فهرس الكتاب

مكتبة الإمام المهدي

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

الرسائل

رسالة إلى المفيد(1):

للأخ السديد والولي الرشيد(2) الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان(3) أدام الله إعزازه، من مستودع العهد المأخوذ على العباد(4).

بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد سلام الله عليك أيّها الوليّ المخلص في الدين المخصوص فينا باليقين، فإنّا نحمد إليك الله(5) الذي ﻻ إله إلا هو، ونسأله الصلاة على سيّدنا ومولانا ونبيّنا محمد وآله الظاهرين.

ونعلمك - أدام الله توفيقك لنصرة الحق وأجزل مثوبتك على نطقك عنا بالصدق- أنّه قد أذن لنا(6) في تشريفك بالمكاتبة وتكليفك ما تؤديّه عنّا إلى موالينا قبلك أعزهم الله بطاعته وكفاهم المهمّ برعايته لهم وحراسته.

فقف - أمدّك الله بعونه على أعدائه المارقين من دينه - على ما تذكره(7) واعمل في تأديته إلى من تسكن إليه، بما نرسمه إن شاء الله. نحن وإن كنّا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين(8) - حسب الذي أراناه الله تعالى من الصلاح، ولشيعتنا المؤمنين في ذلك مادامت دولة الدنيا للفاسقين - فإنّا نحيط علماً بأنبائكم. ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم(9) ومعرفتنا بالذلّ الذي أصابكم(10) مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ (منه)(11) وراء ظهورهم كأنهم ﻻ يعلمون إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم(12) ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء(13) واصطلمكم(14) الأعداء، فاتقوا الله جلّ جلاله، وظاهرونا على انتياشكم(15) من فتنة قد أنافت(16) عليكم، يهلك فيها من حمّ أجله، ويحمى عنها من أدرك أمله، وهي إمارة لأزوف(17) حركتنا و(مبانيتكم) (مباثبتكم) بأمرنا ونهينا، والله متم نوره ولو كره الكافرون(18).

اعتصموا بالتقيّة؛ من شبّ نار الجاهليّة(19) يحشّشها عصب أمويّة يهول بها فرقة مهديّة(20).

أنا زعيم بنجاة من لم يرم فيها المواطن الخفيّة(21)، وسلك في الظعن منها السبل المرضيّة(22).

إذا حلّ جمادى الأولى من سنتكم هذه، فاعتبروا بما يحدث فيها، واستيقظوا من رقدتكم لما يكون في الذي يليها، ستظهر لكم من السماء آية جليّة، ومن الأرض مثلها بالسويّة، ويحدث في أرض المشرق ما يحزن ويقلق، ويغلب من بعد على العراق، طوائف عن الإسلام مراق(23) تضيق بسوء فعالهم على أهله الأرزاق، ثم تنفرج الغمة من بعد ببوار طاغوت من الأشرار، ثم يسرّ بهلاكه المتقون الأخيار ويتفق لمريدي الحج من الآفاق، ما يؤملونه منه على توفير غلبه (عليه) منهم وإنفاق، ولنا في تيسير حجهم على الاختيار منهم والوفاق، شأن يظهر على نظام واتساق(24) فليعمل كل امرئ منكم بما يقرّب به من محبتنا، ويتجنّب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإن أمرنا بغتة فجأة(25) حين ﻻ ينفعه توبة، ولا ينجّيه من عقابنا ندم على حوبة(26) والله يلهمكم الرشد، ويلطف لكم في التوفيق برحمته.

نسخة التوقيع

باليد العليا على(27) صاحبها السلام

هذا كتابنا إليك، أيّها الأخ الوليّ والمخلص في ودنا الصّفيّ. والناصر لنا الوفيّ، حرسك الله بعينه التي ﻻ تنام، فاحتفظ به، ولا تظهر على خطنا الذي سطرناه، ولا بما فيه ضمناه أحداً(28) وأدّ ما فيه إلى من تسكن إليه. وأوص جماعتهم بالعمل عليه، إن شاء الله، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين(29).

رسالة ثانية للشيخ المفيد(30):

من عبد الله المرابط في سبيله، إلى ملهم الحقّ ودليله(31).

بسم الله الرحمن الرحيم. سلام الله عليك أيّها الناصر للحقّ، الدّاعي إليه بكلمة الصّدق.

فإنّنا نحمد الله إليك الذي ﻻ إله إلاّ هو إلهنا وإله آبائنا الأوّليين، ونسأله الصلاة على سيّدنا ومولانا محمّد خاتم النبيّين وعلى أهل بيته الطاهرين.

وبعد. فقد كنّا نظرنا مناجاتك عصمك الله بالسبب الذي وهبه الله لك من أوليائه، وحرسك به من كيد أعدائه وشفعنا ذلك(32) الآن من مستقرّ لنا ينصبّ في شمراخ من بهماء(33) صرنا إليه آنفاً من غماليل(34) ألجأنا إليه السباريت(35) من الأيمان(36) ويوشك أن يكون هبوطنا إلى ضحضح(37) من غير بعد من الدهر، ولا تطاول من الزمان، ويأتيك نبأ منّا بما يتحدّد لنا من حال(38) فتعرف بذلك ما يعتمد (نعتمده) من الزلفة إلينا بالأعمال، والله موفّقك لذلك برحمته.

فلتكن - حرسك الله بعينه التي ﻻ تنام - أن تقابل بذلك فتنة تبسل نفوس قومٍ حرثت باطلاً لاسترهاب المبطلين(39) يبتهج لدمارها المؤمنون، ويحزن لذلك المجرمون.

وآية حركتنا من هذه اللوثة(40) حادثة بالحرم المعظّم، من رجس منافق مذمّم، ستحلّ للدم المحرّم، يعمد بكيده أهل الإيمان، ولا يبلغ بذلك غرضه من الظلم والعدوان، لأننا من وراء حفظهم بالدعاء الذي ﻻ يحجب عن ملك الأرض والسماء(41) فلتطمئنّ بذلك من أوليائنا القلوب، وليتّقوا بالكفاية منه وإن راعتهم بهم الخطوب، والعاقبة - بجميل صنع الله سبحانه - تكون حميدة ما اجتنوا المنهي عنه من الذنوب.

ونحن نعهد إليك أيّها الوليّ المخلص المجاهد فينا الظّالمين أيّدك الله بنصره الذي أيّد به السلف من أوليائنا الصالحين: إنّه من اتّقى ربّه من إخوانك في الدين، وأخرج ممّا عليه إلى مستحقيه، كان آمناً في الفتنة المبطلة، ومحنها المظلمة المضلّة، ومن بخل منهم بما أعاده الله من نعمته على من أمره بصلته، فإنه يكون خاسراً بذلك لأولاه وآخرته(42).

ولو أنّ أشياعنا وفقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخّر عنهم اليمين بلقائنا، ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا ممّا نكرهه ولا نؤثره منهم(43) والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلواته على سيّدنا البشير النذير محمد وآله الطاهرين وسلّم.

وكتب في غرّة شوّال من سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.

نسخة التوقيع

باليد العليا صلوات الله على صاحبها

هذا كتابنا إليك أيّها الوليّ الملهم للحقّ العليّ(44) بإملائنا وخطّ ثقتنا، فأخفه عن كلّ أحد، واطوه واجعل له نسخة تطّلع عليها من تسكن إلى أمانته من أوليائنا، شملهم الله ببركاتنا إن شاء الله.

الحمد لله والصلاة على سيّدنا محمّد النبيّ وآله الطاهرين.

مسائل الأسدي(45):

.... أما ما سألت عنه من الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؟ فلئن كان كما يقول الناس: (إن الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان) فما أرغم أنف الشيطان شيء أفضل من الصلاة، فصلّها وارغم الشيطان أنفه.

أمّا ما سألت عنه من أمر الوقف على ناحيتنا، وما يجعل لنا ثم يحتاج إليه صاحبه فيه احتاج أو لم يحتج، افتقر إليه أو استغنى عنه(46).

وأما ما سألت عنه من أمر من يستحلّ ما في يده من أموالنا ويتصرف فيه تصرّفه في ماله من غير أمرنا؟ فمن فعل ذلك فهو ملعون، ونحن خصماؤه يوم القيامة، وقد قال النبي (صلّى الله عليه وآله): (المستحل من عترتي ما حرّم الله ملعون على لساني ولسان كل نبي مجاب) فمن ظلمنا حقنا كان في جملة الظالمين لنا، وكانت لعنة الله عليه لقوله عز وجلّ: (ألا لعنة الله على الظّالمين)(47).

