فهرس الكتاب

مكتبة الإمام المهدي

مكتبة الموقع


 

الفصل الثاني

أسباب الغيبة الصغرى والتمهيد لها

أسباب الغيبة الصغرى

جاءت غيبة الإمام المهدي ـ عجل الله فرجه ـ كإجراء تمهيدي لظهوره اقتضته الحكمة الإلهية في تدبير شؤون العباد بهدف تأهيل المجتمع البشري للمهمة الإصلاحية الكبرى التي يحققها الله تبارك وتعالى على يديه (عليه السلام) والتي تتمثل في إظهار الإسلام على الدين كله وإقامة الدولة الإسلامية العادلة في كل الأرض وتأسيس المجتمع التوحيدي الخالص الذي يعبد الله وحده لا شريك له دونما خوف من كيد منافق أو مشرك كما نصت على ذلك النصوص الشرعية التي سنتناولها في الفصل الخاص بسيرته (عليه السلام) بعد ظهوره.

إن الانحراف الذي ساد الكيان الإسلامي قد أبعده عن الدور الريادي المطلوب الذي أراده الله سبحانه، له أي لكي يكون كيان خير اُمة أخرجت للناس، وترسّخ الانحراف الاجتماعي والأخلاقي والاقتصادي حتى أفقده أهليّة القيام بهداية المجتمع البشري نحو العدالة الإسلامية التي فقدها المسلمون أنفسهم وفقدوا معها الكثير من القيم الإلهية الأصيلة حتى اختفت مظاهرها من حياتهم.

والانحراف السياسي ـ الذي سبب انحرافات اُخرى ـ كان قد طغى على كيان المسلمين واستشرى الفساد في حكوماتهم التي لم يكن لها هدف سوى التمادي في الملذات المحرمة والتناحر الداخلي بدوافع سلطوية ومطامع استعلائية في الأرض حتى غابت صورة الخليفة الخادم للرعية المدافع عن كرامتهم الإنسانية ومصالحهم الدنيوية والاُخروية وحلت محلها صورة الحاكم المستبد الذي لا همّ له سوى الفساد والإفساد والاستعلاء في الأرض والاحتفاظ بالعرش بما أمكنه ولو كان على حساب سحق أبسط القيم التي جاء بها مَن يرفعون شعار خلافته أي النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، ولذلك اجتهدوا في محاربة ائمة الهدى من عترته كما لاحظنا في تعليل الإمام العسكري (عليه السلام) للمطاردة الأموية والعباسية لهم وخاصة للمهدي الموعود.

إذن فالكيان الإسلامي ـ وبالتالي المجتمع البشري ـ لم يكن مؤهلاً بالفعل لتلك المهمة الإصلاحية الكبرى التي تحمّلها المهديّ الموعود، ولعل من أوضح مظاهر ذلك موقفه من الثورات العلوية الكثيرة التي كانت تتفجر في أرجاء مختلفة من العالم الإسلامي، لكنها كانت تواجه بقمع وحشي أو خذلان سريع أو انحراف سريع عن أهدافها المعلنة وتحويلها الى حكومة سلطوية كسائر الحكومات الفاسدة المعاصرة لها بعيدة عن الأهداف الإصلاحية الإسلامية الكبرى[1].

في ظل هذه الأوضاع وفي ظل الجهود المستميتة التي كانت تبذلها السلطات العباسية للقضاء على المهدي كما تقدم، كان لابد من إحاطة الإمام (عليه السلام) بستار يمكنه من المساهمة ـ كحجة لله على عباده ـ في إعداد المقدمات اللازمة لظهوره دون أن يعرّضه لخطر الإبادة وفقدان البشر لحجة الله الموكّل بحفظ الشريعة المحمدية، وهذا الستار هو الذي سمي بـ « الغيبة » . والى هذا السبب أشارت مجموعة من الأحاديث الشريفة عن أنّ أحد أسرار الغيبة هو الخشية من القتل، وهذه العلة تنطبق على الغيبة الصغرى وثمة علل أخرى ترتبط بتأهيل المجتمع البشري للظهور. سنفصل الحديث عنها في مقدمة الفصل الخاص بالغيبة الكبرى.

تمهيد النبي(صلى الله عليه وآله) والائمة(عليهم السلام) لغيبة الإمام المهدي(عليه السلام)

سجلت المصادر الإسلامية الكثير من الأحاديث الشريفة المروية عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وائمة أهل البيت (عليهم السلام) ; التي أخبرت عن حتمية وقوع غيبة الإمام المهدي ـ عجل الله فرجه ـ، وقد نقلنا نماذج لها ضمن الحديث عن خفاء ولادته، وننقل هنا نماذج أخرى لها.

فمنها ما رواه الحافظ صدر الدين ابراهيم بن محمد الحمويني الشافعي (644 ـ 722 هـ ) في كتابه فرائد السمطين، وغيره بأسانيدهم عن ابن عباس أن يهودياً اسمه نعثل ويكنى أبا عمارة جاء الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسأله عن أشياء ترتبط بالتوحيد والنبوة والإمامة فأجابه عليها فأسلم الرجل وقال :

أشهد أن لا إله إلا الله، وانك رسول الله، وأشهد أنهم الأوصياء بعدك، ولقد وجدت هذا في الكتب المتقدمة، وفيما عهد الينا موسى (عليه السلام) : اذا كان آخر الزمان يخرج نبي يقال له « أحمد » خاتم الأنبياء لا نبي بعده، يخرج من صلبه ائمة ابرار عدد الأسباط.

