|
الباب الثاني : سيرة الحسين عليه السلام قبل كربلاء |
|
أولاً : في حماية الرسُول صلّى الله عليه واَله وسلّم ثانياً : بعد غياب الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم ثالثاً : في مقام الإمامة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص33 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أوّلاً : في حماية الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم : 8-رواية الحديث الشريف 9-بيعة الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم 10-الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم يعمل 11-الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم يقول 12-الحسين عليه السلام والبكاء 13-الحب والبُغض 14-السلْم والحرْب 15-وديعةُ الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص35 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 8-رواية الحديث الشريف وُلِدَ الحسينُ عليه السلام ، وجدّه الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم منهَمكٌ في بثّ الرسالة الإسلاميّة ، والدولة آخذة بالأوج والرفعة ، والرسولُ القائدُ لا ينفكّ يدبّر أُمورها ، ويرعى مصالحها ، ويُعالج شؤونها ، ويخطّط لها . فالحسين السبط ، الذي يدور في فلك جدّه الرسول ، ويجلس في حجره ، ويصعد على ظهره ، ويرتقي عاتقه وكاهله ، لابُدّ وأن يمتلىء بكلّ وجوده من كلام الرسول وحديثه ، فهو يسمع كلّ ما يقول ، ويرى كلّ ما يفعل ، وقد عاشر جدّه سبعاً من السنين ، تكفيه لأنْ يعيَ منه الكثير من الأُمور التي تعدّ في اصطلاح العلماء حديثاً لرسول الله صلّى الله عليه واَله وسلّم ، و سُنّة له . وقد ابتدأ ابن عساكر برواية بعض الأحاديث التي سمعها الحسين من جدّه ، وأوَل حديث ذكره هو [1]: قال عليه السلام: سمعت رسول الله صلّى الله عليه واَله وسلّم يقول : < ما من مسلم ولا مسلمةٍ يُصاب بمصيبة وإنْ قدم عهدها ، فيُحدِث لها استرجاعاً ، إلاّ أحدَثَ اللهُ له عند ذلك ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص36 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأعطاهُ ثوابَ ما وعده عليها يوم أُصيبَ بها( 35). أَوَ من القَدَرِ أن يكون هذا أوّل حديثٍ يُروى في ترجمة الإمام الحسين عليه السلام ? أوْ أنّ الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم أراد أنْ يلقّنَ الحسين في أوّل دروسه له ، درساً في الصبر على المُصيبة ، التي تكون قطب رحى سيرته ، ومقرونة باسمه مدى التاريخ ؟ إنّ في ذلك - حقّاً - لَعِبْرةً وحديث ثانٍ نقله ابن عساكر في ترجمة الإمام عليه السلام : [2] قال : إنّ أبي حدّثني - يرفع الحديث إلى النبيّ صلّى الله عليه واَله وسلّم - أنّه قال : المغبون : لا محمود ، ولا مأجور ( 36). وهذا درس نبويّ عظيم : فإنّ عمل الإنسان لدنياه يستتبعُ الحمدَ ، وعمله لاَخرته يستتبعُ الأجر ، والأعمالُ بالنيّات . أمّا أنْ يُحتالَ عليه ويُغبَنَ ، فيؤخذَ منه ما لا نيّة له في إعطائه ، فهذا هو المغبونُ الذي لا يُحمدُ على فعله إنْ لم يُعاتَبْ ، ولا يؤجرُ على شيءِ لم يقصدْ به وجهَ الله والخير ، بل هو أداة لتجرُّؤ الغابنين واستهتارهم ، كما يؤدّي إلى الاستهزاء بالقِيَم و استحماق الناس. ففي هذا الحديث دعوة إلى التنبهِ والحذر واليقظة ، حتّى في الأُمور البسيطة الفرديّة ، فكيف بالأُمور المصيريّة التي ترتبط بحياة الأُمّة ؟ إنّ في ذلك - أيضاً - عِبْرةً ، لقّنها الرسولُ صلّى الله عليه واَله وسلّم لحفيده الحسين عليه السلام. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (35) و (36 ) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور (7 /115). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص37 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 9- بيعة الرسول الّذين لم يبلغوا الحُلُمَ لم يُكلَفوا في الدين الإسلامي بما يشقّ عليهم ، ولم يُعامَلوا إلاّ بما يلائم طفولتهم من الاَداب . فأمر مثل البيعة , التي تعني الالتزام بما يَقع عليه عقدها ، لا يصدُر إلاّ من الكبار ، لأنّها تقتضي الوعيَ الكاملَ ، ومعرفة المسؤوليّة ، والشعور بها ، وتحمّل ما تستتبعه من أُمور ، وكلّ ذلك ليس للصغار قبل البلوغ فيه شأن . إلاّ أنّ النبيّ صلّى الله عليه واَله وسلّم ميّزَ بعض من كان في عمر الصغار من أهل البيت عليهم السلام بقبول البيعة منهم . وهذا يستلزم أنْ يكون عملهم بمستوى عمل الكبار ، وإلاّ لنافى الحكمة , التي انطوى فعل الرسول عليها بأتمّ شكلٍ وبلا ريبٍ فالمسلمون يربأون بالنبيّ وحكمته ، أن يقوم بأمرٍ لغوٍ . وجاء الحديث عن الإمام أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام : [194] أنّه قال : إنّ النبي صلّى الله عليه واَله وسلّم بايعَ الحسن والحسين ، وعبد الله بن عبّاس ، وعبد الله بن جعفر ، وهم صغار لم يبلغوا . قال : ولم يبايع صغيراً إلاّ منِّا (37). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (37 ) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور ( 7 / 129 ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص38 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وتدل هذه البيعة على أنّ قلّة الأعوام في أولاد هذا البيت الطاهر ، ليستْ مانعةً عن بُلوغهم سنّ الرشد المؤهّل للأعمال الكبيرة المفروضة على الكبار ، مادام فعلُ الرسول المعصوم يدعمُ ذلك ، ومادام تصرّفهم يكشف عن أهليّتهم ومادام الغيبُ ، والمعجز الإلهيّ يُبَيّن ذلك . فليس صِغَرُ عمر عيسى عليه السلام مانِعاً من نبوّته مادام المعجِز يرفده في المهد يكلّم الناس صبيّاً ، وليس الصِغرَ في عمر الحسين مانِعاً من أن يُبايعه جدّه الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم . 10-الرسولُ يعملُ وَجَدَ الرسولُ صلّى الله عليه واَله وسلّم سبطَه الحسينَ ، يلعبُ مع غلمانٍ في الطريق ، فأسرعَ الجد أمامَ القوم ، وبسطَ يديه ليحتضنَه ، فطفق الحسينُ يمرُّ هاهنا مرّةً ، وهاهنا مرّةً ، يُداعبُ جدّه ، يفرّ منه دلالاً ، كما يفعلُ الأطفالُ ، فجعلَ الرسولُ العظيم يُضاحكُهُ حتّى أخذه . ذكر هذا في الحديث ، وأضاف الراوي له ، قال[: [112 و115] فوضع الرسولُ إحدى يديه تحت قفاه ، والأُخرى تحت ذقنه ، فوضع فاه على فيه ، فقبّله ، وقال : حُسينٌ منّي ، وأنا من حُسين ، أحَبَ الله من أحبَ حُسيناً ، حُسين سِبْط من الأسباط (38). إنّ الرسول - وهو يحمل كرامة الرسالة ، وثقل النبوّة ، وعظمة الأخلاق ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (38 ) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور (7 ./ 120) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص39 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهيبة القيادة - يُلاعبُ الطفلَ على الطريق . فلابُدّ أن يكون لهذا الطفل شأنٌ كريمٌ ، وثقيلٌ ، وعظيمٌ ، ومهيبٌ ، مناسبٌ لشأن الرسول نفسه ، ويُعلن عن سبب ذلك فيقول : حُسَينٌ منّي وأنا من حُسَينٍ ,ليؤكّد على هذا الشأن ، وأنّهما - : الحسين والرسول - وِفقان ,كما سنراه في الفقرة التالية [11]. ومنظر آخر : حيثُ الرسولُ , الذي هو أشرف الخلق وأقدسهم ، فهو الوسيط بين الأرض وبين السماء ، فهو أعلى القِمَم البشريّة التي يمكن الاتّصال بالسماء مباشرة ، بالاتّصال بها . ومَنْ له أنْ يرقى هذا المُرتقى العالي ، الرهيب ؟ لا أحدَ ، غيرُ الحسنِ ، وأخيه الحسينِ ، فإنّهما كانا يستغلاّن سجود النبيّ صلّى الله عليه واَله وسلّم إذا صلَى ، فيثبانِ على ظهره ، فإذا استعظم الأصحاب ذلك وأرادوا منعهما ، أشار النبي إليهم أنْ :دعوهما .ثمّ لا يرفع الرسول رأسه من سجوده حتّى يقضيا وطرهما ، فينزلان برغبتهما . وفي نصّ الحديث [116 و142 و143] : فلمّا أن قضى الرسول الصلاةَ ، وضعهما في حجرهِ ، فقال : مَنْ أحبّني ، فليحبَ هذينِ. إنّ عملهما مع لطافته لا يستندُ إلى طفولةٍ تفقد الوعي والقصد ، لأنّهما أجَلُّ من أن لا يُميّزا بينَ حالة الصلاة وغيرها ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص40 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وموقف الرسول العظيم تجاههما لا يستند إلى عاطفةٍ بشريّة فهو في أعظم الحالات قرباً من الله . فهما يصعدان على هذه القمّة الشمّاء ، وهو في حالة العروج إلى السماء ، فإنّ الصلاة معراج المؤمن ، والرسول سيّد المؤمنين . فأيّ تعبيرٍ يمكن أنْ يستوفي وصف هذه العظمة ، وهذا العُلوّ ? ? وهذا الشموخ ? الذي لا يُشك في تقرير الرسول له ، وعدم معارضته إيّاه بل إظهاره الرضا والسرور به . وهل حَظِيَ أحَد بعدَهما بهذه الحظوة الرفيعة ? كلاّ ، لا أحد . أمّا قبلهما ، فنعم : أبوهما عليٌّ ، الذي هو خيرٌ منهما ، قد رَقِيَ - بأمْر من الرسول - ظهرَه الشريف ، يومَ فتح مكّة ، فصعدَ على سطح الكعبة وكسّر الأصنام , وفي ذلك المقام قال الإمام عليه السلام: خُيلَ إليَ لو شِئْتُ نِلْتُ اُفُقَ السماء (39). إنّ الشرفَ في الرُقيّ على ظهر النبيّ صلّى الله عليه واَله وسلّم - وهو المثال المجسَد للقُدس والعُلوّ - لا يزيد على شرف الصاعد ، إذا كان مثل عليّ والحسن والحسين ، ممّن هو نفس النبيّ أو فلذة منه . وقد عبّر الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم عن هذه الحقيقة في حديثه مع عمر ، لمّا قال : ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (39) المستدرك على الصحيحين (2 /366). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص41 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [148] رأيتُ الحسنَ والحسين على عاتقي النبيّ صلّى الله عليه واَله وسلّم، فقلتُ: نِعْم الفرسُ تحتكُما فقال النبيّ صلّى الله عليه واَله وسلّم: ونِعْمَ الفارسان هُما(40). إنّه نَفْث لروح الفروسيّة ، وتعبير عن أصالة الشرف ، بلا حدود 11-الرسول يقول ولاحظنا أنّ الرسول - بعد أن يعمل - يقول : حسينٌ منّي وأنا من حسين. فأمّا أنّ الحسينَ من الرسول ، فأمرٌ واضحٌ واقعٌ ، فهو سبطه : ابن بنته ، وَلَدَتْه الزهراءُ وحيدةُ الرسول ، من زوجها عليّ ابن عمّ الرسول . ومع وضوح هذه المعلومة ، فلماذا يُعلنها الرسول ، وماذا يريد أن يُعلن بها ؟ هل هذا تأكيدٌ منه صلّى الله عليه واَله وسلّم على أنّ عليّاً والد الحسين هو نفسُ الرسول , تلك الحقيقة التي أعلنتها آية المباهلة ؟ كما سبق في الفقرة [5] أو أنّ الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم يريد أن يُمَهّد بهذه الجملة : حُسَينٌ منّي , لما يليها من قوله : وأنا من حُسينٍ ? تلك الجملة المثيرة للتساؤل : كيف يكون الرسول من الحسين ؟ والجواب : أنّ الرسول ، لم يَعُدْ بعدَ الرسالة - شخصاً ، بل أصبحَ مثالاً ، وَرمْزاً ، وأُنموذجاً ، تتمثّل فيه الرسالةُ بكلّ أبعادها وأمجادها ، فحياتُه هي رسالتُه ، ورسالتُه هي حياته . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (40 ) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور( 7 /122). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص42 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومن الواضح أنّ أيّ والدٍ إنّما يسعى في الحياة ليكون له ولد ، كي يخلفَه ، ويحافظ عَلى وجوده ليكون استمراراً له . فهو يدافع عنه حتّى الموت ويحرصُ على سلامته وراحته ، لأنّه يعتبره وجوداً آخر لنفسه إذا كانت هذه رابطةُ الوالد والولد في الحياة المادّية ، فإنّ الحسين عليه السلام قد سعى من أجل إحياء الرسالة المحمديّة بأكبر من ذلك ، وأعطاها أكثر ممّا يُعطي والد ولَده ، بل قدّم الحسينُ في سبيل الحفاظ على الرسالة كلّ ما يملك من غالٍ ، حتّى فلذات أكباده : أولاده الصغار والكبار ، وروّى جذورها بدمه ودمائهم , فقد قدّم الحسين عليه السلام للرسالة أكثر ممّا يقدّم الوالدُ لولده ، فهيَ إذنْ أعزّ من ولده ، فلا غروَ أن تكون هي مِنهُ . وقد ثبتَ للجميع - بعد كربلاء- أنّ الرسالة التي كانت محمّدية الوجود ، إنّما صارت حُسينيّة البقاء . فالرسالة المحمّديّة التي مثّلتْ وجودَ الرسول ، كانت في العصر الذي كادتْ الأيدي الأُمويّة الأثيمة أنْ تقضيَ على وجودها ، قد عادتْ من الحسين ولذلك قال صلّى الله عليه واَله وسلّم : . . . وأنا من حسين . ولم تقف تصريحاتُ الرسول في الحسين عند هذا الحدّ ، بل هناك نصوص أُخر تكشف أبعاداً عميقةً في العلاقة بين الحسين وجدّه ، وتبتني على أُسس ثابتة للاهتمام البالغ من الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم بسبطيه الحسن والحسين . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص43 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فممّا قال فيهما : [58 - 60]: الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا(41). حتّى كنّى أباهما عليّاً : أبا الريحانتين , وقال له [159 - 160] : سلام عليك ، أبا أوصيك بريحانتَيَ من الدنيا ، فعن قليلٍ ينهدّ ركناك ، والله خليفتي عليك( 42 ) . فلمّا قبض النبيّ صلّى الله عليه واَله وسلّم قال عليّ عليه السلام : هذا أحد الركنين . فلمّا ماتت فاطمة عليها السلام ، قال عليه السلام : هذا الركن الاَخر . فبقى الحسنان نعم السلوة لعليّ بعد أخيه الرسول وبعد الزهراء فاطمة البتول ، يَسْتَر عليه السلام بالنظر إليهما ، ويتمتّع بشبههما بالرسول ، ويشمّهما ، كما كانا الرسول الله صلّى الله عليه واَله وسلّم ريحانتيْهِ ، ويقول لفاطمة [124]: ادعي لي بابنيّ > فيشمهمّا ويضمهمّا( 43). والحديث المشهور عنه صلّى الله عليه واَله وسلّم : [62 - 82] الحسنُ والحسينُ سيّدا شباب أهل الجنّة( 44) الذي رواه من الصحابة : أبوهما عليّ عليه السلام ، والحسينُ نفسُه ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (41) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور (7 / 118) ( 42) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور (7/ 123) (43) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور (7 /120) (44) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور (7/ 119) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 44 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وابنُ عبّاس ، وعمرُ بن الخطّاب ، وابنُ عمر ، وابنُ مسعود ، ومالكُ بن الحويرث ، وحُذَيْفةُ بن اليمان ، وأبو سعيد الخُدْري ، وأنسُ بن مالك . ونجد في بعض ألفاظ الحديث تكملة هامّة حيث قال الرسولُ صلّى الله عليه واَله وسلّم : [69 و71] . . . وأبوهما خير منهما (45) وإذا كانت الجنّةُ هي مأوى أهل الخير ، وقد حتمها الله للحسنين ، وخصّهما بالسيادة فيها ، فما أعظم شأن من هُوَ خير منهما ، وهو أبوهما عليّ عليه السلام ؟ لكن إذا كان الحديث عن الحسنَيْن ، فما لأبيهما يُذكر هاهُنا ؟ إنّ النبيّ صلّى الله عليه واَله وسلّم المتّصل بالوحي ، والعالِم من خلاله بما سيُحدثه أعداء الإسلام ، في فتراتٍ مظلمة من تاريخه ، من تشويهٍ لسمعة الإمام عليّ عليه السلام ، مع ما له من شرف نَسَبه ، وصهره من رسول الله ، وأُبوّته للحسن والحسين فإنّهم لم يتمكّنوا من تمرير مؤامراتهم على الناس ، إلاّ بالفصل بين السبطين الحسنين فيُفضّلونهما ، وبين عليّ فيضلّلونه !! لكنّ الرسولَ ، يوم أعلنَ عن مصير الحسنين ، ومأواهما في الجنّة ، وسيادتهما فيها ، أضاف جملة : وأبوهما خير منهما , مؤكّداً على أنّ الّذين ينتمون إلى دين الإسلام ، ويقدّسون الرسولَ و حديثَه و سُنّته ، ويحاولون أن يحترموا آل الرسول ، وسبطيه ، لكونهما سيّدي شباب أهل الجنّة ، ولأنهما من قُربى النبيّ صلّى الله عليه واَله وسلّم ، مُتجاوزينَ عليّاً تبعاً لِما أملَتْ عليهم سياسةُ الطغاة البُغاة من تعاليم .. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (45 ) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور (7 /119). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص45 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إنّ هؤلاء على غير هَدْي الرسول!! إذْ مهما يكنْ للحسن والحسين من مؤهّلات اكتسبا بها سيادة الجنّة ، أوضحُها انتماؤهما إلى الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم ، فهما سبطاه من ابنته الزهراء فاطمة , فأبوهما عليّ اكتسبَه بأنّه ابن عمّه نسباً ، وربيبه طفلاً ، ونفسه نصّاً ، وصهره سبباً ، وهو زوج الزهراء فاطمة ، وهو خيرٌ منهما لفضله في السبق والجهاد ، وكلّ الذاتيّات التي منه أخذاها ، والتي جعلته أخاً وخليفة للنبيّ ، وكفؤً للزهراء ، وأباً للحسنين ، وإماماً للمسلمين . ومع وضوح هذا التصريح النبويّ الشريف ، فإنّ التَعتيم المضلّل الذي كثّفه بنو أُميّة ، فملأوا به أجواءَ البيئات الإسلامية مَنَعَ من انصياع الأُمّة لفضل عليّ عليه السلام ، فهاهم يفضّلون الحُسَينَ وأُمَهُ ، ويُحاولون غمط فضل عليّ ، وفصله عنهما : ففي الحديث ، قال مولىً لحُذيفةَ : [202] كانَ الحسينُ آخذاً بذراعي في أيّام الموسم ، ورجلٌ خلفَنا يقول : الّلهمّ اغفر له ولأُمّه . فأطال ذلك . فتركَ الحسينُ عليه السلام ذراعي ، وأقبل عليه ، فقال : قد آذيتنا منذ اليوم تستغفرُ لي ، ولأُمّي ، وتترك أبي وأبي خير منّي ، ومن أُمّي !! 12-الحسين والبكاء روى ابن عساكر بسنده قال : [170] خرج النبيّ صلّى الله عليه واَله وسلّم من بيت عائشة فمرّ ببيت فاطمة ، فسمع حُسيناً يبكي ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص46 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقال : ألم تعلمي أنّ بُكاءه يؤذيني (46). [319] وقال صلّى الله عليه واَله وسلّم لنسائه : لا تُبكوا هذا الصبيّ - يعني حسيناً -(47 ) ولماذا يؤذيه بكاءُ هذا الطفل بالخصوص ? وكلّ طفلٍ لابُدّ أن يبكي ، وإذا كان إنسانٌ رقيقَ العاطفة ، فلابُدّ أن يتأذّى من بكاء كلّ طفلٍ ، أيّ طفل كان ، فلماذا يذكر النبيّ العطوف ، الحسينَ خاصّة ? لكنّ القضية التي جاءت في الحديث لا تتحدّث عن هذه العاطفة ، وإنّما تشير إلى معنىً آخر , فبكاء الحُسين ، يؤذي النبيّ لأنّه يذكّره بحزنٍ عظيمٍ سوف يلقاهُ هذا الطفل ، تبكي له العيون المؤمنة وتحزن له القلوب المستودعة حبّه , وإذا كان الرسولُ صلّى الله عليه واَله وسلّم يتأذّى من صوت بكاء هذا الطفل وهو في بيت أبويه ، فكيف به إذا وقف عليه يوم عاشوراء في صحراء كربلاء وقد كظّه الظمأُ ، يطلب جرعة من الماء ؟ وإذا كانت دمعةُ الحسين تعزّ على رسول الله أن تجريَ على خده فكيف بدمه الطاهر حين يُراقَ على الأرض ؟ إنّ أمثال هذا الحديث رموز تُشير إلى الغيب ، وإلى معانٍ أبعدَ من مجرّد العاطفة وأرقّ . والأذى الذي يذكره النبيّ ، أعمقَ من مجرّد الوجع وأدقّ . وللبكاء في سيرة الحسين منذ ولادته بل وقبلها ، وحتّى شهادته بل وبعدها ، مكانة متميّزة . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (46 ) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور( 7 / 125). (47 ) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور(7 / 134). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص47 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقد بكتْهُ الأنبياء كلّهم حتّى جدّه الرسول قبل أن يولد الحسينُ , وبكاه أهلُ البيت بما فيهم جدّه الرسول يوم الولادة , وبكاه أهلُه وأصحابهُ يوم مقتله ، وبكى هو أيضاً على مصابه . وبعد مقتله بكاهُ كلّ من سَمِعَ بنبأ شهادته : أُمّهات المؤمنين ، والصحابةُ المؤمنون . وبكاهُ الأئمّة المعصومون ، ومن تبعهم ، مدى القرون حتّى جاء في رواية عن الحسين عليه السلام نفسه أنّه قال : أنا قتيلُ العَبْرة ، ما ذكرني مؤمن إلاّ وبكى . وعبّر عنه بعض الأئمّة بعَبْرة كلّ مؤمنٍ . ولقد تحدّثتُ عن مجموع النصوص الواردة في البكاء على مصيبة الحسين , في بعض الحسينيّات التي ألّفتها(48). 13-الحُب والبُغْض أنْ يُحبّ الإنسانُ أولاده ونَسْلَه ، فهذا أمر طبيعي جدّاً ، أمّا أنْ يربطَ حُبّهم بحبّه ، فهذا أمرٌ آخر ، فليس حبّهم ملازماً لحبّه ، وليس لازماً أو واجباً - في كلّ الأحوال - أن يحبَهم كلّ مَنْ أحبّ جدّهم . لكنّ الرسولَ فرضَ الربْطَ بين الحبَيْنِ ، حبَ أولاده ، و عترته ، وحبّه هو صلّى الله عليه واَله وسلّم ، فكان يُشير إلى الحسن والحسين ، ويقول : [116] مَنْ أحبَني فليُحبّ هذينِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (48 ) لاحظ : ذكرى عاشوراء وتأمّلاتها التراثية فقهياً وأدبياً - مخطوط - وجهاد الإمام السجّاد عليه السلام (ص179 - 187). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص48 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إنّ عاطفة الحُبّ بين الرسول والأُمّة ، ليس هو العشق فحسبْ ، بل هو أيضاً حُبّ العَقيدة والتقديس والإجلال والسيادة ، لِما تمتّع به الرسولُ من ذاتيّات جمالية وكمالية ، وأُبوّة ، وشرف ، وكرامة ، وجلال ، وعطف , وحنان ، وصفات متميّزة . وإذا كان الحسنان ، قد استوفيا هذه الخصالَ ، وبلغا إلى هذه المقامات حَسَباً ونَسَباً ، فمن البديهيّ أنّ مُحِبّ الرسول ، سيحبّهما ، بنفس المستوى ، لِما يجد فيهما ممّا يجد في جدّهما الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم . ولأجل هذا المعنى بالذات ، نجد الرسولَ يعكسُ تلك الملازمة ، فيقول : في نصوص أُخرى : من أحبّهما فقد أحبّني , فيجعل حُبَهُ متفرعاً من حبّهما ، بعد أن جعل في النصّ الأول حبّهما متفرّعاً من حبّهِ . فإذا كان سببُ الحُبّ ومنشؤُه واحداً ، فلا فرق بين الجملتين : مَنْ أحَبّني فليُحِبَ هذيْنِ , و مَنْ أحَبَهما فقد أحبّني . والنصوص التي أكّد فيها الرسولُ صلّى الله عليه واَله وسلّم على حُبّ آل محمّد , ومنهم الحسين عليه السلام ، كثيرة جدّاً ، روى منها ابن عساكر قسماً كبيراً(49 ). ويتراءى هذا السؤالُ : :لماذا كلّ هذه التصريحات ، مع كلّ ذلك التأكيد ? وإنّ المؤمنين بالرسالة والرسول ، لابُدّ وأنّهم يُكرمون آل الرسول , ويودّونهم ، ويحبّونهم حبّ العقيدة والإيمان وعلى أقلّ التقادير ، مشياً على أعرافٍ من قبيل :لأجْل عَيْنٍ ألْفُ عَيْنٍ تُكْرَمُ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (49) لاحظها في الصفحات (79 - 100) من تاريخ دمشق ، ترجمة الإمام الحسين عليه السلام . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص49 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ و المَرْءُ يُحفظ في وُلدهِ , تلك الأعراف التي كانت سائدةً بين أجهْل البشر في ذلك العصر ، فكيف بالّذين ملأتهم تعاليم الإسلام وَعْياً ؟ هذا ، مع الغضّ عمّا كان لأهل البيت النبويّ ، من الكرامة والشرف والمكانة العلميّة والعمليّة ، ممّا لا يخفى على أحدٍ من المسلمين . فإذا نظرنا إلى آثارهم ومآثرهم ، فهل نجد أحداً أحقّ بالحبّ والتكريم منهم ? وأَوْلى بالتفضيل والتقديم ؟ فلماذا كلّ ذلك التأكيد من جدّهم الرسول على حُبّهم , وربط ذلك بحبّه هو ؟ إنّ هذا السؤال تسهل الإجابة عنه ، إذا لاحظنا أنّ الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم قد أضاف على نصوص الملازمة الثانية : من أحبّهما فقد أحبّني , قوله :[ 118- 123] ومن أبغضهما فقد أبغضني (50) عجباً ، فكيف يُفترضُ وجود من يُبغض الحسن والحسين ؟ ولماذا يُريدُ أحدٌ ممّن ينتمي إلى دين الإسلام ، أن يُبغض الحسنَ أو الحسين ؟ وهذه الأسئلة أصعب من السؤال السابق ، قطعاً ، إذ يلاحَظ فيها : أنّ الرسولَ صلّى الله عليه واَله وسلّم قد فرضَ وجود من يُبغض الحسنين ، ورَبَطَ بين بُغضهما ، وبُغضه هو ثمّ هناك ملاحظة في مسألة البُغض ، وهي أنّ الملازمة فيه ، من طرف واحد ، وقد كان في الحبّ من الطرفين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (50) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور( 7 / 120). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص50 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فلم يَرِد في البغض : من أبغضني فقد أبغضهما ؟ وقد يكون السببُ في الملاحظة الثانية : أنّ فرض بُغض النبيّ صلّى الله عليه واَله وسلّم ، في المجتمع الإسلاميّ ، أمر لا يمكن تصوُّره ولا افتراضُه ، إذ هو يساوي الكفر بالرسالة ذاتها ، وبالمرسِل والمرسَل أيضاً . لكن بُغْض آل الرسول , فهو على فظاعته , قد تحقّق على أرض الواقع ، فقد كان في أُمّة الرسول بالذات مَن أبغضَ الحسنين ، ولعنَهما على منابر الإسلام ، بل وُجِدَ في الأُمّة مَنْ شهر السيفَ في وجهيهما ، وقاتلهما . وهل قُتِلَ الحسينُ عليه السلام على يدِ أناسٍ من غير أُمّة جدّه الرسول محمّد ? ولماذا ؟ إنّ الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم أعلنَ بالنّص المذكور - الذي هو من دلائل النبوّة - أنّ بُغضه , وإنْ لم يفترضه المسلم مُباشرةً ، ولا يتمكّن المنافق والكافر من إظهاره علانيةً ، إلاّ أنّه يتحقّق من خلال بُغْض الحسن والحسين ، لأنّ : مَنْ أبغضهما فقد أبغض النبيّ , لِما في بغضها من انتهاك المُثُل التي يحتذيانها ، ونبذ المكارم التي يحتويانها ، ورفض الشرائع التي يتّبعانها , وهي نفس المُثُل ، والمكارم ، والشرائع ، التي عند الرسول نفسه صلّى الله عليه واَله وسلّم فبغضهما ليس إلاّ بغضاً له صلّى الله عليه واَله وسلّم ولرسالته . ولقد رَتَبَ النتائج الوخيمة على بُغضهما في قوله صلّى الله عليه واَله وسلّم : [131] مَنْ أحبّهما أحببتُه ، ومَنْ أحببتُه أحبَه الله ، ومَنْ أحبَه الله أدخلهُ جنّات النعيم . ومَنْ أبغضهما أو بغى عليهما ، أبغضتُه ، ومَنْ أبغضتُه أبغضَه اللهُ ، ومَنْ أبغضَه اللُه أدخله نارَ جهنّم ، وله عذاب مقيم ( 51). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (51) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور ( 7 /121). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص51 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لكنّ الذين أسلموا رَغْماً ، ولم يتشرّبوا بروح الإسلام ، وظلّتْ نعراتُ الجاهليّة عالقةً بأذهانهم ، ومترسّبةً في قلوبهم ، جعلوا كلّ الذي وردَ عن الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم من النصوص في حقّ أهل بيته الكرام ، وارداً بدافع العاطفة البشريّة ، نابعاً عن هواهُ في أبناء ابنته مُعْرضين عن قدسيّة كلام الرسول الذي حاطه بها الله ، فجعل كلامه وحياً ، وحديثه سُنّةً وتشريعاً ، وطاعته فرضاً ، ومخالفته كفراً ونفاقاً ، وجعل ما ينطق بعيداً عن الهوى ، بل هو وحي يُوحى , فأعرضوا عن هذه النصوص الاَمرة بحبّ الحسنين ، والناهية والمتوعّدة على بغضهما ، بأشدّ ما يكون , ونبذوها وراءهم ظِهْرِيّاً ، فَعَدَوْا على آل الرسول ظلماً ، وعَسْفاً ، وتشريداً ، وسبّاً ، ولعناً ، وقتلاً . وخَلَفَ من بعد ذلك السَلَفَ ، خَلْف أضاعوا الحقّ ، وأعرضوا عن أوامر النبيّ ونواهيه ، واتّبعوا آثار سَلَفٍ وجدوه على أُمّةٍ ، وهم على آَثارهم يُهرعُون . فبعد أنْ ضيّع السَلَفُ على آل محمّدٍ فرصة الخلافة عن النبيّ ، وتوليّ حكم الأُمّة ، وقهروهم على الانعزال عن مواقع الإدارة ، وغصبوا منهم أريكة الإمامة ، وفرّغُوا أيديهم عن كلّ إمكانات العمل لصالح الأُمّة ، وأودعوا المناصب المهمّة والحسّاسة في الدولة الإسلاميّة بأيدي العابثين من بني أُميّة والعبّاس . وبعد أنْ أضاعَ الخَلَفُ على آل محمّدٍ فُرَصَ إرشاد الأُمّة وهدايتها تشريعيّاً ، فلم يفسحوا لفقههم أن يُنشَر بين الأُمّة ، ومنعوهم من بيان الأحكام الإلهيّة ، وحرّفوا وِجْهة الناس عنهم ، إلى غرباء دخلاء على هذا الدين واُصوله ، وسننه ومصادر معرفته وفكره . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (52) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور ( 7 /121). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 52 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فأصبحتْ الأُمّةُ لا تعرفُ أنّ لاَل محمّدٍ صلوات الله وسلامه عليهم فقهاً يتّصِل - بأوضح السُبُل وأصحّ الطرق - برسول الله صلّى الله عليه واَله وسلّم مُباشرةً ، ويستقي أحكامه من الكتاب والسُنّة ، من دون الاتّكال على الرأي والظنّ ، بل بالاعتماد على اُصول علميّة يقينيّة . وأمست الأُمّةُ لا تعرفُ أنّ علوم آل محمّد ، محفوظةٌ في كنوز من التُراث الضخم الفخم ، يتداوله أتباعهم حتّى اليوم . ولكنْ لمّا كُتبت السُنّة الشريفة وجُمعتْ ودُوّنتْ ، وبرزتْ للناس المجموعة الكبيرة من أحاديث الرسول الداعية إلى حُبّ آل محمّد , وقفَ الخلفُ على حقيقةٍ مُرّةٍ ، وهي : كيف كان موقف السَلَف من آل محمّد ? وأين موقع آل محمّد في الإسلام حكماً وإدارةً ، وفقهاً وتشريعاً ؟ فأين الحب الذي أمر به الرسولُ ، لأهل بيته ؟ وكيف لا نجد في التاريخ من آل محمّد إلاّ مَنْ هو مقتولٌ بالسيف ، أو بالسمّ ، أو معذّبٌ في قعر السجون وظُلَمِ المطامير ، أو مُشَرَد مطارَد ، أو مُهان مبعد ؟ فكيفَ يكونُ البُغضُ ، الذي نهى عنه الرسول لأهل بيته ، إن لم يكن هكذا ؟ فلّما وقفَ الجيلُ المتأخّر على هذه الحقيقة المرّة ، وخوفاً من انكشاف الحقائق ، ولفظاعة أمر البغض المعلن ، ولكي لا تحرقهم ناره المتوعّد بها ، لجأوا إلى تحريفٍ وتزوير ، انطلى على أجيالٍ متعاقبة من أُمّة الإسلام . وهو ادّعاء حُبّ آل الرسول , مجرّدَ اسم الحُبّ ، الفارغ من كلّ ما يؤدي إلى إعطاء حقّ لهم في الحكم والإدارة ، أو الفقه والتشريع . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص53 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقد صنّفوا على ذلك الأحاديث وجمعوا المؤلّفات ، مُحاولين إظهار أنّهم المحبّون لاَل محمّد ، مُتناسين ، ومتغافلين : أنّ الحبّ - الذي يؤكّد عليه الرسولُ لنفسه ولأهل بيته ، صلّى الله عليه واَله وسلّم - ليس هو لفظ الحبّ , ولا الحبّ العشقيّ الفارغ من كلّ معاني الولاء العمليّ ، والاقتداء والاتّباع والتأسّي ، ورفض المخالفة ، ونبذ المخالفين . فلو أظهر أحدٌ الحبَ لرسول الله صلّى الله عليه واَله وسلّم ولم يعمل بشريعته وخالف الأحكام التي جاء بها ، ولم يتعبّد بولايته وقيادته وسيادته ، ولم يلتزم بنبوّته ورسالته لم يكن مُحبّاً له صلّى الله عليه واَله وسلّم . فكيف يكون محبّاً لاَل محمّد عليهم السلام مَنْ لم يُتابعهم في فقههم ، ولم يأخذ الشريعة منهم ، ولم يقرّ بإمامتهم ، ولم يعترفْ بولايتهم ، ولم يُسندْ إليهم شيئاً من أُمور دينه ولا دنياه ؟؟ أنّها إحدى الكُبَر . فضلاً عمّن واجَهَ آل محمّد بالقتْل واللعن والتشريد ، فهل يحقّ لمثلهم أنْ يدّعوا حبّ الرسول ? واتّباعه ? وهو الذي يقول : ومن أبغضهم أبغضني ؟ فكيف بمن قتلهم ولعنهم على المنابر ? وسبى نساءهم وأولادهم في البلاد ؟ وإنّ من التغابي أنْ يرتديَ في عصرنا الحاضر بعضُ السلفييّن ، تلك العباءة المتهرّئة ، عباءة التحريف للحقائق ، فيُنادي :علّموا أولادكم حُبّ الرسول وآل الرسول , ويطبع كتاباً بهذا الاسم مُتجاهلاً معنى حُبّ الحسين - مثلاً - وقد مضى على استشهاده أكثر من ألف وثلاثمائة وخمسين عاماً وكيف يكون الحبّ للأموات ? ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص54 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أليس بتعظيم ذكرهم ، ونشر مآثرهم ، الاستنان بسنتهم ، واتّباع طريقتهم ، والتمجيد بمواقفهم ، ونبذ معارضتهم ، ورفض معانديهم ، ولعن قاتليهم وظالميهم ؟ فكيف يدّعي حُبَ الحسين ، مَنْ يمنع أن يُجرى في مجلسٍ ذكر الحسين ، والتألّم لمصابه ، وذكر فَضائله ، والإعلان عن تأييد مواقفه ، وإحياء ذكراه سنويّاً بإقامة المحافل والمجالس ؟ أو من يُحرّم ذكر قاتله بسوء ، وذكر ظالميه بحقائقهم ؟ أو من يُحاول أن يبّرر قتله ، ويُوجّهَ ما جرى عليه ، بل يعظّم قاتله ويمجّده ، ويصفه بإمرة المؤمنين ؟ ويَقْسو على محبّيه ، وذاكريه ، والباكين عليه ? ومع ذلك يدّعي حُبّه , ويدعو إليه إنّ التلاعُب بكلمة : الحُبّ , إلى هذا المدى ليس إلاّ تشويهاً لقاموسَ اللغة العربيّة ، ومؤدّى ألفاظها ، وتجاوزٌ على أعراف الأُمّة العربيّة ، وهذا تحميق للقرّاء ،واستهزاء بالثقافة والفكر والحديث النبوي . إنّها سُخرية لا تُغتفر 14-السلم والحرب إذا أفاضَ الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم في ذكر فضائل أهل البيت : عليّ وفاطمة والحسن والحسين ، عليهم السلام ، فهو العارفُ بها وبهم ، والمعلّم الذي يُريد أنْ يُعرّف أُمّته بهؤلاء الّذين سيخلُفُونه من بعده هُداةً لا تضل الأُمّة ما تمسّكت بهم . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص55 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقد صرّح الرسول بذلك ، عندما ذكرهم بأسمائهم ، وقال : [158] ألا ، قد بيّنتُ لكم الأسماء ، أنْ تضلّوا( 52). ولقد أعلن الرسولُ عن فضلهم في كلّ مشهدٍ وموقفٍ ، وبلّغ كلّ ما يلزمُ من التمجيد بهم ، وإيجاب مودّتهم وحبّهم ، والنهي عن بغضهم وإيذائهم ، فأبلغَ ما هو مشهور مستفيض ، من دون نكير . أمّا أن يُعلنَ الرسولُ صلّى الله عليه واَله وسلّم عن أنّه : سلم لمن سالموا ، وحرب لمن حاربوا ,فهذا أمر عظيم الغرابة فهل هم في معركة ؟ أو يتوقّع الرسولُ أن تُشَنَ حرب ضدّ أهله ? فيُعلن موقفه منها , و ها هم أهله يعيشون في كنفه ، وفي ظلّ تجليله واحترامه ، ويغمرهم بفيض تفضيلاته ، وإيعازه للأُمّة بتقديسهم وتكريمهم , فمن الغريب حقّاً أنْ يجمع عليّاً وفاطمة ، والحسنَ والحسين ، ويقول لهم : [135] أنا سلم لمن سالمتُم ، وحرب لمن حاربتم . و يقول في مرضه الذي قُبض فيه : [134] حَنا عليهم وقال : أنا حَرْبٌ لمن حاربكم ، وسِلْمٌ لمن سالمكم. 52) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور ( 7/ 123). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص56 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ووجه الغرابة : أنّ الإنسان يكادُ يقطع بأنّه لم يَدُرْ في خَلَدِ أيّ واحدٍ ممّن عاصر الرسول وآمن به ، أو صحبه فترة وسمعَه يؤكّد ويكرّر الإشادة بفضل أهل البيت وتكريمهم وتفضيلهم وتقديمهم ، حتّى آخر لحظة من حياته في مرض موته , لم يَدُرْ في خَلَد واحدٍ من الصحابة المؤمنين بالرسالة المحمّدية أنْ يشنّ حرباً على آل الرسول ، أو يضرمَ ناراً على بابهم , أو يشهر سيفاً في وجه أحدهم ? أو يحرق خبأهم وفيه النساء والأطفال ؟ فلذلك لم يُوجّه رسول الله صلّى الله عليه واَله وسلّم خطاباً بهذا المضمون إلى الأُمّة ، لأنّهم كانوا يذعرون ، لو قال لهم : سالموا أهل بيتي ، ولا تُحاربوهم . لكنّها الحقيقة التي يعلمها الرسولُ من وحي الغيب ، ولابُدّ أن يقولها لآَله حتّى يكونوا مستعدّين لها نفسّياً ، ولا ينالهم منها مفاجأة ، ولا يُسْقَط في أيديهم. فلذلك وجّه الخطاب إليهم بذلك خاصّة ، في كلّ النصوص ، وكأنّه دعمٌ معنويٌّ منه ، لمواقفهم ، وحثّ لهم على المضيّ في السبيل التي يختارونها ، وهكذا كان : فما أن أغمض النبيُّ عينيْه ، حتّى بدت البغضاءُ ضدَّ أهل البيت : فكانت لهم مع ابنته الزهراء فاطمة مواقفُ أشدّ ضراوةً من حروب الميادين ، لأنّها حدّدتْ أُصول المعارضة ، ومعالمها ، وكشفتْ عن أهدافها , وقد جاءتْ صريحةً في خطاباتها الجريئة التي أعلنتها في مسجد رسول الله , فطالبتْ أبا بكر بحقوق آل محمّد من بعده : من مقام زوجها في الخلافة ، ونحلة أبيها في فدك ، وإرثها منه كما كتبه الله وشرّعه في القرآن . فقامتْ عليها السلام تُحاكمه في مسجد رسول الله ، أمام الأُمّة ، معلنةً لمطالبها بمنطق الأدلّة المحكمة ، من القرآن الكريم ، والسُنّة الشريفة ، وبالوجدان والضمير ، ومُنادية بلسان أبيها الرسول وذاكرة وصاياه بحقّها . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص57 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقوبلتْ بالنكران والخذلان . فصرّحتْ وهي تُشهد الله ، بأنّها لهم قالية ، وعليهم داعية غاضبة تذكّرهم بحديث أبيها - المتمثّل على الأذهان - القائل : فاطمة بَضْعَة مِنّي ، فَمَنْ أغْضَبَهَا أغْضَبَني (53) ذلك الحديث الذي لم يملك أحد تجاهه غير القبول والتسليم والإذعان . وتموت فاطمة عليها السلام شهيدة آلامها وغُصّتها . ثمّ حروب أُثيرت ضدّ عليّ عليه السلام : في وقعة الجمل ، حيثُ اصطفّت مع عائشة فئةٌ ناكثةٌ بيعتَها له , تُحارب الإمام إلى صفّ الزبير وطلحة ، يطالبون بدمٍ ليس لهم . وفي صفّين ، حيث تصدّت الفئة الباغية لحقٍّ قد ثبت للإمام عليّ عليه السلام وأقرَ به الصحابةُ أنصاراً ومهاجرين ، وفضلاء الناس التابعين ، وإلى صفّه كبيرّ المهاجرين والأنصار : عمّارُ , الذي بشّره الرسولُ صلّى الله عليه واَله وسلّم بالجنّة ، وقال له : تقتلك الفئة الباغية ,فقتلته فئةُ معاوية . وفي النهروان ، حيثُ واجهه القُراَنيّون ,الّذين لم يتجاوز القرآن تراقيهم ، الّذين مرقوا من الدين كما تمرق الرمية من السهم ، فكانوا هم الفئة المارقة . وفي كلّ المواقف والمشاهد ، وقفَ الحسنان إلى جنب أبيهما أمير المؤمنين عليه السلام . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (53) صحيح البخاري ( 5/ 36) باب مناقب فاطمة عليها السلام و (5 /26) باب مناقب قرابة رسول الله صلّى الله عليه واَله وسلّم . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص58 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وحُوربَ الحسنُ عليه السلام عسكرياً ، ونفسيّاً ، حتّى قضى . وحُوربَ الحسينُ عليه السلام ، حتّى سُفك دمه يوم عاشوراء . إنّ الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم أعلن موقفه من كلّ هذه الحروب في حديثه لهم : أنا حرب لمن حاربكم. فإنّما حُوربَ أهل البيت ، لأنّهم التزموا بهدى الرسول . وقد أدّى كلّ منهم ما لديه من إمكانات ، في سبيل الرسالة المحمّدية ، حتّى كانتْ أرواحهم ثمناً للحفاظ على وجودها ، كي لا تخمد جذوتها ، ولا تنطمس معالمها . 15-وديعةُ الرسول ولم يدّخر الرسولُ صلّى الله عليه واَله وسلّم وُسْعاً في إبلاغ أُمّته ما لأهل بيته من كرامةٍ وفضلٍ وحُرمةٍ ، منذُ بداية البعثة الشريفة ، من خلال وحي الاَيات الكريمة ، وما صَدَرَ منه صلّى الله عليه واَله وسلّم من قولٍ ، وفعلٍ ، وعلى طول الأعوام التي قضاها في المدينة المنوّرة بين أصحابه وزوجاته في المسجد ، وفي الدار ، وخارجهما على الطريق ، وفي كلّ محفل ومشهد . لقد وَعَدَ على حبّهم ، وتوعَدَ على بُغضهم وحربهم ، وأبلغَ ، وأنذرَ ، ورغّبَ وحذّر ، بما لا مزيدَ عليه . ولمّا حُضِر ، ودَنَتْ وفاتُه ، اتّخذ قراراً حاسِماً نهائياً ، في مشهد رائع ، يخلد على الأذهان ، فلنصغ للحديث من رواية أنس بن مالك خادم النّبي صلّى الله عليه واَله وسلّم : ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص59 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [167] جاءت فاطمة ، ومعها الحسن والحسين ، إلى النبيّ صلّى الله عليه واَله وسلّم ، في المرض الذي قبض فيه . فانكبّتْ عليه فاطمة ، وألصقتْ صدرها بصدره ، وجعلت تبكي ، فقال النّبي صلّى الله عليه واَله وسلّم : مَهْ ، يا فاطمة , ونهاها عن البكاء . فانطلقت إلى البيت ، فقال النبي صلّى الله عليه واَله وسلّم - وهو يستعبر الدموع - : اللّهمّ أهل بيتي ، وأنا مستودعهم كلّ مؤمن , ثلاث مرّات( 54) فالمشهدُ رهيبٌ : رسول الله صلّى الله عليه واَله وسلّم مسجّىً ، ستفقده الأُمّة بعد أيّام ، وتفقد معه : الرحمة للعالمين , وأمّا أهل البيت عليهم السلام ، فسيفقدون - مع ذلك - الأبَ ، والجدَ ، والأخَ ، تفقد الزهراء أباها ، ويفقد الحسنان جدّهما ، ويفقد علي أخاه وانكبابُ فاطمة على أبيها ، يعني منتهى القُرْبِ ، إذ لا يفصلُ بينهما شيء سوى الصدر ، والصدرُ محلّ القلب ، والقلبُ مخزنُ الحبّ ، فالتصاق الصدرين بين الأب والبنت ، في مرض الموت ، يُنبىء عن منظر رهيب مليء بالحزن والعاطفة ، بما لا يمكن وصفه . وليس هناك ما يعبّر عن أحزان فاطمة عليها السلام ، إلاّ العَبْرة تجريها ، والرسول الذي يؤذيه ما يؤذي ابنته فاطمة ، لا يستطيع أن يشاهدَها تبكي ، فينهاها . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (54) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور ( 7/ 124). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص60 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لكنّه هو الاَخر ، لا يقلّ حزنهُ على مفارقة ابنته الوحيدة ، وسائر أهل بيته ، الذي أعلمه الغيبُ بما سيجري عليهم من بعده ، فلم يملك إلاّ استعبار الدموع . على ماذا يبكي رسول الله ؟ إنّ كلامه الذي قاله يكشفُ عن سبب هذا البكاء في مثل هذه الحالة ، والمحتضرُ إنّما يوصي بأعزّ ما عنده ، فهو في أواخر لحظات حياته ، إنّما يفكّر في أهمّ ما يهتمّ به ، فيوصي به ، والرسول يُشهدُ الله على ما يقولُ ، فيقول : اللّهمّ ، أهل بيتي . ويجعلهم وديعةً , يستودعُها كلَ مؤمنٍ برسالته ، وحفظ الوديعة من واجبات المؤمنين } الَذِينَ هُمْ لأِمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ {[الآية 8 من سورة المؤمنون 23 ] ويؤكّد على ذلك ، فيقوله ثلاث مرّات . ولا يُظنّ - بعد هذا المشهد ، وهذا التصريح - أنّ هناك طريقة أوغلَ في التأكيد على حفظ هذه الوديعة ، ممّا عمله الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم ، ولكن لنقرأ السيرة الحسينيّة لِنجدَ ما فعلته الأُمّة بوديعة الرسول هذه وفي خصوص الحسين جاء حديث الوديعة , في رواية زيد بن أرقم قال : [322] أما - والله - لقد سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه واَله وسلّم يقول: اللّهمّ إنّي استودعكه وصالح المؤمنين . وقد ذكر ابن أرقم هذا الحديث في مشهد آخر ، حيثُ كان منادماً لابن زياد ، فجيْ برأس الحسين ، فأخذ ينكث فيه بقضيبه ، فتذكّر ابن أرقم هذا الحديث ، كما تذكّر أنّه واجب عليه أن يقوله في ذلك المشهد الرهيب الاَخر ، وراح يتساءل : ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص61 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فكيف حفظُكم لوديعة رسول الله صلّى الله عليه واَله وسلّم ؟ مع أنّ زيد بن أرقم نفسه هو ممّن يُوَجَه إليه هذا السؤال ؟ وسنقرأ الإجابة في الفصل [31] ضمن : المواقف المتأخّرة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص63 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثانياً : بعد غياب الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم: 16- ضَياع بعدَ الرسول 17- موقف من عمر 18- مع أبيه في المشاهد 19- في وداع أخيه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص65 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 16- ضياع بعد الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم ولئن ذهبَ قولُهم : المرء يُحْفَظُ في ولده ,مثلاً سائراً فإن لذلك أصلاً قرآنياً أدّبَ اللهُ به عباده المؤمنين ، على لسان عبده الصالح الخضر ، حيث أقام الجدار الذي كان للغلامين اليتيمين في المدينة ، معلّلاً بأنّه ( كَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً ) [الاَية 81 من سورة الكهف 18] فلصلاح أبيهما استحقّ الغلامانِ تلك الخدمة من الخضر . لكنّ كثيراً ممّن ينتسب إلى أُمّة النبيّ محمّد صلّى الله عليه واَله وسلّم ، لم يُكرموا آلَ محمّد ، من أجل الرسول ، ولم تُمهل الأُمّة أهلَ البيت ، أكثر من أن يُغمِضَ الرسولُ عينيه ، ولمّا يقْبر جسده الشريف ، عَدَوْا على آله ، فغصَبُوا حقّهم في خلافته ، ثم انهالوا عليهم بالهتك والضرب ، حتّى أقدموا على إضرام النار في دار الزهراء ابنته ، وأسقطوا جنينها ، وأغضبوها ، حتّى قضت الأيّام القلائل بعد أبيها معصّبةَ الرأس ، مكسورة الضلع ، يُغشى عليها ساعة بعد ساعة ، وماتت بعد شهور فقط من وفاة أبيها ، وهي لهم قالية وما كان نصيب الغلامين ، السبطين ، الحسن والحسين ، من الأمّة بأفضل من ذلك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص66 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بل تكوّنتْ - على أثر ذلك التصرّف المشين - فرقة سياسيّة تستهدف آل النبيّ بالعداء والبغضاء ، فدبّرت المؤامرة التي اغتالت عليّاً في محرابه ، وطعنت الحسن في فسطاطه ، وقتلت الحسين في وضح النهار يوم عاشوراء في كربلائه ، كما يذبح الكَبْش جهاراً ، أمام أعين الناس ، من دون نكير ولم يكن هذان الغلامان بأهونَ من غلامي الخضر ، إذ لم يكن أبوهما أصلح من رسول الله صلّى الله عليه واَله وسلّم ، قطعاً . ولقد جابه الحسينُ عليه السلام بهذه الحقيقة واحداً من كبار زعماء المعادين لاَل محمّد ، والمعروف بنافع بن الأزرق ، في الحديث الاَتي : [203] قال له الحسين : إنّي سائلك عن مسألة : } وَأَمَا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَينِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ { [الاَية 81 من سورة الكهف 18] يابن الأزرق : مَنْ حُفِظَ في الغلامين ؟ قال ابن الأزرق : أبوهما قال الحسين : فأبوهما خيٌر ، أم رسول الله صلّى الله عليه واَله وسلّم ?(55) إنّها الحقيقة الدامغة ، لكن هل تنفع مَنْ أُشربوا قلوبهم النفاق ، وغطّى عيونهم الجهل ، والحقد ، والكراهية للحقّ ؟ لقد كان من نتائج هذا الضياع أنّه لم يمضِ على وفاة الرسول خمسون عاماً ، حتّى عَدَتْ أُمَتُه على وديعته , و ريحانته الحسين ، وقتلته بأبشع صورة وهل يُتصوّرُ ضياع أبعد من هذا ? ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (55) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور (7 / 130و 131) . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص67 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وكان من نتائج ذلك الضياع المفضوح ، أنّ التاريخَ المشوّه ، وأهله العملاء (56) تغافلوا عن وجود أهل البيت ، طيلة الأعوام التي تلتْ وفاة النبيّ صلّى الله عليه واَله وسلّم ، حتّى خلافة الإمام عليّ عليه السلام ، فهذا الحسينُ ، لم نجدْ له ذكراً مسجّلاً على صفحات التاريخ طيلة العهد البكري ، ولا العُمَريّ ، ولا العُثماني ، سوى فلتاتٍ تحتوي على كثير من أسباب ذلك التغافل 17-موقف من عُمر ومن تلك الفلتات ، حديث تضمّن موقفاً للحسين من عمر : لمّا جَلَسَ على منبر الخلافة , والحسينُ دون العاشرة من عمره . وبفرض وجوده في بيت أبيه الإمام عليّ عليه السلام ، وقد امتلأ بكلّ ما يراهُ وليدُ البيت ، أو يسمعهُ, من حديث وأحداث ، مهما كان خفيّاً أو كانت صغيرة ، ولا يُفارق ذهنه ، بل قد يقرأ الصبي ممّا حوله أكثر ممّا يقرأه الكبير من الكلمات المرتسمة على الوجوه ، ويسمعُ من النبرات أوضح المداليل التي لا تعبّر عنها أفصح الكلمات . كيف ، والحسينُ هو الذي أهّله جدّهُ الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم لقبول البيعة منه ، وأهّلته أُمّه الزهراء للشهادة على أنّ فدكاً نحلتها من أبيها وهو في السابعة، عندما طلب أبو بكر منها الشهود ويكفي الحسينَ أنْ يعرفَ من خُطبة أُمّه الزهراء في مسجد رسول الله ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (56) وهناك فلتات من المؤرّخين الّذين تصدّوا لتسجيل بعض الحقائق ، مثل ابن إسحاق صاحب السيرة ، وعمر بن شبّة صاحب الكتب الكثيرة ، لكن تراثهم هجر واندثر ، ولم تبق منه إلاّ نتف ، فيها الدلالات الواضحة على ما نقول . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص68 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومن انزواء أبيه في البيت ، طيلة أيّام الزهراء ، أنّ حقّاً عظيماً قد غُصب منهم . مضافاً إلى أنّه يجدُ بيتهم الملتصقَ ببيت الرسول ، ولا يفصله عنه سوى الحائط ، أمّا بابُه فقد فتحهُ الله على المسجد ذاته ، لمّا أحلّ لأهله من المسجد ما لم يحلّ لأحد غيرهم ، بعد أن كان بيت فاطمة في جوف المسجد [158] [182]. إنّ الحسينَ يجد هذا البيتَ العظيم : كئيباً ، مهجوراً ، خِلْواً من الزحام ، ومن بعض الاحترام الذي كان يَفيض به ، أيام جدّه الرسول قطب رحى الإسلام ، وأبوه عليّ يدور في فلكه . ويجدُ الحسينُ أنّ القومَ يأتمرونَ في مَراحٍ ناءٍ ، حيث الوجوه الجدُد ، قد احتلّوا كلّ شيءٍ : الأمر ، والنهي ، والمحراب ، والمنبر وقد أبرزَ ما تكدّس على قلبه ، لمّا حضر يوماً إلى المسجد ، ورأى عمر على منبر الإسلام ، فلنسمع الموقف من حديثه: [178-180] قال عليه السلام : أتيتُ على عمر بن الخطّاب ، وهو على المنبر ، فصعدتُ إليه ، فقلتُ له : انزلْ عن منبر أبي ، واذهبْ إلى منبر أبيك فقال عمر : لم يكنْ لأبي منبر , وأخذني ، وأجلسني معه ، فجعلتُ أُقلّبُ حصىً بيدي ، فلمّا نزل انطلق بي إلى منزله ، فقال لي : مَنْ علّمك ؟ قلتُ : ما علّمنيه أحدٌ ( قال : منبرُ أبيك والله ، منبرُ أبيك والله ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص69 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهلْ أنبتَ على رؤوسنا الشعرَ إلاّ أنتم)(57) قال : يا بُنيَ ، لو جعلت تأتينا ، وتغشانا( 58) والحديث إلى هُنا فيه أكثر من مدلولٍ : فصعودُ الحسين إلى عمر - وهو خليفة - على المنبر ، مُلْفتٌ للأنظار ، ومُذكرٌ بعهد الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم حين كان سبطاه الحسنان يتسلّقان هذه الأعواد ، ويزيدُ الرسولُ في رفعهما على عاتقه ، أو في حجره أمّا بالنسبة إلى الخليفة فلعلّها المرّة الأُولى والأخيرة في ذلك التاريخ ، أنْ يصعد طفلٌ إليه ، فضلاً عن أن يقول له تلك المقالة ، إذ لم يسجّل التاريخ مثيلاً لكل ذلك . وقوله لعمر : انزل عن منبر أبي , فليس النزول ، يعني - في المنظار السياسيّ - مدلوله اللغوي الظاهر ، وإنّما هو الانسحاب عن موقع الخلافة التي تَشَطّر هو وصاحبه ضرعيها ، في السقيفة ، فقدّمها إليه هناك ، حتّى يرخّصها له اليوم . و ( منبر أبي ) فيها الدلالة الواضحة ، إذا أُريد بها الحقيقة الظاهرة ، فأبوه عليّ عليه السلام هو صاحب المنبر ، لاعتقاد الحسين بخلافة أبيه بلا ريب . وإن أُريد بها الحقيقة الأُخرى - الماضية - فأبوه هو النبيّ صلّى الله عليه واَله وسلّم ، فلماذا انتقل المنبرُ الذي أسّسهُ وبنى بُنيانَه ، إلى غير أهله ؟ وقوله : (اذهَبْ إلى منبر أبيك ) فيه الدلالة الفاضحة ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (57) ما بين القوسين من مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور . (58) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور ( 7 / 127 ). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص70 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فالحسينُ وكلّ الحاضرين يعلمون أنّ الخطّاب أبا عمر ، لم يكن له منبرٌ ، بلْ ولا خَشَبة يصعدُ عليها أمّا عمر فقد أحْرجه الموقفُ واضطرّه - وهو على المنبر - أن يعترفَ : إنّه لم يكن للخطّاب منبر , والنتيجة المستلهَمة من هذا الاعتراف ، أنّ المنبر له أهلٌ يملكونهُ ، وأهلهُ أحقّ بالصعود عليه ، وتولّي أُموره ، فما الذي أدّى إلى تجاوزهم واستيلاء غيرهم عليه ، واستحواذه على اُموره دونهم ؟ ولكنّ عمر ، اصطحب الطفلَ ، ليجريَ معه عملية تحقيق , لسوء ظنّه ، بأنّ وراء الطفل مؤامرةً دَبَرتْ هذا الموقفَ ، واستغلّتْ طفولة الحسين ، فذهب به إلى منزله ، وقال له : مَنْ علَمك ؟ مع أنّ الحسين لا يحتاج إلى مَنْ يُعلّمه مثل تلك الحقيقة المكشوفة ، وهو يعيش في بيت يعرّفه كلّ الحقائق . وإذا انطلت الأُمور على العامّة من الناس ، فهناكَ الكثير ممّن يأبى أنْ يتقنّع بقناع الجهل والعناد والعصبيّة المقيتة ، أو ينكر النهار المضيء وبقيّة الحديث مثيرة أيضاً : فالحسين الذي صارحَ بالحقيقة ، وقام يؤدّي دوره في إعلانها للناس ، أخذ عمر يُطايبهُ ، فيدعوه إليه بقوله : يا بُني ، لو جعلت تأتينا فتغشانا , فيأتيه الحسينُ يوماً ، وقد خلا بمعاوية - أميره على الشام - في جلسة خاصّة ، ويُمنع الجميعُ من اقتحام الجلسة المغلقة ، حتّى ابن عمر . فيأتي الحسينُ ، ويرجعُ ، فيطالبُه عمر ، وهُنا يعرّفه الحسينُ بأنّه أتاه فوجده خالياً بمعاوية . لكنّ عمر يُطلق تصريحاً آخر ، صارفاً لأنظار العامة ، فيقول للحسين : أنت أحقّ بالإذن من ابن عمر , وإنّما أنبَتَ ما ترى في رؤوسنا الله ، ثمّ أنتم , ووضع يده على رأسه . وهكذا ينتهي هذا الحديث الذي يدلّ على نباهة الحسين منذ الطفولة ، وأدائه دوره الهامّ بشجاعة هي من شأن أهل البيت ، وجرأة ورثها - في ما ورث - من جدّه الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم . ولكنّ عمر ، كان احْذَقَ من أنْ تؤثّر فيه أمثال هذه المواقف ، فكان يُطوّقُ المواقف بالتصريحات ، والتصرّفات ، فبين الحين والاَخر يُطلق : لولا عليٌّ لهلك عمر. ولمّا دوّن الديوان ، وفرض العطاء : [182] ألحق الحسن والحسين بفريضة أبيهما مع أهل بَدْر لقرابتهما برسول الله صلّى الله عليه واَله وسلّم ، ففرض لكلّ واحد منهما خمسة آلاف( 59). وهل يبقى أثر لما يُنتقدُ به أحدٌ إذا كان في هذا المستوى من القول والعمل . لكنّ الذين اعتقدوا بخلافة عمر ، واستنّوا بسُنتّه ، وجعلوا منها تشريعاً في عرض الكتاب والسُنّة النبوية ، لم يُراعوا في الحسين حتى ما راعاه عمر 18-مع أبيه في المشاهد كانت حروب الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام ، ومشاهده ، محكَ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (59) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور (7 /127). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص71 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أهل الولاء ، ومجمع أهل الصفاء ، من الصفوة النُجباء ، من أصحاب الرسول صلّى الله عليه واَله وسلّم ، والتابعين لهم بإحسان . فمن أدرك الفتح لحِق به ، وكان في ركبه ، يُقارع الّذين خرجوا على إمام زمانهم من الّذين نكثوا بيعتهم له في المدينة ، ونابذوه الحرب في البصرة . . . ، تقودهم أُمّهم على الجَمل , لها الهبل , والذين بغَوا عليه في صِفّين ، يقودهم مُعاوية إلى الهاوية ، هو وفئته الباغية , والّذين مرقوا من الدين ، ساحِبين ذُيول الهوان في النهروان . إنّ عليّاً عليه السلام كان محور الحقّ في عصره ، يدورُ معه حيثما دار ، بنصّ النبيّ المختار ، وبقوله : عليّ مع الحقّ ، والحقّ مع عليّ يدور معه حيثما دار , او : لم يفترقا حتى يردا عليَ الحوض(60). وصحابة النبيّ من المهاجرين والأنصار ، يتفانون في الذبّ عن الإمام ونصرته ، ويتهافتون بين يديه مُضحّين بأرواحهم دونه ، بعد أنْ وجدوا في شخصهِ متمثلة كلُّ دلائل النبوّة ، ومتحقّقة عنده كلّ أخبار الرسالة . وعمّار - الفاروق بين الحقّ والباطل في الفتنة - يأتمر بأوامره . والنجمان المتألقان ، السِبطان الأكرمان ، سيّدا شباب أهل الجنّة في ركاب أبيهما ، ويسيران في ظِلّ رايته . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (60) ورد باللفظ الثاني عن اُمّ سلمة رضي الله عنها ، في تاريخ دمشق ، لابن عساكر ترجمة الإمام علي عليه السلام ( 3/151) رقم 1172 ، ونقله الخطيب في تاريخ بغداد (14/ 321) رقم 7643 ، وورد في ترجمة سعد من تاريخ دمشق (20/ 157) باللفظ الأوّل عنها ، ونقله في مجمع الزوائد(7 /236). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص73 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وكلّ أُولئك يفتخرون أنَهم وُفقوا للكون مع الإمام الذي يمثّل الحق ، كما كان لأصحاب النبي الفخر بصحبته صلّى الله عليه واَله وسلّم . وقد رووا في تسمية الاُمراء يوم الجمل : [212] وعلى الميسرة الحسين بن عليّ . وذكر المحلّي في تعبئة أمير المؤمنين عليه السلام لعسكره في صفّين : على خيل ميمنته الحسن والحسين ، وعلى رجّالتها عبد الله بن جعفر ، ومسلم بن عقيل وعلى الميسرة محمّد بن الحنفيّة ومحمّد بن أبي بكر ، وعلى رجالتها هاشم بن عتبة . وعلى جناح القلب عبد الله بن العبّاس وعلى رجالتها الأشتر ، والأشعث . وعلى الكمين : عمّار بن ياسر(61). 19- في وداع أخيه الحسن عليه السلام ووقف الحسين ينعى صنوه ، وشقيقه في كلّ الحياة ، وفي الفضائل ، وفي المشاكل ، وإن سبقه في الولادة ستّة اشهر وعشرة أيام ، فقد سبقه في الشهادة عشر سنين , وفي الكلمة التي ألقاها الحسينُ على قبر أخيه كثيرٌ من المعاني الجامعة ، على لسان هذا الصنو الموتور بأخيه ، قال عليه السلام : ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (61) الحدائق الوردية (ص40). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص74 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رحمك الله ، أبا محمّد ، إنْ كنتَ لتناصر الحقّ عند مظانّه ، وتؤثر الله عند مداحضِ الباطل وفي مواطن التقيّة بحُسْن الرويّة . وتستشف جليل معاظم الدنيا بعينٍ لها حاقرة ، وتقبض عنها (62) يداً طاهرة . وتردعُ ما ردة (63) أعدائك بأيسر المؤونة عليك . وأنتَ ابن سلالة النبوّة ، ورضيع لُبان الحكمة . وإلى رَوْحٍ وريحان ، وجنّةِ نعيمٍ , أعظم الله لنا ولكم الأجر عليه ، ووهب لنا ولكم السلوة وحسن الأسى عليه (64 ) . حقّاً ، يعزُّ على أبي عبد الله الحسين ، أن يفقد عضده ، في أحلك الظروف حيثُ شوكة بني اُميّة في تقوٍّ ، وأحوال الأُمّة في تردٍّ ، وقد كانَ الإمام الحسن عليه السلام صامداً في مواجهة المعاناة التي تحمّلها ، فتجرّع غصص الصلح مع معاوية ، ذلك الذي ألجأه إليه وَهْنُ الجبهة الداخلية ، وشراسة الأعداء الخارجيّين ، وتسلّل الخَونة من أمراء جيشه ، وفساد خُلق الأُمّة وانعدام الخَلاق إلى حدّ التكالب على الدنيا وحبّ الحياة ، والهروب من الموت . إن كان الإمام الحسنُ عليه السلام يُواجه هذه المصاعب ، فإنّه لم يكن وحيداً ، بل كان الحسين إلى جانبه يعضُده ، لكن الحسينَ عليه السلام حين ينعى أخاه سوف يبقى لما سيتحمّله من أعباء المسؤوليّات ، وحيداً ، بلا عضُدٍ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (62) في مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور : وتفيض عليها . (63) في المختصر : بادرة . |