فهرس الكتاب

مكتبة الإمام الصادق (ع)

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

الظلم

قبح الظلم بمعنى الجور والاعتداء على الغير من أشهر ما تطابقت عليه آراء العقلاء وتسالمت عليه العقول، وهو من الواضحات التي لا يشكُّ فيها واحد، ولذا أنّ اللّه تعالى لمّا أراد ذمّ الشرك واستهجانه ذمّه لأنه ظلم فقال : «إن الشرك لظلم عظيم»(2).

______________________________

(2) لقمان : 13.

{ 27 }

وقد وردت الآيات والآثار الكثيرة في ذمّه وحُرمته ومنها ما سيأتي عن إِمامنا الصادق عليه السلام.

غير أنه يختلف كثرةً وقلّةً، وشدةً وضعفاً، كما دلّت عليه الآية، ولذلك يقول عليه السلام : ما من مظلمة أشدّ من مظلمة لا يجد صاحبها عليها عوناً إِلا اللّه(1).

أقول : وآية ذلك أن الضعيف عاجز عن الانتصاف لنفسه، فيكون اللّه تعالى نصيره والآخذ بحقّه، وكيف حال مَن كان اللّه خصمه والمنتصف منه، وهذا مثل ما يروى عن زين العابدين عليه السلام من قوله : إِيّاك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إِلا اللّه(2).

ولا تحسبنّ أن الظالم هو المباشر فقط، بل كما قال أبو عبد اللّه عليه السلام : العامل بالظلم، والمعين له، والراضي به، كلّهم شركاء ثلاثتهم(3).

بل زاد على هؤلاء الثلاثة بقوله عليه السلام : من عذر ظالماً بظلمه سلّط اللّه عليه من يظلمه، إِن دعا لم يستجب له، ولم يؤجره اللّه على ظلامته.

ولشدّة قبح الظلم يكون من لا ينوي الظلم مأجوراً، كما قال عليه السلام : مَن أصبح لا ينوي ظلم أحد غفر اللّه له ما أذنب ذلك اليوم، ما لم يسفك دماً أو يأكل مال يتيم حراماً.

ودخل عليه رجلان في مداراة(4) بينهما ومعاملة، فلم يسمع لهما كلاماً بل قال عليه السلام : «أما إِنه ما ظفر أحد بخير من ظفر بالظلم، أما إِن المظلوم يأخذ من دَين الظالم اكثر ممّا يأخذه الظالم من مال المظلوم» ثمّ قال عليه السلام : «مَن

______________________________

(1) الكافي : 2/331/4.

(2) الكافي : 2/331/5.

(3) الكافي، باب الظلم : 2/333/16.

(4) منازعة.

{ 28 }

يفعل الشرّ بالناس فلا ينكر الشرّ إِذا فعل به، أما إِنه إِنما يحصد ابن آدم ما يزرع، وليس يحصد أحد من المرّ حلواً، ولا من الحلو مرّاً» فاصطلح الرجلان قبل أن يقوما.

أقول : ما أبلغها عظة وما أصدق التمثيل، غير أن النفوس طبعت على السوء وحبّ الاعتداء والغلبة فتعمى عن مثل هذه الآثار، وإِلا كيف يأمل أحد أن يحصد الحلو من المرّ والخير من الشرّ، وهو نفسه لا يجازي المسيء بالإحسان والظلم بالصفح، فكيف يرجو أن يُكافأ وحده بغير ما يعمل دون الناس ؟

ودخل عليه زياد القندي(1) فقال عليه السلام له : يا زياد ولّيت لهؤلاء ؟ قال : نعم يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لي مروّة، وليس وراء ظهري مال، وإِنّما اُواسي اخواني من عمل السلطان، فقال عليه السلام : يا زياد أما اذا كنت فاعلاً ذلك، فاذا دعتك نفسك الى ظلم الناس عند القدرة على ذلك فاذكر قدرة اللّه عزّ وجلّ على عقوبتك، وذهاب ما أتيت اليهم عنهم، وبقاء(2) ما أتيت الى نفسك عليه والسلام(3).

أقول : إِن الوالي معرّض للظلم، ولكن اللّه تعالى أقدر على عقوبة الظالم والانتصاف منه، ويستطيع أن يذهب عن المظلوم الظلامة وإِرجاعها على الظالم، فلو أن الانسان ساعة يريد الظلم يخطر هذه الحقائق بباله لكفَّ عمّا أراد،

______________________________

(1) ابن مروان القندي الأنباري بقي الى أيام الرضا عليه السلام وذهب الى الوقف، كان وكيلاً للكاظم عليه السلام وتخلّفت عنده أموال كثيرة بسبب حبس الكاظم فطالبه الرضا بالمال بعد أبيه كما طالب علي بن أبي حمزة وعلي بن عيسى فقالوا بالوقف طمعاً بالمال على أن زياداً ممّن روى النصّ على الرضا وهو ثقة في الرواية.

(2) ذهاب وبقاء معاً معطوفان على عقوبتك، فالتقدير وعلى ذهاب وعلى بقاء.

(3) مجالس الشيخ الطوسي طاب ثراه، المجلس /11.

{ 29 }

وهذه أجمل الوسائل للارتداع عن الظلم.

ولعظم جريمة الظلم عند اللّه سبحانه يستجيب دعوة المظلوم على ظالمه كما قال أبو عبد اللّه عليه السلام : اتقوا الظلم، فإن دعوة المظلوم تصعد الى السماء(1).

أقول : إِن صعود الدعوة الى السماء كناية عن الإجابة وعدم الردّ.

______________________________

(1) الكافي، باب من تستجاب دعوته : 2/509/4.

