فهرس الكتاب

مكتبة الإمام المهدي

مكتبة الموقع

 

الطريق الى المهدى المنتظر

عجل الله تعالى فرجه الشريف

 

تاليف: سعيد ايوب

 

كلمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمه المركز
يسر مركز الغدير للدراسات الاسلاميه ان ينشر هذا البحث تحيه لروح كاتبه الذى انتقل الى جوار ربه بعد معاناه طويله ‏معالالم والمرض وبعد حياه قصيره بحساب اعمال البشر ولكنها ممتده  غنيه بحساب المواقف والاثر.
لقد آمن المولف الراحل بالاسلام اعمق الايمان واصدقه ونذر حياته الفكريه والعلميه كلها من اجل جلاء صورته وتبيين‏ معالم خطه الاصيل المتمثل بخط ائمه الهدى من اهل بيت النبوه (ع)، ولهذا انصبت بحوثه كلها تقريبا حول قضيه‏ الامامه والوصايه واثبات كونها سنه الهيه تاريخيه عرفتها كل النبوات السابقه، وضروره هدايه ربانيه اقتضتها استمراريه‏ النبوه الخاتمه لنبى الاسلم (ص).
وفى هذا البحث الذى استللناه من مولف المفكر الراحل (ابتلاءات الامم) يناقش المولف - رحمه اللّه - جانبا مهما من‏جوانب عقيده الامامه وركنا من اكرانها الاساسيه وهو عقيده المهدى المنتظر عجل اللّه تعالى فرجه.

رحم اللّه تعالى المولف الفقيد رحمه واسعه ونفع قراءه بعلمه ومولفاته القيمه.

واللّه تعالى من وراء القصد، وهو ولى التوفيق.
مركز الغدير للدراسات الاسلاميه


الفصل الاول: نور الظلام
اولا: موكب الحجه
بعد وفاه النبى الخاتم(ص) انطلقت المسيره الخاتمه تحت  سقف الامتحان والابتلاء، بعد ان اقيمت عليها الحجه فى عهد البعثه، قال تعالى: (ولقد اهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليومنوا كذلك نجزى القوم المجرمين ثم جعلناكم خلائف فى الارض من بعدهم لننظر كيف تعملون) «يونس: 13-14». ومن فضل اللّه- تعالى- على بنى الانسان انه احاط القافله البشريه الخاتمه بالحجه الدائمه، بمعنى ان المعجزات التى كان اللّه-تعالى- يويد بها رسله قبل البعثه الخاتمه كانت تنتهى بوفاه الرسول، ولكن اللّه عندما استخلف الامه الخاتمه ايدها بمعجزات، منها ما انتهى بوفاه النبى(ص)، ومنها ما استمر بعد وفاته وسار مع القافله على امتداد المسيره، ومن امثله ذلك القرآن الكريم واحاديث الاخبار بالغيب، فهذه المعجزات مهمتها ارشاد بنى الانسان الى طريق الهدايه، الذى تتحقق به السعاده فى الدنيا بما يوافق الكمال الاخروى، وهى شاهد صدق على نبوه النبى(ص)، بمعنى ان ارشادات النبى وتعاليمه، هى فى حقيقه الامر دعوه الى الجنس البشرى، على امتداد المسيره من الحاضر الى المستقبل، للايمان بنبوه النبى الخاتم(ص)، فمن تبين حقيقه ارشاده، ولم يومن به فى اى زمان، كان كمن كذبه عند بدايه البعثه ونزول الوحى، ويقتضى المقام ان نلقى بعض الضوء على هذه المعجزات:


