فهرس الكتاب

مكتبة الإمام الصادق (ع)

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

حياته العلميّة .. (علمه إِلهامي)

لا فضيلة كالعلم، فإن به حياة الاُمم وسعادتها، ورقيّها وخلودها، وبه نباهة المرء وعلوّ مقامه وشرف نفسه.

ولا غرابة لو كان العلم أفضل من العبادة أضعافاً مضاعفه، لأنّ العابد صالح على طريق نجاة قد استخلص نفسه فحسب، ولكن العالم مصلح يستطيع أن يستخرج عوالم كبيرة من غياهب الضلال، وصالح في نفسه أيضاً، وقد فتح عينيه في طريقه، ومن فتح عينه أبصر الطريق.

وليس في الفضائل ما يصلح الناس وينفعهم ويبقى أثره في الوجود مثل العلم، فإن العبادة والشجاعة والكرم وغيرها اذا نفعت الناس فإنما نفعها مادام صاحبها في الوجود، وليس له بعد الموت إِلا حسن الاحدوثة، ولكن العالم يبقى نفعه مادام علمه باقياً، وأثره خالداً.

وقد جاء في السنّة الثناء العاطر على العلم وأهله، كما جاء في الكتاب آيات جمّة في مدحه ومدح ذويه، وهذا أمر مفروغ عنه، لا يحتاج الى استشهاد واستدلال.

نعم إِنما الشأن في أن هذا الثناء خاصّ بالعلم الديني وعلمائه، أو عامّ لكلّ علم وعالم ؟ إِخال أن الاختصاص بعلم الدين وعلمائه لا ينبغي الريب فيه

{ 132 }

فإن الأحاديث صرّحت به، وكفى من الكتاب قوله تعالى: «إِنما يخشى اللّه من عباده العلماء»(1) وقد لا تجد خشية عند علماء الصنعة وما سواهم غير علماء الدين، بل إِن بعضهم قد لا تجده يعترف بالوجود أو بالوحدانيّة.

وما استحق علماء الدين هذا الثناء إِلا لأنهم يريدون الخير للناس ويسعون له ما وجدوا سبيلاً ومتى كانوا وجدتهم أدلاء مرشدين هداة منقذين.

وعلم الدين إِلهامي وكسبي، والكسبي يقع فيه الخطأ والصواب والصحّة والغلط، وغلط العالم وخطأه يعود على العالم كلّه بالخطأ والغلط، لأن النّاس أتباع العلماء في الأحكام والحلال والحرام، واللّه جلّ شأنه لا يريد للناس إِلا العمل بالشريعة التي أنزلها، والأحكام التي شرّعها، فلا بدّ إِذن من أن يكون في الناس عالم لا يخطأ ولا يغلط، ولا يسهو ولا ينسى، ليرشد الناس الى تلك الشريعة المنزلة منه جلّ شأنه، والأحكام المشرّعة من لدنه سبحانه، فلا تقع الاُمّة في أشراك الأخطاء وحبائل الأغلاط، ولا يكون ذلك إِلا اذا كان علم العالم وحياً أو إِلهاماً.

فمن هنا كان حتماً أن يكون علم الأنبياء وأوصيائهم من العلم الإِيحائي أو الإِلهامي صوناً لهم وللاُمم من الوقوع في المخالفة خطأً.

واللّه تعالى قد أنزل شريعة واحدة لا شرائع، وفي كلّ قضيّة حكماً لا أحكاماً، ونصب للاُمّة في كلّ عهد مرشداً لا مرشدين، ونجدها اليوم شرائع ولها مشرّعون لا شريعة واحدة ومشرّعاً واحداً، ونرى في كلّ قضيّة أحكاماً لا حكماً واحداً، وفي كلّ زمن مرشدين متخالفين متنابذين بل يكفر بعضهم بعضاً، ويبرأ بعضهم من بعض لا مرشداً واحداً، وليس هذا ما جاء به المصلح

______________________________

(1) فاطر: 28.

{ 133 }

الأكبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ولا ما أراده لاُمّته.

فلا غرابة لو حكم العقل بأن الواجب عليه سبحانه أن ينصب في كلّ عهد عالماً يدلّ الناس على الشريعة كما جاءت، ويأتيهم بالأحكام كما نزلت، وهل يجوز ذلك على أحد سوى عليّ وبنيه ؟ وهذه آثارهم العلميّة بين يديك فاستقرئها، لعلّك تجد على النور هدى، ولو لم يكن لدنيا أثر أو دليل إِلا قوله صلّى اللّه عليه وآله: «أنا مدينة العلم وعليّ بابها(1)»، وقوله: «إِني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيت»(2)، لكفى في كون أهل البيت علماء الشريعة والكتاب، الذين أخذوا العلم من معدنه، واستقوه من ينبوعه، ولو كان علمهم بالاكتساب لما جعلهم الرسول علماء الكتاب عمر الدهر دون الناس، وما الذي ميّزهم على الناس اذا كانوا والناس في العلم سواء.

وممّا يسترعي الانتباه أن الناس كانوا محتاجين الى علمهم أبداً، وكلّما رجعوا اليهم في أمر وجدوا علمه عندهم، وما احتاجوا إِلى علم الناس أبداً.

ولا نريد أن نلمسك هذه الحقيقة بالأخبار دون الآثار، فإن في الآثار ما به غنى للبصر، وهذه آثارهم شاهدة على صدق ما ادّعوه وادعي فيهم، وأمر حقيق بأن تنتبه اليه، وهو أن الجواد عليه السّلام انتهت اليه الامامة وهو ابن سبع، ونهض بأعبائها، وقام بما قام به آباؤه من التعليم والإرشاد، وأخذ منه العلماء خاضعين مستفيدين، وما وجدت فيه نقصاً عن علوم آياته وهذا عليّ بن جعفر شيخ العلويّين في عهده سنّاً وفضلاً اذا أقبل الجواد يقوم فيقبّل يده، وإِذا خرج يسوّي له نعله، وسئل عن الناطق بعد الرضا عليه السّلام فقال: أبو جعفر ابنه

______________________________

(1) تاريخ بغداد: 2/377، وكنز العمال: 6/156.

(2) مسند أحمد بن حنبل: 4/366، وصحيح الترمذي: 2/308.

{ 134 }

فقيل له: أنت في سنّك وقدرك وأبوك جعفر بن محمّد تقول هذا القول في هذا الغلام، فقال ما أراك إِلا شيطاناً ثمّ أخذ بلحيته وقال: فما حيلتي إِن كان اللّه رآه أهلاً لهذا ولم ير هذه الشيبة لها أهلاً(1) هذا وعليّ بن جعفر أخ الكاظم عليه السّلام والكاظم جدّ الجواد، فماذا ترى بينهما من السن، وعلي أخذ العلم من أبيه الصادق وأخيه الكاظم وابن أخيه الرضا، فلو كان علمهم بالتحصيل لكان علي اكثر تحصيلاً، أو الإمامة بالسنّ لكان علي اكبر العلويّين سنّاً.

على أن الجواد قد فارقه أبوه يوم سافر الى خراسان وهو ابن خمس، فمن الذي كان يؤدّبه ويثقّفه بعد أبيه حتّى جعله بتلك المنزلة العليّة لو كان ما عندهم عن تعلّم وتأدّب ؟ ولم لا يكون المعلّم والمثقف هو صاحب المنزلة دونه.

ومات الجواد وهو ابن خمس وعشرين سنة وأنت تعلم أن ابن هذا السنّ لم يبلغ شيئاً من العلم لو أنفق عمره هذا كلّه في الطلب فكيف يكون عالم الاُمّة ومرشدها، ومعلّم العلماء ومثقّفهم، وقد رجعت إِليه الشيعة وعلماؤها من يوم وفاة أبيه الرضا عليه السلام ؟

وهكذا الشأن في ابنه عليّ الهادي عليه السّلام، فقد قضى الجواد وابنه الهادي ابن ست أو ثمان، فمن الذي ثقّفه وجعله بذلك المحلّ الأرفع ؟ وكيف رجعت اليه العلماء والشيعة وهو ابن هذا السن ؟ وماذا يحسن من كان هذا عمره لو كان علمه بالكسب ؟

فالصادق كسائر الأئمة لم يكن علمه كسيباً وأخذاً من أفواه الرجال ومدارستهم، ولو كان فممّن أخذ وعلى مَن تخرّج ؟ وليس في تأريخ واحد من الأئمة عليهم السّلام أنه تلمذ أو قرأ على واحد من الناس حتّى في سنّ الطفولة فلم

______________________________

(1) رجال الكشي 269 و270.

{ 135 }

يذكر في تأريخ طفولتهم أنه دخلوا الكتاتيب أو تعلّموا القرآن على المقرئين كسائر الأطفال من الناس، فما عِلمُ الامام إِلا وراثة عن أبيه عن جدّه عن الرسول عن جبرئيل عن الجليل تعالى، وسوف نشير الى بعض آثاره العلميّة والى تعليمه لتلامذته، وما سواها ممّا هو دخيل في حياته العلميّة.

 

مدرسته العلميّة

ما كان أخذ العلم عنه على الطراز الذي تجده اليوم من الحوزات العلميّة والنقاش في الدليل والمأخذ، بل كان تلامذته يرون إِمامته عدا قليل منهم، والاماميّة كما تقدّم ترى أن علم الامام لا يدخل فيه الرأي والاجتهاد فيحاسب الامام على المصدر والمستند، وإِنما علمه إِلهي موروث، نعم ربّما يسأله السائل عن علّة الحكم سؤال تعلّم واستفاده لا سؤال ردّ وجدل.

على أن من أخذوا عنه العلم من غير الاماميّة كانوا يرون جلالته وسيادته وإِمامته(1) وقد عدّوا أخذهم عنه منقبة شرفوا بها وفضيلة اكتسبوها(2).

وهذا ابن أبي الحديد قد أرجع علم المذاهب الأربعة اليه في الفقه(3).

فكان السائل يأتي اليه ويستعلمه عمّا أشكل عليه، وكان الكثير منهم قد استحضر الدواة والقرطاس ليكتب ما يمليه عليه الامام ليرويه عنه عن تثبّت.

وإِذا أردت أن تعرف مبلغ علمه فانظر إِلى كثرة من استقى منه العلم فقد بلغ من عرفوه منهم أربعة آلاف أو يزيدون، ولماذا روى هؤلاء كلّهم عنه ولم يرووا عن غيره، مع وفرة العلماء في عصره، ولماذا إِذا روى أحد منهم عنه وقف

______________________________

(1) تهذيب الأسماء واللغات وينابيع المودّة.

(2) مطالب السؤل.

(3) شرح النهج: 1/6.

{ 136 }

عليه، ولا يسأل عمّن يروي ما أملاه، إِلا أن يخبر هو أن ما أملاه عن آبائه عن جدّه الرسول صلّى اللّه عليه وآله.

وما كانت تلك المدرسة التي خرّجت ذلك العدد الجم مدرسة تريد أن تعلّم العلوم للذكر والصيت والفخر والشرف، وما كانت غاية تلامذتها إِلا أن يتعلّموا العلم للعلم وخدمة الدين والشريعة، ومن خالف هذه السيرة أبعده الامام عن حوزته، فكم طرد اُناساً ولعن قوماً خالفوه في سيرته وسريرته وما زالت عظاته وارشاداته تسبق تعاليمه، أو تطّرد مع بيانه.

 

تعاليمه لتلاميذه

ما اكثر تعاليمه واكثر عظاته ونصائحه، وستأتي لها فصول خاصّة، وإِنما نذكر منها ههنا ما يخصّ طلب العلم.

قال عمرو بن أبي المقدام(1): قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام في أوّل مرّة دخلت عليه: تعلّموا الصدق قبل الحديث(2).

أقول: ما أثمنها نصيحة، وما زال يوصي كلّ من دخل عليه من أوليائه بالصدق وأداء الأمانة، ولا بدع فإن بهما سعادة المرء في هذه الحياة، ووفرة المال والجاه، والطمأنينة اليه، والرضى به للحكومة بين الناس.