 

المؤمن

الإيمان بكلّ شيء هو تمكّن العقيدة من النفس، فيخلص لها ويتفانى في سبيلها، لأن العقيدة اذا تمكّنت من الانسان تكون جزءاً لا يتجزأ من نفسه لا ينفكّ عنها، بل هي نفسه حقيقة، فاذا جاز أن يتخلّى الانسان عن نفسه ولا يخلص لها، جاز أن يتخلّى عن عقيدته ولا يخلص لها.

والعقيدة الدينيّة خاصّة - بالاستقراء - ولا سيّما الإيمان باللّه أقوى من كلّ عقيدة تمكّناً من النفس، فاذا عرف الانسان ربّه مؤمناً بقدرته وتدبيره وعدله لا بدّ أن يكون مستهيناً بجميع شهوات الدنيا غير حافل بحوادثها، ولا بدّ أن يتّصف بالخصال التي سنقرؤها عن الصادق عليه السلام التي ينبغي أن يتّصف بها المؤمن.

ومَن رأيته لا يتحلّى بها فاعلم أنه ليس بمؤمن حقاً، أو أنه ضعيف الإيمان لم تتمكّن العقيدة من نفسه.

قال أبو عبد اللّه عليه السلام في صفة المؤمن : ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال : وقوراً عند الهزاهز، صبوراً عند البلاء، شكوراً عند الرخاء، قانعاً بما رزقه اللّه، لا يظلم الأعداء، ولا يتحامل للأصدقاء، بدنه منه في تعب،

{ 30 }

والناس منه في راحة.

ثمّ قال : إِن العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والصبر أمير جنوده، والرفق أخوه، واللين والده(1).

أقول : إِن الانسان إِلا ما ندر يجد نفسه على جانب كبير من فاضل الصفات من أجل حبّه لذاته ورضاه عن نفسه فيتعامى عن عيوبها.

وفي الحقيقة إِنَّ هذا أوّل الرذائل، بل مبدأ كلّ رذيلة، ولكنه اذا قرأ أمثال هذه الكلمات عن صادق أهل البيت في صفة المؤمن متدبّراً فيها وفاحصاً بحّريّة وإِخلاص عمّا عليه ذاته من الأخلاق والصفات لا بدَّ أن يتطامن ويسخط على نفسه بعد عرفانها، ثمّ لا بدَّ أن يعرف لماذا قال اللّه تعالى : «وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين»(2).

وقال عليه السلام أيضاً : المؤمن له قوّة في دين، وحزم في لين، وإِيمان في يقين، وحرص في فِقه، ونشاط في هُدى، وبرّ في استقامة، وعلم في حلم، وكيس في رفق، وسخاء في حق، وقصد في غنى، وتجمُّل في فاقة، وعفو في مقدرة، وطاعة للّه في نصيحة، وانتهاء في شهوة، وورع في رغبة، وحرص في جهاد، وصلاة في شغل، وصبر في شدَّة، في الهزاهز وقور، وفي الرخاء شكور، لا يغتاب، ولا يتكبّر، ولا يقطع الرحم، وليس بواهن، ولا فظ، ولا غليظ، ولا يسبقه بصره، ولا يفضحه بطنه، ولا يغلبه فرجه، ولا يحسد الناس، ولا يُعيِّر(3) ولا يُعيِّر(4)، ولا يسرق، ينصر المظلومِ، ويرحم المسكين، نفسه منه في عناء، والناس

______________________________

(1) الكافي، باب المؤمن وصفاته، وباب نسبة الاسلام : 2/230/2.

(2) يوسف : 103.

(3) بتضعيف الياء وكسرها.

(4) بتضعيف الياء وفتحها.

{ 31 }

منه في راحة، لا يرغب في عزّ الدنيا، ولا يجزع من ذلّها، للناس همّ قد أقبلوا عليه، وله همّ قد شغله، لا يُرى(1) في حكمه نقص، ولا في رأيه وهن، ولا في دينه ضياع، يرشد من استشاره، ويساعد من ساعده، ويكيع(2) عن الخناء والجهل(3).

أقول : أترى أن إِمام المؤمنين الصادق عليه السلام يعني بهذا الوصف الأئمة من أهل البيت، وإِلا فأين يوجد مثل هذا المؤمن الكامل ؟ وهل عُرف مؤمن من المسلمين على مثل هذه الصفة وإِن كان الأحرى بكلّ من يدَّعي الايمان باللّه ورسوله حقّاً أن يكون متحلّياً بهذه الخصال الحميدة، ولكن «وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين»(4).

وقال عليه السلام أيضاً : لا يكون المؤمن مؤمناً حتّى يكون كامل العقل، ولا يكون كامل العقل حتّى تكون فيه عشر خصال : الخير منه مأمول، والشرّ منه مأمون، يستقلّ كثير الخير من نفسه، ويستكثر قليل الخير من غيره، ويستكثر قليل الشرّ من نفسه، ويستقلّ كثير الشرّ من غيره، ولا يتبرّم(5) بطلب الحوائج قِبَله(6)، ولا يسأم من طلب العلم عمره، الذلّ أحبّ اليه من العز(7)، والفقر أحبّ اليه من الغنى، حسبه من الدنيا القوت، والعاشرة وما العاشرة لا يلقى أحداً إِلا

______________________________

(1) بالبناء للمفعول.

(2) يجبن.

(3) الكافي، باب المؤمن وصفاته : 2/231/4.

(4) يوسف : 103.

(5) يتضجّر.

(6) بكسر القاف وفتح الباء واللام أي اليه.