معجزات بين يدى الموكب
1-القرآن الكريم
القرآن معجزه باقيه حتى يرث اللّه الارض ومن عليها، وقد تولى  اللّه حفظه، فلا يمكن بحال ان يناله التغيير او التبديل، قال تعالى: (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) «الحجر: 9»، وجميع المعارف الال-هيه والحقائق الموجوده فى القرآن تستند الى حقيقه واحده هى التوحيد، ولقد وصف اللّه-تعالى- القرآن بالحكيم، لانه كتاب لا يوجد فيه نقطه ضعف او لهو حديث، ولا انحراف فيه فى جميع الاحوال، كما لا يوجد فيه اى اختلاف، وفى هذا دليل على انه منزل من اللّه تعالى، لان اقوال الناس لا تخلو -فى المراحل المختلفه- من الاختلاف والانحراف ولهو الحديث ونقاط الضعف، وعجز الناس على الاتيان بمثل القرآن دليل على اعجازه، وعجز المشركين عن معارضته دليل على التوحيد، وخضوع الاعناق للقرآن يعنى ان اسناده الى اللّه-تعالى- يحتاج الى دليل سوى القرآن نفسه.

وفى عهد البعثه كان القرآن الملجا الوحيد للنبى(ص) عندما كان يقيم حجته على الناس، ولقد بين لهم النبى الخاتم ما انزل اليهم من ربهم على امتداد البعثه، والزم القرآن الناس بان يكون لهم فى النبى(ص) اسوه حسنه، وجعل اتباع الرسول(ص) شرطا فى حب اللّه، ولقد بين القرآن والسنه - منذ اليوم الاول للمسيره- ان كل راى دينى يجب ان ينتهى الى القرآن الكريم، حتى لا يتمكن الاجانب من نشر الاباطيل بين المسلمين، كما بين القرآن والسنه ان كتاب اللّه لا يقبل النسخ والابطال والتهذيب والتغيير، وان اى تعطيل سيفتح الطريق امام سنن الاولين.


