناس بان محمدا فى آخر ايامه
بدا يقتل
اصحابه، ويستنتج منه ايضا ان اللّه-تعالى- شاء ان
تنطلق
المسيره تحت مظله الامتحان والابتلاء، بعد ان
تبينت طريق
الحق وطريق الباطل، واخفاء اسماء المجموعه
التخريبيه هو فى
حقيقته دعوه للالتفاف حول الذين بينهم واظهرهم
رسول اللّه
للناس. وروى الامام مسلم عن حذيفه انه قال: (اشهد
اللّه ان
اثنى عشر منهم حرب للّه ولرسوله فى الحياه الدنيا
ويوم يقوم
الاشهاد)(69)،
وروى عن عمار بن ياسر انه قال: (قال رسول
اللّه(ص): ان فى امتى اثنى عشر منافقا لا يدخلون
الجنه ولا
يجدون ريحها حتى يلج الجمل فى سم الخياط)(70)،
وكان
عمار بن ياسر علامه مميزه فى المسيره لانه كان يحمل
قول
النبى(ص) فيه: (ويح عمار تقتله الفئه الباغيه،
يدعوهم الى
الجنه ويدعونه الى النار)(71).
فالساحه بعد وفاه النبى(ص) كان فيها جميع التيارات،
وكان
فيها مجموعه حرب للّه ولرسوله فى الحياه الدنيا،
ويبدو من
قراءه الاحداث انه كان فى الساحه مجموعه من اصحابه
اخذت
فى اعتبارها ان ولايه على بن ابى طالب قد تودى الى
احداث
اعتقدوا انها يمكن ان تعصف بالدعوه، فاختاروا حلا
وسطا، يبعد
به على بن ابى طالب عن مركز الصداره، وتظل به الدعوه
قائمه، ويشهد بذلك قول ابى بكر -رضى اللّه عنه-
لرافع بن ابى
رافع حين عاتبه على توليه الخلافه: (ان رسول اللّه(ص) قبض
والناس حديثو عهد بكفر، فخفت ان يرتدوا وان يختلفوا
فدخلت
فيها وانا كاره)(72)، وفى روايه قال: (تخوفت ان
تكون فتنه
يكون بعدها رده)(73)، ويشهد به -ايضا- قول عمر بن
الخطاب اثناء خلافته: (ان بيعه ابى بكر كانت فلته)(74)،
قال
فى لسان العرب: (يقال: كان ذلك الامر فلته، اى فجاه،
اذا لم
يكن عن تدبر ولا ترو، والفلته: الامر يقع من غير
احكام، وفى
حديث عمر اراد فجاه وكانت كذلك، لانها لم ينتظر بها
العوام،
وقال ابن الاثير فى حديث عمر: والفلته كل شىء فعل
من غير
رويه، وانما بودر بها خوف انتشار الامر)(75).
ويشهد به قول عمر لابن عباس: (يا ابن عباس، ما منع
قومكم
منكم؟ قال: لا ادرى، قال: لكنى ادرى، يكرهون ولايتكم
لهم،
يكرهون ان تجتمع فيكم النبوه والخلافه)(76)،
وزاد فى
روايه: (فاختارت قريش لنفسها فاصابت ووفقت)(77).
وروى ان عمر بن الخطاب -عندما اختلف بعض الانصار مع
بعض المهاجرين فى سقيفه بنى ساعده، على من الذى
يتولى
الخلافه ومن يتولى الوزاره- امر بقتل مرشح الانصار
سعد بن
عباده، وذلك حينما اشتد الخلاف وتشابكوا بالايدى،
روى
الطبرى: (قال ناس من اصحاب سعد: اتقوا سعدا الا
تطاوه،
فقال عمر: اقتلوه اقتلوه، ثم قام على راسه فقال: لقد
هممت ان
اطاك حتى تندر عضوك)(78)، وروى البخارى: (قال قائل:
قتلتم سعد بن عباده، فقال عمر: قتله اللّه)(79)،
وكتبت
النجاه لسعد، وروى انه قال بعد بيعه ابى بكر: (لو ان
الجن
اجتمعت لكم مع الانس ما بايعتكم حتى اعرض على
ربى)(80)،
ولم يبايع سعد حتى خرج فى خلافه عمر بن
الخطاب الى الشام، وقتل فى الطريق، وروى ان الجن هم
الذين
قتلوه!
ثانيا: اضواء على حركه الاجتهاد والراى
على امتداد عهد البعثه كان النبى(ص) يبين للناس ما
انزل
اليهم من ربهم، وكان فى الساحه من سمع من رسول
اللّه(ص)
شيئا ولم يحفظه على وجهه، ويرويه ويعمل به، ويقول:
انا
سمعته من رسول اللّه، فلو علم المسلمون انه وهم فيه
لم
يقبلوه منه، ولو علم هو انه كذلك لرفضه، وكان فى
الساحه من
سمع من رسول اللّه(ص) شيئا يامر به، ثم نهى عنه وهو
لا يعلم،
او سمعه ينهى عن شىء ثم امر به وهو لا يعلم، فحفظ
المنسوخ
ولم يحفظ الناسخ، فلو علم انه منسوخ لرفضه، ولو علم
المسلمون -اذ سمعوه منه- انه منسوخ لرفضوه، وكان فى
الساحه الذين اذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم
تطهيرا، لم
يكذبوا على اللّه ولا على رسوله، حفظوا ما سمعوا
على وجهه،
فلم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه، حفظوا الناسخ
فعملوا به،
وحفظوا المنسوخ فاجتنبوه، عرفوا الخاص والعام،
والمحكم
والمتشابه، فوضعوا كل شىء موضعه، وقد كان يكون من رسول
اللّه(ص) الكلام له وجهان، فكلام خاص وكلام عام،
فيسمعه من
لا يعرف ما عنى به اللّه سبحانه، ولا ما عنى رسول
اللّه(ص)،
فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفه بمعناه وما قصد
به وما
خرج من اجله، وليس كل اصحاب رسول اللّه(ص) من كان
يساله ويستفهمه، حتى ان كانوا يحبون ان يجىء
الاعرابى
والطارى، فيساله -عليه الصلاه والسلام- حتى يسمعوا،
وقال
الامام علي: وكان لا يمر بى من ذلك شىء الا سالته
عنه
وحفظته(81).
ويضاف الى هذه الاصناف، الذين احترفوا
الكذب على رسول اللّه(ص)، ولقد كذب على رسول اللّه(ص)
على عهده، حتى قام خطيبا فقال: (من كذب على متعمدا،
فليتبوا مقعده من النار).
ونظرا لاتساع الهوه فى روايه الحديث بعد ابعاد اهل
البيت عن
مكانتهم فى الذروه، اختلف الناس فى الفتوى، حتى قال
الامام
على: (ترد على احدهم القضيه فى حكم من الاحكام،
فيحكم
فيها برايه، ثم ترد القضيه بعينها على غيره فيحكم
فيها بخلاف
قوله، ثم يجتمع القضاه بذلك عند الامام الذى
استقضاهم
فيصوب آراءهم جميعا، وال-ههم واحد، ونبيهم واحد،
وكتابهم
واحد، افامرهم اللّه-تعالى- بالاختلاف فاطاعوه؟ ام
نهاهم عنه
فعصوه؟ ام انزل سبحانه دينا تاما فقصر الرسول عن
تبليغه
وادائه؟ واللّه تعالى يقول: (ما فرطنا فى الكتاب من
شىء)
«الانعام: 38»، وفيه تبيان كل شىء. وذكر ان الكتاب
يصدق
بعضه بعضا، وانه لا اختلاف فيه: (ولو كان من عند غير
اللّه
لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) «النساء: 82». ان القرآن
ظاهره انيق
وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضى غرائبه،
ولا تكشف
الظلمات الا به)(82).
ويشهد بعدم معرفه جميع الصحابه بما روى عن رسول
اللّه(ص)، واختلافهم فى الفتوى، ما رواه البخارى عن
ابى
هريره انه قال: (ان اخواننا من المهاجرين كان يشغلهم
الصفق
بالاسواق، وان اخواننا من الانصار كان يشغلهم
العمل فى
اموالهم، وان ابا هريره كان يلزم رسول اللّه(ص)،
يشبع بطنا،
ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون)(83)،
وروى
البخارى ان عمر بن الخطاب لم يكن يعلم حكم
الاستئذان،
وذلك عندما استاذنه ابو موسى، وعندما لم يوذن له
رجع، فقال
له عمر: ما منعك؟ قال: استاذنت ثلاثا فلم يوذن لى
فرجعت،
وقال النبى(ص): اذا استاذن احدكم ثلاثا فلم يوذن له
فليرجع،
فقال عمر: واللّه لتقيمن عليه بينه، فانطلق ابو
موسى الى
مجلس من الانصار، وقال: امنكم احد سمعه من رسول
اللّه(ص)؟ فقال ابى بن كعب: لا يقوم معك الا اصغر
القوم -وفى
روايه: لا يشهد الا اصاغرنا(84)-، قال ابو سعيد الخدرى:
(وكنت اصغر القوم، فقمت معه، فاخبرت عمر ان النبى(ص)
قال ذلك)(85)،
وفى روايه: (قال عمر: خفى على هذا من
امر رسول اللّه(ص)، الهانى الصفق بالاسواق)(86).
ويشهد بانهم لم يكونوا على علم بجميع ما روى عن رسول
اللّه،
ما روى فى حديث صحيح، عن سالم بن عبداللّه عن ابيه: (ان ابا
بكر وعمر وناسا، جلسوا بعد وفاه النبى(ص)، فذكروا
اعظم
الكبائر، فلم يكن عندهم فيها علم، فارسلونى الى
عبداللّه بن
عمرو اساله، فاخبرنى ان اعظم الكبائر شرب الخمر،
فاتيتهم
فاخبرتهم فانكروا ذلك، ووثبوا اليه شيعا حتى اتوه
فى داره،
فاخبرهم بحديث رسول اللّه...)(87).
ويشهد باختلافهم فى الفتوى، ان عمر بن
الخطاب لم يكن
يعلم حكم ديه الاصابع، فكان يقضى بتفاوت ديتها على
حسب
اختلاف منافعها، حتى وجد كتابا عند آل عمرو بن حزم،
يذكر
فيه سنه النبى(ص) فى ذلك(88)، ولم يعلم عمر حكم
الجنين اذا اسقط قبل ولادته، حتى جاء المغيره بقضاء
رسول
اللّه(ص) فى ذلك(89)، واختلفوا فى ميراث
الجده(90).
وبالجمله،
اجتهد الصحابه تحت سقف الامتحان
والابتلاء، وكان الاجتهاد قابلا للخطا وللصواب،
فعن موسى بن
ابراهيم قال: (ان ابا بكر حين استخلف، قعد فى بيته
حزينا،
فدخل عليه عمر بن الخطاب، فاقبل ابو بكر عليه
يلومه، وقال:
انت كلفتنى هذا الامر، وشكا اليه الحكم بين الناس،
فقال عمر:
او ما علمت ان رسول اللّه(ص) قال: (ان الوالى اذا
اجتهد
فاصاب الحق فله اجران، وان اجتهد فاخطا فله اجر
واحد).
فكانه سهل على ابى بكر)(91).
|