(7) لعلّه يريد أن الذلّ في الطاعة أحبّ اليه من العزّ في المعصية، لأن الكتاب صريح بقوله «العزّة للّه ولرسوله وللمؤمنين» أو يريد من الذلّ عدم نباهة الذكر ومن العزّ الظهور ونباهة الشخصيّة تجوّزاً فيهما.

{ 32 }

قال هو خير مني وأتقى، إِنما الناس رجلان، رجل خير منه وأتقى، ورجل شرّ منه وأدنى، فإذا لقي الذي هو خير منه تواضع له ليلحق به، وإِذا لقي الذي هو شرّ منه وأدنى قال لعلّ شرّ هذا ظاهر وخيره باطن فاذا فعل ذلك علا وساد أهل زمانه(1).

_____________________________

(1) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس /5.

 

عِظاته في اُمور شتّى

ومن بليغ عِظاته الجميل وقُعها في النفس قوله عليه السلام وقد سأله رجل أن يعلّمه موعظة :

«إِن كان اللّه قد تكفّل بالرزق فاهتمامك لماذا، وإِن كان الرزق مقسوماً فالحرص لماذا، وإِن كان الحساب حقاً فالجمع لماذا، وإِن كان التواب عن اللّه حقاً فالكسَل لماذا، وإِن كان الخلف من اللّه عزّ وجلّ حقاً فالبُخل لماذا، وإِن كان العقوبة من اللّه عزّ وجلّ النار فالمعصية لماذا، وإِن كان الموت حقاً فالفرح لماذا، وإِن كان العرض على اللّه حقاً فالمكر لماذا، وإِن كان الشيطان عدوّاً فالغفلة لماذا، وإِن كان الممرّ على الصراط حقاً فالعجب لماذا، وإِن كلّ شيء بقضاء وقدر فالحزن لماذا، وإِن كانت الدنيا فانية فالطمأنينة اليها لماذا».(2)

أقول : كلّ هذا إِنكار على الانسان في اتصافه بتلك الصفات غير المحمودة من الاهتمام والحرص والجمع والكسل الى آخرها مع علمه ومعرفته بأن اللّه تعالى متكفّل بالرزق وأنه مقسوم وأن الحساب حقّ... إِلى آخر ما ذكره الامام

______________________________

(2) كتاب التوحيد للصدوق طاب ثراه، باب الأرزاق والأسعار والآجال، وكتاب الخصال : 2/61 باب العشرة.

{ 33 }

عليه السلام.

ولكن الذي أوقع الناس في تلك السيّئات مع علمهم ومعرفتهم هو حبّهم لنفوسهم وتغلّب شهواتهم على عقولهم.

ومن بديع مواعظه قوله عليه السلام : إِنكم في آجال مقبوضة وأيام معدودة، والموت يأتي بغتة، من يزرع خيراً يحصد غبطة، ومن يزرع شرّاً يحصد ندامة، ولكلّ زارع زرع، لا يسبق البطيء منكم حظّه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، من اُعطي خيراً فاللّه أعطاه، ومن وقي شراً فاللّه وقاه(1).

و(منها) قوله عليه السلام : تأخير التوبة اغترار، وطول التسويف حيرة، والاعتلال على اللّه هلكة، والإصرار على الذنب أمن لمكر اللّه، ولا يأمن مكر اللّه إِلا القوم الخاسرون(2).

و(منها) قوله عليه السلام : من اتقى اللّه وقاه، ومن شكره زاده، ومن أقرضه جزاه(3).

و(منها) قوله لأبي بصير : أما تحزن ؟ أما تهتم ؟ أما تتألّم ؟ قال : بلى، قال عليه السلام : اذا كان ذلك منك فاذكر الموت ووحدتك في قبرك، وسيلان عينيك على خدّيك، وتقطّع أوصالك، وأكل الدود من لحمك، وبلاك وانقطاعك عن الدنيا، فإن ذلك يحثّك على العمل ويردعك عن كثير من الحرص على الدنيا(4).

أقول : إِن هذه الفكرة لو تمثلها الانسان في نفسه لكانت اكبر رادع عن

______________________________

(1) إِرشاد المفيد طاب ثراه في أحوال الصادق عليه السلام.

(2) المصدر السابق : 283.

(3) بحار الأنوار : 78/199/24.

(4) مجالس الشيخ الطوسي طاب ثراه، المجلس /55.

{ 34 }

ارتكاب الموبقة، وأعظم دافع على اكتساب الطاعة، وكيف يحرص على الدنيا ويقترف السيّئة ولا يأتي بالحسنة من يتمثل له تلك الحال الفظيعة في قبره التي لو شاهدها المرء لجزع من هذه الحياة، ولمقت حتّى نفسه.

و(منها) قوله عليه السلام : ليس من أحد وإِن ساعدته الاُمور بمستخلص غضارة عيش(1) إِلا من خلال مكروه، ومن انتظر بمعاجلة الفرصة مؤاجلة الاستقصاء سلبته الأيام فرصته، لأن من شأن الأيام السلب وسبيل الزمن الفوت(2).

أقول : إِن هذا الكلم من أبلغ الجمل الحكيمة المعبّرة عن حقائق الكون الواقعيّة، أمّا القسم الأول وهو غضارة العيش فإن كلّ منّا يستطيع أن يُجرّب في نفسه وفي غيره أن الدعة والغضارة لا تتمّ لنا خالصة من النكد والتنغيص مهما بلغت سُلطتنا أو مقدرتنا الماليّة، والسرّ أن الإنسان يعجز أبداً من اشباع كلّ شهواته، وان واتته الحياة الدنيا، وكذلك «الجنّة حُفّت بالمكاره».