2- الاخبار بالغيب عن اللّه
من لطف اللّه- تعالى - بعباده انه اخبر على لسان الانبياء والرسل  بالغيب، فاخبر بما ينتظر الانسان فى اليوم الاخر حيث اهوال  القيامه ولهيب النار ونعيم الجنه، واخبر باساليب الشيطان والقاءاته الى قيام الساعه، كما اخبر بمضلات الفتن، مقدماتها ونتائجها، واخبر بالامور العظيمه التى ما زالت فى بطن الغيب، والاخبار بالغيب حجه بذاته، وبه يمتحن اللّه-تعالى- عباده، قال عز وجل: (ليعلم اللّه من يخافه بالغيب) «المائده: 94»، وقال: (وليعلم اللّه من ينصره ورسله بالغيب) «الحديد: 25».
وان اى حدث لا بد ان تكون له مقدمه يترتب عليها نتيجه، والناس عند صنعهم لمقدمه الحدث، كبيرا كان او صغيرا، يعلمون جانب الحلال فيه وجانب الحرام، بما اودعه اللّه فيهم من الفطره، ولان اللّه-تعالى-، وهو العليم المطلق، يعلم مصير هذه المقدمه وما يترتب عليها من نتائج ما زالت فى بطن الغيب، يخبر -سبحانه- على لسان الانبياء والرسل بما ينتظر الناس من نتائج، لكى ياخذوا باسباب الهدى ويتجنبوا اسباب الضلال، وباختصار: فان من اخذ باسباب الدجال سقط فى سلته، وهوى فى نار جهنم يوم القيامه، ومن اخذ باسباب الهدى شرب من حوض النبى(ص).
ان اللّه-تعالى- يمتحن الناس باخذهم الاسباب، وهم تحت مظله الامتحان والابتلاء يتمتعون بحريه الاخذ بها، وكل مسيره -على امتداد الزمان- يتخللها ماض وحاضر ومستقبل، والماضى يحمل دائما فى احشائه الزاد، ومهمه الحاضر ان يستمد منه اسباب الهدى، وينطلق بها الى المستقبل، فمن ادركه الموت وهو على هدى، بعثه اللّه على نفس السبب، وكل انسان سيصل الى ما هاجر اليه، وان اخبار الغيب التى جاء بها رسول اللّه(ص) كشفت المسيره، وظهر ما فى بطونها من زاد الماضى، واذا وقف الحاضر امام هذا الزاد ثم رجع القهقرى بتحليل الحوادث التاريخيه، يصل الى المقدمه فى الماضى البعيد، فاذا امعن النظر فيها وجد انها تحتوى على اصول القضايا واعراقها التى يراها فى حاضره، فكما تكون المقدمه تكون النتيجه، والدعوه الال-هيه الخاتمه امرت باتقاء الفتن، وهذا لا يتحقق الا بالبحث فى اصول القضايا، قال تعالى: (يا ايها الذين آمنوا استجيبوا للّه وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم واعلموا ان اللّه يحول بين المرء وقلبه وانه اليه تحشرون واتقوا فتنه لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصه) «الانفال: 24-25»، والنبى(ص) بين ان الحاضر اذا رضى بانحراف الماضى، شارك بالمشاهده وان لم يحضر، قال(ص): (اذا عملت الخطيئه فى الارض، كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها)(1).
والنبى(ص) بين لامته المقدمات والنتائج حتى قيام الساعه، ليكونوا على بينه من امرهم، وياخذوا باسباب الاهداف التى للّه فيها رضا، فعن ابى زيد قال: (صلى بنا رسول اللّه(ص) الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فاخبرنا بما كان وبما هو كائن، فاعلمنا احفظنا)(2)، وعن انس قال: (قال رسول اللّه(ص): من احب ان يسال عن شى‏ء فليسال عنه، فواللّه لا تسالونى عن شى‏ء الا اخبرتكم به ما دمت فى مقامى هذا)(3)، وعن حذيفه قال: (واللّه انى لاعلم الناس بكل فتنه هى كائنه فى ما بينى وبين الساعه، كان رسول اللّه(ص) يحدث مجلسا انا فيه عن الفتن، فقال(ص) وهو يعدها: منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئا، ومنهن فتن كرياح الصيف، منها صغار ومنها كبار، قال حذيفه: فذهب اولئك الرهط كلهم غيرى)(4)، وعنه ايضا انه قال: (ما من ثلاثمائه تخرج الا ولو شئت سميت سائقها وناعقها الى يوم القيامه)(5)، وقال ايضا: واللّه ما ادرى انسى اصحابى ام تناسوا، واللّه ما ترك رسول اللّه(ص) من قائد فتنه الى ان تنقضى الدنيا يبلغ معه ثلاثمائه فصاعدا، الا قد سماه باسمه واسم ابيه واسم قبيلته)(6).
لقد اقام النبى(ص) الحجه عند المقدمه، وهو يخبر بالغيب عن ربه، وعندما انطلقت المسيره بعد وفاته(ص) تحت سقف الامتحان والابتلاء، لم تخل المسيره من الفتن، بدليل ان حذيفه الذى يعرف الفتن وقادتها قال بعد وفاه النبى(ص) باقل من ثلاثين عاما: (انما كان النفاق على عهد النبى(ص)، فاما اليوم فانما هو الكفر بعد الايمان)(7)، وقال: (ان المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبى(ص)، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون)(8)، وقال: (ان كان الرجل يتكلم بالكلمه على عهد رسول اللّه(ص) فيصير منافقا، وانى لاسمعها من احدكم فى المقعد الواحد اربع مرات)(9).
والطريق من توضيح النبى للفتن وهى فى بطن الغيب الى ظهور الفتن فى عالم المشاهده، طريق يخضع للبحث، بهدف اتقاء الفتن المهلكه، وحصار وقودها فى دائره الذين ظلموا خاصه، وعدم البحث فى هذا الطريق يفتح ابوابا عديده، منها مشاركه الذين ظلموا اذا رضى عن فعلهم، لان الراضى عن فعل قوم كالداخل معهم، وقد جاء فى الحديث الشريف: (المرء مع من احب)(10)، وكما ان عدم البحث يلقى بالحاضر على الماضى، فكذلك يلقى به على ما يستقبله من فتن مهلكه. عن حذيفه انه قال: (تعرض الفتن على القلوب، فاى قلب انكرها نكتت فى قلبه نكته بيضاء، واى قلب لم ينكرها نكتت فى قلبه نكته سوداء، حتى يصير القلب ابيض مثل الصفا، لا تضره فتنه ما دامت السماوات والارض، والاخر اسود مربدا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، الا ما اشرب فى هواه)(11).