وأما إِرشاده الى طلب العلم فما اكثر قوله فيه، فتارةً يقول عليه السّلام: لست أحبّ أن أرى الشاب منكم إِلا غادياً في حالين، إِما عالماً أو متعلّماً، فان لم يفعل فرط، وإِن فرط ضيّع، وإِن ضيّع أثم(3).

______________________________

(1) سيأتي في ثقات المشاهير من رجاله.

(2) الكافي: باب الصدق وأداء الأمانة.

(3) مجالس الشيخ الصدوق رحمه اللّه، المجلس /11.

{ 137 }

واُخرى يقول: اطلبوا العلم وتزيّنوا معه بالحلم والوقار(1) وما اقتصر على حثهم على طلب العلم، بل حثّهم على ما يزدان به من الحلم والوقار، بل والتواضع كما في قوله عليه السّلام: «وتواضعوا لمن تعلّمونه العلم، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم، ولا تكونوا علماء جبّارين، فيذهب باطلكم بحقكم»(2).

أقول: ما أدقّها نصيحة، وأسماه تعليماً، فإن العلم لا ينفع صاحبه ولا الناس ما لم يكن مقروناً بالتواضع، سواء كان المتحلّي به معلّماً أو متعلّماً، وأن الناس لتنفر من ذي الكبرياء، فيكون الجبروت ذاهباً بما عنده من حق.

ويقول عليه السّلام في إِرشاده لطالب العلم: ولا تطلب العلم لثلاث: لترائي به، ولا لتباهي به، ولا لتماري به، ولا تدعه لثلاث: رغبة في الجهل وزهادة في العلم، واستحياءً من الناس، والعلم المصون كالسراج المطبق عليه(3).

أقول: إِن الصادق عليه السّلام يريد أن يكون طلب العلم للعلم ولنفع الاُمّة، فلو طلبه المرء للرياء أو المباهاة أو المجادلة لما انتفع ونفع، بل لتضرّر وأضرّ، كما أن تركه للرغبة في الجهل والزهد في العلم كاشف عن الحمق، ولا خير في حياء يقيمك على الرذيلة ويبعد عنك الفضيلة، ولا يكون انتفاع الناس بالعلم إِلا بنشره، وما فائدة السراج اذا اُطبق عليه.

ولنفاسة العلم حضّ على طلبه وإِن كلّف غالياً، فقال: اطلبوا العلم ولو بخوض المهج وشقّ اللجج(4).

______________________________

(1) الكافي: 1/36/1.

(2) مجالس الشيخ الصدوق، المجلس /17، بحار الأنوار: 2/41/2.

(3) بحار الأنوار: 17/270.

(4) الكافي: 1/35/5.

{ 138 }

ولمّا كان للعلم أوعية ومعادن نهاهم عن أخذ العلم من غير أهله فقال عليه السلام: اطلبوا العلم من معدن العلم وإِيّاكم والولايج فهم الصادّون عن اللّه(1).

أقول: إِننا لنجد عياناً أن المتعلّم يتغذّى بروح معلّمه، ويتشبّع بتعاليمه، فالتلميذ الى الضلالة أدنى إِن كان المعلّم ضالاً، والى الهداية أقرب إِن كان هادياً، لأن غريزة المحاكاة تقوى عند التلميذ بالقياس الى معلّمه.

وما حثّ على طلب العلم فحسب، بل أراد منهم اذا تعلّموه أن يعملوا به فقال عليه السّلام: تعلّموا العلم ما شئتم أن تعلموا فلن ينفعكم اللّه بالعلم حتّى تعملوا به، لأن العلماء همّهم الرعاية، والسفهاء همّهم الرواية(2) وقال: العلم الذي لا يعمل به كالكنز الذي لا ينفق منه أتعب نفسه في جمعه ولم يصل إلى نفعه(3) وقال: مثل الذي يعلم الخير ولا يعمل به مثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه(4) وقال: إِن العالم اذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلوب كما يزلّ المطر عن الصفا(5).

وقد دلّهم على ما يحفظون به ما يتعلّمونه فقال عليه السّلام: اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتّى تكتبوا(6).

وممّا قاله للمفضّل بن عمر: اكتب وبثّ علمك في إِخوانك فإن متّ

______________________________

(1) كتاب زيد الزراد وهو من الاصول المعتبرة.

(2) بحار الأنوار: 2/37/54.

(3) بحار الأنوار: 2/37/55.

(4) بحار الأنوار: 2/38/56.

(5) بحار الأنوار: 2/39/68.

(6) الكافي: 1/52/9.

{ 139 }

فورّث كتبك بنيك، فإنّه يأتي زمان هرج ما يأنسون فيه إِلا بكتبهم(1).

وقال: احتفظوا بكتبكم فإنكم سوف تحتاجون اليها.(2)

إنه عليه السّلام ما أراد فضيلة العلم لأهل زمانه فحسب، بل أرادها لكلّ جيل وعصر، كما أنه ما أوصاهم بالتعلّم إِلا لأن يجمعوا كلّ فضيلة معه كما ستعرفه من وصاياه، وكما تعرفه من قوله عليه السّلام:

فإن الرجل منكم اذا ورع في دينه وصدق الحديث، وأدّى الأمانة وحسن خلقه مع الناس، قيل هذا جعفري، ويسرّني ذلك ويدخل عليّ منه السرور، وإِن كان على غير ذلك دخل عليّ بلاؤه وعاره، وقيل هذا أدب جعفر(3).

إِن الصادق وآباءه من قبل وأبناءه من بعد جاهدوا في حسن تربية الاُمّة وتوجيههم الى الفضائل، وردعهم عن الرذائل بشتّى الوسائل، ولكن ما حيلتهم اذا كان الناس يأبون أن يسيروا بنهج الحقّ، وأن يتنكّبوا عن جادة الباطل.

وما حضّ على طلب العلم إِلا وحضّ على العناية بشأن العلماء والعطف عليهم، فقال عليه السّلام: إِني لأرحم ثلاثة، وحقّ لهم أن يُرحموا: عزيز أصابته ذلّة، وغنيّ أصابته حاجة، وعالم يستخفّ به أهله والجهلة(4).

وقال عليه السّلام: ثلاثة يشكون الى اللّه عزّ وجل: مسجد خراب لا يصلّي به أهله، وعالم بين جهّال، ومصحف معلّق قد وقع عليه غبار لا يقرأ فيه(5).

وقال إسحاق بن عمّار الصيرفي(6): قلت للصادق عليه السّلام: من قام من

______________________________

(1) الكافي: 1/52/11.

(2) الكافي: 1/52/10.

(3) الكافي: 2/636.

(4) خصال الصدوق: ص 87.

(5) بحار الأنوار: 92/195.

(6) سيأتي في ثقات المشاهير من أصحابه عليه السلام.

{ 140 }

مجلسه تعظيماً لرجل، قال عليه السّلام: مكروه إِلا لرجل في الدين. وقال عليه السّلام: من اكرم فقيهاً مسلماً لقي اللّه يوم القيامة وهو عنه راض، ومن أهان فقيهاً مسلماً لقي اللّه يوم القيامة وهو عليه غضبان(1).

وما اكثر ما جاء عنه عليه السّلام في رعاية أهل العلم وتقديرهم، واكرام العلماء وتوقيرهم، وهكذا كان مجاهداً في تثقيف أتباعه وتهذيبهم وتعليمهم الأخلاق الفاضلة.

______________________________

(1) بحار الأنوار: 47/44/13.

 

الحديث

عرفت أن الذي روى عنه الحديث أربعة آلاف راوية أو يزيدون وكان التدوين قبل عهده وكثر في أوانه، وكان الحديث المدوّن عنه في كلّ علم.

وكان الشيعة يأخذون عنه الحديث كمن يتلقّاه عن سيّد الرسل صلّى اللّه عليه وآله، لأنهم يعتقدون أن ما عنده عن الرسول من دون تصرّف واجتهاد منه، ولذا كانوا يأخذون منه مسلّمين من دون شكّ واعتراض، ويسألونه عن كلّ شيء يحتاجون اليه فكان حديثه المروي يجمع كلّ شيء.

واذا كان الرواة أربعة آلاف أو اكثر، فما كان عدد الرواية ؟ ولقد ذكر أرباب الرجال أن أبان بن تغلب وحده روى عنه ثلاثين ألف حديث، ومحمّد بن مسلم ستة عشر ألف حديث وعن الباقر ثلاثين ألفاً، ولا تسل عن مقدار ما رواه جابر الجعفي، فهل يحصى إِذن عدد الرواية، والفنون المرويّة عنه ؟ ولقد بقي بالأيدي من تلك الرواية بعد ضياع الكثير وإِهمال البعض ما ملأ الصحف والطوامير.

{ 141 }

وقد جمعت شطراً من تلك الأحاديث التي رويت عنه وعن آبائه وأبنائه في الأخلاق والآداب والأحكام فحسب، الكتب الأربعة (الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار) ثمّ جمعها الملا محسن الفيض الكاشاني(1) في كتاب (الوافي)، ولمّا وجد الحرّ العاملي(2) كتباً اُخرى تصلح لأن تكون مصدراً للأَحكام حاصّة ضمّها الى ما في الكتب الأربعة فألّف كتابه (تفصيل وسائل الشيعة) فكان ما روى عنه بلا واسطة ثمانين كتاباً وبواسطة سبعين كتاباً.

ثمّ جاء أخيراً العلامة النوري ميرزا حسين(3) وقد وقف على عدّة كتب اُخرى صالحة لأن تكون مصدراً، فجمع منها الشيء الوافر في الأحكام خاصّة، وألّفه على نهج كتاب الوسائل للحرّ وسماه (مستدرك الوسائل).

هذا ما كان في الأحكام خاصّة، وأما في الأخلاق والآداب، فلم يجمع فيهما من الكتب الأربعة إِلا الكافي، واكثر ما روي فيها كان عنه عليه السّلام خاصّة، ولو شئت أن تحصي الكتب التي روت عنهم وعنه لأعياك العدّ، فهذا الشيخ الصدوق محمّد بن علي بن بابويه وحده قد ألّف عشرات الكتب التي اشتملت على أحاديثهم.

______________________________

(1) صاحب التآليف القيّمة الكثيرة، وقيل إنها قريب من مائة مؤلّف منها كتاب الوافي وفيه شروح جمّة على الأحاديث، وكتاب الصافي في التفسير، والشافي مختصره، والمحجّة البيضاء في إِحياء الأحياء، والحقائق ملخّصه، ومفاتيح الشرائع في الفقه، وعلم اليقين، وعين اليقين وغيرها توفي عام 1091.

(2) هو محمّد بن الحسن بن علي الحرّ العاملي، وكتابه الوسائل من أنفس الكتب في ترتيبه وتبويبه، وكان فراغه من تأليفه في منتصف رجب عام 1082، وله كتاب أمل الآمل في علماء جبل عامل، وكانت ولادته عام 1033 ثامن رجب في قرية مشغرة من جبل عامل ووفاته في خراسان 21 من شهر رمضان عام 1104.

(3) صاحب التآليف الجمّة القيّمة، وكان دأبه الجمع والتأليف توفي عام 1320.

{ 142 }

وكفى في وفرة الحديث عنهم ما جمعه بحار الأنوار للعلامة المجلسي(1).

وإن اشتمل على الغثّ والسمين شأن المؤلّفات الواسعة، غير أنك اذا استقريت بعض كتبه عرفت وفرة ما فيه، ومن الغريب أن يكون هذا الكتاب الجامع الذي لم يؤلّف مثله حتّى اليوم قد فاته الشيء الكثير من حديثهم، فتصدّى بعض علماء العصر وفّقه اللّه(2) لجمع كتاب مستدرك للبحار وقد جمع الى اليوم فيه الشيء الكثير.

وكان الصادق عليه السّلام يرغّب أصحابه في رواية الحديث فيقول لمعاوية بن وهب(3) الراوية للحديث: المتفقّه في الدين أفضل من ألف عابد لا فقه له ولا رواية.