وأمّا فيما يتعلّق بالقسم الثاني وهو «الفرصة» فإنها لا تمرُّ على الإنسان إِلا باجتماع آلاف الأسباب الخارجة عن اختياره فاذا مرّت وانتظر استقصاءها ففاتت عليه أي أنه لم يعمل السبب الأخير وهو اختياره وإرادته الجازمة فإنه على الأغلب لا يواتيه اجتماع الأسباب مرَّة اُخرى في نظام الكون وجمعها ثانياً ليس تحت اختياره، ولأجل هذا سُمّيت فرصة، فعلى الحازم الكيّس أن ينتهزها عند سنوحها.

و(منها) قوله عليه السلام : إِن المنافق لا يرغب فيما سعد به المؤمنون، فالسعيد

______________________________

(1) غضارة العيش طيبه وخصبه وخيره.

(2) تحف العقول : 281.

{ 35 }

يتّعظ بموعظة التقوى، وإِن كان يراد بالموعظة غيره(1).

هذه عقود من نفائس عِظاته حلينا بها هذا السفر عسى أن يسعدنا الحظّ بالأخذ بها والعمل بنصائحها، ومن هذه العِظات تعرف موقفه عليه السلام من النصح للاُمّة واهتمامه بحملهم على المحجّة البيضاء إِصلاحاً لهم وتزكية لنفوسهم.

* * *

______________________________

(1) روضة الكافي.

 

3 - وصاياه

إِن قيمة المرء الاجتماعيّة بما يصنعه للمجتمع من خير، كما أن قيمته الذاتيّة بما يحسنه، ولو لم يكن للصادق عليه السلام إِلا ما اخترناه من كلامه لكفى به دلالة على مقامه العلمي الإلهي وعلى اهتمامه بإصلاح الاُمّة، وقد قرأت شطراً من مواعظه، وهنا نقرئك شيئاً من وصاياه، وستجد فيها جهد ما يبلغه رُعاة الاُمم الربّانيّون وهداتها من الإرشاد الى مواطن الخير والرفق في الدعوة والإخلاص في التوجيه.

 

وصيّته لابنه الكاظم

دخل عليه بعض شيعته وموسى ولده بين يديه وهو يوصيه، فكان ممّا أوصاه به أن قال :

يا بُني إِقبل وصيَّتي، واحفظ مقالتي، فإنّك إِن حفظتها تعِش سعيداً، وتمُت حميداً، يا بُني إِنَّ من قنعَ استغنى، ومن مدَّ عينيه إِلى ما في يد غيره مات فقيراً، ومن لم يرضَ بما قسمَه اللّه لهُ اتَّهم اللّه في قضائه، ومَن استصغر زلّة نفسه استكبر زلّة غيره، يا بُني من كشف حِجاب غيره انكشف عورته، ومن سلَّ سيف البغي قُتل به، ومن احتفر لأخيه بئراً سقط فيها، ومن داخَل السُفهاء

{ 37 }

حُقّر، ومن خالط العُلماء وُقّر، ومن دخلَ مداخِل السوء اتُّهم، يا بُني قُل الحقّ لك أو عليك، وإِيّاك والنّميمة فإنَّها تزرع الشحناء في قُلوب الرجال، يا بُني إِذا طلبت الجُود فعليكَ بمعادنه، فإنّ للجود معادِن، وللمعادِن اُصولاً، وللاُصول فروعاً، وللفروع ثمراً، ولا يطيبُ ثمر إِلا بفرع، ولا أصل ثابت إِلا بمعدن طيّب، يا بُني إِذا زرت فزُر الأخيار، ولا تزُر الأشرار، فإنَّهم صخرة صمّاء لا ينفجر ماؤها، وشجرة لا يخضّر ورقها، وأرض لا يظهر عشبها(1).

أقول : وقد جاء بعض هذه الفقرات في نهج البلاغة، ولا بدع فّإن علمهم بعضه من بعض، ولعلّ الصادق عليه السلام ذكرها استشهاداً أو اقتباساً.

_____________________________

(1) نور الأبصار للشبلنجي : 163، وحلية الأولياء للحافظ أبي نعيم : 3/135.

 

وصيّته لأصحابه

بعد البسملة : أمّا بعد فاسألوا اللّه ربّكم العافية، وعليكم بالدعة والوقار والسكينة، وعليكم بالحياء والتنزّه عمّا تنزّه عنه الصالحون قبلكم، واتقوا اللّه وكفّوا ألسنتكم إلا من خير، وإِيّاكم أن تذلقوا(2) ألسنتكم بقول الزور والبهتان والإثم والعدوان، فإنكم إِن كففتم ألسنتكم عمّا يكرهه اللّه ممّا نهاكم عنه كان خيراً لكم عند ربّكم من أن تذلقوا ألسنتكم به، فإن ذلق اللسان فيما يكرهه اللّه وفيما ينهى عنه مرداة للعبد عند اللّه، ومقت من اللّه، وصمم وبكم وعمي يورثه اللّه إِيّاه يوم القيامة، فتصيروا كما قال اللّه : «صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون»(3) يعني لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون، وعليكم بالصمت إِلا فيما ينفعكم اللّه به من أمر آخرتكم ويؤجركم عليه، اكثروا من أن تدعوا اللّه فإن

______________________________

(2) تحدّوا وتذربوا.

(3) البقرة : 171.