وأما ما سألت عنه عن أمر المولود الذي نبتت غلفته بعد ما يختن مرة أخرى، فإنه يجب أن يقطع غلفته فإن الأرض تضج إلى الله تعالى من بول الأغلف أربعين صباحاً(48).

وأمّا ما سألت عنه عن أمر المصلى والنار والصورة والسّراج بين يديه، هل يجوز صلاته فإن الناس قد اختلفوا في ذلك قبلك؟

فإنّه جائز لمن لم يكن من أولاد عبدة الأصنام والنيران: أن يصلي والنار (والصورة) والسراج بين يديه، ولا يجوز(49) ذلك لمن كان من أولاد عبدة الأوثان والنيران.

وأمّا ما سألت عنه عن أمر الضياع التي لناحيتنا، هل يجوز القيام بعمارتها وأداء الخراج منها، وصرف ما يفضل من دخلها إلى الناحية، احتساباً للأجر، وتقرّباً إليكم؟

فلا يحل لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه، فكيف يحل ذلك في مالنا؟ من فعل ذلك بغير أمرنا فقد استحلّ منّا ما حرّم عليه ومن أكل من أموالنا شيئاً فإنما يأكل في بطنه ناراً وسيصلى سعيراً(50).

وأمّا ما سألت عنه من أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة، ويسلمها من قيّم يقوم بها ويعمّرها، ويؤدّي من دخلها خراجها ومؤنتها، يجعل ما بقي من الدّخل لناحيتنا؟

فإن ذلك جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيّماً عليها، إنما ﻻ يجوز ذلك لغيره.

وأمّا ما سألت عنه من الثمار من أموالنا يمر به الماء فيتناول منه ويأكل هل يحلّ ذلك؟

فإنّه يحلّ له أكله ويحرّم عليه حمله.

مسائل الحميري(51)، (52):

رقم 1:

بسم الله الرحمن الرحيم. أطال الله بقاك، وأدام الله عزّك، وتأييدك وسعادتك، وسلامتك وأتمّ نعمته عليك، وزاد في إحسانه إليك، وجميل مواهبه لديك، وفضله عندك، وجعلني من السوء فداك، وقدمني قبلك(53) الناس يتنافسون في الدرجات، فمن قبلتموه كان مقبولاً ومن دفعتموه كان وضيعاً، والخامل من وضعتموه، ونعوذ بالله من ذلك وببلدنا أيّدك الله جماعة من الوجوه يتساوون ويتنافسون في المنزلة، وورد أيّدك الله كتابك إلى جماعة منهم في أمر أمرتهم به من معاونة، وأخرج علي بن محمد بن الحسين بن الملك المعروف بملك بادوكة(54) وهو ختن(55) رحمه الله من بينهم فاغتنم بذلك، وسألني أيّدك الله أن أعلمك ما ناله من ذلك، فإن كان من ذهب فاستغفر الله منه، وإن يكن غير ذلك عرفته ما تسكن نفسه إليه إن شاء الله.

التوقيع: (لم نكاتب إلا من كاتبنا).

وقد عودتني أدام الله عزك في تفضلك ما أنت أهل أن تخبرني على العادة، وقبلك أعزك الله فقهاؤنا قالوا: إنّا محتاجون إلى أشياء تسأل لنا عنها.

روى لنا عن العالم(56) (عليه السلام): أنه سئل عن إمام قوم صلى بهم بعض صلاتهم وحدثت عليه حادثة(57) كيف يعمل من خلفه؟

فقال: (يؤخّر ويتقدم بعضهم، ويتمّ صلاتهم، ويغتسل من مسّه).

التوقيع: (ليس على من نحّاه إلا غسل اليد، وإذا لم يحدث حادثة يقطع الصلاة، تمم صلاته مع القوم)(58).

وروي عن العالم (عليه السلام): أن من مسّ ميتاً بحرارته غسل يده، ومن مسه وقد برد فعليه الغسل،

وهذا الإمام في هذه الحالة ﻻ يكون إلا بحرارة، فالعمل ما هو. ولعله ينحيه بثيابه ولا يمسّه، فكيف يجب عليه الغسل.

التوقيع: (إذا مسّه على هذه الحال لم يكن عليه إلا غسل يده).

وعن صلاة جعفر: إذا سها في التسبيح في قيام أو قعود، أو ركوع أو سجود وذكره في حالة أخرى قد صار فيها من هذه الصلاة، هل يعيد ما فاته في ذلك التسبيح في الحالة التي ذكرها أم يتجاوز في صلاته؟

التوقيع: (إذا سها في حالة من ذلك ثم ذكر في حالة أخرى، قضى ما فاته في الحالة التي ذكره).

وعن المرأة يموت زوجها، يجوز أن تخرج في جنازته أم ﻻ؟

التوقيع: (تخرج في جنازته).

وهل يجوز لها في عدتها أن تزور قبر زوجها أم ﻻ؟

التوقيع: (تزور قبر زوجها ولا تبيت عن بيتها).

وهل يجوز لها أن تخرج في قضاء حق يلزمها، أم ﻻ تبرح من بيتها وهي في عدّتها؟؟

التوقيع: (إذا كان حق خرجت فيه وقضته، وإن كانت حاجة ولم يكن لها من ينظر فيها خرجت بها حتى تقضيها، ولا تبيت إلا في بيتها)(59).

وروي في ثواب القرآن في الفرائض وغيرها: أن العالم (عليه السلام) قال: (عجباً لمن لم يقرأ في صلاته: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) كيف تقبل صلاته)؟

وروي: ما زكت صلاة من لم يقرأ (قل هو الله أحد).

وروي: (أن من قرأ في فرائضه (الهمزة) أعطي من الثواب قدر الدنيا) فهل يجوز أن يقرأ (الهمزة) ويدع هذه السور التي ذكرناها، مع ما قد روي: (أنه ﻻ تقبل صلاة ولا تزكو إلا بهما)؟

التوقيع: (الثواب في السورة على ما قد روي، وإذا ترك سورة مما فيها الثواب وقرأ (قل هو الله أحد) و(إنا أنزلناه) لفضلهما أعطي ثواب ما قرأ، وثواب السور التي ترك، ويجوز أن يقرأ غير هاتين السورتين وتكون صلاته تامة ولكن يكون قد ترك الفضل).

وعن وداع شهر رمضان: متى يكون؟ فقد اختلف فيه أصحابنا، فبعضهم يقول: (يقرأ في آخر ليلة منه) وبعضهم يقول: (وهو في آخر يوم منه إذا رأى هلال شوال)؟

التوقيع: (العمل في شهر رمضان في لياليه، والوداع يقع في آخر ليلة منه، فإذا خاف أن ينقص الشهر جعله في ليلتين).

وعن قول الله عزوجل: (إنه لقول رسول كريم) أرسول الله (صلى الله عليه وآله) المَعنيّ به؟ (ذي قوة عند ذي العرش مكين) ما هذه القوة؟ (مطاع ثم أمين)(60) ما هذه الطاعة وأين هي؟؟ - ما خرج لهذه المسألة جواب.

فرأيك أدام الله عزك بالتفضل عليّ بمسألة من تثق به من الفقهاء عن هذه المسائل فأجبني عنها منعماً مع ما تشرحه لي من أمر علي بن محمد بن الحسين بن الملك المتقدم ذكره بما يسكن إليه ويعتد بنعمة الله عنده، وتفضّل عليّ بدعاء جامع لي ولإخواني في الدنيا والآخرة فعلت مثاباً إن شاء الله(61).

التوقيع: (جمع الله لك ولإخوانك خير الدنيا والآخرة).

مسائل الحميري(62):

رقم 2:

(63)... فرأيك أدام الله عزك في تأمل رقعتي والتفضّل بما أسأل من ذلك لأضيفه إلى سائر أياديك عندي ومننك عليّ، واحتجت أدام الله عزك أن يسألني بعض الفقهاء عن المصلي إذا قام من التشهّد الأول إلى الركعة الثانية هل يجب عليه أن يكبر؟ فإن بعض أصحابنا قال: (ﻻ يجب عليه التكبير، ويجزيه أن يقول بحول الله وقوته أقوم وأقعد)؟

الجواب: (إن فيه حديثين: أما أحدهما: (فإنه إذا انتقل من حالة إلى حالة أخرى فعليه التكبير). وأما الآخر: فإنه روى: (أنه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية فكبّر ثم جلس ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير وكذلك في التشهّد الأول يجري هذا المجرى) وبأيهما أخذت من جهة التسليم كان صواباً).