أقول: ولا إِخالك تستغرب من هذا التفضيل، لأن اللّه تعالى يريد من عباده أن ينفع بعضهم بعضاً، ويصلح بعضهم بعضاً، والعابد صالح، والمحدّث المتفقّه مصلح وصالح.

______________________________

(1) هو شيخ الاسلام الشيخ محمّد باقر ابن الشيخ محمد تقي المجلسي طاب ثراه وكان في أيّامه صاحب النفوذ في دولة الشاه حسين الصفوي وكانت حوزته العلميّة تجمع أَلف تلميذ، وله مؤلّفات اُخرى جليلة سوى البحار، وكانت ولادته عام 1037، ووفاته عام 1110 أو 1111 في اصفهان، وبها اليوم مرقده معروف يزار.

(2) هو العلامة الجليل الكبير سنّاً وأخلاقاً ميرزا محمّد الطهراني نزيل سامراء اليوم.

(3) الظاهر أنه البجلي الكوفي، الثقه الجليل، وقد روى عن الصادق والكاظم عليهما السلام، وله كتاب رواه عنه جماعة من أجلاء الرواة.

 

الفقه

إِن الفقه هو معرفة الأحكام الفرعيّة من الطهارات الى الديات، وهذه الأحكام مأخوذة من الأدلّة الأربعة واكثرها شرحاً وبسطاً - السنّة - وهي

{ 143 }

حديث الرسول وأهل بيته عند الشيعة، فكتُبُ الشيعة في الفقه مأخوذة من هذه الأدلّة الأربعة، واكثر السنّة حديثاً هو الحديث الصادقي، ولولا حديثه لأشكل على العلماء استنباط اكثر تلك الأحكام.

وما كان فقهاء الشيعة عيالاً عليه فحسب، بل أخذ كثير من فقهاء السنّة الذين عاصروه الفقه عنه، أمثال مالك وأبي حنيفة والسفيانين وأيوب وغيرهم، كما ستعرفه في بابه، بل ابن أبي الحديد في شرح النهج (1: 6) أرجع فقه المذاهب الأربعة اليه، وهذا الآلوسي في مختصر التحفة الاثني عشريّة ص 8 يقول: وهذا أبو حنيفة وهو بين أهل السنّة كان يفتخر ويقول بأفصح لسان: لولا السنّتان لهلك النعمان، يريد السنّتين اللتين صحب فيها الامام جعفر الصادق عليه السّلام لأخذ العلم.

فكان الحقّ أن يصبح أبو عبد اللّه عليه السّلام فقيه الاسلام الوحيد، وكفى من فقهه كثرة الرواية والرواة عنه، ومَن سَبر كتُبَ الحديث عرف كثرة الحديث الصادقي، وكثرة رواته وقد عاصره فقهاء كثيرون، فما بلغ رواة أحدهم ما بلغه رواته، وما أنفق في هذه السوق أحد مثلما أنفقه من علم وفقه، وما سئل عن شيء فتوقّف في جوابه.

إِن الفقه النظام العامّ للناس، ولا يُعرف الدين بسواه، ومن هنا أمر الصادق رجاله بالتفقّه في الدين فقال عليه السّلام:

«حديث في حلال وحرام تأخذه من صادق خير من الدنيا وما فيها من ذهب أو فضّة».

وقال عليه السلام: «لا يشغلك طلب دنياك عن طلب دينك فان طالب الدنيا ربّما أدرك وربّما فاتته فهلك بما فاته منها».

وقال حرصاً على التفقّه في الدين: «ليت السياط على رؤوس أصحابي

{ 144 }

حتى يتفقّهوا في الحلال والحرام».

وقال عليه السّلام: «تفقّهوا في الدين، فإنه من لم يتفقّه منكم فهو اعرابي»(1).

وسئل عن الحكمة في قوله تعالى: «ومن اوتي الحكمة فقد اوتي خيراً كثيراً»(2) فقال: «إِن الحكمة المعرفة والتفقّه في الدين»(3).

والفقيه عنده العارف بالحديث، فقال عليه السّلام: «اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنّا، فإنّا لا نعدّ الفقيه منهم فقيهاً حتّى يكون محدَّثاً»(4).

_____________________________

(1) بحار الأنوار: 1/215/19.

(2) البقرة: 269.

(3) بحار الأنوار: 1/215/25.

(4) بحار الأنوار: 2/82/1.

 

الأخلاق

إِن علم الأخلاق لم يكن بدء الأمر مبوّباً، وإِنما كانت الأخلاق تلتقط من تلك الآيات الكريمة التي جاء بها الكتاب الحكيم(5) ومن كلام سيّد الأنبياء وسيّد الأوصياء وأبنائهما الحكماء عليهم جميعاً سلام اللّه، وإِنما ابتدأ التأليف فيه عند الشيعة في اُخريات القرن الثاني من إسماعيل بن مهران بن أبي نصر السكوني وكان من أصحاب الرضا عليه السّلام وثقات الرواة وله كتاب صفة المؤمن والفاجر، ثمّ ألّف فيه من رجال القرن الثالث أبو جعفر أحمد بن محمّد بن خالد البرقي، وكان من ثقات الرواة وأبوه محمّد من أصحاب الرضا عليه السّلام

______________________________

(5) جمعت الشيء الكثير من الآيات الأخلاقيّة وعلّقت عليها موجزاً من البيان وسمّيته: القرآن تعليمه وإِرشاده.

{ 145 }

وثقات رواته، وكتاب أبي جعفر (المحاسن) من محاسن الكتب، وكانت وفاته عام 274 أو 280 في قم، ومن رجال هذا القرن المؤلّفين في الأخلاق الحسن بن علي بن شعبة، وكتابه تحف العقول وهو كتاب نفيس يشتمل على الحِكم والمواعظ والأخلاق لكل إِمام إِمام، ثمّ اتّسع التأليف في الأخلاق فكان من أفضله اُصول الكافي لثقة الاسلام الكليني طاب ثراه المتوفى عام 329، الذي جاهد طوال السنين في تأليف هذا الكتاب حتّى جعله منتخباً في أحاديثه وأسانيده، ولو ألقيت نظرة على كتبه وأبوابه لعرفت ما هي الأخلاق وما علم الصادق وأهل البيت في الأخلاق.

ولو أمعن الناظر في هذا الكتاب لعرف أن أفضل مصدر لعلم الأخلاق بعد الكتاب الحكيم كلام مَن كان على خلق عظيم، وكلام من ورثوا عنه كلّ علم وفضل، وسوف تجد صدق ذلك اذا قرأت المختار من كلام الصادق عليه السّلام في هذا الكتاب.

 

التفسير

كان في الحديث عن أهل البيت الذي أشرنا اليه موارد جمّة للتفسير حتّى أن بعض المفسّرين جعلوا تفسيرهم كلّه مبنيّاً على الحديث، واذا شئت أن تعرف شيئاً من كلام الصادق عليه السّلام في التفسير فدونك (مجمع البيان) فإنه قد أورد شيئاً من أحاديثه في تفسيره، وقد يشير الى رأي أهل البيت مستظهراً ذلك من حديثهم.

وأن هناك مؤلّفات عديدة في آيات الأحكام، وقد علّق عليها المؤلّفون ما جاء في تفسيرها والاشارة الى مفادها من طريق أهل البيت وأحاديثهم، والحديث الوارد عن سيّد الرسل في عدّة مقامات ومن عدّة طرق: «إني تارك

{ 146 }

فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي، ما إِن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً فإنهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» يعرّفنا مبلغ علمهم بالقرآن، وان في كلّ زمن عالماً منهم بالقرآن، وتشفع لهذا الحديث الأخبار الكثيرة الواردة عن أهل البيت في شأن علمهم بالقرآن، والصادق نفسه يقول: واللّه إِني لأعلم كتاب اللّه من أوّله الى آخره كأنه في كفّي، فيه خبر السماء وخبر الأرض، وخبر ما كان وخبر ما هو كائن، قال اللّه عزّ وجل «فيه تبيان كلّ شيء»(1).

ويفرج أصابعه مرّة اُخرى فيضعها على صدره ويقول: «وعندنا واللّه علم الكتاب كلّه»(2) الى كثير أمثال ذلك.

ولا بدّ في كلّ زمن من عالم بالقرآن الكريم على ما نزل، كما يشهد لذلك حديث الثقلين، ولأن القرآن إِمام صامت وفيه المحكم والمتشابه، والمجمل والمبيّن، والناسخ والمنسوخ، والعامّ والخاصّ، والمطلق والمقيّد، الى غير ذلك ممّا خفي على الناس علمه، وكلّ فرقة من الاسلام تدّعي أن القرآن مصدر اعتقادها وتزعم أنها وصلت الى معانيه واهتدت الى مقاصده وتأتي على ذلك بالشواهد، فالقرآن مصدر الفَرق بزعم أهل الفِرق، فمَن هو الحكَم الفصل ليردّ قوله وتفسيره شبه هاتيك الفِرق، ومزاعم هذه المذاهب ؟ وقد دلّ حديث الثقلين على أن علماء القرآن هم العترة أهل البيت خاصّة ومنهم يكون العالم به في كلّ عصر.

وفي عصره عليه السّلام اذا لم يكن هو العالم بالقرآن فمَن غيره ؟ ليس في الناس مَن يدّعي أن في أهل البيت أعلم من الصادق في عهده في التفسير أو في

______________________________

(1) يريد الاشارة الى قوله «ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكلّ شيء».

(2) الكافي: 1/229/5.

{ 147 }

سواه من العلوم.

 

علم الكلام

نعني من علم الكلام العلم الذي يبحث عن الوجود والوحدانيّة والصفات وما يلزم هذه المباحث من نبوّة وإِمامة ومعاد، وبالأدلّة العقليّة المبتنية على اُسس منطقيّة صحيحة، ولا نعني به علم الجدل الذي تاه فيه كثير من الناس لاعتمادهم فيه على خواطر توحيها اليهم نفوس ساقها الى الكلام حبّ الغلبة في المجادلة، دون أن يستندوا الى ركن وثيق أو يأخذوا هذا العلم من معدنه الصحيح.

وإِن جاء ذمّ على ألسنة الأحاديث للمتكلّمين فيعني بهم الذين تعلّموا الجدل للظهور والغلبة ولم يستقوا الماء من منبعه، ولم يعبأوا بما يجرّهم اليه الكلام من لوازم فاسدة، وأمّا الذين انتهلوه من مورده الروي وبنوه على اُسس صحيحة ودعائم وجدانيّة فإنهم ألسنة الحقّ وهداته ودعاة الايمان وأدلاؤه.

وإِن أوّل من برهن على الوجود ولوازم الوجود بالأدلّة العقليّة والآثار المحسوسة أمير المؤمنين عليه السّلام حتّى كاد أن يشكّ في تلك الخطب بعض مَن يجهل أو يتجاهل مقام أبي الحسن من العلم الربّاني بدعوى أن العلم على تلك الاُصول لم يكن معهوداً في ذلك الزمن، وليت شعري إِن لم يعترف هذا الجاهل بأن علم أبي الحسن إِلهامي يستقيه من المنبع الفيّاض فإنه لا يجهل ما قاله النبي صلّى اللّه عليه وآله فيه: أنا مدينة العلم وعليّ بابها.

ونسج على منوال أبي الحسن بنوه في هذا العلم فإنهم مازالوا يفيضون على الناس من علمهم الزاخر عن الوجود ولوازمه، وكيف يعبد الناس ربّاً لا يعرفونه ويطيعون نبيّاً يجهلونه ويتّبعون إِماماً لا يفقهون مقامه، فالمعرفة قبل كلّ علم

{ 148 }

وأفضل كلّ علم، يقول الصادق عليه السّلام: أفضل العبادة العلم باللّه(1).

وليس للسمع في تلك القواعد والاُصول مدخل، لأن التقليد في العقليّات لا يصحّ عند أرباب العقول.