{ 38 }

اللّه يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه، وقد وعدَ عباده المؤمنين الاستجابة، واللّه مصيّر دعاء المؤمنين يوم القيامة عملاً يزيدهم في الجنّة، فاكثروا ذكر اللّه ما استطعتم في كلّ ساعة من ساعات الليل والنّهار، فإن اللّه أمر بكثرة الذكر له، واللّه ذاكر من ذكره من المؤمنين، واعلموا أن اللّه لم يذكره أحد من عباده المؤمنين إِلا ذكره بخير، فاعطوا اللّه من أنفسكم الاجتهاد في طاعته، فإن اللّه لا يدرَك شيء من الخير عنده إِلا بطاعته واجتناب محارمه التي حرَّم اللّه في ظاهر القرآن وباطنه، قال في كتابه وقوله الحق : «وذروا ظاهر الإثم وباطنه»(1) واعلموا أن ما أمر اللّه به أن تجتنبوه فقد حرّمه.

ولا تتبعوا أهواءكم وآراءكم فتضلّوا، فإن أضلّ النّاس عند اللّه من اتبع هواه ورأيه بغير هدىً من اللّه، وأحسنوا الى أنفسكم ما استطعتم، فإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وان أسأتم فلها، واعلموا أنه لن يؤمن عبد من عبيده حتّى يرضى عن اللّه فيما صنع اللّه اليه وصنع به على ما أحبّ وكره، ولن يصنع اللّه بمن صبر ورضي عن اللّه إِلا ما هو أهله، وهو خيرٌ له ممّا أحبّ وكره.

وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى، وقوموا للّه قانتين كما أمر اللّه به المؤمن في كتابه من قبلكم.

وإِيّاكم والعظمة والكِبر، فإن الكِبر رداء اللّه عزّ وجلّ، فمن نازع اللّه رداءه قصمه اللّه وأذلّه يوم القيامة، وإِيّاكم أن يبغي بعضكم على بعض، فإنها ليست من خِصال الصالحين، فإن من بغى صيّر اللّه بغيه على نفسه، وصارت نصرة اللّه لمن بغى عليه، ومن نصَره اللّه غلب، وأصابَ الظفر من اللّه، وإِيّاكم أن يحسد بعضكم بعضاً، فإن الكفر أصله الحسد(2)، وإِيّاكم أن تعينوا على مسلم مظلوم،

______________________________

(1) الأنعام : 12.

(2) أحسب أنه إِشارة الى ما كان من إِبليس مع آدم عليه السلام.

{ 39 }

فيدعو اللّه عليكم فيستجاب له فيكم، فإن أبانا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان يقول : إِن دعوة المسلم المظلوم مُستجابة، ولِيَعِن بعضكم بعضاً، فإن أبانا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان يقول : إِن معاونة المسلم خيرٌ وأعظم أجراً من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام.

واعلموا إِنّ الاسلام هو التسليم، والتسليم هو الاسلام، فمن سلَّمَ فقد أسلم، ومَن لم يُسلّم فلا إِسلام له، ومَن سَرَّه أن يبلغ الى نفسه في الإحسان فليطع اللّه، فإن من أطاع اللّه فقد أبلغ إِلى نفسه في الإحسان، وإِيّاكم ومعاصي اللّه أن ترتكبوها، فإنه من انتهك معاصي اللّه فركبها فقد أبلغ في الإساءة إِلى نفسه، وليس بين الإحسان والإساءة منزلة، فلأهل الإحسان عند ربهم الجنّة ولأهل الإساءة عند ربّهم النار، فاعملوا لطاعة اللّه واجتنبوا معاصيه.

أقول : وهذه الوصيّة طويلة وقد اقتطفنا منها هذه الزهر النفّاحة، وهي مرويّة في بدء روضة الكافي للكليني طاب ثراه، وقال : وقد كتب بها الصادق عليه السلام إِلى أصحابه، وأمرهم بمدارستها والنظر فيها، وتعاهدها والعمل بها، فكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم، فاذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها.

أجل هكذا يجب أن نتعاهد مثل هذه الوصيّة فإن فيها جماع مكارم الأخلاق العالية.

 

وصيّته لعبد اللّه بن جندب

عبد اللّه بن جندب البجلي الكوفي صحب الصادق والكاظم والرضا عليهم السلام، وتوكّل للكاظم والرضا، وكان عابداً رفيع المنزلة عندهما، روى الكشي في رجاله أنه قال لأبي الحسن عليه السلام : ألست عنّي راضياً ؟ قال : اي واللّه، ورسول اللّه واللّه راض.

{ 40 }

وقد أوصاه الصادق بوصيّة جمعت نفائس من العِظات والنصائح، التقطنا منها الشذرات الآتية، قال عليه السلام :

يا ابن جندب، يهلك المتّكل على عمله، ولا ينجو المجتري على الذنوب برحمة اللّه، قال : فمن ينجو ؟ قال : الذين هم بين الخوف والرجاء كأن قلوبهم في مخلب طائر، شوقاً إِلى الثواب وخوفاً من العذاب.

يا ابن جندب، مَن سرَّه أن يزوّجه اللّه من الحور العين ويتوجّه بالنور فليُدخل على أخيه المؤمن السرور.

يا ابن جندب، إِن للشيطان مصائد يصطاد بها، فتحاموا شباكه ومصائده، قال : يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وما هي ؟ قال : أمّا مصائده فصّد عن برّ الاخوان، وأمّا شباكه فنوم عن أداء الصلاة التي فرضها اللّه، أما أنه ما يعبد اللّه بمثل نقل الأقدام الى برّ الاخوان وزيارتهم، ويلٌ للساهين عن الصلاة النائمين في الخلوات المستهزئين باللّه وآياته في القرآن، اولئك الذين لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلّمهم اللّه يوم القيامة ولا يزّكيهم ولهم عذاب أليم.