وما زالت فى بطن الغيب احداث واحداث، لا ينجو منها العالم الا بعلمه، وكذلك فان هناك احداثا اذا جاءت لا ينفع نفسا ايمانها يومئذ، لانها لم تبحث على امتداد الطريق، فانتج ذلك عدم معرفه الحق على امتداد الطريق، ولما كان الحق عند هذه النفس يخضع لتحديد الاهواء، تسقط النفس فى سله الدجال التى تحتوى على جميع الاهواء، وما يستقبل الناس من آيات كبرى، جاء فى قوله تعالى: (يوم ياتى بعض آيات ربك لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل او كسبت فى ايمانها خيرا قل انتظروا انا منتظرون) «الانعام: 158»، (فالايه الكريمه بينت ان هناك آيات لا ينفع عند ظهورها ايمان، ومن لم يكن مصلحا يومئذ تائبا لم تقبل منه توبته، كما ان اللّه لا يقبل عملا صالحا من صاحبه اذا لم يكن قد عمل به قبل ذلك، ومن هذه الايات: الدخان، والدابه، وخروج ياجوج وماجوج، ونزول عيسى بن مريم، وخروج الدجال، وطلوع الشمس من مغربها)(12).
وبالجمله، فقد اخبر النبى(ص) بالغيب عن ربه جل وعلا، لياخذ الناس باسباب الهدايه نحو ما يستقبلهم من احداث ما زالت فى بطن الغيب، والاخذ بالاسباب من الوسائل التى يمتحن اللّه- تعالى - بها عباده، واخبار الرسول بالغيب هو فى حقيقته دعوه للايمان باللّه، لانه يامر بالاستقامه، ويبين ان عدم الاستقامه يودى الى كفران النعمه، ويفتح الطريق امام الفتن، وكفران النعمه عقوبته سلب نعمه الهدايه، وبه ياتى الهلاك، وطريق الفتن يلقى باتباعه تحت اعلام الدجال، قال النبى(ص): (ما صنعت فتنه منذ كانت الدنيا، صغيره او كبيره، الا لفتنه الدجال)(13).