بلى قد يجيء النقل دليل ولكنه من الارشاد الى حكم العقل، أو الاشارة الى الفطرة كما في قوله تعالى: «أفي اللّه شكّ فاطر السموات والأرض»(2) وأمثاله من القرآن المجيد، فإن هذه الآية الكريمة لم تحمّلك على القول بالوجود حتماً، بل لفتتك اليه من جهة الأثر ومشاهدته.

فاذا جاء عن الرسول وعترته أدلّة على هذه الاُصول فما كلامهم في هذا إِلا إِرشاد الى حكم العقل، فإنهم ما زالوا يدلّون على العقل ويهدون الى دلالته، وهذا الصادق نفسه يقول: العقل دليل المؤمن، ويقول: دعامة الانسان العقل، ويقول: لا يفلح من لا يعقل(3)، ولو قرأت ما أملاه الكاظم عليه السّلام على هشام بن الحكم في شأن العقل والعقلاء(4) لعرفت كيف عرفوا حقيقة العقل، ودلّوا عليه وحثّوا على الاستضاءة بنوره.

ولقد جاء في كلامهم الشيء الكثير من الاستدلال على هذه الاُصول، وهذا نهج البلاغة قد جمع من البراهين ما أبهر العقول وحيّر الألباب، كما جمعت كتب الحديث والكلام كثيراً من تلك الحجج، ومن تلك الكتب احتجاج الطبرسي، واُصول الكافي، وتوحيد الصدوق، والأوّل والثّاني من البحار، وفي كتبه الاُخرى التي يترجم فيها الأئمة عليهم السّلام ويذكر كلامهم طيّ

______________________________

(1) بحار الأنوار: 215/21.

(2) إبراهيم: 10.

(3) الكافي: 1/26/29.

(4) الكافي: 1/13/12.

{ 149 }

تراجمهم، الى نظائر هذه الكتب الجليلة.

ونحن الآن نوافيك بشيء ممّا جاء عن الصادق عليه السّلام في بعض هذه الاُصول.

 

الوجود والتوحيد

إِن للصادق عليه السّلام فصولاً جمّة في التدليل على وجوده ووحدانيّته تعالى، منها توحيد المفضّل، وهو الدروس التي ألقاها على المفضّل بن عمر الجعفي الكوفي أحد أصحابه الذين جمعوا بين العلم والعمل، ورسالته المسمّاة بالاهليلجة، المرويّة عن المفضّل أيضاً، غير أن التوحيد أخذه منه شفاهاً، والرسالة رواها مكاتبة وهاتان الرسالتان وإِن كانتا مقطوعتي السند غير أن البيان يفصح لك عن صدق النسبة، ولولا أن نخرج عن خطّتنا المرسومة لأتينا بهما جميعاً مع بعض التعاليق الوجيزة، غير أننا نأتي بشيء منهما لئلا يخلو هذا السفر من تلك العقود النفيسة.

 

توحيد المفضّل

سمع المفضّل ابن أبي العوجاء والى جانبه رجل من أصحابه في مسجد النبي صلّى اللّه عليه وآله وهما يتناجيان في ذكر النبي صلّى اللّه عليه وآله ويستغربان من حِكمته وحظوته، ثمّ انتقلا الى ذكر الأصل فأنكر وجوده ابن أبي العوجاء وزعم أن الاشياء ابتدأت بإهمال، فأزعج ذلك المفضّل فلم يملك نفسه غضباً وغيظاً، ثمّ أنحى عليه يسبّه، وبعد مناظرة جرت بينهما قام المفضّل ودخل على الصادق عليه السّلام، والحزن لائح على شمائله، يفكر فيما ابتلى به الاسلام وأهله من كفر هذه العصابة وتعطيلها، فسأله الصادق عليه السّلام عن شأنه

{ 150 }

حين رأى الانكسار بادياً على وجهه، فأخبره بما سمعه من الدهريّين، وبما ردّ عليهما به، فقال الصادق عليه السّلام: لألقينّ اليك من حِكمة الباري جلّ وعلا في خلق العالم والسباع والبهائم والطير والهوام وكلّ ذي روح من الأنعام، والنبات والشجرة المثمرة وغير ذات الثمر والحبوب والبقول المأكول وغير المأكول ما يعتبر به المعتبرون، ويسكن إِلى معرفته المؤمنون ويتحيّر فيه الملحدون فبكّر عليّ غداً.

حقّاً لقد ألقى الصادق عليه السّلام على المفضّل من البيان ما أنار به الحجّة وأوضح الشبهة، ولم يدع للشكّ مجالاً، وللشبهة سبيلاً، وأبدى من الكلام عن بدائع خلائقه، وغرائب صنائعه، ما تحار منه الألباب، وتندهش منه العقول، وأظهر من خفايا حِكمه ما لا يهتدي إِلا أمثاله ممّن اوتي الحِكمة وفصل الخطاب.

وكلّما حاولت أن أنتخب فصولاً خاصّة من تلك البدائع لم أطق، لأني أجدها كلّها منتخبة، وأن أقتطف من كلّ روضة زهرتها اليانعة لم أستطع لأني أراها كلّها وردة واحدة في اللون والعرف، فما رأيت إِلا أن أذكر من كلّ فصل أوّله، واشير إِلى شيء منه، والفصول أربعة:

- 1 -

قال عليه السّلام - بعد أن ذكر عمى الملحدين وأسباب شكّهم وتهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه وانتظامها -: نبتدئ يا مفضّل بذكر خلق الانسان فاعتبر به، فأوّل ذلك ما يدبر به الجنين في الرحم وهو محجوب في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة(1) حيث لا حيلة عنده في طلب

______________________________

(1) الثوب الذي يكون فيه الجنين.

{ 151 }

غذاه، ولا دفع أذى، ولا استجلاب منفعة، ولا دفع مضرّة، فإنّه يجري اليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغذو الماء النبات، فلا يزال ذلك غذاءه حتّى اذا كمل خلقه واستحكم بدنه، وقوي أديمه(1) على مباشرة الهواء وبصره على ملاقاة الضياء هاج الطلق باُمّه فأزعجه أشدّ إِزعاج وأعنفه حتّى يولد، واذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم اُمّه الى ثديها، فانقلب الطعم واللون الى ضرب آخر من الغذاء، وهو أشدّ موافقة للمولود من الدم، فيوافيه في وقت حاجته اليه، فحين يولد قد تلمّظ وحرّك شفتيه طلباً للرضاع، فهو يجد ثدي اُمّه كالأداوتين(2) المعلّقتين لحاجته اليه، فلا يزال يغتذي باللبن مادام رطب البدن رقيق الأمعاء ليّن الأعضاء، حتّى اذا تحرّك واحتاج الى غذاء فيه صلابة ليشتدّ ويقوى بدنه طلعت له الطواحن من الأسنان والأضراس، ليمضغ بها الطعام فيلين عليه وتسهل له إساغته، فلا يزال كذلك حتّى يدرك، فاذا أدرك وكان ذكراً طلع الشعر في وجهه فكان ذلك علامة الذكر وعِزّ الرجل الذي يخرج به من حدّ الصبي وشبه النساء، وإِن كانت اُنثى يبقى وجههاً نقيّاً من الشعر لتبقى لها البهجة والنضارة التي تحرّك الرجال لما فيه دوام النسل وبقاؤه.

إِعتبر يا مفضّل فيما يدبر الانسان في هذه الأحوال المختلفة، هل ترى يمكن أن يكون بالإهمال ؟ أفرأيت لو لم يجر اليه ذلك الدم وهو في الرحم، ألم يكن سيذوي ويجفّ كما يجفّ النبات اذا فقد الماء ؟ ولو لم يزعجه المخاض عند استحكامه، ألم يكن سيبقى في الرحم كالموؤد في الأرض ؟ ولو لم يوافقه اللبن مع ولادته، ألم يكن سيموت جوعاً أو يغتذي بغذاء لا يلائمه ولا يصلح عليه بدنه ؟

______________________________

(1) جلده.

(2) تثنية أداوة - بالكسر - إِناء صغير من جلد يتّخذ للماء.

{ 152 }

ولو لم تطلع عليه الأسنان في وقتها، ألم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام وإِساغته، أو يقيمه على الرضاع فلا يشدّ بدنه ولا يصح لعمل، ثمّ كان تشتغل اُمّه بنفسه عن تربية غيره من الأولاد ؟ ولو لم يخرج الشعر في وجهه في وقته، ألم يكن سيبقى في هيئة الصبيان والنساء، فلا ترى له جلالاً ولا وقاراً ؟ فمَن هذا الذي يرصده حتّى يوافيه بكلّ شيء من هذه المآرب إِلا الذي أنشأه خلقاً بعد أن لم يكن، ثمّ توكّل له بمصلحته بعد أن كان، فإن كان الإهمال يأتي بمثل هذا التدبير فقد يجب أن يكون العمد والتقدير يأتيان بالخطأ والمحال لأنهما ضدّ الإهمال، وهذا فظيع من القول وجهل من قائله، لأن الإهمال لا يأتي بالصواب، والتضادّ لا يأتي بالنظام، تعالى اللّه عمّا يقول الملحدون علوّاً كبيراً.

أقول: إِن الإهمال دوماً يأتي بالخطأ كما نشاهده عياناً، أرأيت لو وجّهت الماء الى الزرع وأهملت تقسيمه على الألواح أيسقي الألواح كلّها من دون خلل، أو إِذا نثرت البذر في الأرض من دون مناسبة أيخرج الزرع بانتظام، أو إِذا جمعت قطعاً من خشب وواصلتها بمسامير أتكون كرسيّاً أو باباً من دون تنسيق.

ثمّ قال عليه السّلام: ولو كان المولود يولد فهماً عاقلاً لأنكر العالم عند ولادته، ولبقي حيران تائه العقل إِذا رأى ما لم يعرف، وورد عليه ما لم يرَ مثله من اختلاف صور العالم من البهائم والطير إِلى غير ذلك ممّا يشاهده ساعة بعد ساعة ويوماً بعد يوم، واعتبر ذلك بأن من سبي من بلد إِلى بلد وهو عاقل يكون كالواله الحيران فلا يسرع في تعلّم الكلام وقبول الأدب كما يسرع الذي يسبى صغيراً غير عاقل، ثم لو ولِد عاقلاً كان يجد غضاضة إِذا رأى نفسه محمولاً مرضعاً معصّباً بالخرق مسجّى في المهد، لأنه لا يستغني عن هذا كلّه لرقّة بدنه ورطوبته حين يولد، ثمّ كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل، فصار يخرج الى الدنيا غبيّاً غافلاً عمّا فيه أهله فيلقى الأشياء بذهن ضعيف

{ 153 }

ومعرفة ناقصة ثمّ لا يزال يتزايد في المعرفة قليلاً قليلاً وشيئاً بعد شيء وحالاً بعد حال، حتّى يألف الأشياء ويتمرّن ويستمرّ عليها، فيخرج من حدّ التأمّل لها والحيرة فيها الى التصرّف والاضطراب في المعاش بعقله وحيلته والى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية، وفي هذا أيضاً وجوه اُخر فإنه لو كان يولد تامّ العقل مستقلاً بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد، وما قدر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة، وما يوجب التربية للآباء على الأبناء من المكافاة بالبّر والعطف عليهم عند حاجتهم الى ذلك منهم، ثمّ كان الأولاد لا يألفون آباءهم ولا يألف الآباء أبناءهم، لأن الأولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم فيتفرّقون عنهم حين يولدون، فلا يعرف الرجل أباه واُمّه ولا يمتنع من نكاح اُمّه واُخته وذوات المحارم منه إِذ لا يعرفهنّ، وأقلّ ما في ذلك من القباحة، بل هو أشنع وأعظم وأفظع وأقبح وأبشع لو خرج المولود من بطن اُمّه وهو يعقل أن يرى منها ما لا يحلّ له، ولا يحسر به أن يراه، أفلا ترى كيف اُقيم كلّ شيء من الخلقة على غاية الصواب وخلا من الخطأ دقيقه وجليله.

أقول: إِن بعض هذا البيان البديع من الامام عن تدرج الانسان في نموّه، ونموّه في أوقاته كافٍ في حكم العقل بأنّ له صانعاً صنعه عن علم وحِكمة وتقدير وتدبير.