وعن الفص الخماهن(64): هل يجوز فيه الصلاة إذا كان في إصبعه؟ الجواب: (فيه كراهية أن يصلي فيه، وفيه أيضاً إطلاق، والعمل على الكراهية)(65).

وعن الرجل اشترى هدياً لرجل غاب عنه، وسأله أن ينحر عنه هدياً بمنى فلما أراد نحر الهدي نسي اسم الرجل ونحر الهدي، ثم ذكره بعد ذلك، أيجزي عن الرجل أم ﻻ؟

الجواب: (ﻻ بأس بذلك، وقد أجزأ عن صاحبه).

وعندنا حاكة مجوس، يأكلون الميتة، ولا يغتسلون من الجنابة، وينسجون لنا ثياباً، فهل يجوز الصلاة فيهما من قبل أن تغسل؟

الجواب: (ﻻ بأس بالصلاة فيها).

وعن المصلي، يكون في صلاة الليل في ظلمة، فإذا سجد يغلط بالسجادة ويضع جبهته على (مسح أو نطع) فإذا رفع رأسه وجد السجادة هل يعتد بهذه السجدة أم ﻻ يعتد بها؟

الجواب: (ما لم يستو جالساً فلا شيء عليه في رفع رأسه لطلب الخِمرة)(66).

وعن المحرم: يرفع الظلال هل يرفع خشب أو العمارية الكنيسة ويرفع الجناحين أم ﻻ؟(67).

الجواب: (ﻻ شيء عليه في ترك رفع الخشب).

وعن المحرم: يستظل من المطر بنطع أو غيره، حذراً على ثيابه وما في محمله أن يبتل، فهل يجوز ذلك؟

الجواب: (إذا فعل ذلك في المحمل في طريقه، فعليه دم)(68).

وعن الرجل: يحج عن واحد، هل يحتاج أن يذكر الذي حج عنه عند عقد إحرامه أم ﻻ، وهل يجب أن يذبح عمن حجّ وعن نفسه أم يجزيه هدي واحد؟

الجواب: (قد يجزيه هدي واحد، ويذكره وإن لم يفعل(69) فلا بأس).

وهل يجوز للرجل أن يحرم في كساء خزّ أم ﻻ؟

الجواب: (ﻻ بأس بذلك، وقد فعله قوم صالحون).

وهل يجوز للرجل أن يصلي في بطيط(70) ﻻ يغطي الكعبين أم ﻻ يجوز؟

الجواب: (جائز).

وعن الرجل يصلي وفي كمه أو سراويله سكين أو مفتاح حديد، هل يجوز ذلك؟

وعن الرجل: يكون معه بعض هؤلاء(71)، ويكون متصلاً بهم، فيحج ويأخذ ذات عرق فيحرم معهم لما يخاف الشهرة(72) أم ﻻ يجوز إلا أن يحرم من المسلخ.

الجواب: (يحرم من ميقاته ثم يلبس الثياب، ويلبي في نفسه، فإذا بلغ إلى ميقاتهم أظهر).

وعن لبس النعل المعطون(73) فإن بعض أصحابنا يذكر أن لبسه كريه؟

الجواب: (جائز، ولا بأس به).

وعن الرجل: من وكلاء الوقف مستحلاً لما في يده، ولا يرع عن أخذ ماله ربما نزلت في قريته وهو فيها. أو أدخل منزله - وقد حضر طعامه - فيدعوني إليه، فإن لم آكل من طعامه عاداني عليه وقال: فلان ﻻ يستحل أن يأكل من طعامنا فهل يجوز لي أن آكل من طعامه وأتصدق بصدقه؟ وكم مقدار الصدقة؟ وأن أهدي هذا الوكيل هدية إلى رجل آخر فأحضر فيدعوني إلى أن أنال منها، وأنا أعلم أن الوكيل ﻻ يرع عن أخذ ما في يده، فهل عليّ فيه شيء إن أنا نلت منها؟

الجواب: (إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه واقبل برّه، وإلا فلا).

وعن الرجل ممن يقول بالحق ويرى المتعة، ويقول بالرجعة، إلا أنّ له أهلاً موافقة له في جميع أموره، وقد عاهدها: ألا يتزوج عليها، ولا يتمتع - ولا يتسرّى وقد فعل هذا منذ تسعة عشر سنة. أيضاً لذلك، ويرى أن وقوف من معه من أخ وولد وغلام ووكيل وحاشية مما يقلله في أعينهم، ويحبّ المقام على ما هو عليه محبة لأهله وميلاً إليها، وصيانة لها ولنفسها، ﻻ لتحريم المتعة بل يدين الله بها، فهل عليه في ترك ذلك مأثم أم ﻻ؟

الجواب: (يستحبّ له أن يطيع الله تعالى بالمتعة، ليزول عنه الحلف في المعصية ولو مرة)(74).

مسائل الحميري(75):

رقم 3:

سأل عن المحرم: يجوز أن يشد المئزر من خلفه على عقبه بالطول، ويرفع طرفيه إلى حقويه ويجمعهما في خاصرته ويعقدها، ويخرج الطرفين الآخرين من بين رجليه ويرفعهما إلى خاصرته، ويشد طرفيه إلى وركيه، فيكون مثل السراويل يستر ما هناك، فإن المئزر الأول كنا نتزر به إذا ركب الرجل جمله يكشف ما هناك، وهذا أستر؟

فأجاب: جاز أن يتزر الإنسان كيف شاء إذا لم يحدث في الميزر حدثاً بمقراظ ولا إبرة يخرجه به عن المئزر، وغرزه غرزاً ولم يعقده، ولم يشد بعضه ببعض، وإذا غطّى سرته وركبتيه كلاهما فإن السنّة المجمع عليها بغير خلاف تغطية السرة والركبتين، والأحب إلينا والأفضل لكل أحد شده على السبيل المألوفة المعروفة عند الناس جميعاً إن شاء الله).

وسأل: هل يجوز أن يشد عليه مكان العقد تكة؟

فأجاب: (ﻻ يجوز شد المئزر بشيء سواه من تكة ولا غيرها).

وسأل عن التوجه للصلاة أن يقول على ملّة إبراهيم ودين محمد (صلّى الله عليه وآله)، فإن بعض أصحابنا ذكر: أنه إذا قال: على دين محمد فقد أبدع، لأنا لم نجده في شيء من كتب الصلاة خلا حديثاً في كتاب القاسم بن محمد عن جدّه عن الحسن بن راشد: أن الصادق (عليه السلام) قال للحسن: كيف تتوجه؟

فقال: أقول لبيك وسعديك.

فقال له الصادق (عليه السلام): ليس عن هذا أسألك. كيف تقول وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً.

قال الحسن: أقول.

فقال الصادق (عليه السلام): إذا قلت ذلك فقل: على ملّة إبراهيم، ودين محمد، ومنهاج علي بن أبي طالب، والائتمام بآل محمد، حنيفاً ومسلماً وما أنا من المشركين.

فأجاب (عجل الله فرجه): (التوجه كلّه ليس بفريضة، والسنّة المؤكدة فيه التي كالإجماع الذي ﻻ خلاف فيه: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، حنيفاً مسلماً على ملّة إبراهيم ودين محمد وهدى أمير المؤمنين، وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، ﻻ شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللهم اجعلني من المسلمين أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ثم اقرأ الحمد.

قال الفقيه(76) الذي ﻻ يشك في علمه: إنّ الدين لمحمد والهداية لعلي أمير المؤمنين أنها له (عليه السلام) وفي عقبه باقية إلى يوم القيامة(77) فمن كان كذلك فهو من المهتدين. ومن شك فلا دين له، ونعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى).

وسأله عن القنوت في الفريضة إذا فرغ من دعائه، يجوز أن يردّ يديه على وجهه وصدره للحديث الذي روي: (إن الله عزّ وجلّ أجلّ من أن يرد يدي عبده صفراً بل يملأهما من رحمته) أم ﻻ يجوز؟ فإن بعض أصحابنا(78) ذكر أنه عمل(79) في الصلاة.

فأجاب (عليه السلام): (رد اليدين من القنوت على الرأس والوجه غير جائز في الفرائض، والذي عليه العمل فيه، إذا رجع يده في قنوت الفريضة وفرغ من الدعاء، أن يردّ بطن راحتيه مع صدره تلقاء ركبتيه على تمهل، ويكبّر ويركع، والخبر صحيح وهو في نوافل النهار والليل دون الفرائض، والعمل به(80) فيها أفضل).