ثانيا: التحذيرات الذهبيه
1- التحذير من الاختلاف
نهى اللّه-تعالى- فى كتابه الكريم عن الاختلاف فى الدين فى اكثر من آيه، منها قوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) «آل عمران: 105»، وقال رسول اللّه(ص): (لا تختلفوا، فان من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)(14)، وقال جل شانه: (واعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرقوا) «آل عمران: 103»، وقال النبى(ص): (انى تارك فيكم الثقلين احدهما اكبر من الاخر، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء الى الارض، وعترتى اهل بيتى، وانهما لن يفترقا حتى
يردا على الحوض)(15).
وحذر -تعالى- من عاقبه الاختلاف فى الدين فى اكثر من آيه من كتابه الكريم، منها قوله تعالى: (ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شى‏ء انما امرهم الى اللّه ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) «الانعام: 159»، قال المفسرون: اى ان الذين فرقوا دينهم بالاختلافات والانشعابات المذهبيه بعد ان جاءهم العلم، ليسوا على طريقتك التى بنيت على وحده الكلمه ونفى الفرقه، انما امرهم فى هذا التفريق الى ربهم فينبئهم يوم القيامه بما كانوا يفعلون، ويكشف لهم حقيقه اعمالهم، والايه
عامه، تعم اليهود والنصارى والمختلفين بالمذاهب والبدع من هذه الامه.
وفى الوقت الذى امرت فيه الدعوه الال-هيه الخاتمه بعدم الاختلاف، اخبر النبى(ص) بالغيب عن ربه العليم المطلق، بان الامه ستختلف من بعده وسيتبع بعضها سنن اليهود والنصارى، قال(ص): (ان بنى اسرائيل تفرقت احدى وسبعين فرقه، فهلك احدى وسبعون فرقه، وخلصت فرقه واحده، وان امتى ستفترق على اثنتين وسبعين فرقه تهلك احدى وسبعون وتخلص فرقه، قيل: يا رسول اللّه، من تلك الفرقه؟ قال: الجماعه، الجماعه)(16)، اما اتباع سنن الاولين ففى قوله تعالى: (وعد اللّه المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هى حسبهم ولعنهم اللّه ولهم عذاب مقيم× كالذين من قبلكم كانوا اشد منكم قوه واكثر اموالا واولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذى خاضوا اولئك حبطت اعمالهم فى الدنيا والاخره واولئك هم الخاسرون) «التوبه: 68-69»، وروى ابن جرير ان رسول اللّه(ص) قال فى هذه الايه: (حذركم اللّه ان تحدثوا فى الاسلام حدثا وقد علم انه سيفعل ذلك اقوام من هذه الامه، فقال تعالى: (فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم...) «الايه السابقه‏»، وانما حسبوا ان لا يقع بهم من الفتنه ما وقع ببنى اسرائيل قبلهم، وان الفتنه عائده كما بدات)(17)، وروى ابن كثير عن ابن عباس، قال: (ما ى‏ى‏ى‏ى‏اشبه الليله بالبارحه، (كالذين من قبلكم) هولاء بنو اسرائيل شبهنا بهم، والذى نفسى بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل جحر ضب لدخلتموه)(18)، وعن ابى سعيد الخدرى قال: قال رسول اللّه(ص): (لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم)، قالوا: يا رسول اللّه، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟(19)، وقال المفسرون: ان المنافقين والمنافقات بعضهم من بعض، وانهم جميعا والكفار ذو طبيعه واحده فى الاعراض عن ذكر اللّه والاقبال على الاستمتاع بما اوتوا من اعراض الدنيا من اموال واولاد، والخوض فى آيات اللّه، ثم فى حبط اعمالهم فى الدنيا والاخره والخسران، ومعنى الايات: انتم كالذين من قبلكم، كانوا اشد منكم قوه، واكثر اموالا واولادا، فاستمتعوا بنصيبهم، وقد تفرع على هذه المماثله انكم استمتعتم كما استمتعوا وخضتم كالذى خاضوا، اولئك حبطت اعمالهم فى الدنيا والاخره واولئك هم الخاسرون، وانتم ايضا امثالهم فى الحبط والخسران.
لقد حذرت الدعوه الال-هيه عند المقدمه من الاختلاف فى الدين، وذكرت ان الاختلاف بعد العلم لا يمكن ان يضع اصحابه على طريقه رسول اللّه(ص)، لانها طريقه بنيت على وحده الكلمه ونفى الفرقه، وحذرت الدعوه ايضا من سلوك سبيل الذين اوتوا الكتاب، وبينت برامجهم واهدافهم، واخبرت بانهم يصدون عن سبيل اللّه، ويعملون من اجل ان تضل الامه وتتبع طريقتهم فى الحياه، ثم اخبر رسول اللّه(ص) بالغيب عن ربه بما يستقبل الناس، ومنه: ان الامه ستفترق وسيتبع بعضها طريقه اليهود والنصارى، والتحذير عند المقدمه فيه ان الصراع قائم بين الحق والباطل، وظهور الذين اتبعوا اليهود والنصارى عند نهايه الطريق، لا يعنى سقوط المسيره، وانما يعنى سقوط الغثاء والزبد الذى لا قيمه له، واعلام هولاء يحملها المنافقون والمنافقات، كما ظهر فى صدر الايه الكريمه.