ثمّ أن الصادق عليه السّلام جعل يذكر فوائد البكاء للأطفال من التجفيف لرطوبة الدماغ وأن في بقاء الرطوبة خطراً على البصر والبدن.

ثمّ ساق البيان الى جعل آلات الجماع في الذكر والاُنثى على ما يشاكل أحدهما الآخر، ثمّ ذكر أعضاء البدن والحِكمة في جعل كلّ منها على الشكل الموجود، وههنا يقول له المفضّل: يا مولاي إِن قوماً يزعمون أن هذا من فعل

{ 154 }

الطبيعة، فيقول له الامام: سلهم عن هذه الطبيعة أهي شيء له علم وقدرة على مثل هذه الأفعال، أم ليست كذلك ؟ فإن أوجبوا لها العلم والقدرة فما يمنعهم من إِثبات الخالق، فإن هذه صفته، وإِن زعموا أنها تفعل هذه الأفعال بغير علم ولا عمد وكان في أفعالها ما قد تراه من الصواب والحِكمة علم أن هذا الفعل للخالق الحكيم وأن الذي سمّوه طبيعة هو سنّة في خلقه الجارية على ما أجراه عليه.

أقول: انظر إِلى قول أهل الطبيعة فإنهم جروا على نسق واحد من عهد الصادق عليه السّلام إِلى اليوم، وكأنهم لم يتعقّلوا هذا الجواب القاطع لحججهم أو أغضوا عنه إِصراراً على العناد والجحود.

إِن الامام حصر الطبيعة بين اثنين لا ثالث لهما، وذلك لأنها إِمّا أن تكون ذات علم وحِكمة وقدرة، أو تكون خالية عن ذلك كلّه، فإن كان الأوّل فهي ما نثبته للخالق، ولا فارق إِذن بينهم وبيننا إِلا التسمية، وإِن كان الثاني كان اللازم أن تكون آثارها مضطربة لا تقدير فيها ولا تدبير شأن من لا يعقل ويبصر ويسمع في أفعاله، ولكننا نشاهد الآثار مبنيّة على العلم والحِكمة والقدرة والتقدير، فلا تكون إِذن من فعل الطبيعة العمياء الصمّاء وكانت الطبيعة غير اللّه العالم القادر المدبّر ولا تكون الطبيعة إِذن إِلا سنّته في خلقه، لا شيء آخر له كيان مستقلّ عن خالق الكون.

ثمّ أن الامام عليه السّلام عاد الى كلامه الأول فتكلّم عن وصول الغذاء الى البدن وكيفيّة انتقال صفوه من المعدة الى الكبد في عروق رقاق واشجة بينها قد جعلت كالمصفى للغداء، ثمّ صيرورته دماً ونفوذه الى البدن كلّه في مجار مهيّأة لذلك، ثمّ كيفيّة تقسيمه في البدن وبروز الفضلة منه، فكأنما الامام كان الطبيب النطاسي الذي لم يماثله أحد في الطب، والعالِم الماهر في التشريح الذي

{ 155 }

قضى عمره في عملية التشريح، بل كشف الامام في هذا البيان (الدورة الدموية) التي يتغنّى الغربيّون باكتشافها وقد سبقهم اليها بما يقارب اثني عشر قرناً.

ثمّ ساق كلامه الى نشوء الأبدان ونموّها حالاً بعد حال، وما شرّف اللّه به الانسان من الميزة في الخلقة على البهائم، ثمّ استطرد الكلام الى الحواسّ التي خصّ اللّه بها الانسان وفوائد جعلها على النحو الموجود، واختصاص كلّ منها بأثر لا تؤدّيه الثانية، وهكذا يفيضفي بيانه عن الأعضاء المفردة والمزدوجة والأسباب التي من أجلها جعلها على هذا التركيب، الى أن يطّرد في بيانه عمّا منحه الجليل من النِّعم في المطعم والمشرب، وما جعل فيه من التمايز في الخلقة حتّى لا يشبه أحد الآخر.

إِلى أن يقول عليه السّلام: لو رأيت تمثال الانسان مصوّراً على حائط فقال لك قائل: إِن هذا ظهر ههنا من تلقاء نفسه لم يصنعه صانع، أكنت تقبل ذلك ؟ بل كنت تستهزئ به، فكيف تنكر هذا في تمثال مصوّر جماد ولا تنكر في الانسان الحيّ الناطق.

أقول: ما أقواها حجّة، وأسماه بياناً، وأن كلّ ناظر فيه من أهل كلّ قرن يكاد أن يقول: إنه أتى به لأهل زمانه وقرنه في الحجّة والاسلوب لما يجده من ملائمة البيان والبرهان.

- 2 -

ثمّ أنه في اليوم الثاني أورد على المفضّل الفصل الثاني وهو في خلقة الحيوان فقال عليه السّلام: أبتدئ لك بذكر الحيوان ليتّضح لك من أمره ما وضح لك

{ 156 }

من غيره، فكّر في أبنية أبدان الحيوان وتهيئتها على ما هي عليه، فلا هي صلاب كالحجارة، ولو كانت كذلك لا تنثني ولا تتصرّف في الأعمال ولا هي على غاية اللين والرخاوة، فكانت لا تتحامل ولا تستقلّ بأنفسها، فجعلت من لحم رخو ينثني تتداخله عظام صلاب يمسكه عصب وعروق تشدّه وتضّم بعضه الى بعض، وعليت(1) فوق ذلك بجلد يشتمل على البدن كلّه.

ومن أشباه ذلك هذه التماثيل التي تعمل من العيدان وتلفّ بالخرق وتشدّ بالخيوط ويطلى فوق ذلك بالصمغ، فتكون العيدان بمنزلة العظام والخرق بمنزلة اللحم، والخيوط بمنزلة العصب والعروق، والطلاء بمنزلة الجلد، فإن جاز أن يكون الحيوان المتحرّك حدث بالإهمال من غير صانع، جاز أن يكون ذلك في هذه التماثيل الميّتة، فإن كان هذا غير جائز في التماثيل فبالحريّ ألا يجوز في الحيوان.

وفكّر بعد هذا في أجساد الأنعام فإنها خُلقت على أبدان الإنس من اللحم والعظم والعصب اُعطيت أيضاً السمع والبصر، ليبلغ الانسان حاجياته منها، ولو كانت عمياً صمّاً لما انتفع بها الانسان، ولا تصرّفت في شيء من مآربه، ثمّ منعت الذهن والعقل لتذلّ للانسان، فلا تمتنع عليه إِذا كدَّها الكدّ الشديد، وحملها الحمل الثقيل، فإن قال قائل: إِنه قد يكون للانسان عبيد من الإنس يذلّون ويذعنون بالكدّ الشديد وهم مع ذلك غير عديمي العقل والذهن، فيقال في جواب ذلك: إِن هذا الصنف من الناس قليل، فأمّا اكثر البشر فلا يذعنون بما تذعن به الدواب من الحمل والطحن وما أشبه ذلك، ولا يقومون بما يحتاجون اليه منه، ثمّ لو كان الناس يزاولون مثل هذه الأعمال بأبدانهم لشغلوا بذلك عن

______________________________

(1) غلفت في نسخة.

{ 157 }

سائر الأعمال، لأنه كان يحتاج مكان الجمل الواحد والبغل الواحد الى عدّة اناسي، فكان هذا العمل يستفرّغ الناس حتّى لا يكون فيهم عنه فضل لشيء من الصناعات، مع ما يلحقه من التعب الفادح في أبدانهم والضيق والكدّ في معاشهم.

ثمّ أنه عليه السّلام أخذ يذكر المميّزات، لكلّ نوع من الأنواع الثلاثة للحيوان وهي: الانسان، وآكلات اللحوم، وآكلات النبات، وما يقتضي كلّ نوع منها حاجته من كيفيّة الأعضاء والجوارح، فيأتيك بلطائف الحكمة، وبدائع القدرة، ومحاسن الطبيعة.

ويدلّك على الحكمة في جعل العينين في وجه الدابّة شاخصتين والفم مشقوقاً شقاً في أسفل الخطم(1) ولم يجعل كفم الانسان، الى غير ذلك من خصوصيّات الأعضاء والجوراح.

ويرشدك الى الفطنة في بعضها اهتداءً لمصلحة كامتناع الايل(2) الآكل للحيّات عن شرب الماء، لأن شرب الماء يقتله، واستلقاء الثعلب على ظهره ونفخ بطنه اذا جاع، حتّى تحسبه الطير ميّتاً، فإذا وقعت عليه لتنهشه وثب عليها، الى غيرهما من الحيوانات، فيقول الصادق عليه السّلام: مَن جعل هذه الحيلة طبعاً في هذه البهيمة لبعض المصلحة ؟

ثمّ أنه عليه السّلام تعرّض في كلامه للذرة والنملة والليث، وتسمّيه العامّة أسد الذباب وتمام خلقة الذرة مع صغر حجمها، والنملة وما تهتدي اليه لاقتناء قوتها، والليث وما يهتدي اليه في اصطياد الذباب، ثمّ يقول: فانظر الى هذه

______________________________

(1) بفتح وسكون، من الطائر منقاره ومن الدابة مقدم أنفها وفمها.

(2) كقنب وخلب وسيد: الوعل.

{ 158 }

الدويبة كيف جعل في طبعها ما لا يبلغه الانسان إِلا بالحيلة واستعمال الآلات، فلا تزدر بالشيء اذا كانت العبرة فيه واضحة كالذرة والنملة وما أشبه ذلك، فإن المعنى النفيس قد يمثل بالشيء الحقير فلا يضع منه ذلك، كما لا يضع من الدينار وهو ذهب أن يوزن بمثقال من حديد.

ثمّ أنه عليه السّلام استطرد ذكر الطائر وكيف خفّف جسمه وأدمج خلقه وجعل له جؤجؤاً ليسهل أن يخرق الهواء الى غير ذلك من خصوصيّات خلقته، والحكمة في خلق تلك الخصوصيّات، وهكذا يستطرد الحكمة في خصوصيّات خلقة الدجاجة، ثمّ العصفور، ثمّ الخفّاش، ثمّ النحل، ثمّ الجراد، وغيرها من صغار الطيور، وما جعله اللّه فيها من الطبائع والفطن والهداية لطلب الرزق، وما سوى ذلك ممّا فيها من بدائع الخلقة.

ثمّ استعرض خلق السمك ومشاكلته للأمر الذي قدر أن يكون عليه، ثمّ يقول عليه السّلام: فاذا أردت أن تعرف سعة حِكمة الخالق وقصر علم المخلوقين، فانظر الى ما في البحار من ضروب السمك ودواب الماء والاصداف والأصناف التي لا تحصى ولا تعرف منافعها إِلا الشيء بعد الشيء يدركه الناس بأسباب تحدث... إِلى آخر كلامه، وبه انتهى هذا الفصل.

أقول: ليس العجب من خالق أمثال هذه الذرة والدودة وأصناف الأسماك الغريبة، التي اختلفت اشكالها، وتنوّعت الحِكمة فيها وليس العجب ممّن يهتدي الى الحِكمة في كلّ واحد من تلك المصنوعات بعد وجودها وتكوينها، وإِنما العجب ممّن ينكر فاطر السموات والأرضين وما فيهنّ وبينهنّ مع اتقان الصنعة، وإِحكام الخلقة، وبداعة التركيب، ولو نظر الجاحد الى نفسه مع غريب الصنع وتمام الخلق لكان اكبر برهان على الوجد ووحدانيّة الموجود.

{ 159 }

- 3 -

ثمّ بكّر المفضّل في اليوم الثالث فقال له الصادق عليه السّلام: قد شرحت لك يا مفضّل خلق الانسان وما دبر به وتنقّله في أحواله وما فيه من الاعتبار وشرحت لك أمر الحيوان، وأنا ابتدئ الآن بذكر السماء والشمس والقمر والنجوم والفلك والليل والنهار والحرّ والبرد والرياح والمطر والصخر والجبال والطين والحجارة والمعادن والنبات والنخل والشجر وما في ذلك من الأدّلة والعبر.

فكّر في لون السماء وما فيه من صواب التدبير، فإن هذا اللون أشدّ الألوان موافقة وتقوية للبصر، حتّى أن من وصفات الأطباء لمن أصابه شيء أضرَّ ببصره إِدمان النظر الى الخضرة، وما قرب منها الى السواد، وقد وصف الحذّاق منهم لمن كلَّ بصره الأطلاع في إِجانة(1) خضراء مملوءة ماءً، فانظر كيف جعل اللّه جلّ وتعالى أديم السماء بهذا اللون الأخضر الى السواد، ليمسك الأبصار المنقلبة(2) عليه، فلا تنكأ(3) فيها بطول مباشرتها له، فصار هذا الذي أدركه الناس بالفكر والرويّة والتجارب يوجد مفروغاً عنه في الخلقة، حِكمة بالغة ليعتبر بها المعتبرون، ويفكّر فيها الملحدون قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون.

فكّر يا مفضّل في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كلّه، فلم يكن الناس يسعون في معايشهم، وينصرفون

______________________________

(1) بكسر وتشديد.

(2) المتقلّبة في نسخة.

(3) أي لا يحصل فيها جرح وتضرّر.

{ 160 }

في اُمورهم والدنيا مظلمة عليهم ولم يكن يتهنَّون بالعيش مع فقدهم لذَّة النور وروحه، والارب في طلوعها ظاهر مستغن بظهوره عن الاطناب في ذكره، والزيادة في شرحه، بل تأمّل المنفعة في غروبها، فلولا غروبها لم يكن للناس هدوء ولا قرار مع عظم حاجتهم الى الهدوء والراحة لسكون أبدانهم، ووجوم(1) حواسهم، وانبعاث القوّة الهاضمة لهضم الطعام وتنفيذ الغذاء الى الأعضاء، ثمّ كان الحرص يستحملهم من مداومة العمل ومطاولته على ما يعظم نكايتة في أبدانهم، فإن كثيراً من الناس لولا جثوم(2) هذا الليل لظلمته عليهم لم يكن لهم هدوء ولا قرار حرصاً على الكسب والجمع والادّخار، ثمّ كانت الأرض تستحمي(3) بدوام الشمس ضياءها، وتحمي كلّ ما عليها من حيوان ونبات فقدّرها اللّه بحكمته وتدبيره تطلع وقتاً وتغرب وقتاً، بمنزلة سراج يرفع لأهل البيت تارة ليقضوا حوائجهم ثمّ يغيب عنهم مثل ذلك ليهدأوا ويقرّوا، فصار النور والظلمة مع تضادّهما منقادين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه.

إِلى أن يقوم عليه السّلام في آخر هذا الفصل: فكّر في هذه العقاقير وما خصّ بها كلّ واحد منها من العمل في بعض الأدواء، فهذا يغور في المفاصل فيستخرج الفضول مثل الشيطرج(4) وهذا ينزف المرّة السوداء مثل الافتيمون(5) وهذا ينفي الرياح مثل السكبينج(6) وهذا يحلّل الأورام وأشباه هذا من أفعالها،

______________________________

(1) سكوت.

(2) جثوم الليل: انتصافه.

(3) تشتدّ حرارتها.

(4) بكسر الشين وفتح الطاء، انظر شرحه في تذكرة الأنطاكي 1/153.

(5) يقول الأنطاكي في التذكرة 1/45: يوناني معناه دواء الجنون.

(6) بفتح السين وسكون الكاف، انظره في التذكرة: 1/173.

{ 161 }

فمَن جعل هذه القوى فيها إِلا من خلقها للمنفعة، ومَن فطن الناس بها إِلا من جعل هذا فيها.

إِلى أن يقول: واعلم أنه ليس منزلة الشيء على حسب قيمته بل هما قيمتان مختلفتان بسوقين، وربّما كان الخسيس في سوق المكتسب نفيساً في سوق العلم، فلا تستصغر العبرة في الشيء لصغر قيمته، فلو فطن طالِبو الكيمياء لما في العذرة لاشتروها بأنفس الأثمان وغالوا بها.

- 4 -

ثمّ أن المفضّل بكّر اليه في اليوم الرابع، فقال له الصادق عليه السّلام:

يا مفضّل قد شرحت لك من الأدلّة على الخلق والشواهد على صواب التدبير والعمد في الانسان والحيوان والنبات والشجر وغير ذلك ما فيه عبرة لمن اعتبر، وأنا أشرح لك الآن الآفات الحادثة في بعض الأزمان التي اتخذها اُناس من الجهّال ذريعة الى جحود الخالق والخلق والعمد والتدبير، وما انكرت المعطّلة والمانويّة من المكاره والمصائب، وما أنكروه من الموت والفناء، وما قاله أصحاب الطبائع، ومن زعم أن كون الأشياء بالعرض والاتفاق ليتّسع ذلك القول في الردّ عليهم، قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون.

إِتخذ اُناس من الجهّال هذه الآفات الحادثة في بعض الأزمان كمثل الوباء واليرقان والبرد والجراد ذريعة الى جحود الخلق والتدبير والخالق، فيقال في جواب ذلك: إِنه إِن لم يكن خالق ومدبّر فلِم لا يكون ما هو اكثر من هذا وأفظع ؟ فمن ذلك أن تسقط السماء على الأرض وتهوي الأرض فتذهب سفلاً، وتتخلّف الشمس عن الطلوع أصلاً، وتجفّ الأنهار والعيون حتّى لا يوجد ماء

{ 162 }

للشفة، وتركد الريح حتّى تحمّ الأشياء وتفسد، ويفيض ماء البحر على الأرض فيغرقها.

ثمّ هذه الآفات التي ذكرناها من الوباء والجراد وما أشبه ذلك ما بالها لا تدوم وتمتدّ حتّى تجتاج كلّ ما في العالم بل تحدث في الأحايين ثمّ لا تلبث أن ترفع ؟ أفلا ترى أن العالم يصان ويحفظ من تلك الأحداث الجليلة، التي لو حدث عليه شيء منها كان فيه بواره، ويلدغ أحياناً بهذه الآفات اليسيرة لتأديب الناس وتقويمهم، ثمّ لا تدوم هذه الآفات بل تكشف عنهم عند القنوط منهم، فيكون وقوعها بهم موعظة، وكشفها عنهم رحمة ؟ وقد أنكرت المعطّلة ما انكرت المانويّة من المكاره والمصائب التي تصيب الناس فكلاهما يقول إِن كان للعالم خالق رؤوف رحيم فلِم يُحدث فيه هذه الاُمور المكروهة ؟ والقائل بهذا القول يذهب به الى أنه ينبغي أن يكون عيش الانسان في هذه الدنيا صافياً من كلّ كدر، ولو كان هكذا كان الانسان يخرج من الأشرّ والعتوّ الى ما لا يصلح في دين ودنيا، كالذي ترى كثيراً من المترفين ومن نشأ في الجدة والأمن يخرجون اليه، حتّى أن أحدهم ينسى أنه بشر أو أنه مربوب أو أن ضرراً يمسّه أو أن مكروهاً ينزل به أو أنه يجب عليه أن يرحم ضعيفاً أو يواسي فقيراً أو يرثي لمبتلى أو يتحنّن على ضعيف أو يتعطّف على مكروب، فاذا عضّته المكاره ووجد مضضها اتّعظ وأبصر كثيراً ممّا كان جهله وغفل عنه، ورجع الى كثير ممّا كان يجب عليه، والمنكرون لهذه الأدوية المؤذية بمنزلة الصبيان الذين يذمّون الأدوية المرّة البشعة، ويتسخّطون من المنع من الأطعمة الضارّة ويتكرّهون الأدب والعمل، ويحبّون أن يتفرغوا للّهو والبطالة وينالوا كلّ مطعم ومشرب، ولا يعرفون ما تؤدّيهم اليه البطالة من سوء النشو والعادة، وما تعقبهم الأطعمة اللذيذة الضارّة من الأدواء والأسقام، وما لهم في الأدب من الصلاح،

{ 163 }

وفي الأدوية من المنفعة، وإِن شاب ذلك بعض المكاره.

أقول: وعلى هذا ومثله مثّل الصادق عليه السّلام أقوال اولئك الملحدين في شأن الآفات وأجاب عنها بنير البرهان، الى أن انتهى في البيان إِلى ذات الخالق تعالى في شبه الملحدين، فقال: وأنه كيف يكلّف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللطيف ولا يحيط به.

فيقول في الجواب: إنما كلّف العباد من ذلك ما في طاقتهم أن يبلغوه وهو أن يوقنوا به ويقفوا عند أمره ونهيه، ولم يكلّفوا الإحاطة بصفته، كما أن الملِك لا يكلّف رعيّته أن يعلموا أطويل هو أم قصير، أَبيض هو أم أسمر وإِنما يكلّفهم الإذغان بسلطانه والانتهاء الى أمره، ألا ترى أن رجلاً لو أتى الى باب الملك فقال: اعرض عليّ نفسك حتّى أتقصّى معرفتك وإِلا لم أسمع لك، كان قد أحلّ نفسه العقوبة، فكذا القائل أنه لا يقرّ بالخالق سبحانه حتّى يحيط بكنهه متعرّض لسخطه.

أقول: وعلى مثل هذا البديع من البيان، والساطع من البرهان، أتمَّ الصادق عليه السّلام دروسه التي ألقاها على المفضّل بن عمر، فقال في آخر كلامه: يا مفضّل خذ ما آتيتك وكن من الشاكرين، ولآلائه من الحامدين، ولأوليائه من المطيعين، فقد شرحت من الأدلّة على الخلق والشواهد على صواب التدبير والعمد قليلاً من كثير وجزءاً من كلّ، فتدبّره وفكّر فيه واعتبر به.

يقول المفضّل: فانصرفت من عند مولاي بما لم ينصرف أحد بمثله(1).

______________________________

(1) طبع هذا التوحيد المعروف بتوحيد المفضّل عدّة مرّات ورواه في بحار الأنوار 20/ 17 - 47 وكانت الطبعات كلّها غير خالية من الغلط المطبعي، فكان النقل عنه بعد التدبّر والتطبيق، وأصحّها طبعاً ما طبع في المطبعة الحيدريّة في عام 1369 هجري. والشواهد على نسبة هذا التوحيد الى الصادق عليه السّلام كثيرة ليس هذا محلّ ذكرها.

{ 164 }

أقول: حقيق بأن يغتنم أرباب المعارف جلائل هذه الحِكم كما اغتنمها المفضّل، فقد أوضح فيها أبو عبد اللّه من حِكم الأسرار وأسرار الحِكم ما خفي على الكثير علمه وصعب على الناس فهمه.

وهذه الدروس كما دلّتنا على الحكيم في صنائعه تعالى أرشدتنا الى إِحاطته عليه السّلام بفلسفة الخلقة، بل تراه في هذه الدروس فيلسوفاً إِلهيّاً، وعالماً كلامياً، وطبيباً نطاسيّاً، ومحلّلاً كيمياويّاً، ومشرّحاً فنّيّاً، وفنّاناً في الزراعة والغرس، وعالماً بما بين السماء والأرض من مخلوقاته، وقادراً على التعبير عن أسرار الحِكم في ذلك الخلق.

 

الإهليلجة

سميّ هذا التوحيد بالاهليلجة لأن الصادق عليه السّلام كان مناظراً فيه لطبيب هندي في إهليلجة كانت بيد الطبيب، وذلك أن المفضّل بن عمر كتب الى الصادق عليه السّلام يخبره أن أقواماً ظهروا من أهل هذه الملّة يجحدون الربوبيّة ويجادلون على ذلك، ويسأله أن يردّ عليهم قولهم ويحتجّ عليهم فيما ادّعوا بحسب ما احتجّ به على غيرهم.