يا ابن جندب، الساعي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا والمروة، وقاضي حاجته كالمتشحّط بدمه في سبيل اللّه يوم بدر واُحد، وما عذّب اللّه اُمّة إِلا عند استهانتهم بحقوق فقراء إخوانهم.

يا ابن جندب، إِن أحببت أن تجاور الجليل في داره، وتسكن الفردوس في جواره، فلتهن عليك الدنيا، واجعل الموت نُصب عينيك، ولا تدّخر لغد، واعلم أنَّ لك ما قدَّمت، وعليك ما أخّرت.

يا ابن جندب، من حرَم نفسه كسبه فإنما يجمع لغيره، ومن أطاع هواه فقد أطاع عدّوه، ومن يتّقِ اللّه يكفِه ما أهمّه من أمر دُنياه وآخرته، ويحفظ له ما غاب عنه، وقد عجز مَن لم يعدّ لكّل بلاءٍ صبراً، ولكلّ نعمةٍ شكراً، ولكلّ عُسرٍ

{ 41 }

يُسرا، اصبر نفسك عند كلّ بليّة، وفي ولد أو مال أو ذريّة، فإنما يقبض عاريته، ويأخذ هبته، ليبلو فيهما شكرك وصبرك، وارج اللّه رجاءً لا يجرّيك على معصيته، وخِفهُ خوفاً لا ييؤسك من رحمته ولا تغترّ بقول الجاهل ولا بمدحة فتكبر وتجبر وتغترّ بعملك، فإن أفضل العمل العبادة والتواضع، ولا تضيع مالك وتصلح مال غيرك ما(1) خلفته وراء ظهرك، واقنع بما قسمه اللّه لك، ولا تنظر إِلا ما عندك، ولا تتمنّ ما لست تناله، فإن مَن قنع شبع، ومَن لم يقنع لم يشبع، وخُذ حظّك من آخرتك، ولا تكن بطراً في الغنى، ولا جزِعاً في الفقر، ولا تكن فظَّاً غليظاً يكره الناس قُربك، ولا تكن واهناً يحقرك من عرفك، ولا تشارَّ(2) من فوقك، ولا تسخر بمن هو دونك، ولا تنازع الأمر أهله، ولا تطع السفهاء، وقف عند كلّ أمر حتّى تعرف مدخله ومخرجه قبل أن تقع فيه فتندم، واجعل نفسك عدّواً تجاهده، وإِن كانت لك يد عند إِنسان فلا تفسدها بكثرة المنّ والذكر لها، ولكن اتبعها بأفضل منها، فإن ذلك أجمل في أخلاقك وأوجب للثواب في آخرتك، وعليك بالصمت نعدّ حليماً، جاهلاً كنت أو عالماً، فإن الصمت زين عند العلماء وسترة لك عند الجهّال.

ومِن هذه الوصية حكايته لكلام عيسى عليه السلام لأصحابه وهو قوله : وإِيّاكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة، طوبى لمن جعل بصره في قلبه، ولم يجعل بصره في عينه، لا تنظروا في عيوب الناس كالأرباب وانظروا في عيوبهم كهيئة العبيد، إِنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا المبتلى، واحمدوا اللّه على العافية.

______________________________

(1) ما موصولة عطف بيان لقوله - مال غيرك - أي أن الذي تخلفه وراء ظهرك هو مال غيرك فلا تهتمّ لاصلاحه، وتضييع مالك الذي ينبغي أن تنفقه في وجوه الخير.

(2) بتضعيف الراء - تخاصم.

{ 42 }

ثمّ قال عليه السلام : يا ابن جندب، صِل مَن قطعك، واعط مَن حرمَك، وأحسن الى مَن أساء اليك، وسلّم على مَن سبَّك، وانصف من خاصمك، واعف عمَّن ظلمك كما أنك تحبّ أن يعفى عنك، فاعتبر بعفو اللّه عنك، ألا ترى أن شمسه أشرقت على الأبرار والفجّار، وأن قطره ينزل على الصالحين والخاطئين.

يا ابن جندب، الاسلام عريان فلباسه الحياء، وزينته الوقار، ومروّته العمل الصالح، وعماده الورع، ولكلّ شيء أساس وأساس الاسلام حُبّنا أهل البيت(1).

أقول : ما أجمع هذه الوصيّة لجلائل الحِكم ونفائس المواعظ، ولا تمرّ عليك وصيّة ولا عِظة إِلا وحسبت عندها منتهى البلاغة وأقصى التذكير والتنبيه، وتقول : هل وراءها من قول، وإِن أمثال هذه الوصايا جديرة بالتعليق والشرح إِلا انّ ذلك أبعد عن الغاية، فنوكل التدبّر بها الى القارئ الكريم.

_____________________________

(1) بحار الأنوار : 78/279/1.

 

وصيّته لعبد اللّه النجاشي في كتابه

قال عبد اللّه بن سليمان النوفلي : كنت عند جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام، فاذا بمولى لعبد اللّه النجاشي وردَ عليه فسلّم وأوصل اليه كتاباً ففضّه وقرأه، فاذا أوّل سطر فيه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، أطال اللّه بقاء سيّدي وجعلني من كلّ سوء فِداه، إِني بُليت بولاية الأهواز فإن رأى سيّدي أن يحدّ لي حدّاً أو يمثل لي مثلاً لأستدلّ

______________________________

(*) في نفس الكتاب : 1/260.

{ 43 }

به على ما يقرّبني الى اللّه جلّ وعزّ والى رسوله، ويلخّص في كتابه ما يرى لي العمل به وفيما يبذله وأبتذله، وأين أضع زكاتي، وفيمن أصرفها، وبمن آنس، والى مَن أستريح، ومَن أثق وآمن وألجأ اليه في سرّي، فعسى أن يخلّصني اللّه بهدايتك ودلالتك، فإنك حُجّة اللّه على خلقه، وأمينه في بلاده لا زالت نعمته عليك.