وسأل: عن سجدة الشكر بعد الفريضة، فإن بعض أصحابنا ذكر أنها (بدعة) فهل يجوز أن يسجدها الرجل بعد الفريضة؟ وإن جاز ففي صلاة المغرب هي بعد الفريضة أو بعد الأربع ركعات النافلة؟

فأجاب (عليه السلام): (سجدة الشكر من ألزم السنن وأوجبها، ولم يقل إن هذه السجدة بدعة إلا من أراد أن يحدث بدعة في دين الله. فأما الخبر المروي فيها بعد صلاة المغرب والاختلاف في أنها بعد الثلاث أو بعد الأربع فأن فضل الدّعاء والتّسبيح بعد الفرائض على الدعاء بعقيب النوافل كفضل الفرائض على النوافل، والسجدة دعاء وتسبيح فالأفضل أن تكون بعد الفرائض فإن جعلت بعد النوافل أيضاً جاز)(81).

وسأل: إن لبعض إخواننا ممن نعرفه ضيعة جديدة بجنب ضيعة خراب، للسلطان فيها حصته وأكرته ربما زرعوا حدودها ويؤذيهم عمال السلطان ويتعرضون في الكل من غلات ضيعته، وليس لها قيمة لخرابها وإنما هي بائرة منذ عشرين سنة، وهو يتحرّج من شرائها لأنه يقال أن هذه الحصة من هذه الضيعة كانت قبضت عن الوقف قديماً للسلطان، فإن جاز شراؤها من السلطان، وكان ذلك صلاحاً له وعمارة لضيعته، وإنه يزرع هذه الحصة من القرية البائرة لفضل ماء ضيعته العامرة، وينحسم عنه طمع أولياء السلطان، وإن لم يجز ذلك عمل بما تأمره به إن شاء الله تعالى؟

فأجاب: (الضيعة ﻻ يجوز ابتياعها إلا من مالكها أو بأمره أو رضاءٍ منه)(82).

وسأل: عن رجل استحلّ امرأة خارجة من حجابها، وكان يتحرز من أن يقع ولد فجاءت بابن، فتحرج الرجل أن ﻻ يقبله فقبله وهو شاكّ فيه، وجعل يجري النفقة على أمه وعليه حتى ماتت الأم، وهو ذا يجري عليه غير أنه شاكّ فيه ليس يخلطه بنفسه، فإن كان ممن يجب أن يخلط بنفسه ويجعله كسائر ولده فعل ذلك وإن جاز أن يجعله له شيئاً من ماله دون حقه فعل؟

فأجاب (عليه السلام): (الاستحلال بالمرأة يقع على وجوه، والجواب يختلف فيها فليذكر الوجه الذي وقع الاستحلال عليه به مشروحاً ليعرف الجواب فيما يسأل عنه من أمر الولد إن شاء الله).

وسأله الدّعاء له فخرج الجواب:

(جاد الله عليه بما هو جل وتعالى أهله، إيجابنا لحقه، ورعايتنا لأبيه رحمه الله، وقرّبه منّا، وقد رضينا بما علّمناه من جميل نيّته، ووقفنا عليه من مخاطبته، المقر له من الله، التي يرضي الله عز وجل ورسوله وأوليائه (عليهم السلام) والرحمة بما بدأنا، نسأل الله بمسألته ما أمله من كل خير عاجل وآجل، وأن يصلح له من أمر دينه ودنياه ما يجب صلاحه، إنه ولي قدير).

مسائل الحميري(83):

رقم 4:

بسم الله الرحمن الرحيم أطال الله بقاك وأدام عزّك وكرامتك وسعادتك وسلامتك، وأتمّ نعمته عليك وزاد في إحسانه إليك، وجميل مواهبه لديك، وفضله عليك، وجزيل قسمه لك، وجعلني من السوء كله فداك، وقدمني قبلك(84).

إن قبلنا(85) مشايخ وعجايز يصومون رجباً منذ ثلاثين سنة وأكثر، ويصلون بشعبان وشهر رمضان. وروى لهم بعض أصحابنا: أن صومه معصية؟

فأجاب (عليه السلام): (قال الفقيه(86): يصوم منه أيّاماً إلى خمسة عشر يوماً (ثم يقطعه) إلا أن يصوم عن الثّلاثة، الأيام الفائتة(87)، للحديث: (إن نعم شهر القضاء رجب).

وسأل: عن رجل يكون في محمله والثلج كثير بقامة الرجل، فيتخوّف إن نزل الغوص فيه، وربما يسقط الثلج وهو على تلك الحال ولا يستوي له أن يلبّد شيئاً منه لكثرته وتهافته، هل يجوز [له] أن يصلي في المحمل الفريضة؟ فقد فعلنا ذلك أياماً فهل علينا في ذلك إعادة أم ﻻ؟

فأجاب: (ﻻ بأس [به] عند الضرورة والشّدة).

وسأل: عن الرجل يلحق الإمام وهو راكع فيركع معه ويحتسب تلك الركعة، فإن بعض أصحابنا قال: إن لم يسمع تكبيرة الركوع فليس له أن يعتدّ بتلك الركعة؟

فأجاب: (إذا لحق مع الإمام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتدّ بتلك الركعة وإن لم يسمع تكبيرة الركوع)(88).

وسأل: عن رجل صلى الظّهر ودخل في صلاة العصر فلمّا أن صلّى من صلاة العصر ركعتين استيقن أنه صلّى الظهر ركعتين، كيف يصنع؟

فأجاب: (إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاة أعاد الصلاتين وإن لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الأخرتين تتمة لصلاة الظّهر، وصلّى العصر بعد ذلك)(89).

وسأل: عن أهل الجنّة (هل) يتوالدون إذا دخلوها أم ﻻ؟

فأجاب: (إن الجنّة ﻻ حمل فيها للنساء ولا ولادة، ولا طمث ولا نفاس ولا شقاء بالطفولية، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين(90)، كما قال سبحانه، فإذا اشتهى المؤمن ولداً خلقه الله بغير حمل ولا ولادة على الصورة التي يريد كما خلق آدم عبرة).

وسأل: عن رجل تزوّج امرأة بشيء معلوم إلى وقت معلوم، وبقي له عليها وقت، فجعلها في حل مما بقي له عليها وقد كانت طمثت قبل أن يجعلها في حل من أيّامها بثلاثة أيام، أيجوز أن يتزوّجها رجل [آخر بشيء] معلوم إلى وقت معلوم عند طهرها من هذه الحيضة أو يستقبل بها حيضة أخرى؟

فأجاب: (يستقبل حيضة غير تلك الحيضة، لأن أقل تلك العدّة حيضة وطهرة تامّة).

وسأل: عن الأبرص والمجذوم وصاحب الفالج، هل يجوز شهادتهم، فقد روي لنا: أنهم ﻻ يؤمّون الأصحاء.

فقال: (إن كان ما بهم حادثاً جازت شهادتهم، وإن كان ولادة لم تجز)(91).

وسأل: هل يجوز للرجل أن يتزوج ابنة امرأته:

فأجاب: (إن كانت ربيت في حجره فلا يجوز، وإن لم تكن ربيّت في حجره وكانت أمّها من غير عياله(92) روي: أنّه جائز).

وسأل: هل يجوز أن يتزوج بنت ابنة امرأة ثم يتزوج جدّتها بعد ذلك أم ﻻ؟

فأجاب: (قد نهي عن ذلك).

وسأل: عن رجل ادّعى على رجل ألف درهم وأقام به البيّنة العادلة، وادّعى عليه أيضاً خمسمائة درهم في صك آخر، وله بذلك بيّنة عادلة، وادّعى عليه أيضاً ثلاثمائة درهم في صك آخر، ومائتي درهم في صك آخر، وله بذلك بيّنة كله بيّنة عادلة، ويزعم المدعى عليه أن هذه الصكوك كلّها قد دخلت في الصك الذي بألف درهم، والمدّعي منكر أن يكون كما زعم، فهل يجب الألف درهم مرة واحدة أو يجب عليه كل ما يقيم البيّنة به؟

وليس في الصكاك استثناء إنما هي صكاك على وجهها(93).

فأجاب: (يؤخذ من المدّعي عليه ألف درهم مرة وهي التي ﻻ شبهة فيها، ويرد اليمين في الألف الباقي على المدعي فإن نكل فلا حق له).

وسأل عن طين القبر(94): يوضع مع الميت في قبره هل يجوز ذلك أم ﻻ؟

فأجاب: (يوضع مع الميّت في قبره، ويخلط بحنوطه إن شاء الله).