 

2- التحذير من امراء السوء
حذرت الدعوه الخاتمه من الميل الى الذين ظلموا، لان على اعتابهم ياتى ضعف العقيده وفقدان القدوه، وبينت ان قيام الذين ظلموا بتوجيه الحياه العقليه والدينيه للامه، ينتج عنه شيوع المشكلات الزائفه التى تشغل الراى العام، وتجعله داخل دائره الصفر، حيث الجمود والتخلف، وعلى ارضيه الجمود تفتح الابواب لسنن الاولين، ومعها يختل منهج البحث ومنهج التفكير ومنهج الاستدلال، وبهذا يتم التعتيم على نور الفطره وتغيب الحقيقه تحت اعلام الترقيع والتلجيم التى تلبست بالدين، قال تعالى: (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون اللّه من اولياء ثم لا تنصرون) «هود: 113»، قال المفسرون: نهى اللّه-تعالى- النبى(ص) وامته عن الركون الى من اتسم بسمه الظلم، بان يميلوا اليهم، ويعتمدوا على ظلمهم فى امر دينهم او حياتهم الدينيه، لان الاقتراب فى امر الدين او الحياه الدينيه من الذين ظلموا، يخرجهما عن الاستقلال فى التاثير، ويغيرهما عن الوجهه الخالصه، ولازم ذلك السلوك الى الحق عن طريق الباطل، او احياء حق باحياء باطل، او اماته الحق لاحيائه.
والنبى(ص) اخبر ان الامه ستركن الى هولاء، وامر بان تاخذ بالاسباب، لان اللّه-تعالى- ينظر الى عباده كيف يعملون، فعن ثوبان قال: قال رسول اللّه(ص): (انما اخاف على امتى الائمه المضلين)(20)، وعن ابى هريره قال: قال رسول اللّه(ص): (يهلك امتى هذا الحى من قريش)، قالوا: فما تامرنا يا رسول اللّه؟ قال: (لو ان الناس اعتزلوهم)(21)، وعن خباب بن الارث قال: انا لقعود على باب رسول اللّه(ص) ننتظره ان يخرج لصلاه الظهر، اذ خرج علينا فقال: اسمعوا، فقلنا: سمعنا، ثم قال: اسمعوا، فقلنا: سمعنا، فقال: (انه سيكون عليكم امراء فلا تعينوهم على ظلمهم، فمن صدقهم بكذبهم فلن يرد على الحوض)(22)، وعن حذيفه قال: (قال رسول اللّه(ص): سيكون عليكم امراء يظلمون ويكذبون، فمن صدقهم بكذبهم واعانهم على ظلمهم، فليس منى ولست منه، ولا يرد على الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعينهم، فهو منى وانا
منه، وسيرد على الحوض)(23)، ومن هذه الاحاديث يستنتج ان الامراء ضد خط اهل البيت، بدليل انهم لن يردوا على الحوض، وفى الحديث ان اهل البيت مع القرآن ولن ينفصلا حتى يردا على الحوض، ويستنتج ايضا ان اهل البيت لن يكونوا فى صدر القافله، وان هناك احداثا ستودى الى ابعادهم عن مركز الصداره، بدليل وجود الائمه المضلين وامراء ى‏الظلم، فلو كان اهل البيت فى الصداره، ما اتخذوا هولاء بطانه لهم، لان اهل البيت مع القرآن، والقرآن نهى عن ذلك.