فقال (صلى الله عليه وآله) «يا أبا عمارة اتعرف الأسباط»؟ قال: نعم يا رسول الله انهم كانوا اثني عشر.

قال: «فإن فيهم لاوي بن ارحيا». قال: أعرفه يا رسول الله، وهو الذي غاب عن بني اسرائيل سنين ثم عاد فأظهر شريعته بعد دراستها وقاتل مع فريطيا الملك حتى قتله.

وقال (عليه السلام) : «كائن في اُمتي ما كان من بني اسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، وان الثاني عشر من ولدي يغيب حتى لا يرى، ويأتي على اُمتي زمن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه، فحينئذ يأذن الله له بالخروج فيظهر الإسلام ويجدد الدين». ثم قال (عليه السلام) : طوبى لمن أحبهم وطوبى لمن تمسك بهم، والويل لمبغضهم »[2].

وروي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: « مَن أنكر القائم من ولدي في غيبته مات ميتة جاهلية»[3].

وقال(صلى الله عليه وآله) : « والذي بعثني بالحق بشيراً ليغيبن القائم من ولدي بعهد معهود إليه مني حتى يقول الناس ما لله في آل محمد من حاجة، ويشك آخرون في ولادته، فمن أدرك زمانه فليتمسك بدينه ولا يجعل للشيطان إليه سبيلاً بشكه فيزيله عن ملتي ويخرجه من ديني...»[4].

وقال(صلى الله عليه وآله) : « ... وجعل من صلب الحسين أئمة ليوصون بأمري ويحفظون وصيتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي ومهدي اُمتي، أشبه الناس بي في شمائله وأقواله وأفعاله، ليظهر بعد غيبة طويلة وحيرة مضلّة، فيُعلن أمر الله ويظهر دين الحق...»[5].

وقال(صلى الله عليه وآله) : «لا بد للغلام من غيبة» فقيل له: ولِمَ يا رسول الله ؟ قال: يخاف القتل»[6].

وقال(صلى الله عليه وآله): « المهدي من ولدي تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الاُمم، يأتي بذخيرة الأنبياء (عليهم السلام) فيملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً »[7].

وعن الإمام علي (عليه السلام) قال ضمن حديث : «... ولكني فكرتُ في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً تكون له غيبة وحيرة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون ...»[8]. وقال(عليه السلام) « وإن للغائب منا غيبتين إحداهما أطول من الأخرى فلا يثبت على إمامته إلا مَن قوي يقينه وصحت معرفته »[9].

وروي في ذلك ايضاً عن الإمام الحسن بن علي (عليه السلام)، كما تقدم في بحث ولادته (عليه السلام).

وروي عن الإمام الحسين (عليه السلام) أنه قال: «لصاحب هذا الأمر ] يعني المهدي [غيبتان إحداهما تطول حتى يقول بعضهم مات، وبعضهم: ذهب، ولا يطلع على موضعه أحد من ولي ولا غيره إلا المولى الذي يلي أمره »[10].

وعن الإمام السجاد (عليه السلام) قال : « في القائم سنة من نوح وهو طول العمر »[11]، وقال(عليه السلام) : « إن للقائم منا غيبتين احداهما أطول من الأخرى »[12].

وعن الإمام الباقر (عليه السلام) : « لقائم آل محمد غيبتان إحداهما أطول من الاُخرى »[13].

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) : « إن بلغكم عن صاحبكم غيبة فلا تنكروها »[14]، «إن للقائم منّا غيبة يطول أمدها ... لأن الله عز وجل أبى إلا أن يجري فيه سنن الأنبياء (عليهم السلام) وأنه لابد يا سدير من استيفاء مدد غيباتهم »[15].

وعن الإمام الكاظم (عليه السلام) : «أنا القائم بالحق ولكنّ القائم الذي يطهر الأرض من أعداء الله ويملأها عدلاً كما ملئت جوراً هو الخامس من ولدي له غيبة يطول أمدها...»[16].

[1] أجرى السيد الشهيد محمد الصدر(رحمه الله) دراسة تحليلية وثائقية قيمة استناداً لمصادر التأريخ الإسلامي، لخصوصيات هذه الحقبة من التأريخ الإسلامي من المفيد الاطلاع عليها في كتابه تأريخ الغيبة الصغرى.

[2] فرائد السمطين: 2/ 132.

[3] كمال الدين: 413، كفاية الأثر : 66، والأحاديث النبوية بهذا المعنى كثيرة راجعها في معجم أحاديث الإمام المهدي(عليه السلام) القسم الخاص بأحاديث النبي(صلى الله عليه وآله) : 1/ 256 ـ 267.

[4] كمال الدين : 51، إثبات الهداة: 3/ 459.

[5] كفاية الأثر : 10.

[6] علل الشرائع: 1/ 243 وعنه في بحار الأنوار: 52/ 90.

[7] فرائد السمطين: 2/ 335، وينابيع المودة للحافظ سليمان الحنفي : 488.

[8] الكافي للكليني: 1/ 273.

[9] ينابيع المودة للحافظ الحنفي : 427.

[10] الاشاعة في اشراط الساعة : 13.

[11] كمال الدين : 321.

[12] كمال الدين : 323.

[13] غيبة النعماني : 172.

[14] غيبة الشيخ الطوسي: 102.

[15] كمال الدين : 480.

[16] كفاية الأثر : 265.