وسأل فقال: روي لنا عن الصادق (عليه السلام): أنّه كتب على إزار ابنه: إسماعيل يشهد أن ﻻ إله إلا الله، فهل يجوز أن نكتب مثل ذلك بطين القبر أم غيره؟

فأجاب: (يجوز ذلك).

وسأل: هل يجوز أن يسبّح الرجل بطين القبر، وهل فيه فضل؟

فأجاب: (يجوز ذلك وفيه فضل)(95).

وسأل: عن الرجل يزور قبور الأئمة (عليهم السلام)، هل يجوز أن يسجد على القبر أم ﻻ؟ وهل يجوز لمن صلى عند بعض قبورهم (عليهم السلام) أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة، أو يقوم عند رأسه أو رجليه؟ وهل يجوز أن يتقدم القبر ويصلي ويجعل القبر خلفه أم ﻻ؟

فأجاب: (أمّا السّجود على القبر، فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة(96) والذي عليه العمل أن يضع خدّه الأيمن على القبر. وأمّا الصلاة فإنها خلفه، ويجعل القبر أمامه ولا يجوز أن يصلي بين يديه ولا عن يمينه ولا عن يساره، لأن الإمام (عليه السلام) ﻻ يُتقدّم ولا يُساوى)(97).

وسأل: يجوز للرجل إذا صلّى الفريضة أو النافلة وبيده السبحة أن يديرها وهو في الصلاة؟

فأجاب: (يجوز ذلك إذ خاف السهو والغلط).

وسأل: هل يجوز أن يدير السبحة بيده اليسار إذا سبّح، أو ﻻ يجوز؟

فأجاب: (يجوز ذلك والحمد لله رب العالمين).

وسأل: روي عن الفقيه في بيع الوقف خبر مأثور: إذا كان الوقف على قوم بأعيانهم وأعقابهم، فاجتمع أهل الوقف على بيعه وكان ذلك أصلح لهم أن يبيعوه، فله يجوز أن يشتري من بعضهم إن لم يجتمعوا كلهم على ذلك أم ﻻ يجوز إلا أن يجتمعوا كلّهم على ذلك؟ وعن الوقف الذي ﻻ يجوز بيعه؟

فأجاب: (إذا كان الوقف على إمام المسلمين فلا يجوز بيعه، وإن كان على قوم من المسلمين فليبع كل قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين ومتفرقين إن شاء الله)(98).

وسأل: هل يجوز للمحرم أن يصير على إبطه المرتك والتوتياء لريح العرق أم ﻻ يجوز(99)؟

فأجاب: (يجوز ذلك وبالله التوفيق).

وسأل: عن الضرير إذا شهد في حال صحته على شهادة، ثم كفّ بصره ولا يرى خطّه فيعرفه، هل يجوز شهادته أم ﻻ؟ وإن ذكر هذا الضرير الشهادة، هل يجوز أن يشهد على شهادته أم ﻻ يجوز؟

فأجاب: (إذا حفظ الشهادة وحفظ الوقت، جازت شهادته)(100).

وسأل: عن الرجل يوقف ضيعة أو دابة ويشهد على نفسه باسم بعض وكلاء الوقف، ثم يموت هذا الوكيل أو يتغيّر أمره ويتولى غيره، هل يجوز أن يشهد الشّاهد لهذا الذي أقيم مقامه إذا كان أصل الوقف لرجل واحد أم ﻻ يجوز ذلك(101)؟

فأجاب: (ﻻ يجوز ذلك، لأن الشهادة لم تقم للوكيل وإنما قامت للمالك، وقد قال الله: (وأقيموا الشهادة لله).

وسأل: عن الركعتين الأخراوين وقد كثرت فيهما الروايات فبعض يروي: أن قراءة الحمد وحدها أفضل، وبعض يروي: أن التسبيح فيهما أفضل، فالفضل لأيهما لنستعمله؟

فأجاب: (قد نسخت قراءة أم الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح، والذي نسخ التسبيح قول العالم (عليه السلام): كل صلاة ﻻ قراءة فيها فهي خداج(102) إلا للعليل، أو يكثر عليه السّهو فيتخوّف بطلان الصلاة عليه)(103).

وسأل: يتخذ عندنا رب الجوز لوجع الحلق والبحبحة، يؤخذ الجوز الرطب من قبل أن ينعقد ويدق دقّاً ناعماً ويعصر ماؤه ويصفّى ويطبخ على النصف ويترك يوماً وليلة ثم ينصب على النار، ويلقى على كل ستة أرطال منه رطل عسل ويغلى وينزع رغوته، ويسحق من النوشادر والشب اليماني في كل واحد نصف مثقال ويراق بذلك الماء، ويلقى فيه درهم زعفران المسحوق، ويغلى ويؤخذ رغوته ويطبخ حتى يصير مثل العسل ثخيناً، ثم ينزل ويبرد ويشرب منه، فهل يجوز شربه أم ﻻ؟

فأجاب: (إذا كثيرة يسكر أو يغير(104) فقليله وكثيره حرام، وإن كان ﻻ يسكر فهو حلال).

وسأل: عن الرجل يعرض له الحاجة مما ﻻ يدري أن يفعلها أم ﻻ، فيأخذ خاتمين فيكتب في أحدهما (نعم افعل) وفي الآخر (ﻻ تفعل) فيستخير بالله مراراً، ثم يرى فيهما، فيخرج أحدهما فيعمل بما يخرج، فهل يجوز ذلك أم ﻻ؟ والعامل به والتارك له أهو مثل الاستخارة أم سوى ذلك؟

فأجاب: (الذي سنّه العالم (عليه السلام) في هذه الاستخارة بالرقاع والصلاة (عليه السلام)(105).

وسأل: عن صلاة جعفر بن أبي طالب (رحمه الله): في أي أوقاتها أفضل أن تصلى فيه، وهل فيها قنوت؟ وإن كان ففي أي ركعة منها؟

فأجاب: (أفضل أوقاتها صدر النهار في يوم الجمعة، ثم في أي الأيام شئت وأي وقت صليتها من ليل أو نهار فهو جائر، والقنوت فيها مرتان، في الثانية قبل الركوع وفي الرابعة بعد الركوع(106).

وسأل: عن الرجل ينوي إخراج شيء من ماله وأن يدفعه إلى رجل من إخوانه ثم يجد في أقربائه محتاجاً، أيصرف ذلك عمن [فيمن] نواه له أو إلى قرابته؟

فأجاب: (يصرفه إلى أدناهما وأقربهما من مذهبه، فإن ذهب إلى قول العالم (عليه السلام): (ﻻ يقبل الله الصدقة وذو الرحم محتاج) فليقسم بين القرابة وبين الذي نوى حتى يكون قد أخذ بالفضل كلّه).

وسأل: قد اختلفت أصحابنا في مهر المرأة، فقال بعضهم: إذا دخل بها سقط المهر ولا شيء لها، وقال بعضهم: هو لازم في الدنيا والآخرة، فكيف ذلك؟ وما الذي يجب فيه؟

فأجاب: (إن كان عليه بالمهر كتاب فيه [ذكرٍ] دين فهو لازم في الدنيا والآخرة، وإن كان عليه كتاب فيه ذكر الصداق سقط إذا دخل بها، وإن لم يكن عليه كتاب، فإذا دخل بها سقط باقي الصداق)(107).

وسأل: روي لنا عن صاحب العسكر (عليه السلام)(108) أنه سئل عن الصلاة في الخز الذي يغش بوبر الأرانب فوقّع: يجوز، وروي عنه أيضاً، أنه ﻻ يجوز. فأي الخبرين يعمل به.

فأجاب: (إنما حرم في هذه الأوبار والجلود، وأما الأوبار وحدها فحلال)(109).

وسأل: نجد في أصفهان ثياب عتابة [عتابية] على عمل الوشا في قرّ أو إبريسيم هل يجوز الصلاة فيها أم لا؟

فأجاب: (لا يجوز الصلاة إلا في ثوب سداه ولحمته قطن أو كتان).

وسأل: عن المسح على الرجلين وبأيهما يبدأ باليمنى أو يمسح عليهما جميعاً معاً؟

فأجاب (عليه السلام): (يمسح عليهما معاً فإن بدأ بإحداهما قبل الأخرى فلا يبتدئ إلا باليمنى).

وسألك عن صلاة جعفر في السفر هل يجوز أم لا؟

فأجاب: (يجوز ذلك).