قال عبد اللّه بن سليمان : فأجابه أبو عبد اللّه عليه السلام :

بسم اللّه الرحمن الرحيم، جامَلَكَ اللّه بصنعه، ولطف بك بمنّه، وكلأك برعايته، فإنه وليّ ذلك، أمّا بعد فقد جاء إِليّ رسولك بكتابك فقرأته وفهمت جميع ما ذكرته وسألت عنه وزعمت أنك بُليت بولاية الأهواز فسرَّني ذلك وساءني، فأمّا سروري بولايتك فقلت : عسى أن يغيث اللّه بك ملهوفاً من أولياء آل محمّد صلّى اللّه عليه وآله ويعزّ بك، وساءني من ذلك فإن أدنى ما أخاف عليك أن تعثر بوليّ لنا فلا تشمّ حظيرة القدس.

فإني ملخّص لك جميع ما سألت عنه إِن أنت عملت به ولم تجاوزه رجوت أن تسلم إِن شاء اللّه تعالى، أخبرني أبي عن آبائه عن علي بن أبي طالب عليهم السلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أنه قال : من استشاره أخوه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلبه اللّه لُبَّه، واعلم أني سأشير عليك برأي إِن أنت عملت به تخلّصت ممّا أنت متخوّفه، واعلم أن خلاصك ونجاتك من حقن الدماء وكفّ الأذى من أولياء اللّه والرفق بالرعيّة والتأني وحسن المعاشرة، مع لين في غير ضعف، وشدَّة في غير عُنف، ومداراة صاحبك ومن يرد عليك من رُسله، وارتق فتق رعيّتك بأن توافقهم على ما وافق الحقّ والعدل إِن شاء اللّه.

إِيّاك والسعاة وأهل النمائم فلا يلتزقن منهم بك أحد، ولا يراك اللّه يوماً وليلة وأنت تقبل منهم صرفاً ولا عدلاً فيسخط اللّه عليك ويهتك سترك.

{ 44 }

فأمّا من تأنس به وتستريح اليه وتلج اُمورك اليه فذلك الرجل الممتحن المستبصر الأمين الموافق لك على دينك، وميَّز عوامك وجرّب الفريقين فإن رأيت هنالك رشداً فشأنك وإِيّاه.

وإِيّاك أن تعطي درهماً أَو تخلع ثوباً أو تحمل على دابّة في غير ذات اللّه لشاعر أو مضحك أو ممتزح إِلا أعطيت مثله في ذات اللّه.

ولتكن جوائزك وعطاياك وخلعك للقوّاد والرُسل والأحفاد وأصحاب الرسائل وأصحاب الشرط والأخماس، وما أردت أن تصرفه في وجوه البرّ والنجاح والفتوّة والصدقة والحجّ والمشرب والكسوة التي تصلّي فيها وتصل بها والهديّة التي تهديها الى اللّه عزّ وجلّ والى رسوله صلّى اللّه عليه وآله من أطيب كسبك.

يا عبد اللّه، اجهد ألا تكنز ذهباً ولا فضّة فتكون من أهل هذه الآية التي قال اللّه عزّ وجلّ : «الذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل اللّه»(1).

ولا تستصغرن من حلو أو فضل طعام تصرفه في بطون خالية ليسكن بها غضب اللّه تبارك وتعالى، واعلم أني سمعت من أبي يحدَّث عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وآله يقول يوماً : ما آمن باللّه واليوم الآخر من بات شبعاناً وجاره جايع، فقلنا : اُهلكنا يا رسول اللّه، فقال : من فضل طعاكم ومن فضل تمركم ورزقكم وخلقكم وخرقكم تطفون بها غضب الرب.

فخرج أمير المؤمنين من الدنيا وليس في عنقه تبعة لأحد حتّى لقي اللّه محموداً غير ملوم ولا مذموم، ثمّ اقتدت به الأئمة من بعده بما قد بلغكم، لم يتلطّخوا

______________________________

(1) التوبة : 34.

{ 45 }

بشيء من بوائقها صلوات اللّه عليهم أجمعين وأحسن مثواهم.

وقد وجّهت اليك بمكارم الدنيا والآخرة، فإن أنت عملت بما نصحت لك في كتابي هذا ثمّ كانت عليك من الذنوب والخطايا كمثل أوزان الجبال وأمواج البحار رجوت اللّه أن يتحامى عنك جلّ وعزّ بقدرته.

يا عبد اللّه إِيّاك أن تُخيف مؤمناً فإن أبي محمّد حدّثني عن أبيه عن جدّه علي بن أبي طالب عليهم السلام أنه كان يقول : مَن نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها أخافه اللّه يوم لا ظلَّ إِلا ظلّه، وحشره في صورة الذرّ لحمه وجسده وجميع أعضائه حتّى يورده مورده.

وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنه قال : مَن أغاث لهفاناً من المؤمنين أغاثه اللّه يوم لا ظلَّ إِلا ظلّه، وآمنه اللّه يوم الفزع الاكبر، وآمنه عن سوء المنقلب، ومَن قضى لأخيه المؤمن حاجة قضى اللّه له حوائج كثيرة إِحداها الجنّة، ومَن كسا أخاه المؤمن من عري كساه اللّه من سُندس الجنّة واستبرقها وحريرها، ولم يزل يخوض في رضوان اللّه مادام على المكسو منها سلك، ومَن أطعم أخاه من جوع أطعمه اللّه من طيّبات الجنّة، ومَن سقاه من ظمأ سقاه اللّه من الرحيق المختوم، ومَن أخدم أخاه أخدمه اللّه من الولدان المخلّدين وأسكنه مع أوليائه الطاهرين، ومَن حمل أخاه المؤمن من رحله حمله اللّه على ناقة من نوق الجنّة وباهى به الملائكة المقرّبين يوم القيامة، ومَن زوّج أخاه المؤمن امرأة يأنس بها وتشدّ عضده ويستريح اليها زوّجه اللّه من الحور العين، وآنسه بمن أحبّ من الصدّيقين من أهل بيته واخوانه وآنسهم به، ومَن أعان أخاه المؤمن على سلطان جائر أعانه اللّه على إِجازة الصراط عند زلزلة الأقدام، ومَن زار أخاه المؤمن الى منزله لا لحاجة منه اليه كُتب من زوّار اللّه، وكان حقيقاً على اللّه أن يكرم زائره.

{ 46 }

يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام أنه سمع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقول لأصحابه يوماً، معاشر الناس إِنه ليس بمؤمن مَن لعن بلسانه ولم يؤمن بقلبه(1) فلا تتبعوا عثرات المؤمنين، فإنه مَن اتبع عثرة مؤمن اتبع اللّه عثراته يوم القيامة وفضحه في جوف بيته.

وحدّثني أبي عن علي عليه السلام قال : أخذ اللّه في ميثاق المؤمن ألا يُصدَّق(2) في مقالته، ولا يُنتصف من عدوّه، ولا يُشفي غيظه إِلا بفضيحة نفسه، لأن كلّ مؤمن ملجم، وذلك لغاية قصيرة وراحة طويلة.

أخذ اللّه ميثاق المؤمن على أشياء أيسرها مؤمن مثله يقول بمقالته يتعبه ويحسده، والشيطان يغويه ويعينه، والسلطان يقفو أثره ويتبع عثراته، وكافر بالذي هو مؤمن به يرى سفك دمه دَيناً، وإِباحه حريمه غنماً، فما بقاء المؤمن بعد هذا.

يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام عن النبي صلّى اللّه عليه وآله قال : نزل جبرئيل عليه السلام فقال : يا محمّد إِن اللّه يقرأ عليك السلام ويقول : اشتققت للمؤمن اسماً من أسمائي سمّيته مؤمناً فالمؤمن منّي وأنا منه، من استهان بمؤمن فقد استقبلني بالمحاربة.

يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عليهم السلام عن علي عليه السلام عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنه قال يوماً : يا علي لا تناظر رجلاً حتّى تنظر في سريرته، فإن كانت سريرته حسنة فانَّ اللّه عزّ وجلّ لم يكن ليخذل وليّه، وإِن كانت سريرته رديَّة فقد يكفيه مساويه، فلو جهدت أن تعمل به اكثر ممّا عمله من معاصي اللّه عزّ وجلّ ما قدرت عليه.

______________________________

(1) يريد أنه من يذكر الناس بسوء بغير ما يعتقده فيهم.

(2) بالبناء للمفعول.

{ 47 }

يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنه قال : أدنى الكفر أن يسمع الرجل عن أخيه الكلمة ليحفظها عليه يريد أن يفضحه بها، اولئك لا خلاق لهم.

يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام أنه قال : مَن قال في مؤمن ما رأت عيناه وسمعت اُذناه ما يشينه ويهدم مروّته فهو من الذين قال اللّه عزّ وجلّ «إِنَّ الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذابً أليم».

يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام أنه قال : من روى عن أخيه المؤمن رواية يريد بها هدم مُروّته وثلبه أوبَقهُ اللّه بخطيئته حتّى يأتي بمخرج ممّا قال، ولن يأتي بالمخرج منه أبداً، ومن أدخل على أخيه المؤمن سُروراً فقد أدخلَ على أهل البيت عليهم السلام سُروراً، ومن أدخل على أهل البيت سُروراً فقد أدخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سُروراً، ومن أدخل على رسول اللّه سُروراً فقد سرَّ اللّه، فحقيق عليه أن يُدخِله الجنّة حينئذٍ.

ثمَّ إِنّي اُوصيك بتقوى اللّه وإِيثار طاعته والاعتصام بحبله، فإنه من اعتصم بحبل اللّه فقد هُدي الى صراطٍ مستقيم، فاتقِ اللّه ولا تؤثر أحداً على رضاه وهواه، فإنّه وصيّة اللّه عزّ وجلّ الى خلقه، لا يقبل منهم غيرها ولا يعظّم سواها، واعلم أن الخلائق لم يوكلوا بشيء أعظم من التقوى فإنّه وصيّتنا أهل البيت، فإن استطعت ألا تنال شيئاً من الدنيا تُسئل عنه غداً فافعل.

قال عبد اللّه بن سليمان : فلمّا وصل كتاب الصادق عليه السلام الى النجاشي نظر فيه فقال : صدَق واللّه الذي لا إِله إِلا هو مولاي، فما عمل أحد بما في هذا الكتاب إِلا نجا فلم يزل عبد اللّه يعمل به في أيام حياته(1).

______________________________

(1) بحار الأنوار : 78/271/112.

{ 48 }

فكّر أيها القارئ الكريم في هذه النصائح القدسيّة، وأعد النظر في فقراتها، وانظر ماذا سيبلغه البشر من نهاية السعادة لو وضع الاُمراء وأرباب الدولة هذا الكتاب نُصب أعينهم، ودرج عليه الناس في معاملاتهم بعضهم مع بعض، ولكن البشر لا يزال في سكرته لا يستيقظ لسماع مثل هذه المواعظ.