فكتب اليه الصادق فيما كتب: وقد وافاني كتابك ورسمت لك كتاباً كنت نازعت فيه بعض أهل الأديان من أهل الإنكار، وذلك أنه كان يحضرني طبيب من بلاد الهند، وكان لا يزال ينازعني في رأيه ويجادلني عن ضلالته، فبينا هو يوماً يدقّ إهليلجة ليخلطها دواءً احتجت اليه من أدويته إِذ عرض له شيء

{ 165 }

من كلامه الذي لم يزل ينازعني فيه، من ادّعائه أن الدنيا لم تزل ولا تزال شجرة تنبت واُخرى تسقط، ونفس تولد واُخرى تتلف، وزعم أن انتحالي المعرفة للّه دعوى لا بيّنة عليها ولا حجّة لي فيها، وأن ذلك أمر أخذه الآخر عن الأول والأصغر عن الأكبر، وأن الأشياء المختلفة والمؤتلفة والباطنة والظاهرة إِنما تعرف بالحواسّ الخمس: النظر والسمع والشمّ والذوق واللمس، ثمّ قاد منطقه على الأصل الذي وضعه، فقال: لم يقع شيء من حواسّي على خالق يؤدّي الى قلبي إِنكار اللّه تعالى.

ثمّ قال: أخبرني بم تحتجّ في معرفة ربّك الذي تصف قدرته وربوبيّته وإِنما يعرف القلب الأشياء كلّها بالدلالات التي وصفت لك ؟

قلت: بالعقل الذي في قلبي، والدليل الذي أحتجّ في معرفته، قال: فأنّى يكون ما تقول وأنت تعرف أن القلب لا يعرف شيئاً بغير الحواس، فهل عاينت ربّك ببصر، أو سمعت صوته باُذن، أو شممته بنسيم، أو ذقته بفم، أو مسسته بيد، فأدّى ذلك المعرفة الى قلبك ؟

قلت: أرأيت اذا أنكرت اللّه وجحدته لأنك زعمت أنك لا تحسّه بحواسك التي تعرف بها الأشياء وأقررتُ أنا به هل بدّ من أن يكون أحدنا صادقاً، والآخر كاذباً، قال: لا، قلت: أرأيت إِن كان القول قولك، فهل تخاف عليّ شيء ممّا اُخوّفك به من عقاب اللّه، قال: لا، قلت: أفرأيت إِن كان كما أقول والحقّ في يدي، ألست قد أخذت فيما كنت اُحاذر من عقاب اللّه بالثقة، وإِنك قد وقعت بجحودك وإنكارك في الهلكة، قال: بلى، قلت: فأيّنا أولى بالحزم وأقرب من النجاة، قال: أنت، إِلا أنك من أمرك على ادّعاء وشبهة وأنا على يقين وثقة، لأني لا أرى حواسّي الخمس أدركته، وما لم تدركه حواسّي فليس عندي بموجود، قلت: إِنه لمّا عجزت حواسّك عن إِدراك اللّه أنكرته، وأنا لمّا

{ 166 }

عجزت حواسّي عن إِدراك اللّه صدّقت به، قال: وكيف ذلك ؟ قلت: لأن كلّ شيء جرى فيه أثر التركيب لجسم أو وقع عليه بصر للون(1) فما أدركته الأبصار ونالته الحواس فهو غير اللّه سبحانه لأنه لا يشبه الخلق ولا يشبهه الخلق، وأن هذا الخلق ينتقل بتغيير وزوال، وكلّ شيء أشبه التغيير والزوال فهو مثله، وليس المخلوق كالخالق، ولا المحدَث كالمحدِث(2).

ثمّ أن الصادق عليه السّلام قال: قلت له: أخبرني هل أحطت بالجهات كلّها وبلغت منتهاها ؟ قال: لا، قلت: فهل رقيت الى السماء التي ترى، أو انحدرت الى الأرض السفلى فجلت في أقطارها ؟ أو هل خضت في غمرات البحور واخترقت نواحي الهواء فيما فوق السماء أو تحتها الى الأرض وما أسفل منها، فوجدت ذلك خلاء من مدبّر حكيم عالم بصير ؟ قال: لا، قلت: فما يدرك لعلّ الذي انكره قلبك هو في بعض ما لم تدركه حواسّك ولم يحط به علمك، قال: لا أدري لعلّ في بعض ما ذكرت مدبّرا وما أدري لعلّه ليس في شيء من ذلك شيء.

أقول: ربّما يتوهّم بأن في كلام الصادق هذا إِشعاراً بالتجسيم لأنه جوّز أن يكون في جهة معيّنة وهو من شؤون الجسم، ولكن ذلك كان منه إنكاراً على الطبيب الذي يريد أن يستدلّ على عدم الوجود بعد الوجدان، وإِنما أراد الصادق أن يكذّب دعواه بعدم الوجدان فيورد عليه احتمال وجوده في جهة لم يصل اليها الطبيب، وأن احتمال وجوده في جهة كافٍ في ردّ دعواه بعدم الوجدان، وهذا من باب الإلزام للخصم وإِبطال حجّته لا من باب إِثبات وجوده في جهة، وقد

______________________________

(1) اللام في لجسم وللون لام الابتداء المفتوحة وجسم ولون خبر أن.

(2) الأول اسم مفعول وهو بفتح الدال والثاني بكسره وهو اسم فاعل.

{ 167 }

سبق من كلامه إِنكار إِدراكه بالحواس، والمثبت في جهة خاصّة مدرك بالحواس.

ثمّ قال الصادق عليه السّلام: قلت: أما إِذ خرجت من حدّ الإنكار الى منزلة الشكّ فإني أرجو أن تخرج الى المعرفة، قال: فإنما دخل عليّ الشكّ لسؤالك إيّاي عمّا لم يحط به علمي، ولكن من أين يدخل عليّ اليقين بما لم تدركه حواسّي ؟ قلت: من قِبل إهليلجتك هذه، قال: ذاك إِذن أثبت للحجّة، لأنها من آداب الطبّ الذي اذعن بمعرفته.

ثمّ أن الصادق عليه السّلام صار يلقي عليه الأسئلة عمّا يخصّ الاهليلجة من كيفيّة صنعتها، ومن وجود أمثالها في الدنيا، والطبيب يراوغ في الجواب حذراً من الالتزام بالصنعة الدالّة على الصانع، الى أن ألزمه بما لا يجد محيصاً من الاعتراف به وهو أنها خرجت من شجرة.

ثمّ قال الصادق: أرأيت الاهليلجة قبل أن تعقد، إِذ هي في قمعها ماء بغير نواة ولا لحم ولا قشر ولا لون ولا طعم ولا شدّة، قال: نعم، قال الصادق عليه السّلام: قلت له: أرأيت لو لم يرقق الخالق ذلك الماء الضعيف الذي هو مثل الخردلة في القلّة والذلّة ولم يقوّه بقوّته ويصوّره بحكمته ويقدّره بقدرته، هل كان ذلك الماء يزيد على أن يكون في قمعه غير مجموع بجسم ولا قمع وتفصيل، فإن زاد زاد ماءً متراكباً غير مصوّر ولا مخطّط ولا مدبّر بزيادة أجزاء ولا تأليف أطباق.

قال: أريتني من تصوير شجرتها وتأليف خلقتها وحمل ثمرتها وزيادة أجزائها وتفصيل تركيبها أوضح الدلالات وأظهر البيّنات على معرفة الصانع، ولقد صدقت بأن الأشياء مصنوعة، ولكني لا أدري لعلّ الاهليلجة والأشياء صنعت نفسها.

{ 168 }

ثمّ أن الصادق عليه السّلام أثبت له أنها مصنوعة لغيرها، لسبقها بالعدم ولأن صنعتها تدلّ على أن صانعها حكيم عالم، الى غير ذلك من البراهين.

ثمّ ما زال الصادق يسايره في الكلام، ومحور الكلام الاهليلجة، إِلى أن أرغمه الدليل على الاعتراف بالصانع الواحد، بعد أن صار كلامهما إِلى النجوم والمنجّمين.

ثمّ صار الصادق يدلي عليه بالبيان عن تلك العلامات على ذلك الصانع الواحد، والدلالات على ذلك الحكيم القدير والعالم البصير، من مصنوعاته من السماء والأرض والشجر والنبات والأنعام وغيرها وكيفيّة دلالتها عليه.

ثمّ أخذ في بيان صفاته من اللطف والعلم والقوّة والسمع والبصر والرأفة والرحمة والإرادة(1).

أقول: وما حداني على الاشارة الى مواضع هذه الرسالة دون إيرادها إِلا رعاية الإيجاز، على أن هذه الرسالة جمعت فنوناً من العلم الى قوّة الحجّة وجَودة البيان، وما كان محور المناظرة فيها إِلا اهليلجة، وهي من أضعف المصنوعات، وأصغرها جرماً وشأناً.

_____________________________

(1) بحار الانوار: 3/ 152 - 170.

 

موجز براهينه على الوجود والوحدانيّة

تعرف المواهب الغزيرة من المقدرة في البيان، فبينا تجده يطنب في الدليل كما في توحيد المفضل وغيره إِذ تراه يأتي بأوجز بيان في البرهان مع الوفاء بالقصد، وذلك حين يُسأل عن الدليل على الخالق فيقول عليه السلام: ما بالناس من حاجة(2).

______________________________

(2) تحف العقول.

{ 169 }

أقول: ما أوجزها كلمة، واكبرها حجّة، فإنّا نجد الناس في حاجة مستمرّة في كلّ شأن من شؤون الحياة، وهذه الحاجة تدلّ على وجود مآل لهم في حوائجهم غنيّ عنهم بذاته، وأن ذلك المآل واحد، إِلا لاختلف السير والنظام.

ويسأله مرّة هشام بن الحكم بقوله: ما الدليل على أن اللّه تعالى واحد ؟ فيقول عليه السّلام: اتّصال التدبير، وتمام الصنع(1).

أقول: إِن كلّ واحدة من هاتين الكلمتين تصلح لأن تكون دليلاً برأسه، وذلك لأن اتّصال التدبير شاهد على وحدانيّة المدبّر، إِذ لو كان اثنين أو اكثر لكان الخلاف بينهما سبباً لحدوث فترة أو تضارب، فلا يكون التدبير متّصلاً، والتقدير دائماً، كما أن تمام الصنعة في الخلقة دائماً شاهد آخر على الوحدانيّة، لأن استمرار الإتفاق في الاثنين مع التكافؤ في كلّ شأن لا يكون أبداً، كما نشاهده في الذين يديرون دولاب البلاد، فإن حصل اختلاف ولو برهة فسد المخلوق، فأين تمام الصنع ؟ فالتمام دليل الوحدة أيضاً.

ويسأله أبو شاكر الديصاني بقوله: ما الدليل على أن لك صانعاً ؟ فيقول عليه السّلام: وجدت نفسي لا تخلو من إِحدى جهتين إِمّا اكون صنعتها أنا أو صنعها غيري، فإن كنت صنعتها فلا أخلو من إِحدى جهتين إِمّا أنّ اكون صنعتها وكانت موجودة فقد استغنت بوجودها عن صنعتها، وإِن كانت معدومة فإنك تعلم أن المعدوم لا يحدث شيئاً، فقد ثبت المعنى الثالث أن لي صانعاً وهو ربّ العالمين، فقام وما أحار جواباً(2).

وسأل الصادق مرّة ابن أبي العوجاء فقال له: أمصنوع انت أم غير مصنوع ؟

______________________________

(1) توحيد الصدوق: باب الردّ على الثنويّة والزنادقة ص 243.

(2) التوحيد: باب أنه عزّ وجل لا يُعرف إِلا به.

{ 170 }

فقال له ابن أبي العوجاء: أنا غير مصنوع، فقال له الصادق عليه السلام: فصف لي لو كنت مصنوعاً كيف كنت تكون؟ فبقي مليّاً لا يحير جواباً وولع بخشبة كانت بين يديه وهو يقول: طويل عريض عميق قصير متحرّك ساكن، كلّ ذلك من صفة خلقه، فقال له الصادق عليه السّلام: فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة من غيرها فاجعل نفسك مصنوعاً لما تجد في نفسك ممّا يحدث من هذه الاُمور، فقال ابن أبي العوجاء: سألتني عن مسألة لم يسألني أحد عنها قبلك، ولا يسألني أحد بعدك عن مثلها(1).