وسأل: عن تسبيح فاطمة (عليها السلام): من سها وجاز التكبير أكثر من أربع وثلاثين هل يرجع إلى أربع وثلاثين أو يستأنف؟ وإذا سبح تمام سبع وستين هل يرجع إلى ستة وستين أو يستأنف؟ وما الذي يجب في ذلك؟

فأجاب: (إذا سها من التكبير حتى يجوز أربعة وثلاثين عاد إلى ثلاثة وثلاثين وبنى عليها، وإذا سها في التسبيح فتجاوز سبعاً وستين تسبيحة عاد إلى ستة وستين وبنى عليها(110) فإذا جاوز التحميد مائة فلا شيء عليه).

 

الحقيقة والمفوضة(111)

 

وجّه قوم من المفوّضة كامل بن إبراهيم المدني، إلى أبي محمد(112) قال: فقلت في نفسي: لئن دخلت عليه أسأله عن الحديث المرويّ عنه: (ﻻ يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي وقال بمقالتي) وكنت جلست إلى باب عليه ستر مسبل، فجاءت الريح فكشفت طرفه، وإذا أنا بفتى كأنه فلقة قمر، من أبناء أربع سنين، أو مثلها فقال لي: يا كامل بن إبراهيم: فاقشعررت من ذلك، فقلت: لبيك يا سيدي.

قال: جئت إلى ولي الله تسأله: ﻻ يدخل الجنة إلا من عرف بمعرفتك وقال بمقالتك؟

قلت: إي والله؟

قال: إذن - والله - يقلّ داخلها(113) والله إنه ليدخلنها قوم يقال لهم: (الحقّية).

قلت: ومن هم؟

قال: هم قوم من حبهم لعلي يحلفون بحقه، ولا يدرون ما حقه وفضله.

إنهم قوم يعرفون ما تجب عليهم معرفته جملةً ﻻ تفصيلاً، من معرفة الله ورسوله والأئمة ونحوها.

ثم قال: وجئت تسأل عن مقالة المفوضة(114) كذبوا، بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله، فإذا شاء الله شئنا(115) والله يقول: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله)(116).

ثم رجع الستر إلى حالته فلم أستطع كشفه. فنظر إليّ أبو محمد (عليه السلام) مبتسماً فقال: يا كامل ما جلوسك وقد آساك بحاجتك الحجة من بعدي.

 

الغيب الله(117)

 

يا محمد بن علي؛ تعالى الله وجلّ عمّا يصفون، سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاؤه في علمه ولا في قدرته، بل ﻻ يعلم الغيب غيره، كما قال في محكم كتابه تباركت أسماؤه: (قل ﻻ يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله)(118).

وأنا وجميع آبائي من الأوليين: آدم ونوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من النبيين، ومن الآخرين محمد رسول الله، وعليّ بن أبي طالب، وغيرهم من مضى من الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين، إلى مبلغ أيّامي ومنتهى عصري، عبيد الله عزّ وجلّ، يقول الله عزّ وجلّ:

(من أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى قال ربّ لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى)(119).

يا محمد بن علي قد آذانا جهلاء الشيعةِ وحمقاؤهم، ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه.

فأشهد الله الذي ﻻ إله إلا الله هو وكفى به شهيداً، ورسوله محمداً (صلّى الله عليه وآله)، وملائكته وأنبيائه وأوليائه (عليهم السلام) وأشهدك وأشهد كلّ من سمع كتابي هذا: أنّي بريءُ إلى الله وإلى رسوله ممن يقول: إنّا نعلم الغيب، ونشاركه في ملكه، أو يحلّنا محلاًّ سوى المحلّ الذي رضيه الله لنا وخلقنا له، أو يتعدّى بنا عمّا قد فسّرته لك وبينته في صدر كتابي.

وأشهدكم: أن كلّ من نبرأ منه فإن الله يبرأ منه وملائكته ورسله وأولياؤه.

وجعلت هذا التوقيع الذي في هذا الكتاب أمانةً في عنقك وعنق من سمعه، أن ﻻ يكتمه من أحد من مواليّ وشيعتي، حتى يظهر على هذا التوقيع الكلّ من الموالي، لعلّ الله عزّ وجلّ يتلافاهم فيرجعون إلى دين الله الحقّ، وينتهون عمّا ﻻ يعلمون منتهى أمره، ولا يبلغ منتهاه، فكلّ من فهم كتابي ولا يرجع إلى ما قد أمرته ونهيته، فقد حلّت عليه اللعنة من الله وممّن ذكرت من عباده الصالحين(120).

وأما ندامة قوم شكّوا في دين الله على ما وصلونا به(121) فقد أقلنا من استقال فلا حاجة إلى صلة الشاكين.

 

ارتداد الشلمغاني(122)

 

اعرف أطال الله بقاك؛ وعرّفك الله الخير كلّه، وختم به عملك. من تثق بدينه وتسكن إلى نيّته من إخواننا أدام الله سعادتهم: بأن (محمد بن علي المعروف بالشلمغاني) عجّل الله له النقمة ولا أمهله، قد ارتدّ عن الإسلام وفارقه، وألحد في دين الله، وادّعى ما كفر معه بالخالق جلّ وتعالى، وافترى كذباً وزوراً، وقال بهتاناً وإثماً عظيماً، كذب العادلون بالله وضلّوا ضلالاً بعيداً، وخسروا خسراناً مبيناً.

وإنّا برئنا إلى الله تعالى وإلى رسوله صلوات الله عليه وسلامه ورحمته وبركاته منه، ولعنّاه، عليه لعاين الله تترى، في الظاهر منّا والباطن، في السرّ والجهر، وفي كلّ وقت، وعلى كلّ حال، وعلى كلّ من شايعه وبلغه هذا القول منّا فأقام على تولاّه [توليه] بعده.

أعلمهم تولاّك الله؛ أنّنا في التوقّي والمحاذرة منه على مثل ما كنّا عليه ممّن تقدّمه من نظرائه، من: (السريعي، والنّميري، والهلالي، والبلالي) وغيرهم(123)، وعادة الله جل ثناؤه مع ذلك قبله وبعده عندنا جميلة، وبه نثق وإيّاه نستعين، وهو حسبنا في كلّ أمورنا ونعم الوكيل..

 

الغيبة الكبرى وتكذيب المشاهدة(124)

 

بسم الله الرحمن الرحيم. يا عليّ بن محمدٍ السمّري؛ أعظم الله أجر إخوانك فيكَ، فأنّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيام، فأجمع أمرك ولا توص إلى أحدٍ، فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً.

وسيأتي إلى شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السّفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر(125) ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

الغيبة والقيادة المرجعية(126)

...(127) أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك، ووقاك من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمنا. فاعلم: أنه ليس بين الله عز وجل وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني، وسبيله سبيل ابن نوح.

وأما سبيل عمي جعفر وولده(128) فسبيل أخوة يوسف (عليه السلام).

وأما الفقاع(129) فشربه حرام ولا بأس بالشلحاب [شلماب].

وأما أموالكم فلا نقبلها إلا لتطهروا. فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع، وما آتانا الله خير مما آتاكم(130).

وأما ظهور الفرج فإنه إلى الله وكذب الوقّاتون(131).

وأما قول من زعم أن الحسين لم يقتل، فكفر وتكذيب وضلال(132).

وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله(133).

وأما محمد بن عثمان العمري(134) فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنه ثقتي وكتابه كتابي.

وأما محمد بن علي بن مهزيار الأهوازي، فسيصلح الله قلبه، ويزيل عنه شكّه.

وأما ما وصلتنا به، فلا قبول عندنا إلاّ لما طاب وطهر، وثمن المغنّية حرام.

وأما محمد بن شاذان بن نعيم، فإنه رجل من شيعتنا أهل البيت.

وأما أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع(135) فإنه ملعون وأصحابه ملعونون، فلا تجالس أهل مقالتهم، فاني منهم بريء، وآبائي (عليهم السلام) منهم براء.

وأما المتلبسون بأموالنا، فمن استحلّ منها شيئاً فأكله فإنما يأكل النيران(136).

وأما الخمس فقط أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حلّ إلى وقت ظهور أمرنا، لتطيب ولادتهم ولا تخبث(137).

وأما علة ما وقع من الغيبة فإن الله عز وجل قال:

(يا أيها الذين آمنوا ﻻ تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)(138).

إنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه.

وإني أخرج - حين أخرج - ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي(139).