وبالجمله، اخبر النبى(ص) بوجود تيار فى بطن الغيب سيعمل ضد سياسه اهل البيت، وان هذا التيار لن يرد على الحوض، لقوله(ص): (لا يبغضنا احد ولا يحسدنا احد الا ذيد يوم القيامه عن الحوض)(24)، وقوله لعلى بن ابى طالب: (يا على، معك يوم القيامه عصا من عصى الجنه تذود بها المنافقين عن حوضى)(25)، وامر النبى(ص) بمواجهه هذا التيار باعتزالهم وعدم اعانتهم وعدم تصديقهم، وروى عن ابن مسعود، قال: قال(ص): (ان رحى الاسلام دائره، وان الكتاب والسلطان سيفترقان، فدوروا مع الكتاب حيث دار، وستكون عليكم ائمه ان اطعتموهم اضلوكم وان عصيتموهم قتلوكم، قالوا: فكيف نصنع يا رسول اللّه؟ قال: كونوا كاصحاب عيسى، نصبوا على الخشب ونشروا بالمناشير، موت فى طاعه، خير من حياه فى معصيه)(26)، وروى عن معاذ قال: قلت يا رسول اللّه: ارايت ان كان علينا امراء لا يستنون بسنتك، ولا ياخذون بامرك، فما تامرنى فى امرهم؟ فقال: (لا طاعه لمن لم يطع اللّه عز وجل)(27).
وروى عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه(ص): (ان اول ما دخل النقص على بنى اسرائيل، كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا، اتق اللّه ودع ما تصنع فانه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد، فلا يمنعه ذلك ان يكون اكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب اللّه قلوب بعضهم ببعض، ثم تلا قوله تعالى: (لعن الذين كفروا من بنى اسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم) الى قوله: (فاسقون) «المائده: 78-81»، ثم قال رسول اللّه(ص): (كلا -واللّه- لتامرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتاخذن على يدى الظالم ولتاطرنه على الحق اطرا (اى: لتردنه الى الحق)، ولتقصرنه على الحق قصرا، او ليضربن اللّه بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم)(28)، وقال(ص): (مثل القائم على حدود اللّه والمدهن فيها، كمثل قوم استهموا على سفينه فى البحر، فاصاب بعضهم اعلاها، واصاب بعضهم اسفلها، فكان الذين فى اسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبون على الذين فى اعلاها، فقال الذين فى اعلاها: لا ندعكم تصعدون فتوذوننا، فقال الذين فى اسفلها: فاننا ننقبها
من اسفلها فنستقى، فان اخذوا على ايديهم فمنعوهم نجوا جميعا، وان تركوهم غرقوا جميعا)(29).
كانت هذه بعض تعاليم النبوه لمواجهه الظلم والجور فى وقت ما على امتداد المسيره، اما بعد استفحال الظلم والجور، نتيجه للثقافات التى عمل منها المنافقون واهل الكتاب غثاء مهمته النباح تاييدا للجلادين، والتصفيق للزبانيه ومصاصى الدماء، يقول النبى(ص): (ما ترون اذا اخرتم الى زمان حثاله من الناس، قد مرجت عهودهم ونذورهم فاشتبكوا، وكانوا هكذا (وشبك بين اصابعه)، قالوا: اللّه ورسوله اعلم، قال: تاخذون ما تعرفون وتدعون ما تنكرون، ويقبل احدكم على خاصه نفسه، ويذر امر العامه)(30)، وفى روايه: (اتق اللّه عز وجل، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بخاصتك، واياك وعوامهم)(31).

وبالجمله، بين النبى(ص) ان صنفا من الناس سيحرص على الاماره من بعده، قال(ص): (انكم ستحرصون على الاماره، وستصير حسره وندامه يوم القيامه، نعمت المرضعه وبئست الفاطمه)(32). نعم المرضعه: لما فيها من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمه وتحصيل اللذات الحسيه، وبئست الفاطمه: اى بعد الموت لان صاحبها يصير الى المحاسبه.

قال(ص): (ليتمن اقوام ولوا هذا الامر، انهم خروا من الثريا وانهم لم يولوا شيئا)(33)، وليس معنى هذا ان الاسلام لا يعترف بالقياده والاماره، فالاسلام يقوم على النظام، وفيه لكل شى‏ء ذروه، والحديث يحذر غير اصحاب الحق من ان ينازعوا الامر اهله، لانه فى المنازعه ضياع للامانه، قال رسول اللّه(ص): (اذا ضيعت الامانه فانتظر الساعه، قالوا: كيف اضاعتها يا رسول اللّه؟ قال: اذا اسند الامر الى غير اهله، فانتظروا الساعه)(34).
ويفسر هذا ما روى عن داود بن ابى صالح، قال: (اقبل مروان بن الحكم يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على قبر النبى(ص)، فقال: اتدرى ما تصنع؟ واقبل عليه واذا هو ابو ايوب الانصارى، فقال: نعم، جئت رسول اللّه(ص) ولم آت الحجر، سمعت رسول اللّه(ص) يقول: لا تبكوا على الدين اذا وليه اهله، ولكن ابكوا عليه اذا وليه غير اهله)(35).
وبين النبى(ص) للامه اسباب الهدى على امتداد المسيره، تحت مظله الامتحان والابتلاء، بين الاسباب فى عصر فيه الصحابه، وبينها فى عصر فيه التابعون، وبينها فى عصور جاءت بعد ذلك، واللّه تعالى ينظر الى عباده كيف يعملون.

