الف ـ في ايران :
أما في ايران فمنذ أن وصلها نبأ الحادث المحزن باستشهاد الامام
الحسين عليه السلام وآله وصحبه ، فقد عمت الأحزان الأوساط الايرانية من شعبية
ورسمية ، نظراً لأواصر المصاهرة التي ربطت الايرانيين الفرس بأسرة الامام الحسين
عليه السلام بتزوجه الأميرة شهربانو « شاهزنان » بنت الملك يزدجرد ، التي ولدت له
الامام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام ، مضافاً الى ولاء كبار رجال إيران
للامام علي بن أبي طالب وآله وبيته ، كسلمان الفارسي وغيره . ثم تحولت هذه الأحزان
بصورة تدريجية الى مناحات ومآتم محدودة في داخل الدور وفي المجتمعات الخاصة ،
وتطورت بعد ذلك ، حيث اتسعت دائرتها وأخذت تقام بصورة علنية على شكل إنشاد المراثي
، وذكر واقعة الاستشهاد ، بالاستناد الى المرويات على ألسنة الثقات ، ويحدثنا
التاريخ بأن كثيراً من رؤساء قبيلة الأشاعرة وأفخاذها اضطروا الى الهجرة من الكوفة
الى اصفهان ثم الى « قم » الحالية وضفاف نهرها للانتجاع ، بعد أن قتل الحجاج بن
يوسف الثقفي زعيمهم الأكبر محمد بن سائب الأشعري ، وبعد أن أخذت النكبات تترى عليهم
من قبل الحجاج وعمال الأمويين .
ومنذ استقرار هؤلاء المهاجرين التابعين للامام علي عليه السلام
وآله في هذه الناحية خلال مدة عشر سنوات ـ أي من سنة «73 هـ» الى سنة «83 هـ» ـ
شرعوا
( 58 )
بإقامة أسس بناء مدينة « قم » ونشر العمران فيها ، كما بدأوا
فور سكناهم هنا بإقامة المآتم والمناحات في مجتمعاتهم الخاصة ومجالسهم السرية على
شهيد الطف عليه السلام خاصة أنهم كانوا قريبي عهد بالفاجعة وتفاصيلها وملابساتها ،
مرددين فيها ما جرى على الامام الحسين عليه السلام وآله في مذبحة عاشوراء .
ولقد استمر هؤلاء الأشاعرة الشيعة على إحياء ذكرى الطف الحزينة
في يوم عاشوراء من محرم كل سنة وإقامة العزاء فيه ، ثم تناقل الخلف عن السلف هذا
التقليد الحزين ، الى أن حلت الآنسة فاطمة بنت الامام موسى بن جعفر عليهما السلام
وأخت الامام علي بن موسى الرضا عليهما السلام هذه المدينة سنة «201 هـ» آتية من
مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقاصدة أخاها الامام الرضا عليه السلام في
مرو بخراسان ، ولكن الأجل لم يمهلها فكانت مدة إقامتها في هذه المدينة «17» يوماً
مريضة طريحة الفراش في دار موسى بن الخزرج بن سعد الأشعري ، وبعد وفاتها دفنت في
أرض كانت لهذا المضيف الجليل ، وأصبح قبرها روضة فيما بعد وللآن يقصده الميع
للزيارة والتبرك وإقامة المأتم الحسيني حوله .
وبعد دفن هذه العلوية العذراء التي اشتهرت بـ « معصومة قم »
تعاظمت سلطة الشيعة الأشعريين في هذه الناحية واتسع نطاق إقامة مآتم ذكرى شهيد الطف
الحزينة بين مختلف طبقات سكان هذه المدينة وما جاورها من القرى والقصبات .
وهكذا كان الاشاعرة المهاجرون من الكوفة الى هذه الناحية في
إيران من الأوائل الذين بذروا بذور التشيع لآل علي عليه السلام فيها ، مستغلين
موضوع استشهاد الامام عليه السلام بكربلاء ومقيمين مآتمه وعزاءه ومجالس النياحة
عليه .
أما في مرو بخراسان فعلى عهد الامام الثامن علي بن موسى الرضا
عليهما السلام الذي بدأ منذ أخريات القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجري ، فقد
تعززت نهضة إقامة المآتم والمناحات واحياء ذكرى استشهاد الحسين عليه السلام ،
بالأخص وأن
( 59 )
سياسة المأمون العباسي كانت تميل الى مسايرة العلويين وإطلاق
الحرية لهم في إقامة شعائر الحزن والعزاء على الامام الشهيد . وقد مر ذكر تفصيل ذلك
في الفصل الخاص بالمناحة على عهد الامام الرضا وابنه الامام محمد التقي عليهما
السلام .
وبعد استشهاد الامام علي بن موسى الرضا عليهما السلام في طوس
تبلورت حركة إقامة المناحات وحفلات العزاء على الامام الشهيد في إيران ، وتطورت
بتطور سياسة الحكومات التي كانت تتولى السلطة في أنحاء إيران ومناطقها المختلفة بين
القوة والضعف . فكانت هذه الحركة تسير سيرها المدي في بعض الاصقاع التي كانت تحكمها
السلطة الموالية لآل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كالامراء البويهيين ،
وتسير سيرها الجزري في الأقاليم الأخرى التي تتولى السلطة فيها حكومة تعادي
العلويين وتناهضهم ، وقد استمرت هذه الحالة الى أن استولى على الحكم في إيران
الملوك الصفويون ، الذين استطاعوا أن ينشئوا في إيران حكومة مركزية تسيطر على جميع
الأقاليم الايرانية ، وأن يوجدوا في هذه البلاد وحدة متماسكة تحكمها حكومة مركزية
قوية واحدة ، هي الدولة الصفوية .