وأما وجه الانتفاع في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار السحاب(140) وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء(141) فأغلقوا أبواب السؤال عما ﻻ يعنيكم، ولا تتكلفوا علم قد كفيتم(142) وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرجكم(143) والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب(144) وعلى من اتبع الهدى.

جعفر التواب(145)

بسم الله الرحمن الرحيم أتاني كتابك - أبقاك الله - والكتاب الذي أنفذت في درجه(146) وأحاطت معرفتي بجميع ما تضمنه على اختلاف ألفاظه، وتكرر الخطأ فيه، ولو تدبرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه(147).

والحمد لله رب العالمين حمداً ﻻ شريك له(148) على إحسانه إلينا وفضله علينا(149).

أبى الله عز وجل للحق إلا إتماماً، وللباطل إلا زهوقاً، وهو شاهد عليّ بما أذكره، ولي عليكم بما أقول له(150) إذا اجتمعنا لليوم الذي لا ريب فيه، ويسألنا عمّا نحن فيه مختلفون.

وإنه لم يجعل لصاحب الكتاب(151) على المكتوب إليه ولا عليك ولا على أحد من الخلق جميعاً إمامة مفترضة، ولا طاعة ولا ذمة،(152) وسأبين لكم جملة تكتفون بها إن شاء الله.

يا هذا يرحمك الله؛ إن الله تعالى لم يخلق الخلق عبثاً، ولا أهملهم سدى، بل خلقهم بقدرته، وجعل لهم أسماعاً وأبصاراً وقلوباً وألباباً، ثم بعث إليهم النبيين (عليهم السلام) مبشرين ومنذرين، يأمرونهم بطاعته وينهونهم عن معصيته، ويعرّفونهم ما جهلوه من أمر خالقهم ودينهم، وأنزل عليهم كتاباً وبعث إليهم ملائكة، وباين بينهم وبين من بعثهم إليهم بالفضل الذي جعله لهم عليهم، وما أتاهم الله من الدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة، والآيات الغالبة.

فمنهم: من جعل النار عليه برداً وسلاماً واتخذه خليلاً.

ومنهم: من كلمه تكليماً وجعل عصاه ثعباناً مبيناً.

ومنهم: من أحيى الموتى بإذن الله وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله.

ومنهم: من علّمه منطق الطير، وأوتي من كل شيء(153).

ثم بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) رحمة للعالمين وتمم به نعمته، وختم به أنبيائه، وأرسله إلى الناس كافة، وأظهر من صدقه ما أظهر، وبيّن من آياته وعلاماته ما بيّن، ثم قبضه (صلّى الله عليه وآله) حميداً فقيداً سعيداً، وجعل الأمر من بعده على أخيه وابن عمه ووصيه ووارثه علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثم إلى الأوصياء من ولده واحداً بعد واحد، أحيى بهم دينه، وأتم بهم نوره،(154) وجعل بينهم وبين أخوتهم وبني عمهم والأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقاً (فرقاناً) بيّناً، تعرف به الحجة من المحجوج، والإمام من المأموم بأن: عصمهم من الذنوب، وبرّأهم من العيوب، وطهّرهم من الدنس، ونزّههم من اللبس، وجعلهم خزّان علمه، ومستودع حكمته، وموضع سره، وأيدهم بالدلائل(155). ولولا ذلك لكان الناس على سواء، ولادّعى أمر الله عز وجل كل أحد، (واحد).

ولَمَا عُرف الحق من الباطل، ولا العلم من الجهل، (العالم من الجاهل).

وقد ادّعى هذا المبطل المدعي على الله الكذب بما ادّعاه، فلا أدري بأية حالة هي له، رجا أن يتم دعواه؟ بفقه في دين الله؟؛ فوالله ما يعرف حلالاً من حرام ولا محكماً من متشابه، ولا يعرف حد الصلاة ووقتها. أم بورع؟؛ فالله شهيد على تركه الصلاة (الفريضة) أربعين يوماً، يزعم ذلك لطلب الشعوذة، ولعل خبره تأدّى إليكم، وهاتيك ظروف مسكرة منصوبة، وآثار عصيانه لله عز وجل مشهورة وقائمة. أم بآية؟؛ فليأت بها. أم بحجة؟؛ فليقمها. أم بدلالة؟؛ فليذكرها.

قال الله عز وجل في كتابه: (بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ومن أضلّ ممن يدعو من دون الله من ﻻ يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين)(156).

فالتمس - تولى الله توفيقك - من هذا الظالم ما ذكرت لك(157) وامتحنه واسأله: عن آية من كتاب الله يفسرها، أو صلاة يبيّن حدودها وما يجب فيها، لتعلم حاله ومقداره، ويظهر لك عواره(158) ونقصانه والله حسيبه.

حفظ الله الحق على أهله، وأقره في مستقره(159) وقد أبى الله عز وجل أن تكون الإمامة في أخوين إلا الحسن والحسين(160) وإذا أذن الله لنا في القول ظهر الحق، واضمحلّ الباطل.

وانحسر عنكم، وإلى الله أرغب في الكفاية، وجميل الصنع والولاية، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد وآل محمد.

خلف العسكري(161)

بسم الله الرحمن الرحيم. عافانا الله وإياكم من الفتن، ووهب لنا ولكم روح اليقين، وأجارنا وإياكم من سوء المنقلب.

إنه أنهي إليّ ارتياب جماعة منكم في الدين، وما دخلهم من الشك والحيرة في ولاة أمرهم(162) فغمّنا ذلك لكم ﻻ لنا، وساءنا فيكم لا فينا، لأن الله معنا فلا فاقة بنا على غيره، والحق معنا فلن يوحشنا من قعد عنّا، ونحن صنايع ربنا والخلق بعد صنايعنا(163).

يا هؤلاء؛ ما لكم في الريب تترددون، وفي الحيرة تتسكّعون؟ أو ما سمعتم الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)(164)؟ أو ما علمتم ما جاءت به الآثار مما يكون ويحدث في أئمتكم؟ على الماضين والباقين منهم السلام. أو ما رأيتم كيف جعل لكم الله معاقل تأوون إليها، وأعلاماً تهتدون بها؟ من لدن آدم (عليه السلام) إلى أن ظهر الماضي (عليه السلام)(165)؟ كلما غاب علم بدأ علم، وإذا أفل نجم طلع نجم، فلما قبضه الله ظننتم: أن الله أبطل دينه(166) وقطع السبب ببيه ربين خلقه(167) كلاّ ما كان ذلك ولا يكون، حتى تقوم الساعة ويظهر أمر الله وهم كارهون.

وأن الماضي (عليه السلام) مضى سعيداً فقيداً على منهاج آبائه (عليهم السلام) (حذو النعل بالنعل) وفينا وصيته وعلمه، ومنه خلفه ومن يسدّ مسدّه، ولا ينازعنا موضعه إلا ظالم آثم، ولا يدعيه دوننا إلا كافر(168) جاحد، ولو أن أمر الله ﻻ يغلب، وسرّه ﻻ يظهر ولا يعلن، لظهر لكم من حقنا ما تبهر منه عقولكم(169) ويزيل شكوككم، ولكن ما شاء الله كان، ولكل أجل كتاب، فاتقوا الله وسلموا لنا، وردوا الأمر إلينا، فعلينا الإصدار كما كان منّا الإيراد، ولا تحاولوا كشف ما غطّي عنكم، ولا تميلوا عن اليمين وتعدلوا إلى اليسار، واجعلوا قصدكم إلينا بالمودة على السنّة الواضحة.

فقد نصحت لكم، والله شاهد عليّ وعليكم، ولولا ما عندنا من محبة صاحبكم ورحمتكم، والإشفاق عليكم، لكنّا عن مخاطبتكم في شغل، مما قد امتحنّا به منازعة الظالم العتلّ الضالّ، المتتابع في غيّه المضادّ لربّه، المدّعي ما ليس له، الجاحد حق من افترض الله طاعته، الظالم الغاصب(170) وفي ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعليها لي أسوة حسنة(171) وسيتردّى الجاهل رداء عمله، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار.

عصمنا الله وإياكم من المهالك والأسواء، والآفات والعاهات كلها، برحمته فإنه وليّ ذلك، والقادر على ما يشاء، وكان لنا ولكم وليّاً وحافظاً، والسلام على جميع الأوصياء والأولياء والمؤمنين ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على النبي محمّدٍ وآله وسلّم تسليماً.