أقول: إِن إِثبات هذه العوارض على الانسان لكونه مصنوعاً ظاهر، لأن طوله بعد القصر واختلافه في العمق والعرض آناً بعد آخر، وسكونه مرّة وحركته اُخرى أحداث دلّت على وجوده بعد العدم ومصنوعيّته بعد أن لم يكن، ولا بدّ للمصنوع من صانع وللمخلوق من خالق.

______________________________

(1) توحيد الصدوق: باب إثبات حدوث العالم.

 

نفي التجسيم

لعلّ شبهة التجسيم جاءت من قبل بعض الزنادقة فدخلت في بعض معتقدات أهل الآراء والمذاهب من المسلمين، الذين يجمدون في الدين على الظواهر، فإن أهل الزندقة لما خابوا في الدعوة الى التعطيل والإلحاد أفلحوا في دسّ هذه الشبهة، لأنّا نجد الكلام عنها كثيراً في ذلك العصر، ونقرأ الكثير عنها في الأسئلة التي توجّه الى الإمام، فمن ذلك قوله في الجواب عن هذه الشبهة:

إِن الجسم محدود متناه، والصورة محدودة متناهية، فاذا احتمل الحدّ احتمل الزيادة والنقصان، واذا احتمل الزيادة والنقصان كان مخلوقاً.

{ 171 }

قال السائل: فما أقول ؟ قال عليه السّلام: لا جسم ولا صورة وهو مجسّم الأجسام، ومصوّر الصور، لم يتجزّأ ولم يتناه، ولم يتزايد ولم يتناقص، لو كان كما يقولون لم يكن بين الخالق والمخلوق فرق، ولا بين المنشئ والمنشأ، لكن هو المنشئ فرّق بين جسمه وصوره وأنشأه، إِذ لا يشبهه شيء ولا يشبه هو شيئاً(1).

أقول: كاد أن يسيل هذا البيان رقّة ولطفاً مع قوّة الحجّة ومتانة التركيب وقد أغنى بوضوحه عن ايضاحه.

وقال مرّة اُخرى: فمن زعم أن اللّه في شيء أو على شيء أو يحول من شيء الى شيء أو يخلو منه شيء أو يشتغل به شيء فقد وصفه بصفة المخلوقين واللّه خالق كلّ شيء لا يقاس بالقياس، ولا يشبّه بالناس، لا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان، قريب في بُعده بعيد في قربه، ذلك اللّه ربّنا لا إِله غيره(2).

أقول: ما أبدع هذا الوصف منه عليه السّلام، وما أدقّ معنى قوله «قريب في بُعده بعيد في قربه» ويحتاج إِدراكه الى لطف فريحة وفطرة ثانية.

وما اكثر ما جاء عنه عليه السّلام في هذا المعنى ونجتزي عنه بهذا القدر. وممّا يجب أن يعلم أن نفي الجسم والصورة عنه - تقدّست ذاته - ممّا يقتضيه حكم العقل، وقد استوفت البيان عن كتب الكلام، وأن النبي وأهل بيته عليهم السّلام جميعاً أجمعوا على هذا التنزيه إِرشاداً الى حكم العقل، وما اكثر ما جاء عن سيّد الرسل صلّى اللّه عليه وآله من البيان عن هذا التنزيه، ومن التأويل لما جاء ظاهراً في التجسيم من التنزيل، أمثال قوله تعالى: «على العرش

______________________________

(1) الكافي: باب النهي عن الجسم والصورة، وتوحيد الصدوق: باب أنه ليس بجسم ولا صورة.

(2) بحار الأنوار: 3/287/2.

{ 172 }

استوى» وقوله «يد اللّه فوق أيديهم» وقوله: «فثم وجه اللّه» وغيرها، ولولا أن نخرج عن الصدد لوافيناك ببعض كلامه، بيد أننا نذكر كلمة واحدة فحسب وهو ما يروى عن ابن عباس، قال: قدم يهودي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقال له نعثل فقال: يا محمّد إني أسألك عن أشياء تلجلج في صدري مند حين، فإن أنت أجبتني عنها أسلمت على يدك، قال: سل يا أبا عمارة، فقال: يا محمّد صف لي ربّك، فقال صلّى اللّه عليه وآله: إِن الخالق لا يوصف إِلا بما وصف به نفسه، وكيف يوصف الخالق الذي تعجز الحواسّ أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحدّه، والأبصار عن الاحاطة به جلّ عمّا يصفه الواصفون، نأى في قربه، وقرب في نأيه، كيّف الكيفيّة فلا يقال له كيف، وأيّن الأين فلا يقال له أين، فهو الأحد الصمد، كما وصف نفسه، والواصفون لا يبلغون نعته، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

قال: صدقت يا محمّد، أخبرني عن قولك: أنه واحد لا شبيه له، أليس اللّه واحداً والانسان واحداً، فوحدانيّته أشبهت وحدانيّة الانسان، فقال صلّى اللّه عليه وآله: اللّه واحد واحديّ المعنى، والانسان ثنويّ المعنى، جسم وعرض وبدن وروح، فإنما التشبيه في المعاني لا غير، قال: صدقت يا محمّد(1).

أقول: فهذه الكلمة من الرسول صلّى اللّه عليه وآله صريحة في تنزيهه تعالى عمّا يشابه الخليقة في الذات والصفات، والقرآن ينادي بفصيحه في ذلك التنزيه بأمثال قوله تعالى: «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار»(2) فليت شعري أما يكفي في تأويل هاتيك الآيات الظاهرة مثل هذه الآيات الصريحة،

______________________________

(1) بحار الأنوار: 3/303/40.

(2) الأنعام: 103.

{ 173 }

ومثل كلام الرسول السالف، ومثل ما جاء عنه وعن آله في تفسير تلك الظواهر، ومن ورائها جميعاً حكم العقل بنزاهته تعالى عن مشابهة الحوادث ومجانسة الممكنات.

ولا أدري كيف نفث ذلك السحر فأعمى بعض الأبصار والبصائر، فجعل ناساً من الأوائل يخبطون خبط عشواء في التوحيد ؟

 

صفات الحدوث

إِن هناك صفات تستلزم الحدوث مثل المكان والزمان والكيف والحيث والحركة والانتقال، وما سواها، فقد يتوهّم بعضهم من ظاهر بعض الآيات هذه الصفات اللازمة للجسميّة، فكان الصادق عليه السّلام يدفع أمثال هذه التوهّمات ببالغ حجّته، كما توهّم بعضهم أنه تعالى جسم من قوله جلّ شأنه في كتابه المجيد «ما يكون من نجوى ثلاثة إِلا هو رابعهم ولا خمسة إِلا هو سادسهم»(1) الآية، فقال الصادق عليه السّلام في جوابه: هو واحد واحديّ الذات بائن من خلقه، وبذلك وصف نفسه، وهو بكلّ شيء محيط بالإشراف والإحاطة والقدرة، لا يعزب عنه ذرّة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر ولا اكبر، بالاحاطة والعلم لا بالذات، لأن الأماكن عنده محدودة تحويها حدود أربعة، فإذا كان بالذات لزمها الحواية(2).

وأجاب عليه السّلام آخر بأوجز من هذا البيان فقال: من زعم أن اللّه تعالى من شيء فقد جعله محدثاً، ومن زعم أنه في شيء فقد جعله محصوراً، ومن زعم أنه

______________________________

(1) المجادلة: 7.

(2) التوحيد: باب الحركة والانتقال.

{ 174 }

على شيء فقد جعله محمولاً(1).

وسأله محمّد بن النعمان عن قوله تعالى: «وهو اللّه في السموات وفي الأرض»(2) فقال الصادق عليه السّلام: كذلك هو في كلّ مكان، قال: بذاته ؟ قال عليه السّلام: ويحَك إِن الأماكن أقدار فاذا قلت في مكانه بذاته لزمك أن تقول في أقدار وغير ذلك، ولكن هو بائن من خلقه محيط بما خلق علماً وقدرةً وإحاطةً وسلطاناً، وليس علمه بما في الأرض بأقلّ ممّا في السماء، لا يبعد منه شيء، والأشياء له سواء علماً وقدرةً وسلطاناً وملكاً وإحاطةً(3).

وسأله سليمان بن مهران الأعمش(4) بقوله: هل يجوز ان تقول إن اللّه عزّ وجل في مكان ؟ فقال عليه السّلام: سبحان اللّه وتعالى عن ذلك أنه لو كان في مكان لكان محدثاً، لأن الكائن في مكان محتاج الى المكان، والاحتياج من صفات المحدَث لا من صفات القديم(5).

ويقول لأبي بصير(6): إِن اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بزمان ولا مكان ولا حركة ولا انتقال ولا سكون، بل خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى اللّه عمّا يقولون علوّاً كبيراً(7).

وقال عليه السّلام لعبد اللّه بن سنان(8): ولا يوصف بكيف ولا أين ولا

______________________________

(1) التوحيد: باب الحركة والانتقال.

(2) الأنعام: 3.

(3) بحار الأنوار: 3/323/20.

(4) سيأتي في المشاهير من الثقات.

(5) توحيد الصدوق: باب نفي الزمان والمكان.

(6) سيأتي في ثقات المشاهير.

(7) التوحيد: باب نفي الزمان والمكان.

(8) سيأتي أيضاً في المشاهير.

{ 175 }

حيث، وكيف أصفه وهو الذي كيّف الكيف حتّى صار كيفاً فعرفت الكيف بما كيّف لنا من الكيف، أم كيف أصفه بأين وهو الذي أيَّن الأين حتّى صار أيناً فعرفت الأين بما أيَّن لنا من الأين، أم كيف أصفه بحيث وهو الذي حيّث الحيث حتّى صار حيثاً فعرفت الحيث بما حيّث لنا من الحيث، فاللّه تبارك وتعالى داخل في كلّ مكان، وخارج من كلّ شيء «لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار»(1).

أقول: إِن المراد بالكيف والأين والحيث السؤال أو الإخبار عن ذي الحيّز من الممكنات.

ولازم هذا أن يكون تعالى اذا استفسر عنه بالكيف والأين والحيث السؤال أو الإخبار عن ذي الحيّز من الممكنات.

ولازم هذا أن يكون تعالى اذا استفسر عنه بالكيف والأين أن يكون ذا جسم أو مكان، واذا اُخبر عنه بالحيث أن يكون متحيّزاً في محل، وإِذا كان كذلك فالأبصار تدركه لأن ذا الجسم المتحيّز الحال بمكان لا بدّ أن تدركه الأبصار، واللّه تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.

وجرت بينه عليه السّلام وبين ابن أبي العوجاء(2) محاورة، فمنها قول ابن أبي العوجاء للصادق: ذكرت اللّه فأحلت على غائب، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: ويلك كيف يكون غائباً من هو مع خلقه شاهد وإِليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم ويرى اشخاصهم ويعلم أسرارهم، فقال ابن أبي العوجاء: أهو في كلّ مكان، أليس اذا كان في السماء كيف يكون في الأرض، واذا كان في الأرض كيف يكون في السماء، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إِنما وصفت المخلوق اذا انتقل عن مكان اشتغل به مكان فخلا منه مكان، فلا يدري في

______________________________

(1) التوحيد: باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه.

(2) اسمه عبد الكريم، وقد عدّه السيد المرتضى في أماليه من ملاحدة العرب المشهورين، وقتله محمّد بن سليمان والي الكوفة من قبل المنصور على الالحاد.

{ 176 }

المكان الذي صار اليه ما حدث في المكان الذي كان فيه، فأمّا اللّه العظيم الشأن الملِك الديّان فلا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان ولا يكون الى مكان(1).

أقول: وما اكثر ما جاء عنه من أمثال هذا الكلام في تنزيه البارئ تعالى شأنه عن صفات صنائعه، واجتزينا بما أوردناه.

_____________________________

(1) توحيد الصدوق: باب الحركة والانتقال.