وقد اهتم ملوك هذه الدولة الشيعية اهتماماً عظيماً بالعزاء
الحسيني ومأتمه في داخل البيوت وخارجها ، وفي المساجد ، والتكايا ، والمعابد ،
والأسواق ، والشوارع ، والساحات العامة ، وحتى في البلاط ودوائر الدولة ، كما تنوعت
وتشعبت اساليب هذه المناحات وعمت جميع طبقات الشعب ، وأصبحت تقاليد متأصلة في
النفوس ، كما أن الحكومات التي خلفت الدولة الصفوية في إيران كالأفشارية والزندية
سارت على نفس نهج تلك الدولة ، في إحياء هذه الذكرى الحزينة ، وإقامة شعائرها
ومتابعة تقاليدها . وخاصة على عهد الملوك القاجاريين وحتى الوقت الحاضر .
وأدرج فيما يلي بعض ما عثرت عليه في بطون الكتب والأسفار عما
تقدم ذكره في هذا الأمر :
( 60 )
1 ـ جاء في كتاب « الشيعة والتشيع » للسيد أحمد الكسروي ما نصه
:
« فمن الواضح أن الشيعة قد رجوا من ذكر مصاب الحسين والنوح عليه
فوائد لهم ، والظاهر من أقوال المؤرخين أن إقامة شعائر المأتم ، وإحياء ذكرى مصائب
آل علي عليهم السلام وإنشاد المراثي وإقامة العزاء على الحسين ، قد راجت في ايران
لأول مرة على أيدي البويهيين ، وأن أحمد معز الدولة رحل من إيران الى بغداد سنة 334
وأعلن المذهب الشيعي فيها رسمياً » .
2 ـ وجاء في الصفحة «87» من الكتاب نفسه ما نصه :
« ثم لما قام الصفويون في إيران أشاعوا المناحة بين الايرانيين
؛ فأقبل العامة عليها إقبالاً عاماً ، وكبرت وظهرت فيها أعمال ضرب الجسد بالسلاسل ،
وجرح الرأس ، وإقفال البدن ، وغير ذلك مما لا حاجة الى عدها ... » الخ .
3 ـ وجاء في الصفحة «88» منه ما عبارته :
ففي أيام القاجاريين في إيران كانت إقامة المأتم والاحتفال
بمصاب الحسين شغلاً شاغلاً للشيعة ، يقضون نصفاً من ساعاتهم فيها ، وكان الناس
يزيدهم إقبال عليها ما كانوا يسمعون من الاحاديث في فضل البكاء ، فقد روي عن أئمة
الشيعة أنه : « من بكى أو أبكى أو تباكى وجبت له الجنة » فمن المسلّم عند الشيعة أن
البكاء على الحسين من أفضل العبادات ، وأن من بكى عليه غفر الله ذنوبه ولو كانت عدد
الرمال ... » الخ .
4 ـ ولقد سمعت من بعض المعمرين الذين أدركوا عهد قيام الملك
ناصر الدين شاه ، كبير ملوك السلسلة القاجارية ، في زيارته . للعتبات المقدسة في
العراق ، سنة 1287 هـ ، أنه حينما كان يزور مشهد الامام الحسين عليه السلام وهو عند
ضريحه المطهر ، إذ خطب أمامه أحد خطباء المنبر الحسيني خطبة مؤثرة جداً عن الفجيعة
الحسينية ، وتطرق أثناء كلامه الى كلمة يقال انها بدرت يوم عاشوراء من الامام
الحسين عليه السلام في أحرج ساعاته ، وهي : « هل من ناصر ينصرني ؟ » فقال الخطيب
( 61 )
صارخاً : أن ناصرك قد أتى ، وهو الآن بين يديك لينصرك فضج
الجميع بالبكاء ، وكان نحيب ناصر الدين شاه وبكاؤه أعظم منهم وأنه رفع تاجه من رأسه
وألقاه بحرارة أمام الضريح من شدة التأثير .
5 ـ جاء في الصفحة «220» من كتاب « جولة في ربوع الشرق الأدنى »
لمؤلفه محمد ثابت المصري ، المطبوع في القاهرة سنة «1934 م» ، عند زيارته لمدينة
مشهد الرضا في إيران وهي حاضرت اقليم خراسان ما نصه :
« أما شهرا محرم وصفر فأيام حداد ، لا يدار فيها لهو ولا موسيقى
، ويحيون 2 لياليها بجلسات الحداد ، يستمعون لقصص علي والحسين وهم يبكون . وغالب
البيوت تراعي ذلك ليلة الجمعة من كل أسبوع حتى في غير هذين الشهرين ، وفي يوم
عاشوراء ـ العاشر من المحرم ـ تقام حفلات في البلاد كلها لمأساة الحسين » .
ويستطرد الكاتب فيقول :
« خرجت من حرم الامام الرضا الى الفناء واذا في كل ركن من
أركانه عالم ـ خطيب ـ يرتقي منبراً وحوله خلق كثير جلوس على الأرض في وجوم وشبه
ذهول ، وهو يقص عليهم أنباء علي والحسن والحسين والأسرة الشريفة كلها ، وجميعهم
يبكون ، وكلما أشار في قوله الى الفاجعة صاحوا عالياً ولطموا جباههم ، وخدودهم في
قرقعة مؤلمة ، ومنهم الطفل ، والمراهق ، والسيد ، والعجوز ، والكهل الفاني والمثقف ،
والأمي الجاهل ، وكنت أعجب لسيل دموعهم وبكائهم المر . وذلك الوعظ وقراءة المقتل
يظل طوال اليوم في جميع أركان الأفنية ... » الخ .
ويواصل الكاتب كلامه فيقول :
« وبعد صلاة الغروب أخذ العلماء يقصون على الناس نبأ فاجعة علي
والحسين ، والجماهير حولهم » .
6 ـ جاء في الصفحة «207» من كتاب « تاريخ خلفاي فاطمى » باللغة
الفارسية ، تأليف المرحوم عبد الرحمن سيف آزاد ، ضمن البحث عن أجداد آقا
( 62 )
خان الاسماعيلي ، وانتقالهم بعد استيلاء هولاكوا المغولي على
قلعة « الموت » قرب قزوين في ايران مركزهم الأصلي الى قرية « انجيدان » من قرى
مدينة « أراك » بوسط ايران ، ما ترجمته :
« من الآثار القيمة التي لا زالت قائمة في الحسينية العائدة
للشاه خليل الأول في انجيدان ـ انگيدان بالكاف الفارسية ـ والتي يحافظ عليها سكان
هذه الناحية حتى الآن بكل احترام وتكريم ، هو تمثال نخلة كبيرة جداً وصلبة ، مصنوعة
من مادة رخامية ، يرفعها سكان انجيدان في كل سنة أيام عاشوراء وفي مواسم إقامة
العزاء الحسيني على أيديهم وفي مقدمة الأعلام والجهازات الأخرى العائدة لسائر القرى
، والسير بهذه النخلة ، يتبعهم الألوف من المشتركين في مراسم العزاء بكل إخلاص وحزن
في مختلف القرى حتى يصلوا الى القرب من مدينة « اراك » ، وفي ضواحيها يتبرك الجميع
بها بكل احترام وتعظيم . وبعد الانتهاء من مراسم العزاء خلال عشرة عاشوراء تعاد
النخلة الى مكانها في حسينية الشاه خليل الأول للحفظ » .
7 ـ لقد ذكرت الصحف الطهرانية بمناسبة إقامة العزاء الحسيني في
مدينة مشهد في العشرة الأولى من محرم ، سنة 1392 هـ ، ما ترجمته :
« إنه لأول مرة في تاريخ ايران تفد على مدينة مشهد أول جماعة
منظمة بمواكبها الحزينة ، ومؤلفة من نخبة نساء مدينة بروجود ، تشكل السبايا
والمواكب الحسينية وتسير في شوارع مدينة مشهد وفي أفنية صحن الامام الرضا عليه
السلام ، على غرار مواكب الرجال ، وتنشد الأهازيج الحزينة وترثي الامام الشهيد
وتضرب على الصدور وتنفش الشعور وهي مجللة بالسواد » .
8 ـ جاء في الصفحة «370» من « موسوعة العتبات المقدسة » قسم
كربلاء نقلاً عن كتاب « تاريخ ايران » باللغة الانجليزية ، لمؤلفه السر برسي سايكس
، عن مجزرة كربلاء بعد بيان الحادث المفجع مفصلاً ، ما نصه :
( 63 )
« إن هذه الفاجعة كانت أساساً لتمثيل المسرحية الأليمة سنوياً ،
ليس في ايران التي تعتبر العقيدة الشيعية مذهباً رسميا فيها فقط ، بل في كثير من
البلاد الآسيوية التي يتيسر فيها وجود المسلمين الشيعة أيضاً . وقد شاهدت هذه
المأساة تمثل أمامي مرات عديدة في ايران ، ولذلك يمكنني أن أعترف وأقر بأن الاستماع
الى ولولة النساء الصارخة ، ومشاهدة الحزن الذي يغشى الرجال كلهم ، يؤثر تاثيراً
عميقاً في المرء بحيث لا يسعه إلا أن يصب نقمته على الشمر ويزيد بن معاوية ، بقدر
ما يصبه سائر الناس الحاضرين . والحقيقة أن هذه المسرحية الأليمة تدل على قوة
عاطفية جامحة تمتلئ بالحزن والأسى الذي لا يمكن أن تقدر بسهولة ، وأن المناظر التي
شهدتها بأم عيني ستبقى غير منسية في مخيلتي ما دمت في قيد الحياة » .
9 ـ وجاء في الصفحة «7» من مجلة « نامه استان قدس رضوي » العدد
المؤرخ 1391 هـ ، وهي المجلة التي تصدرها باللغة الفارسية سدانة مشهد الامام الرضا
في خراسان ، ضمن مقال طويل ما ترجمته :
« كان البويهيون من الشيعة المخلصين وقد بذلوا جهدهم من الصميم
لنشر المذهب الشيعي واشاعة أحكامه ومبادئه . وقد نقل المؤرخون أن إقامة شعائر
المأتم الحسيني وإحياء ذكرى مصائب آل علي عليهم السلام وإنشاد المراثي وإقامة
العزاء على الحسين الشهيد قد راجت رواجاً عاماً في إيران لأول مرة على عهد
البويهيين ، كما أن أحمد معز الدولة رحل من ايران الى بغداد سنة «334 هـ» وأعلن
المذهب الشيعي فيها رسمياً ، وأمر بلعن معاوية على المنابر في بغداد ، كما أمر سنة
«352 هـ» بإقامة الحداد على الحسين يوم عاشوراء وغلق الحوانيت والأسواق فيه ، ولبس
الناس في هذه اليوم السواد وناحت النسوة فيه على الحسين مشعثات الشعر » .
( 64 )
ب ـ في تركية :
وفي الصقع التركي الذي كان يحكمه العثمانيون الى ختام الحرب
العالمية الأولى ، ثم الحكومة الجمهورية التركية العلمانية الحالية ، فأينما وجد
أفراد من الشيعة وجدت معهم هذه المآتم والنياحات على الامام الحسين وآله وصحبه ،
وان كانت على صورة مصغرة وفي البيوت .
وقد نقل لي بعض زوار العتبات المقدسة في العراق من الأتراك ، من
سكان القسم الشرقي من الأناضول ، عند مرورهم عبر طهران الى العراق لأداء مراسم
زيارة مشاهد الأئمة عليهم السلام في كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء ، وهم في
الغالب من المزارعين في تلك المناطق التركية النائية المحاذية لآذربيجان الايرانية
، نقلوا بأنهم يقيمون المآتم والنياحات على الامام الشهيد في بعض أيام الأسبوع طيلة
السنة ، في الدور وفي مجالس خاصة يشترك فيها من يكون حاضراً ، ويلقي فيها خطيب
المنبر الحسيني ما يناسب المقام والمجلس ، من مآثر الامام الحسين عليه السلام وسائر
الأئمة الاثني عشر ، ويختم كلامه ببيان نبذة عن مجزرة كربلاء واستشهاد آل بيت النبي
فيها . أما في العشرة الأولى من محرم ، ولا سيما في يومي تاسوعاء وعاشوراء ، وفي
يوم العشرين من شهر صفر « الأربعين » ولياليها ، فتقام المناحات بتفصيل في مختلف
الأماكن والقرى هناك ، ويتلى المقتل ويشترك الرجال والنساء والشيوخ والشباب وغيرهم
بإحياء هذه الذكريات الحزينة ، وحتى أن كثيراً من أبناء السنة يشتركون مع الشيعة في
هذه المراسيم والشعارات الحزينة .
وأضاف ذلك الزائر : بأن الشيعة في هذه المناطق التركية ، ولا
سيما الصوفية منهم على الطريقة البكتاشية التي تميل الى الشيعة ، ينتظرون سنتهم
ويعدون أيامها ولياليها ، مغتنمين فرصة حلول شهري محرم وصفر ليعدوا العدة فيهما
للسفر الى العراق عن طريق ايران لاداء فروض زيارة أضرحة ائمتهم عليهم السلام في
العتبات
( 65 )
المقدسة ، والاشتراك في مراسيم العزاء التي تقام في هذه العتبات
، وخاصة في كربلاء ، وبذلك يكونون قد أدوا واجباً دينياً ، ورفعوا حملاً عن كاهلهم
. وأما سبب زيارتهم لهذه العتبات عن طريق ايران ، فهو رغبتهم في انتهاز الفرصة
لزيارة ضريح الامام الثامن علي بن موسى الرضا عليهما السلام في مشهد « خراسان » وهم
في طريقهم الى العراق .
وختم الزائر المذكور كلامه هذا بقوله : إن سكان هذه المناطق
الشرقية من الأناضول ، السائرين على مذهب الشيعة ، هم من بقايا الأتراك
الآذربيجانيين ، ممن اضطرتهم ظروف الحروب المتوالية بين الايرانيين والعثمانيين في
القرون الماضية الى الهجرة من آذربيجان الايرانية الى الأناضول التركية .
وفيما يلي أدرج النبذة التالية عن النياحة في تركيا :
1 ـ جاء في الصفحة «198» من كتاب « المجالس السنية في ذكرى
مصائب العترة النبوية » المار ذكره ، نقلاً عن رسالة للدكتور « ماربين » الألماني
في فلسفة نهضة الحسين وثورته الكبرى ومأتمه ، مما يدل على إقامة النياحات على
الإمام الشهيد في تركيا قوله :
« حضرت مجالس إقامة العزاء على الحسين عليه السلام مراراً في
إسطانبول ، مع مترجم خاص ، فسمعتهم يقولون : الحسين الذي هو إمامنا ومقتدانا ،
وطاعته وإتباعه واجبان علينا ، لم يتحمل الضيم ، ولم يدخل في طاعة يزيد ؛ ولأجل حفظ
شرفه وعلو حسبه وارتفاع مقامه ، بذل نفسه ، بذل أولاده ، بذل عياله ، واستعاض عن
ذلك بحسن الذكر في الدنيا والشفاعة في الآخرة والتقرب من الله ، وقد خسر أعداؤه
الدنيا والآخرة ... » الخ .
وكانت مجالس النياحة والعزاء على الحسين الشهيد تقام أيضاً في
اسطنبول ، خاصة في يوم عاشوراء من كل سنة من قبل الجاليات الشيعية المقيمة في هذه
المدينة الكبرى ، ويحضرها أحياناً جماعات من السنة ولا سيما الرجال الرسميون ،
( 66 )
مواساة منهم للجاليات الشيعية .
ج ـ في الأفغانستان :
أما في بلاد الافغان فحيث أن الجالية الشيعية كثيرة العدد فيها
وتناهز الملليوني نسمة تقريباً ، وهي من ذرية أولئك الخراسانيين الموالين لآل
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذين هاجروا من طوس وسائر مدن خراسان الى
أفغانستان واستوطنوا مدنها ، ولا سيما مدن قندهار ، وهراة ، وبشاور ، وكابل ، ومزار
شريف ، وجلال آباد وغيرها ، وذلك بعد استشهاد الامام الرضا عليه السلام في مدينة
طوس سنة 203 هـ ، وضغط الحكومات السنية التي توالت على الحكم في خراسان وما جاورها
من البلدان عليهم . فأن هؤلاء قد بقوا متمسكين بموالاتهم لآل البيت عليهم السلام ،
واستمروا على ما كان قد اعتاد عليه آباؤهم وأجدادهم من إحياء ذكرى فجيعة كربلاء
ومجزرة الطف ، وقد اتسع نطاق هذه الذكرى وإقامة مجالس العزاء ومجتمعات النياحة على
الحسين فيها سراً وعلناً بمرور الزمن حتى اصبح من أهم تقاليد الشيعة في افعانستان
خاصة على عهد إمارة طاهر الشيعية في هراة ، وبعض وزراء الشيعة من افغانستان . وكانت
ولم تزل هذه المجالس العزائية تقام في المدن الأفغانية الرئيسية التي تسكنها الاسر
الشيعية ، وبالأخص المدن والقرى والدساكر التي تقع على الحدود الأيرانية وحتى أن في
بعض البلدان أنشئت الحسينيات وأقيمت المزارات خصيصاً لإقامة مجالس العزاء الحسيني
ومواكب الحزن فيها .
ومنها : « مزار شريف » المقام في قرية خيران من قرى مدينة « بلخ
» ، ذلك المزار الذي يدّعي الأفغانيون أنه مثوى جسد الامام علي بن أبي طالب عليه
السلام حيث نقل من النجف بعد مرور ما يقرب من قرن على مدفنه فيها الى هذه القرية .
وتقام في ساحة هذا المزار والتكية المجاورة له أيام العشرة الأولى من المحرم كل سنة
( 67 )
النياحات ومجالس العزاء ومواكب الحزن على الامام الحسين عليه
السلام ويشترك فيها أبناء السنة أيضاً .
ومن أكبر ملوك الأفغان الذي كان يشجع العزاء الحسيني فيها الملك
محمود ، الذي كان يميل الى الشيعة ، وعاش في القرن الثالث عشر الهجري .
وقد وقع بيدي قبل أكثر من ربع قرن ، الجزء الأول من كتاب باللغة
الفارسية مطبوع في كابل ، باسم : « تاريخ مزار شريف واقع در بلخ » أي « تاريخ مزار
شريف الواقع في بلخ » لمؤلفه السيد حافظ نور محمد ، وهو من القطع الكبير ، ويقع في
«105» صفحة ، ويتضمن تفاصيل عن كيفية نقل رفات الامام علي بن أبي طالب الى القرية
المذكروة ـ كما يدعى ـ ومعتقدات الأفغانيين عموماً في ذلك ، وتبركهم بهذا المزار ،
وذكر الموقوفات الجسيمة التي أوقفت من قبل السلاطين والعظماء والسراة والأثرياء
عليه . وفي بعض صفحات هذا الكتاب المزود بتصاوير كثيرة عن قباب ومآذن وضريح المزار
المذكورة ذكر عما تقام في أرجائه وأفنائه من مجالس الذكر والدعاء ، ومنها مجالس
العزاء على الامام الحسين عليه السلام .
وقد صدرت الصفحة الأولى وكذا غلاف الكتاب بالحديث النبوي الشريف
: « أنا مدينة العلم وعلي بابها » .
وتكملة للبحث عن النياحة على الامام الحسين في البلاد الأفغانية
أنقل تالياً ما ذكره السيد جمال الدين الأسد آبادي المشتهر بالأفغاني في كتابه «
تتمة البيان في تاريخ الأفغان » المطبوع سنة 1901 م ـ 1318 هـ في القاهرة عن الشيعة
في أفغانستان وتقاليدهم وشؤونهم وإقامتهم العزاء الحسيني في هذه البلاد :
1 ـ فقد جاء في الصفحة «150» منه ما نصه :
« وجميع الأفغانيين سنيون ، متمذهبون بمذهب أبي حنيفة لا
يتساهلون ـ رجالاً ونساءً ، وحضريين وبدويين ـ في الصلاة والصوم ، سوى طائفة « نوري
» ، فإنهم متوغلون في التشيع ولهم محاربات شديدة مع جيرانهم السنيين ، ويهتمون
( 68 )
بأمر مأتم الحسين في العشرة الأولى من محرم ، ويضربون ظهورهم
وأكتافهم بالسلاسل مكشوفة » .
ويستطرد الكاتب في الصفحة «152» ويقول :
« والأفغانيون مع شدة تعصبهم للدين والمذهب والجنس لا يعارضون
غيرهم في حقوقهم ، ولا يتحاشون عن أن يروا شيعياً أو غير مسلم يقيم مراسم دينه
ومذهبه ، ولا يمنعون المستحقين منها من نيل المراتب العالية في حكومتهم . فإنك ترى
أرباب المناصب في البلاد الأفغانية من الشيعيين « القزل باش » .
وفي الصفحة «165» منه ، عندما يبحث السيد جمال الدين عن القبائل
الأفغانية ، ويتطرق الى قبيلة « هزاره » ، يقول :
« وهذه القبيلة على مذهب الشيعة ، إلا فصيلة شيخ علي والجمشيدي
. لكنها ليست على شيء من هذا المذهب إلا بغض الخلفاء ، ومحبة علي ، وإقامة مأتم
ابنه في عاشوراء ، بضرب السلاسل على الصدور والظهور ، ولا يتقي آحاد هذه القبيلة
إظهار مذهبهم ، مع أن التقية من واجبات مذهب الشيعة ، حتى لو سئل أحدهم عن مذهبه
لقال بغلو وبدون مبالاة : إني « عبد علي » ولهم زيادة اعتصام بمذهبهم هذا » . ومما
يحسن سرده هنا : أن سنياًعرض التسنن على جارية من الشيعة كانت عنده فأبت ، فعزرها
وزجرها وألح عليها ، فاستشاطت غيظاً وقالت : « أهون علي أن أكون كلبة ولا أكون سنية
» .
وفي الصفحة «170» من الكتاب يذكر المؤلف ما عبارته :
« ومن الطوائف الموجودة في البلاد الأفغانية طائفة الشرفاء «
أولاد علي بن أبي طالب » ويلقبون في تلك البلاد بالسيد . وبعض من هذه الطائفة يسكن
في « بشنك » من نواحي قندهار ، و بعض منها يسكن ولاية « كنر » الواقعة قرب جلال
آباد . ولم يخل شرفاء « كنر » من الكبرياء والعظمة من عهد « بابر شاه » الى يومنا
هذا . وللأفغانيين عموماً مزيد اعتقاد بهذه الطائفة . وأما عاداتهم وأخلاقهم
( 69 )
وملابسهم فتماثل عادات الأفغانيين وأخلاقهم وملابسهم » .
ويستطرد الكاتب الجليل كلامه في الصفحة «171» من الكتاب بالتطرق
الى طائفة « قزل باش » التي جاءت الى الأفغان مع الملك نادر شاه الايراني ، حين
استولى على هذه البلاد ، و هي من أصل ايراني ، ويسكن أفرادها الآن كابل ، وغزنة ،
وقندهار ، ويقول :
« وأفراد هذه الطائفة كلهم من الشيعة ، يقيمون مأتم الحسين بن
علي بن أبي طالب ، في العشر الأول من محرم » .
ويصف الكاتب أفراد هذه الطائفة بقوله :
« ولهم حذق في الآداب والصنائع والاعمال الديوانية ، ومن أجل
ذلك ترى أن المتوظفين في الادارة الملكية الافغانية منهم ، وغالب الامراء يختارونهم
لتربية أولادهم ولتعليمهم الأدب والشعر ، ويمتازون بالذكاء والفطنة والنظافة عن
بقية سكان البلاد الأفغانية ، ويتصفون بالشجاعة والاقدام ... » الخ .
هذا والأفغانيون الشيعة يقومون بالسفر الى ايران والعراق
والحجاز طول السنة ؛ لأداء مراسم زيارة أضرحة الأئمة الاثني عشر في هذه البلدان
الثلاثة ، ويزداد عددهم لزيارة العراق عن طريق خراسان بإيران في العشرة الأولى من
محرم كل سنة لغرض الاشتراك في شعارات النياحة بكربلاء أيام عاشوراء .
وقد تناقلت الأخبار بأنه لأول مرة في العصر الحديث قام ولي عهد
أفغانستان ، ورئيس وزارئها ، وسائر كبار رجال الأفغان الرسميين ، فاشتركوا في حفلات
مراسم العزاء التي أقيمت في محرم سنة «1393 هـ» في كابل ، من قبل الجالية الشيعية .
د ـ في تركستان والقفقاز والتبت والصين :
وفي كل من القفقاز وتركستان والصين والتبت وغيرها من البلدان
« وعلى سبيل المثال يقول العالم الأندونيسي حسين جاجاد ننغرات
فذكر انه في اليوم العاشر من المحرم ـ وهو اليوم الذي يحتفل فيه الشيعة بذكرى
استشهاد الحسين ـ تقوم عائلات عديدة بإعداد طعام خاص يدعونه « بيرسورا » ، وهي كلمة
مأخوذة من عاشوراء التي تعني العاشر من المحرم ، وكذلك يدعى شهر المحرم بالجاوية (
سورا ) . ونجد أيضاً آثار نفوذ الشيعة في « اتجه » شمالي سومطرا ، إذ يدعى شهر
المحرم باسم شهر الحسن والحسين . وفي « مينانج كابو » على الساحل الغربي من سومطرا
يدعى شهر المحرم « شهر النعش » ، إشارة لعادة الشيعة واحتفالها بذكرى وفاة الحسين
عندما يحملون نعشاً رمزياً ، يسيرون به في الشوارع ، ثم يلقونه في نهر أو مجرى مائي
... » الخ .
ثم يستطرد الكاتب فينقل الجملة التالية عن الكاتب الأندونيسي
السيد محمد اسد شهاب ، ضمن البحث عن هجرة العلويين الى جاوة قوله :
« وحتى اليوم لا يزال شهرا المحرم وصفر محترمين عند الكثيرين من
الأندونيسيين فلا يقيمون فيهما أفراحاً ، ولا يعقدون زواجاً ، و لا يجرون زفافاً
... » الخ .
2 ـ وفي الصفحة «70» من المجلد «56» من « أعيان الشيعة » عندما
يبحث الكاتب عن تاريخ الشيعة في أندونيسيا يقول ما نصه :
« وقد كان المسلمون الأندونيسيون قديماً يواصلون بعد تأدية
فريضة الحج السير الى العراق لزيارة العتبات المقدسة وحضور المأتم الحسيني في
كربلاء ... » .
3 ـ جاء في الصفحة «66» من المجلد «56» من « أعيان الشيعة »
أيضاً ما نصه :
« المأتم الحسيني في أندونيسيا : إن رمز البطولة الاسلامية
باستشهاد مولانا الامام الشهيد الحسين بن علي عليهما السلام في شهر المحرم ، له
حرمة ممتازة لدى المسلمين في أندونيسيا الى اليوم بوجه عام . ويسمى شهر المحرم «
سورا » ، وهذه الكلمة ربما
( 86 )
تحرفت عن كلمة « عاشوراء » . ويطلق على المأتم الحسيني في جزيرة
« سومطره » ذكرى التابوت ، وفي اليوم العاشر من المحرم يقام تمثيل رمزي لاستشهاد
البطل الاسلامي العظيم الحسين عليه السلام . أما في جزيرة « جاوا » فلهذا اليوم
المعظم تقدير خاص وعوائد خاصة ، إذ تطبخ الشوربا فقط على نوعين من اللونين الأحمر
والأبيض ، ثم يجمع الأولاد وتقسم الشوربا عليهم ، وهذا رمز للحزن العميق بجمع
الاولاد الصغار والأطفال ، وذلك تصويراً لليتم والحزن ، أما اللون الأحمر فهو رمز
الدماء الطاهرة المراقة ، واللون الأبيض رمز للاخلاص والتضحية . والى اليوم يعتبر
شهرا محرم وصفر من كل سنة عند الكثيرين من الأندونيسيين شهرين محترمين لهما
مكانتهما في القلوب ، فلا يقيمون أفراحاً ، ولا يعقدون زواجاً ، ولا يجرون زفافاً ،
فالمعتقد السائد : أن من أقام أفراحاً فيهما قد يصيبه نحس . أما في مقاطعة آجيه
بسومطره الشمالة ، فيسمى شهر المحرم ، شهر حسن وحسين .
4 ـ جاء في الصفحة «374» من الجزء التاسع ، من مجلة المرشد
البغدادية ، لسنتها الثالثة ، المؤرخ أول رجب «1347 هـ» وضمن مقال بقلم « محمد كاظم
» عن إقامة النياحات على الامام الحسين عليه السلام في جزر الهند الشرقية ، وخاصة
جزيرة سومطره ، ما عبارته :
« لا تزال عادة المأتم جارية في بعض نواحي جزائر الهند الشرقية
، وأغلب المتمسكين بهذه العادة هم من أهالي جزيرة سومطره . وليست هذه المآتم كما
يسمونه تابوت على الأصول المتبعة عند الشيعة العلويين . ولكن هذه المآثر ـ على كل
حال ـ لم تمح بالكلية ، فيظهر جلياً أن المذهب العلوي هو المذهب السائد في هاته
الجزر ، بفضل العلويين الذين هاجروا اليها لادخال الشعب الجاوي في الديانة
الاسلامية سابقاً .
كان المأتم في هاته الجزر قديماً : أنهم يظهرون حدادهم وحزنهم
على سبطي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في يوم معين ، ويقومون بالمظاهرات التي
تنم عن شعورهم نحوهما ؛
( 87 )
ولكن لما تمكنت الحكومة الحالية من الاستيلاء على هاته الجزر ،
بدأت تمنع تلك المظاهرات رويداً رويداً حتى اضمحلت خصوصاً في جزيرة جاوه ، وبقيت
بعض المدن الصغيرة في سومطره تقيم تلك المآتم .
أو من صنع التابوت وأقام المأتم هم أهل ميناء نقطايا ـ وإحدى
مقاطعات جزيرة سومطره ـ ، وذلك إظهاراً لحزنهم وتفانيهم في حب سبطي الرسول صلى الله
عليه وآله وسلم ، ثم سرت هذه العادة الى غيرها من المقاطعات المجاورة لها ، كمقاطعة
آجيه ، وبقكولين .
يبتدئ المأتم عندهم في أول شهر محرم ، وذلك أنهم يخرجون فيها
الى أحد الشواطئ ، ويأخذون منه تراباً ؛ يعنون به التراب الذي لطخ به وجه الحسين
عليه السلام أثناء حربه ؛ ويضعونه في أحد الفلوات ، ويحيطونه بسور من خشب ،
ويتركونه حتى اليوم التاسع من محرم .
ففي التاسع من محرم يخرجون جميعاً ومعهم الطبول والطاس لأخذ بعض
جذور أشجار الموز ليضعوه على ذلك التراب الذي وضعوه في الفلاة ، وقد تحدث عند
خروجهم مناوشات بين كل فرقة منهم أثناء سباقهم لأخذ ذلك .
وفي اليوم الثاني ـ أي العاشر من محرم ـ يخرجون ومعهم التابوت
الصغير ، يسمونه « تابوت لينولنق » لطلب الصدقات من المحسنين ، ويحمل ذلك التابوت
ولد عليه لباس أصفر يسمونه « انك مجنون » أي الولد المجنون فإذا وصلوا الى أحد
البيوت التف الأولاد حوله ، وأخذوا يصيحون بأعلى صوتهم : « حسن حسين » ؛ كأنهم بذلك
يذكرون الناس بما وقع عليهما السلام ، ولا يزالون كذلك من بيت لآخر حتى الساعة
الحادية عشرة نهاراً. وعند الساعة الثانية عشرة نصف النهار ـ الظهر ـ يبتدئون بضرب
الطبول ، وينشدون الأناشيد المحزنة ، مما يثير العواطف ، والصياح والعويل آخذان في
الازدياد من المشاهدين ، لماله من التأثيرات التي تذكّرهم بالفاجعة المشؤومة .
( 88 )
وعند الليل يخرجون بشبه أصابع يعملونها من الخشب ، ويلوون عليه
قماشاً أو ورقاً أبيض ، ويضعون عليه الزهور ، يمثلون بذلك أصابع الحسين عليه السلام
حين قتله الظالمون في كربلاء ، فاذا دخل الليل ابتدأ الناس يعودون الى القرية
زرافات ووحداناً ليشاهدوا ذلك المأتم ، ويتغنون الليلة بالأناشيد الرثائية والوقائع
المحزنة الى غير ذلك مما صار على الحسين عليه السلام .
وفي الليلة الثانية يخرجون أيضاً ومعهم تلك الأصابع ، ويضعون
عليه شبه العمامة يسمونه « سربان » ، يعملونه من الطين الذي وضعوه في الفلاة ،
ويحيطونه بخرق بيضاء يعنون بذلك عمامة الحسين عليه السلام التي استعملها في وقائعه
. وفي الليلة الثانية عشرة من المحرم يخرجون بالتوابيت والطبول وغيرها مما يعتادون
أخذه معهم ، ويقصدون الى بيت حاكم البلد ، ثم يطوفون البلاد بالتوابيت لأخذ شيء من
الصدقات مرة أخرى ؛ وعند وصولهم أمام كل بيت ينشدون أناشيد يسمونها « انك ايندنق »
مضمونها : « الحوادث والفظائع التي ارتكبها أعداء أهل البيت عليهم السلام » .
وعند النهار يخرج جميع أهل القرية ، ومع كل طائفة منهم تابوت ،
ويمشون به الى أحد الشواطئ واثناء ذلك يرتجزون بأراجيز ، كل فرقة تفتخر بتابوتها ،
حتى يصلون الى الشاطئ تقريباً السادسة مساء « المغرب ، فاذا وصلوا اليه رموا جميع
التوابيت الى النهر أو البحر ، هنا يرتفع الصياح والبكاء تذكاراً للحسين عليه
السلام عندما دفن ، ثم يرجع كل منهم الى محله .
هذه خلاصة العادة التي جرى عليها أهل سومطره ، بما فيها من
التبدلات والزيادة والنقصان ـ حسب تطور الزمان ـ المخالف لما عليه الشيعة الآن في
غيرها من الأقطار النائية ، كالعراق ، وإيران » .
5 ـ لقد نقل لي ابن أختي المهندس الحاج السيد محمد علي
الشهرستاني الذي زار بانكوك عاصمة تايلند في العشرة الأولى من محرم سنة «1394 هـ»
( 89 )
قائلاً :
« إن العزاء الحسيني يقام على أتم مظاهره في بانكوك وبعض أنحاء
تايلند ، فانه شاهد بأم عينه أقامة مجالس العزاء والمآتم واجتماعات النياحات وقراءة
المراثي على الامام الشهيد الحسين بن علي عليهما السلام في هذه العشرة ، وإنه اشترك
بنفسه في بعضها ، وخاصة في المواكب الحزينة ومجالس النياحة التي أقيمت في المساجد
والحسينيات الأربع التي انشئت في بانكوك على مرور الزمن ومنذ أن نزلها أحد علماء
الشيعة قادماً اليها من إيران على عهد الأسرة الملكية الصفوية منذ أكثر من «400 سنة
» .
هذا ويقدر عدد الشيعة في الوقت الحاضر في تايلند بألفي نسمة ،
يشترك كلهم في هذه المراسيم العزائية التي تقرأ فيها فاجعة الطف بتفاصيلها ، كما
ويلبس في هذه العشرة الحزينة وخاصة يومي التاسوعاء والعاشوراء المشتركون في هذه
المناحات اللباس الأسود ، وفي المواكب العزائية يتم اللطم على الصدور والظهور ،
والضرب على الرؤوس ، وتسيل فيها الدموع مدراراً ، كما أن تقليد توزيع الخيرات
وإطعام المساكين في هذه الشعرة الحزينة ، ولا سيما يومي تاسوعاء وعاشوراء قائم على
قدم وساق وبأتم وجه بين مختلف الطبقات هناك .
***