1- رواه ابو داود، حديث رقم 4345.
2-
رواه مسلم، الصحيح: 18/16،واحمد، الفتح الربانى: 21/272.
3-
رواه احمد والبخارى ومسلم، كنز العمال: 11/421.
4-
صحيح مسلم: 18/15.
5-
رواه نعيم وسنده صحيح، كنز العمال: 11/271.
6-
رواه ابو داود، حديث رقم 4222.
7-
رواه البخارى، الصحيح: 4/230.
8-
رواه البخارى، الصحيح: 4/230.
9-
رواه احمد واسناده جيد، الفتح الربانى: 19/173.
10-
رواه البخارى، الصحيح: 4/77.
11-
رواه الامام احمد والحاكم وصححه، كنز العمال: 11/119.
12-
انظر: تفسير ابن كثير: 2/195.
13-
رواه احمد والبزار، ورجاله رجال الصحيح، الزوائد: 7/335.
14-
رواه البخارى، كنز العمال: 1/177.
15-
رواه الامام احمد والترمذى، وقال: حديث حسن، والطبرانى، وقال المناوى: رجاله موثقون، الفتح الربانى: 1/186.
16-
رواه احمد، الفتح الربانى: 24/6،والترمذى وصححه، الجامع: 4/25.
17-
تفسير ابن جرير: 10/122.
18-
تفسير ابن كثير: 2/368.
19-
رواه احمد والبخارى ومسلم، الفتح الربانى: 1/197.
20-
رواه احمد ومسلم والترمذى، الفتح الربانى: 27/31.
21-
رواه البخارى، الصحيح: 2/280،ومسلم، الصحيح: 18/41،واحمد، الفتح الربانى: 23/39.
22-
رواه احمد، الفتح الربانى: 23/30،وابن حبان فى صحيحه، وابن ابى عاصم، وقال الالبانى: رجاله ثقات، كتاب السنه: 2/352.
23-
رواه احمد والبزار، وقال الهيثمى: رجاله رجال الصحيح، الزوائد: 5/248،وابن ابى عاصم، وقال الالبانى: رجاله ثقات، كتاب السنه: 2/353.
24-
رواه الطبرانى، كنز العمال: 12/104.
25-
رواه الطبرانى، وقال الهيثمى: رجاله ثقات: 9/135.
26-
رواه الطبرانى عن ابن مسعود، كنز العمال: 1/216،ورواه عن معاذ، كنز العمال: 1/211.
27-
رواه عبداللّه بن احمد، واسناده جيد، الفتح الربانى: 23/44.
28-
رواه ابو داود، حديث رقم 4337،وقال الهيثمى: رواه الطبرانى، ورجاله رجال الصحيح، الزوائد: 7/269.
29-
رواه احمد والبخارى، الفتح الربانى: 19/177،والترمذى وصححه، الجامع: 4/470.
30-
رواه الطبرانى، وقال الهيثمى: رجاله ثقات، الزوائد: 7/279.
31-
رواه احمد، واسناده صحيح، الفتح الربانى: 23/12.
32-
رواه احمد، الفتح الربانى: 23/22،والبخارى، الصحيح: 4/235.
33-
رواه احمد، وقال الهيثمى: رجاله ثقات، الفتح الربانى: 23/23.
34-
رواه البخارى، الصحيح: 4/128.
35-
رواه احمد، ورجاله ثقات، الفتح الربانى: 23/132،الزوائد: 5/245،والحاكم وصححه، واقره الذهبى، المستدرك: 4/515.