إلى ابن أبي روح(172)

بسم الله الرحمن الرحيم يا بن أبي روح أودعتك عاتكة بنت الديراني كيساً فيه ألف درهم بزعمك، وهو خلاف ما تظن، وقد أتيت فيه الأمانة ولم تفتح الكيس، ولم تدري ما فيه وفيه ألف درهم وخمسون ديناراً، ومعك قرط زعمت المرأة أنه يساوي عشرة دنانير. صدقت مع الفصين الذين فيه، وفيه ثلاث حبات لؤلؤ شراؤها عشرة دنانير، وتساوي أكثر فادفع ذلك إلى خادمتنا فلانة، فإنا قد وهبناه لها.

وصر إلى بغداد، وادفع المال إلى الحاجز وخذ منه ما يعطيك لنفقتك إلى منزلك.

وأما عشرة الدنانير التي زعمت أن أمها استقرضتها في عرسها وهي لا تدري من صاحبها بل هي تعلم لمن هي؟ لكلثوم بنت أحمد، وهي ناصبية، فتحرجت أن تعطيها، وأحبت أن تقسمها في أخواتها فاستأذنتنا في ذلك. فلتفرقها في ضعفاء أخواتها.

ولا تعودن يا بن أبي روح إلى القول بجعفر, والمحنة له.

وارجع إلى منزلك فإن عمك قد مات، وقد رزقك الله أهله وماله(173).

رسالة إلى العمري وابنه(174)، (175)

وفقكما الله لطاعته وثبتكما على دينه وأسعدكما بمرضاته.

انتهى إلينا ما ذكرتما أن (الميثمي)(176) أخبركما عن المختار ومناظرته من لقي واحتجاجه بأن لا خلف غير جعفر بن علي(177)، وتصديقه إياه.

وفهمت جميع ما كتبتما به مما قال أصحابكما عنه وإن أعوذ بالله من العمى بعد الجلاء, ومن الضلالة بعد الهدى, ومن موبقات الأعمال, ومرديات الفتن فإنه عز وجل يقول:

(ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمن وهم لا يفتنون)(178).

كيف يتساقطون في الفتنة، ويترددون في الحيرة ويأخذون يميناً وشمالاً؟

فارقوا دينهم أم ارتابوا؟ أم عاندوا الحق أم جهلوا ما جاءت به الروايات الصادقة والأخبار الصحيحة؟ أو علموا بذلك فتناسوا؟

أما تعلمون أن الأرض لا تخلو من حجة إما ظاهراً وإما مغموراً(179)؟

أوَ لم يعلموا انتظام أئمتهم بعد نبيهم (صلى الله عليه وآله) واحداً بعد واحد إلى أن أفضى الأمر بأمر الله عز وجل إلى الماضي- يعني: الحسن بن علي صلوات الله عليه فقام مقام آبائه (عليهم السلام) يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم.

كان نوراً ساطعاً وقمراً زاهراً، اختار الله عز وجل له ما عنده، فمضى على منهاج آبائه (عليهم السلام) حذو النعل بالنعل على عهد عهده ووصية أوصى بها إلى وصي(180) ستره الله عز وجل بأمره إلى غاية، وأخفى مكانه بمشيئته، للقضاء السابق والقدر النافذ، وفينا موضعه، ولنا فضله ولو قد أذن الله عز وجل فيما قد منعه وأزال عنه ما قد جرى به من حكمه لأراهم الحق ظاهراً بأحسن حيلة، وأبين دلالة، وأوضح علامة. ولأبان عن نفسه، وقام بحجته.

ولكن أقدار الله عز وجل لا تغالب، وإرادته لا ترد، وتوفيقه لا يسبق فليدعوا عنهم اتباع الهوى، وليقيموا على أصلهم الذي كانوا عليه، ولا يبحثوا عما ستر عنهم فيأثموا، ولا يكشفوا ستر الله عز وجل فيندموا.

وليعلموا: أن الحق معنا وفينا لا يقول ذلك سوانا إلا كذاب مفتر ولا يدعيه غيرنا إلا ضال غوي، فليقتصروا منا على هذه الجملة دون التفسير ويقنعوا من ذلك بالتعريض دون التصريح إن شاء الله.

إلى الدينوري(181)

بسم الله الرحمن الرحيم. وافى أحمد بن محمد الدينوري وحمل ستة عشر ألف دينار في كذا وكذا صرة، فيها صرة فلان بن فلان كذا وكذا ديناراً، إلى أن عدد الصرر كلها، وصرة فلان بن فلان الذراع ستة عشرة ديناراً.

ثم ذكر: قد حمل من قرميسين من أحمد بن الحسن المادرائي أخي الصواف كيس فيه ألف دينار وكذا تختاً من الثياب منها ثوب فلان، وثوب لونه كذا، حتى نسب الثياب إلى آخرها بأنسابها وألوانها(182).

 

1- أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، الاحتجاج ص322 - 324 ج2 طبع النجف 1386هـ. ذكر كتاب ورد من الناحية المقدسة حرسها الله ورعاها في أيام بقيت من صفر سنة عشر وأربعمائة على الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان قدس الله روحه ونور ضريحه, ذكر موصله أنه يحمله من ناحية متصلة بالحجاز، نسخته:...

2- في إعطاء المفيد هذه الأوصاف (الأخ السديد والولي الرشيد) والأوصاف التالية في الرسالة، والدعاء له بالدوات المتعددة في غضون الرسالة، ثم في تقديم اسمه على اسم الإمام المهدي، تكريم ما فوقه تكريم. والمعروف أن الإمام المهدي (عجل الله فرجه) هو الذي أطلق عليه لقب المفيد.

3 - الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام البغدادي، أول من جسد المرجعية الشيعية، بعد انتهاء الغيبة الصغرى وابتداء الثيبة الكبرى فانعكست الصيغة المرجعية على الطبيعة من خلاله، بعد أن بقيت برهة من الزمان فكرة فضفاضة ﻻ تتراهى على أحد.

ولكن المفيد تصدى للقيادة المرجعية - وبتوجيه مباشر من الإمام المهدي (عجل الله فرجه) - واجتمعت فيه مؤهلات جمعت عليه كلمة الشيعة بلا منازع. فكان أولى من تجتمع عليه كلمة الشيعة بعد الأئمة الأطهار (عليهم السلام).

وهذه الظاهرة تعبر عن مدى عظمة الرجل إذ الرجل إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما يلي:

1- إن المطامح الشيعية - تعلقت من خلال قيادات النبي والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) - تعلقت بنوع فريد من القيادات السماوية، عز نظيرها في الكون كله، ﻻ في التاريخ المنظر وغير المنظر فحسب، ولذلك كانوا أشد الناس على القيادات الأرضية. وفي الغيبة الصغرى بقي النواب الأربعة - بتوجيهات الإمام المهدي (عجل الله فرجه) - يهدهدون تلك المطامح، فيبادرون بعض مراجعيهم بالجواب قبل أن يبدأ بالسؤال، أو يخبرونه بحين موته أو موعد شفائه من مرضه. بالإضافة إلى أنهم كانوا يعتبرون أنفسهم مجرد وسطاء بين الإمام المهدي وشعته، وربما يرافقون بعض الأشخاص لمقابلة الإمام فكانوا يتجاوبون مع المطامح الشيعية بشكل أو بآخر.

وبوفاة علي بن محمد السمري، وجد الشيعة أن قيادتهم انحصرت في فقهائهم، وفقهائهم ﻻ يتميزون عنهم إلا بقسط من المعلومات، فأصيبوا بفراغ قيادي ضاغط. فإجماعهم على الشيخ المفيد دليل على أنهم وجدوا فيه أكثر من مجرد فقيه.

2- بمجرد إعلان الإمام المهدي (عليه السلام) الغيبة الكبرى والقيادة اللامركزية انقطاع الأبواب إليه من خلال التوقيع الذي صدر إلى إسحاق بن يعقوب على يد محمد بن عثمان العمري عادت أفكار الفقهاء إلى ما لديها من تراث روائي في الفقه والتفسير والعقائد وغيرها وبدأوا عملية الاعتماد على النفس في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها. فتفرق العلم بين أهله وكان يرى رأيه حجة فيما بينه وبين الله، فاجتماعهم على الشيخ المفيد دليل على أنهم وجدوا فيه أكثر من مجرد فقيه.

وقد بدأ الشيخ المفيد يتجاوب مع المطامح القيادية الشيعية بعض الشيء، ويملأ شيئاً من الفراغ القيادي الذي أصيبت به الشيعة على أثر بدء الغيبة الكبرى من خلال ما يلي: