|
حكومة الشيخين
والشئ المحقق ان الرسول (ص) قد اهتم اهتماما بالغا بتكييف حالة المسلمين وتقرير مصيرهم، واستمرار حياتهم في طريقها إلى التطور في مجالات الاجتماعية والسياسية، ورسم لها الطريق على أساس من المنهج التجريبي الذي لا يخضع بأي حال لعوامل العاطفة أو المؤثرات الخارجية ، فعين لها الامام أمير المؤمنين (ع) لقيادتها الروحية والزمنية، وذلك لما يتمتع به من القابليات الفذة التي هي باجماع المسلمين لم تتوفر في غيره ، ولعل من أهمها ما يلي : 1 - احاطته بالقضاء فقد كان المرجع الاعلى للعالم الاسلامي في ذلك وقد اشتهرت مقالة عمر فيه: " لولا علي لهلك عمر " ولم ينازعه أحد من الصحابة في هذه الموهبة، فقد أجمعوا على أنه أعلم الناس بعد رسول الله (ص) وأبصرهم بأمور الدين وشؤون الشريعة، وأوفرهم دراية في الشؤون السياسية والادارية، وعهدههه لمالك الاشتر من أوثق الادلة على هذا القول، فقد حفل هذا العهد بما لم يحفل به أي دستور سياسي في الاسلام وغيره فقد عنى بواجبات الدولة تجاه المواطنين ومسؤوليتها بتوفير العدل السياسى والاجتماعى لهم، كما حدد صلاحيات الحكام ومسؤولياتهم، ونص على الشروط التي يجب أن تتوفر في الموظف في جهاز الحكم من الكفاءة، والدراية التامة بشؤون العمل الذي يعهد اليه، وأن يتحلى بالخلق والايمان، والحريجة في الدين إلى غير ذلك من البنود المشرقة التي حفل بها هذا العهد والتي لا غنى للامة حكومة وشعبا عنها، وقد ألمعت كثير من رسائله إلى ولاته وعماله بالشؤون السياسية التي دلت على أنه ألمع سياسي في الاسلام وغيره، وكما كان أعلم المسلمين بهذه الامور فقد كان من أعلمهم بسائر العلوم الاخرى كعلم الكلام والفلسفة وعلم الحساب وغيرها، وقد فتق أبوابا كثيرة من العلوم تربو على ثلاثين علما حسب ما يقول المترجمون له، ومع هذهه الثروات العلمية الهائلة التي يتمتع بها كيف لا ينتخبه الرسول (ص) أو يرشحه لمنصب الخلافة التي هي المحور الذي تدور عليه سيادة الامة وأمنها . ان الطاقات العلمية الضخمة التي يملكها الامام تقضى بحكم المنطق الاسلامي الذي يؤقر الصالح العام على كل شئ أن يكون هو المرشح للقيادة العامة دون غيره، فان الله تعالى يقول : " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " وليس أدعى إلى السخرية من القول بجواز تقديم المفضول على الفاضل، فان هذا المنطق يوجب الغبن في العلم والزهد في الفضيلة وتأخير الامة وانحطاط قيمها ومثلها . 2 - ان الامام أمير المؤمنين (ع) كان من أشجع الناس، وأثبتهم قلبا، وقد استوعبت شجاعته النادرة جميع لغات الارض، وهو القائل سلام الله عليه : " لو تظافرت العرب على قتالي لما وليت عنها "، وقد قام هذا الدين بسيفه وبني على جهادهه وجهوده، وهو صاحب المواقف المشهورة يوم بدر، ويوم حنين، ويوم الاحزاب، قد حصد رؤوس المشركين، وأباد ضروسهم، وأشاع فيهم القتل، لم تنفتح ثغرة على الاسلام إلا تصدى إلى اسكاتها، وقدمه رسول الله (ص) أميرا في جميع المواقف والمشاهد، واسند إليه قيادة جيوشه العامة، وما ولج حربا إلا فتح الله على يده وهو الذي قهر اليهود، وفتح حصون خيبر، وكسر شوكتهم وأخمد نارهم . والشجاعة من العناصر الاساسية التي تتوقف عليها القيادة العامة، فان الامة اذا منيت بالازمات والنكسات وكان زعيمها ضعيف الارادة خائر القوى جبان القلب فانها تصاب حتما بالكوارث والخطوب، وتلاحقها الضربات والنكبات . ومع توفر هذه الصفة بأسمى معانيها في الامام أمير المؤمنين (ع) كيف لا يرشحه النبي (ص) للخلافة الاسلامية ؟ انه بحكم شجاعته الفذة التي تصحبها جميع الصفات الفاضلة والمثل الكريمة كان متعينا لقيادة الامة وادارة شؤونها، حتى لو لم يكن هناك نص من النبي (ص) عليه . 3 - وأهم صفة لابد من توفرها عند من يتصدى از عامة الامة نكران الذات، وايثار مصلحة الامة على كل شئ، وعدم الاستئثار بالفئ وغيره من أموال المسلمين، وكانت هذه الظاهرة من أبرز ما عرف به الامام أيام حكومته فلم يعرف المسلمون ولا غيرهم حاكما تنكر لجميع مصالحه الخاصة كالامام أمير المؤمنين (ع) فلم يدخر لنفسه ولا لاهل بيته شيئا من أموال الدولة، وتحرج فيها تحرجا شديدا، وقد أجهد نفسه على أن يسير بين المسلمين بسيرة قوامها الحق المحض والعدل الخالص، وسنذكر ذلك بمزيد من التفصيل عند البحث عن حكومته . 4 - العدالة : وهي من أبرز الصفات المائلة في شخصية الامام فقد أترعت نفسه الشريفة بتقوى الله، والتجنب عن معاصيه، فلم يؤثر أي شئ على طاعة الله، وقد تحرج أشد ما يكون التحرج عن كل ما لا يقره الدين وتأباه شريعة الله، وهو القائل : " والله لو اعطيت الاقاليم السبع بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في جلب شعيرة أسلبها من فم جرادة ما فعلت " . وكان من مظاهر عدالته النادرة انه امتنع من اجابة عبد الرحمان بن عوف حينما ألح عليه أن يقلدهه الخلافة شريطة الالتزام بسياسة الشيخين فأبى الا أن يسير على وفق رأيه واجتهاده الخاص، ولو كان من طلاب الدنيا وعشاق السلطان لاجابه إلى ذلك ثم يسير على وفق ما يراه، ولكنه لا يلتزم بشئ لا يقره، فلم يسلك أي طريق فيه التواء او انحراف عن مثل الاسلام وهدية . لقد توفرت العدالة بارحب مفاهيمها في شخصية الامام (ع) وهي من العناصر الرئيسية التي يجب أن يتحلى بها من يتقلد زمام الحكم ويلي أمور المسلمين . هذه بعض خصائص الامام (ع) فكيف لا يرشحه النبي (ص) ولا ينتخبه لمنصب الخلافة ؟ ! ! على أنا لو التزمنا بمبدأ الوراثة الذي احتج به المهاجرون على الانصار لكان الامام أولى من غيره بمقام النبي (ص) فهو ابن عمه وختنه على أبنته وأبوسبطيه، يقول سيديو : " لو كان قد تم الاعتراف بمبدأ الوراثة وهو في صالح علي منذ البداية لكان بوسع ذلك أن يمنع المنازعات النكباء التي اغرقت الاسلام في الدم. كان زوج فاطمة يضم في شخصه حق الوراثة كوارث شرعي للرسول كما يضم الحق بالانتخاب " (1). إن التأمل الدقيق الذي لا يخضع لعوامل العاطفة والتقليد يقضي بأن النبي (ص) قد عين من ينوب عنه في ادارة شؤون الخلافة، ولم يهمل هذه الجهة المصيرية لامته، وانه قد نص على الامام أمير المؤمنين لا لقاعدة الوراثة وغيرها من الاعتبارات العاطفية، وانما لتوفر الصفات القيادية في شخصيته... وان من أوهى الاقوال وأكثرها بعدا عن منطق الدليل القول بأن النبي (ص) قد أهمل أمر الخلافة، ولم يعرض لها بشئ ، وانما ترك أمرها للمسلمين، وجعل لهم الحرية في اختيار من شاؤا فان ذلك - حسب ما يقوله علماء الشيعة - تدمير للبناء الاجتماعي الذي أقامه الاسلام والقاء للامة في الفتن والازمات، وفعلا قد تحقق ذلك على مسرح الحياة الاسلامية حينما عمدت الامة إلى إلغاء النصوص الواردة من النبي في حق الامام (ع) فقد واجهت هزات عنيفة، وعصفت بها الفتن والاهواء فقد سادت الاطماع السياسية عند الكثيرين من قادة المسلمين، وتهالكوا على الامرة والسلطان، فدفعوا بالقطاعات الشعبية إلى الحروب الطاحنة، تحقيقا لاهدافهم ومطامعهم حتى شاع الثكل والحداد في جميع أنحاء العالم الاسلامي يقول الاستاذ محمد سيد الكيلاني : " لقد تنازع القوم على منصب الخلافة تنازعا قل أن نجد له مثيلا في الامم الاخرى، وارتكبوا في سبيل ذلك ما نتعفف نحن عن ارتكابه الآن، فترتب على ذلك ان أزهقت أرواح، ودمرت مدن، وهدمت قرى، وأحرقت دور، وترملت نساء، وتيتمت أطفال، وهلك من المسلمين خلق كثير... " (2). ومن الطبيعي ان ذلك الدمار الذي حل بالمسلمين كان نتيجة حتمية لانحراف الخلافة عن مجراها الاصيل الذي اراده الله لها من جعلها في العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم . وعلى أي حال فاني أحاول بكل جهد في هذه البحوث أن اتجه صوب الحق، واصور الاحداث التي رافقت بيعة الشيخين، اصور ذلك بدقة وتجرد شأن الباحث الذي يهمه الوصول إلى الواقع مهما استطاع اليه سبيلا . مؤتمر السقيفة : لا ارى هناك حادثة أخطر على الامة من مؤتمر السقيفة الذي عقده الانصار للاستيلاء على الحكم، والاستبداد بشؤون الدولة، فقد كان الحجر الاساسي لتدهور الامة، وما عانته من الكوارث والخطوب، فقد انبثت فيها الاطماع، وسادت فيها الاهواء يقول بولس سلامة : وتوالت تحت السقيفة أحدا * ث أثارت كوامنا وميولا نزعات تفرقت كغصون الـ * - ـعوسج الغض شائكا مدخولا لقد جر هذا المؤتمر السياسي سلسلة طويلة من الاحداث المريعة التي كان منها - فيما يقول المحققون - رزية كربلاء، يقول الامام كاشف الغطاء رحمه الله : تالله ما كربلا لو لا (سقيفتهم) ومثل ذا الفرع ذاك الاصل ينتجه ولابد لنا من وقفة قصيرة للبحث عن هذا المؤتمر الخطير، وكيف فاز فيه أبوبكر ؟ بواعث المؤتمر : أما البواعث التي أدت إلى تسابق الانصار إلى عقد مؤتمرهم بتلك السرعة الخاطفة، وعدم التريث في الامر حتى يوارى النبي (ص) في مثواه الاخير فهي : 1 - بوضوح - بوادر التمرد، فقد امتنعوا من الالتحاق بسرية أسامة وحالوا بين النبي (ص) وبين ما رامه من الكتابة التي وصفها بأنها تضمن لامته سعادتها وأصالتها . وأكبر الظن ان الانصار وقفوا على حقد المهاجرين وكراهيتهم للامام قبل وفاة النبي (ص) بزمان بعيد، وانهم لا يخضعون لحكمه، ولا يرضون بسلطانه لان الامام قد وترهم، وحصد رؤوس أعلامهم، يقول عثمان بن عفان للامام : " ما أصنع ان كانت قريش لا تحبكم، وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين رجلا كأن وجوههم شنوف الذهب تصرع آنافهم قبل شفاههم " (3). ودلل عثمان على مدى لوعة قريش وحزنها على من قتل منها في واقعة بدر من الرجال الذين كانت وجوههم شبيهة بشنوف الذهب لنضارتها وحسنها وقد صرعت أنافهم ذلا قبل شفاههم، ومما لا شك فيه انها كانت ترى الامام (ع) هو الذي وترها، فهي تطالبه بذحلها والدماء التي سفكها ، يقول الكناني محرضا لقريش على الوقيعة بالامام والطلب بثأرها منه : في كل مجمع غاية أخزاكم * جذع أبر على المذاكى القرح لله دركم ألما تذكروا * قد يذكر الحر الكريم ويستحي هذا ابن فاطمة (4) الذي أفناكم * ذبحا بقتله بعضه لم يذبح اين الكهول واين كل دعامة * في المعضلات واين زين الابطح (5) ويروي ابن طاووس عن أبيه يقول : قلت لعلي بن الحسين (ع) : ما بال قريش لا تحب عليا ؟ فأجابه (ع) " لانه أورد أولهم النار والزم آخرهم العار... " (6) . وعلى أي حال فان الانصار قد علمت أن المهاجرين من قريش يدبرون المؤامرات ويبغون الغوائل للامام، وانهم لا يرضون بحكمه، وقد أعلنوا ذلك يوم غدير خم فقد قالوا : " لقد حسب محمد أن هذا الامر قد تم لابن عمه وهيهات أن يتم " وقد أيقن الانصار انهم سيصيبهم الجهد والعناء ان استولى المهاجرون على زمام الحكم، وذلك بسبب مودتهم للامام، فلذلك بادروا إلى عقد مؤتمرهم، والعمل على ترشيح أحدهم للخلافة . 2 - واستبان للانصار فيما أخبر به النبي (ص) أن أهل بيته لا ينالون الخلافة، وانهم المستضعفون من بعده، فقد روى شيخ الامامية الشيخ المفيد أنه بقي عند النبي (ص)، في مرضه عمه العباس، وابنه الفضل، وعلي ابن أبي طالب، وأهل بيته خاصة، فقال له العباس : إن يكن هذا الامر مستقرا فينا من بعدك فبشرنا، وإن كنت تعلم أنا نغلب عليه فأوصي بنا فقال (ص) : " أنتم المستضعفون من بعدي " (7) وسبق النبي (ص) أن أذاع ذلك بين المسلمين فاحتاطت الانصار لانفسها فبادرت لعقد مؤتمرها للاستيلاء على الحكم لئلا يسبقهم إليه المهاجرون من قريش . 3 - ان الانصار كانوا العمود الفقري للقوات الاسلامية المسلحة وقد أنزلوا الضربات القاصمة بالقرشيين فأبادوا اعلامهم وأشاعوا في بيوتهم الحزن والحداد في سبيل الاسلام، وقد علموا ان الامر اذا استتب للقرشيين فانهم سيمعنون في قهرهم واذلالهم طلبا بثأرهم وقد أعلن ذلك الحباب بن المنذر بقوله : " لكننا نخاف أن يليها بعدكم من قتلنا أبناءهم وآباءهم واخوانهم " وتحقق هذا التنبؤ فانه لم يكد ينتهي حكم الخلفاء القصير الامد حتى آل الحكم إلى الامويين فسعوا جاهدين في اذلال الانصار وقهرهم واشاعة الفقر والحاجة فيهم، وقد بالغ معاوية في الانتقام منهم، ولما ولي الامر من بعده يزيد جهد على الوقيعة بهم فأباح أموالهم ودماءهم وأعراضهم بجيوشه في واقعة الحرة التي لم يشاهد التاريخ لها نظيرا في فظاعتها وقسوتها . هذه بعض العوامل التي أدت إلى مبادرة الانصار لعقد مؤتمرهم الذي أحاطوه بكثير من السر والكتمان . الخطاب السياسي لسعد : ولما اجتمع الآوس والخزرج في سقيفة بني ساعدة انبرى سعد بن عبادة زعيم الخزرج إلى افتتاح مؤتمرهم، وكان مريضا فلم يتمكن ان يجهر بكلام وإنما كان يقول : ويبلغ مقالته بعض أقربائه وهذا هو نص خطابه : " يا معشر الانصار لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الاسلام ليست لاحد من العرب، إن محمدا (ص) لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمان وخلع الانداد والاوثان، فما آمن به الا القليل ما كانوا يقدرون على منعه، ولا على اعزاز دينه، ولا على دفع ضيم حتى اذا أراد الله بكم الفضيلة ساق اليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة، ورزقكم الايمان به وبرسوله، والمنع له ولاصحابه، والاعزاز له ولدينه، والجهاد لاعدائه فكنتم أشد الناس على عدوه، حتى استقامت العرب لامر الله طوعا وكرها وأعطى البعيد المقادة صاغرا، فدانت لرسوله بأسيافكم العرب، وتوفاه الله وهو عنكم راض، وبكم قرير العين، استبدوا بهذا الامر دون الناس فانه لكم دونهم... " (8) وحفل خطابه بالنقاط التالية : 1 - الاشادة بنضال الانصار وبسالتهم الفذة في نصرة الاسلام ، واعزاز كلمته، وقهر القوى المعادية له، حتى استقام أمره وهو عبل الذراع، فلهم الفضل الاكبر في نشره، وازدهارهه فهم الذين حموا النبي صلى الله عليه هوآله أيام محنته وغربته، فإذن هم أولى بالنبي (ص) وأحق بمنصبه من غيرهم لان من كان عليه العزم فهو أولى بالغنم . 2 - التنديد بالاسر القرشية التي ما آمنت بالنبي (ص) وناهضت رسالته، وناجزته الحرب، حتى اضطر إلى الهجرة ليثرب، وان من آمن به منهم لم يتمكن ان يحميه ويذب عنه، وبذلك فلا حق لهم في الحكم ولا نصيب لهم في ادارة شؤون الدولة الاسلامية التي أقامها الرسول (ص) والتي ما قامت الا على سواعد الانصار وجهادهم . المؤاخذة على سعد : ومما يؤخذ به على سعد أنه قد تناسى العترة الطاهرة التى هي عديلة القرآن الكريم فلم يعرض إلى سيدها الامام امير المؤمنين الذى هو باب مدينة علم النبي ومن هو منه بمنزلة هارون من موسى، فقد تجاهله، ودعا إلى نفسه وقومه، وأول سهم سدد إلى آل البيت (ع) كان من ذلك اليوم الذي تعمد فيه الانصار والمهاجرون على الغض من كرامة عترة نبيهم في سبيل الوصول إلى كراسي الحكم، والتنعم بخيرات الدولة ومناصبها . وعلى أي حال فان سعدا قد أخطأ إلى حد بعيد في تجاهله لحق الامام عليه السلام، ولا نرى له أي مبرر في ذلك فقد جر للامة الفتن والويلات وألقاها في شر عظيم، فقد انحرفت الخلافة عما ارادها الله ورسوله من جعلها في العترة الطاهرة التي هي أحرص ما تكون على الالتزام بحر فيه الاسلام وتطبيق شؤونه وأحكامه . وقد لاقى سعد جزاء عمله فانه لم يكد يستقر الحكم إلى أبي بكر حتى جهد في ملاحقته وفرض الرقابة عليه حتى اضطر إلى الهجرة من يثرب إلى أرض الشام فتبعه خالد بن الوليد مع صاحب له فكمنا له ليلا وطعناه وألقياه في البئر، وتحدثوا أن الجن هي التي قتلته، ورووا على لسانها شعرا تفتخر فيه بقتله وهو : نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده * ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده ومن الغريب أن سياسة الحكم في تلك العصور قد استخدمت الجن واتخذته في أدواتها، وقد آمن بذلك السذج والبسطاء من غير وعي وادراك للاهداف السياسية . وهن الانصار : ولم تكن للانصار ارادة صلبة، ولا عزم ثابت كما لا دراية لهم في الشؤون السياسية، فقد منوا - على كثرتهم - بالوهن والضعف والتخاذل فكانوا بعد خطاب سعد - فيما يقول المؤرخون - قد ترادوا الكلام فيما بينهم، فقالوا : فان أبى المهاجرون من قريش، وقالوا : نحن المهاجرون وأصحابه الاولون، وعشيرته وأولياؤه فعلام تنازعون هذا الامر بعده ؟ فقالت طائفة منهم : فانا نقول : منا أمير، ومنكم أمير، ولن نرضى بدون هذا أبدا، وثار سعد حينما رأى هذا الروح الانهزامية قد سرت في نفوس قومه فقال : " هذا أول الوهن " (9) . أجل إن هذا أول الوهن وآخرهه فقد كشف عن ضعف نفوسهم ، وتفلل صفوفهم، وعدم نضوجهم في الميادين السياسية فانهم انما عقدوا اجتماعهم، وأحاطوه بكثير من الكتمان ليسبقوا الاحداث، ويظفروا بالحكم قبل أن يعلم المهاجرون من قريش، ولكنهم ضلوا قابعين في هذا الصراع الفارغ حتى أضاعوا عليهم الفرصة فقد دهمهم المهاجرون، وأشاعوا بينهم الاختلاف والفرقة حتى سيطروا على الوضع، واستولوا على زمام الحكم . احقاد واضغان : وشئ آخر كان السبب في انهزام الانصار هو شيوع الاحقاد والاضغان فيما بينهم . لقد كانت هناك ثورات وأحقاد بين الاوس والخزرج منذ عهد بعيد أدت إلى اراقة الدماء واشاعة الفرقة والعداء فيما بينهم، وكان آخر أيام حروبهم - فيما يقول المؤرخون - هو يوم (بغاث) وذلك قبل ان يهاجر النبى (ص) إلى يثرب بست سنين، ولما أطل النبى (ص) عليهم عمل جاهدا على نشر المحبة والوئام فيما بينهم، واذابة الاحقاد والاضغان ولكنها لم تزل كامنة في نفوسهم، تظهر في كثير من الاحيان حينما تحدث عوامل التنافس فيما بينهم حسب ما نص عليه المؤرخون، وقد ظهرت بشكل سافر يوم السقيفة، فقد حقد خضير بن أسيد زعيم الاوس على سعد حينما رشحه القوم لمنصب الخلافة فكان يقول لقومه : " لئن وليتموها سعدا عليكم مرة واحدة لا زالت لهم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبدا فقوموا فبايعوا أبا بكر... " (10) . ودل ذلك على مدى الحقد الكامن في نفوس الاوس للخزرج فان سعدا ان ولي الحكم مرة واحدة فتكون بذلك فضيلة للخزرج على الاوس وهذا مما يثفل على زعيم الاوس، وفعلا قد انبرى مع قومه فبايع أبا بكر ولولاه لما تم الامر له . ومضافا إلى ذلك فان بعض الاوس ممن كانوا يحقدون على سعد ، ويستكثرون عليه هذا المنصب فان بشير بن سعد الخزرجي كان من أهم المنافسين له فانحاز مع الخزرج فبايع أبا بكر، وأفسد على سعد أمره . وعلى أي حال فان هذا الاختلاف والتشاحن مما أوجب أن يفلت الامر من أيدي الانصار ويظفر به المهاجرون من قريش . فذلكة عمر : وشئ خطير بالغ الاهمية قام به عمر لتجميد الاوضاع، وايقاف أي عملية تؤدي إلى انتخاب من يخلف الرسول (ص)، لان زميله أبا بكر لم يكن في يثرب عند وفاة النبي (ص) وانما كان في (السنح) (11). فبعث خلفه من يأتي به إلا أنه خشي أن يتقدم إلى الساحة أحد قبل مجيئه، فانطلق بحالة رهيبة، وهو يجوب في أزقة يثرب وشوارعها ويقف عند كل تجمع من الناس، ويهز بيده سيفه، وينادي بصوت عال قائلا : " إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله (ص) قد مات ، وانه والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران... والله ليرجعن رسول الله فيقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجفوا بموته " . وجعل لا يمر بأحد يقول : مات رسول الله إلا خطبه بسيفه وتهدده وتوعده (12)، وذهل الناس، وساورتهم الاوهام والشكوك، وعصفت بهم أمواج رهيبة من الحيرة فلا يدرون أيصدقون مزاعم عمر بحياة النبي صلى الله عليه وآله وهي من أعز ما يأملون، ومن أروع ما يحملون ؟ أم يصدقون ما عاينوه من جثمان النبي (ص) وهو مسجى بين أهله لا حراك فيه ؟ ! ! ويستمر عمر يبرق ويرعد حتى " أزبد شدقاه " وهو يتهدد بالقتل ويتوعد بقطع الايدي والارجل ممن أرجف بموت النبي (ص) إلا انه لم يمض قليل من الوقت حتى جاء خدنه وصاحبه أبوبكر من (السنح) فانطلق مع إلى بيت النبي (ص) فكشف أبوبكر الرداء عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآلهه ليتحقق وفاته، وبعدما اطمئن بموته خرج إلى الناس وهو يفند مزاعم عمر، والتفت إلى الجماهير الحائرة التي أخرسها الخطب بموت منقذها العظيم قائلا : " من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت... وتلا قوله تعالى : " وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين " . ولم يلبث عمر ان أسرع إلى الاذعان والتصديق، وانبرى يقول : " فوالله ما هو الا اذا سمعتها فعقرت حتى وقعت على الارض ما تحملني رجلاي، وقد علمت أن رسول الله قد مات " (13) . نقاط مهمة : ونحن إذا تأملنا بدقة وامعان هذه البادرة الغريبة التي صدرت من الشيخين نجد فيها عدة نقاط مهمة تسترعي الاهتمام والتحليل وهي : 1 - ان عمر قد أنكر بصورة جازمة، وباصرار بالغ موت النبي صلى الله عليه وآله فقد زعم أنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران وانه لابد ان يرجع إلى الارض وينكل بالمرجفين بموته، ومما لا شك فيه ان ذلگ لم يكن عن ايمان منه بحياة النبي (ص) وانما كان ذلك استغلالا للفرص، وتوصلا إلى أهدافه السياسية حسب المخططات التي وضع برامجها اقطاب حزبه كأبي بكر، وأبي عبيدة، ويدل على ذلك ما يلي : أ - أن عمر بالذات كان من المتفائلين بموت النبي (ص) في ذلك فكان يقول لاسامة : " مات رسول الله (ص) وأنت علي أمير ؟ هذا ورسول الله (ص) كان حيا، وقد اطمأن بوفاته حينما نعى (ص) نفسه إلى المسلمين، وساق لهم الامارات التي تدل على وفاته حسبما تقدمت في البحوث السابقة . ب - انه وقف امام النبي (ص) في مرضه الذي توفي فيه وقد صده عما رامه من الكتابة التي تقي أمته من الفتن والضلال، وقال له : " حسبنا كتاب الله ". ومن الطبيعي انه انما قال ذلك حينما أيقن بوفاة النبى (ص) ج - ان كتاب الله العظيم أعلن أن كل انسان لابد ان يتجرع كأس المنية قال تعالى : " كل نفس ذائقة الموت ثم الينا ترجعون " وقال تعالى : في خصوص نبيه : " انك ميت وانهم لميتون " وقال تعالى : " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسول أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم وهذه الآيات تتلى في وضح النهار، وفي غلس الليل، أفهل خفيت على عمر، وهو ممن يسمع كتاب الله، ويصابح رسول الله (ص) ويماسيه ؟ وتصديقه بلا مناقشة لمقالته حينما أعلن وفاة النبى (ص) كل ذلك يقضي - بلا شبهة - انه انما قام بهذههه العملية توصلا إلى مأربه وأهدافه . ان حكم عمر بأن رسول الله (ص) سوف يرجع إلى الارض ويقطع أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجفوا بموته، لا يخلو من وهن فان تقطيع الايدي والارجل والحكم بالاعدام انما يكون للذين يخرجون عن دين الله، أو يسعون في الارض فسادا، وليس القول بموت النبى (ص) مما يوجب ذلك قطعا . 3 - إن أبا بكر أعلن في خطابه الذي نعى به النبي (ص) : " من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت " ومن المقطوع به انه لم يؤثر عن أي أحد من المسلمين انه كان يعبد رسول الله (ص) أو اتخذه ربا من دون الله، وانما أجمع المسلمون على انه عبد الله ورسوله اختاره الله لوحيه واصطفاه لرسالته . مباغتة الانصار : وحينما كان الانصار في سقيفتهم يدبرون أمرهم ويتداولون الرأي في شؤون الخلافة والبيعة، اذ خرج من مؤتمرهم وهم لا يشعرون عويم ابن ساعدة الاوسي، ومعن بن عدي حليف الانصار، وكانا من أولياء أبي بكر على عهد رسول الله (ص) ومن اعضاء حزبه، وكانت نفوسهما مترعة بالحقد والكراهية لسعد وانطلقا مسرعين واخبرا أبا بكر وعمر بذلك ففزعا وانطلقا مسرعين ومعهما أبوعبيدة بن الجراح (14) وسالم مولى أبي حذيفة وتبعهم جماعة آخرون من المهاجرين فكبسوا الانصار في ندوتهم ، واسقط ما بأيدي الانصار وذهلوا وغاض لون سعد، وتخوف من خروج الامر عنهم، وذلك لعلمه بضعف الانصار وتفلل قواهم، وتصدع وحدتهم، فهو قد أحاط مؤتمرهم بكثير من السر والكتمان، خوفا من الهاجرين وبدخولهم المفاجأ، فقد انهارت جميع مخططاته، وفشلت جميع مساعيه في عقد البيعة له . خطاب أبي بكر : وبعد أن ولج المهاجرون في مؤتمر الانصار أراد عمر أن يفتح الحديث فنهره أبوبكر وذلك لعلمه بشدته وهي لا تنجح في مثل هذا الموقف الملبد والملئ بالاضغان والاحقاد ويجب أن تستعمل فيه الاساليب السياسية والبراعة الفائقة والكلمات الناعمة لكسب الموقف، وأنبرى أبوبكر فخاطب القوم وقابلهم ببسمات فياضة بالبشر قائلا : " نحن المهاجرون أول الناس اسلاما، وأكرمهم احسابا، وأوسطهم دارا وأحسنهم وجوها، وأمسهم برسول الله (ص) وأنتم أخواننا في الاسلام وشركاؤنا في الدين نصرتم وواسيتم فجزاكم الله خيرا، فنحن الامراء وأنتم الوزراء، لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش فلا تنفسوا على اخوتكم المهاجرين ما فضلهم الله به، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين - يعني عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح -... " (15) . دارسة وتحليل : ولابد لنا من وقفة قصيرة للنظر في هذا الخطاب : 1 - انه لم يعن بوفاة النبي (ص) التي هي أعظم رزية مني بها المسلمون، وأفجع كارثة تصدعت من هولها القلوب، وكان الاجدر به أن يعزيهم بوفاة منقذهم، ويذكرهم باحسانه وبره بدينهم ودنياهم ، ويدعوهم إلى القيام بتشييع جثمانه الطاهر حتى يواروه في مثواه الاخير ويعودوا بعد ذلك إلى عقد مؤتمر عام يضم جميع الطبقات الشعبية من المسلمين لينتخبوا عن ارادتهم وحريتهم من يرضونه خليفة لهم على تقدير أن النبى (ص) لم يعهد لاحد من بعده . 2 - ان منطق هذا الخطاب هو طلب الامرة والسلطان، ولا يعني بأي شئ آخر غير ذلك، وقد عرض فيه على الانصار أن يتنازلوا لاخوانهم المهاجرين عن الخلافة ولا ينافسوهم في شؤون الملك، ومناهم عوض ذلك أن يكونوا الوزراء إلا أنه لما تم له الامر أجحف في حقهم فلم يمنحهم أي منصب من شؤون دولته، وأقصاهم عن جميع مراتب الحكم . 3 - ان هذا الخطاب قد تجاهل بالمرة حق العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم، أو كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى حسبما يقول النبي (ص) : فكان الاولى التريث بالامر حتى يتم تجهيزه (ص) ويؤخذ رأي أهل بيته في ذلك لتحمل الخلافة طابعا شرعيا، ولا توصم بالفلتة كما وصفها عمر إذ يقول : " إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها " ويقول الامام شرف الدين : " فلو فرض أن لا نص بالخلافة على أحد من آل محمد (ص) وفرض كونهم غير مبرزين في حسب أو نسب أو أخلاق أو جهاد أو علم أو عمل، أو ايمان، أو اخلاص، ولم يكن لهم السبق في مضامير كل فضل بل كانوا كسائر الصحابة، فهل كان مانع شرعي، أو عقلي، أو عرفي يمنع من تأجيل عقد البيعة إلى فراغهم من تجهيز رسول الله (ص) ؟ ولو بأن يوكل حفظ الامل إلى القيادة العسكرية موقتا حتى يستتب أمر الخلافة ؟ أليس هذا المقدار من التريث كان أرفق بأولئك المفجوعين ؟ وهم وديعة النبي (ص) لديهم وبقيته فيهم، وقد قال الله تعالى : " ولقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " أليس من حق هذا الرسول - الذي يعز عليه عنت الامة ويحرص على سعادتها، وهو الرؤوف بها الرحيم لها - أن لا تعنت عترته فلا تفاجأ بمثل ما فوجئت به - والجرح لا يندمل والرسول لما يقبر... " (16) . 4 - ان المنطق الذي استند اليه أبوبكر لا حقبة المهاجرين من قريش بالخلافة هو انهم أمس الناس رحما برسول الله (ص) وأقربهم اليه، وهذا الملاك على أكمل وجوه، وأتم رحابه متوفر في أهل البيت (ع) فهم ألصق الناس به، وأمسهم به، وما أروع قول الامام أمير المؤمنين (ع) : " احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة " وخاطب (ع) أبا بكر بقوله : فان كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب وان كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرين غيب ويقول الكميت : بحقكم أمست قريش تقودنا * وبالفذ منها والرديفين نركب وقالوا : ورثناها أبانا وأمنا * وما ورثتهم ذاك أم ولا أب يرون لهم فضلا على الناس وجبا * سفاها وحق الهاشميين أوجب (17) وعرض الامام (ع) في حديث له عن شدة قربه من النبى (ص) وبعض مواهبه فقال : " والله إني لاخوه - أي أخ النبي (ص) - ووليه، وابن عمه ، ووارث علمه فمن أحق به مني... " . لقد انساب القوم وراء أطماعهم وأهوائهم، وتهالكوا على الحكم ، والظفر بخيراته، وأعرضوا عما الزمهم به النبى (ص) من التمسك بعترته وعدم التقدم عليها، ووجوب رعايتها في كل شئ . بيعة أبي بكر : وربح أبوبكر في خطابه السالف، وكسب به الموقف، فقد أثنى فيه على الانصار، ومجد فيه جهادهم وجهودهم في خدمة الاسلام، وبذلك قد أخمد نار الثورة في نفوسهم، كما مناهم بالحكم فجعلهم الوزراء، وفند ما كان يختلج في نفوسهم من استبداد المهاجرين بالامر، واستئثارهم بالحكم وافهمهم انه انما قدم المهاجرون لان العرب لا تدين إلا لهم، وكأن هذه القضية الاسلامية الكبرى من قضايا العرب وحدهم، وليس لبقية المسلمين فيها حق ؟ ! ! وههنا نكتة بارعة عمد اليها أبوبكر وهو انه جعل نفسه حاكما في هذا الامر، وجرد نفسه من جميع الاطماع السياسية، وبذلك فقد غزا نفوس الانصار، وملك قلوبهم وعواطفهم... وانبرى عمر فأيد مقالة صاحبه فقال : " هيهات لا يجتمع اثنان في قرن والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع ان تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمورهم منهم. ولنا بذلك على من أبى الحجة الظاهرة والسلطان المبين من ذا ينازعنا سلطان محمد وامارته ؟ ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لاثم أو متورط في هلكة... " . وليس في هذاالخطاب شئ جديد سوى التأكيد لما قاله أبوبكر من أحقية المهاجرين بخلافة النبى (ص) منهم أولياؤه وعشيرته، يقول الاستاذ محمد الكيلاني : " انه احتج عليهم بقرابة المهاجرين للرسول. ومع ذلك فقد كان واجب العدل يقضي بأن تكون الخلافة لعلي بن أبي طالب ما دامت القرابة اتخذت سندا لحيازة ميراث الرسول. لقد كان العباس أقرب الناس إلى النبى وكان أحق الناس بالخلافة ولكنه تنازل بحقه هذا لعلي، فمن هنا صار لعلي الحق وحده في هذا المنصب " (18) . وانبرى الحباب فرد على عمر قائلا : " يا معشر الانصار املكوا عليكم امركم، ولا تسمعوا مقالة هذا واصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر فان ابوا عليكم ما سألتموه فاجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الامور فأنتم - والله - أحق بهذا الامر منهم، فانه بأسيافكم دان الناس لهذا الدين من دان ممن لم يكن يدين ، انا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، انا شبل في عرينة الاسد، والله لو شئتم لنعيدنها جذعة، والله لا يرد احد علي ما اقول الا حطمت أنفه بالسيف... " . وحفل هذا الكلام بالعنف والتهديد، والدعوة إلى الحرب، واجلاء المهاجرين عن يثرب، كما عنى بالاعتزاز بنفسه، والافتخار بشجاعته، وقد رد عليه عمر وصاح به قائلا : " إذا يقتلك الله " . فقال له الحباب : " بل إياك يقتل " وخاف ابوبكر من تطور الاحداث فالتفت إلى الانصار فرشح للخلافة صاحبيه عمر وابا عبيدة فاسرع اليه عمر فاجابه بلباقة قائلا : " يكون هذا وانت حي ؟ ما كان احد ليؤخرك عن مقامك الذي اقامك فيه رسول الله (ص) " . - ويقول بعض المحققين - : لا نعلم انه متى اقامه رسول الله (ص) او دلل عليه، وانما كان مع بقية اخوانه من المهاجرين جنودا في سرية اسامة، ولو كان قد رشحه لمنصب الخلافة وقامة علما ومرجعا للامة لاقامة معه في يثرب، وما اخرجه إلى ساحات الجهاد، وهو (ص) في ساعاته الاخيرة من حياته . وعلى أي حال فقد بادر اعضاء حزبه بسرعة خاطفة إلى بيعته خوفا من تطور الاحداث فبايعه عمر وبشير، واسيد بن حضير وعويم بن ساعدة ومعن بن عدي، وابوعبيدة بن الجراح، وسالم مولى ابي حذيفة، وخالد ابن الوليد، واشتد هؤلاء في حمل الناس وارغامهم على مبايعته، وكان من أشدهم اندفاعا وحماسا عمر بن الخطاب فقد جعل يجول ويصول ويدفع الناس دفعا إلى البيعة وقد لعبت درته شوطا في الميدان، وسمع الانصار وهم يقولون : " قتلتم سعدا " . فاندفع يقول بثورة وعنف : " اقتلوه قتله الله فانه صاحب فتنة " (19) . وكادوا يقتلون سعدا، وهو مزمل وجع، وحمل إلى دارههه وهو صفر اليدين قد انهارت آماله، وتبددت احلامه، ولما تمت البيعة إلى أبي بكر اقيل به حزبه يزفونه إلى مسجد رسول الله (ص) زفاف العروس (20) والنبي (ص) مسجى في فراش الموت لم يغيبه عن عيون القوم مثواه قد انشغل الامام امير المؤمنين بتجهيزه، ولما علم (ع) ببيعة ابي بكر تمثل بقول القائل : واصبح اقوام يقولون ما اشتهوا ويطغون لما غال زيدا غوائل (21) لقد تمت البيعة لابي بكر بهذه السرعة الخاطفة، وقد اهمل فيها رأي العترة الطاهرة ولم يعن بها، ومن ذلك اليوم واجهت جميع الوان الرزايا والنكبات، وما كارثة كربلا وغيرها من المآسي التي حلت بآل البيت (ع) الا وهي متفرعة من يوم السقيفة حسب ما نص عليه المحققون. سرور القرشيين : وابتههجت قريش حينما آل الحكم إلى أبي بكر واعتبرته فوزا لها، فقد تحققت آمالها وأحلامها، وقد عبر عن مدى سرورها أبوعبرة القرشي بقوله : شكرا لمن هو بالثناء حقيق * ذهب اللجاج وبويع الصديق من بعد ما زلت بسعد نعله * ورجاء رجاء دونه العيوق ان الخلافة في قريش مالكم * فيها ورب محمد معروق (22) وفي هذا الشعر التنديد والهجاء للانصار، واظهار السرور البالغ بحرمانهم من الخلافة... ومن أبدى سروره ببيعة أبي بكر عمرو بن العاص ولم يكن في يثرب آنذاك وانما كان في سفر له فلما قدم وسمع ببيعة أبي بكر قال : قال لاوس اذا جئتها * وقل اذا ما جئت للخزرج تمنيتم الملك في يثرب * فانزلت القدر لم تنضج (23) لقد عمت الافراح والمسرات جميع القبائل القرشية، ووقفت موقف التأييد لحكومة أبي بكر، ولما بلغ أهل مكة موت النبي (ص) أرادوا أن يعلنوا الردة والخروج عن السلام إلا أنهم لما علموا بخلافة أبي بكر اذعنوا وأعلنوا الرضا والسرور . موقف أبي سفيان : وعمد أبوسفيان إلى اعلان المعارضة لحكومة أبي بكر، فقد وقف على الامام أمير المؤمنين يحفزه على مناجزة أبي بكر، ويعده بنصرته وهو يقول : " إني لارى عجاجه لا يطفئها الا دم يا آل عبد مناف، فيم أبوبكر من أموركم ؟ اين المستضعفان ؟ " . اين الاذلان ؟ علي والعباس ؟ ! ! ما بال هذا الامر في أقل حي من قريش ؟ ثم قال لعلي : ابسط يدك أبايعك فوالله لئن شئت لاملانها عليه خيلا ورجالا، وتمثل بشعر المتلمس : ولن يقيم على خسف يراد به * الا الاذلان عير الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته * وذا يشج فلا يبكي له أحد لقد استغل أبوسفيان العنصرية القبيلة لاحداث الثورة والانقلاب على حكومة أبي بكر لكن الامام كان يفقه دوافعه، ويعرف ذاتياته فلم يستجب له، وانما نهره وأغلظ له في القول قائلا : " والله ما أردت بهذا إلا الفتنة وانك والله طالما بغيت للاسلام شرا لا حاجة لنا في نصيحتك.."(24) . وراح أبوسفيان يشتد في اثارة الفتنة، ويدعو الامام إلى اعلان الثورة على أبي بكر وكان ينشد : بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم * ولا سيما تيم بن مرة أو عدي فما الامر إلا فيكم وإليكم * وليس لها إلا أبوحسن علي أبا حسن فاشدد بها كف حازم * فانك بالامر الذى يرتجى علي (25) ومن المقطوع به أنه لم تكن معارضة أبي سفيان عن ايمان منه بحق الامام (ع) وإنما كانت ظاهرية أراد بها الكيد للاسلام، والبغي عليه وقد أعرض الامام عنه ولم يعن بعواطفه الكاذبة، فان علاقة أبي بكر مع أبي سفيان كانت وثيقة للغاية فقد روى البخاري أن أبا سفيان اجتاز على جماعة من المسلمين منهم أبوبكر وسلمان وصهيب وبلال فقال بعضهم : " أما أخذت سيوف الله من عتق عدو الله مأخذها ؟ " . فزجرهم أبوبكر وقال لهم : " أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم ؟ ! ! " ومضى مسرعا إلى النبى (ص) يخبره بمقالة القوم فرد عليه الرسول صلى الله عليه وآهل قائلا : " يا أبا بكر لعلك أغضبتهم ؟ لئن كنت أغضبتهم لقد غضبت الله " (26) ودلت هذه البادرة على مدى الصلة الوثيقة بينهما، وقد جهد أبوبكر في خلافته على استمالة أبي سفيان، وكسب وده فقد استعمله عاملا على ما بين آخر حد للحجاز، وآخر حد من نجران (27) كما عين ولده يزيد واليا على الشام ومنذ ذلك اليوم قد علا نجم الامويين وقويت شوكتهم : اندحار الانصار : وأفل نجم الانصار، وضاعت أمانيهم، وعراهم الذل والهوان ، وقد عبر عن خيبة أملهم حسان بن ثابت بقوله : نصرنا وآوينا النبي ولم نخف * صروف الليالي والبلاء على وجل بذلنا لهم انصاف مال اكفنا * كقسمة أيسار الجزور من الفضل فكان جزاء الفضل منا عليهم * جهالتهم حمقا وما ذاك بالعدل (28) وقوبلت الانصار بمزيد من الهوان في كثير من عهود الخلفاء، وقد استبان لهم الخطأ الفظيع في تقصيرهم بحق الامام أمير المؤمنين (ع) وانهم قذفوا بنفوسهم في متاهات سحيقة من هذه الحياة . موقف آل البيت (ع) : واتفق المؤرخون على أن موقف أهل البيت (ع) تجاه خلافة أبي بكر قد تميز بالكراهة فقد كانوا لا يخالجهم ريب في أنهم أحق بالامر وأولى به من غيرهم لانهم أقرب الناس وألصقهم برسول الله (ص) بالاضافة إلى ما تتوفر فيهم من القابليات الفذة والقدرة على تحمل المسؤولية وقيادة الامة، ولكن القوم لم يعنوا بهم وتجاهلوا عامدين مكانتهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وقابلوهم بمزيد من العنف مما ادى إلى تشعب صدع الامة وجر الويلات والخطوب لها في جميع مراحل التاريخ . امتناع الامام عن البيعة : ونقم الامام امير المؤمنين (ع) على بيعة أبي بكر، واعتبرها اعتداء صارخا عليه، فهو يعلم ان محله من الخلافة محل القطب من الرحى ينحدر عنه السيل، ولا يرقى اليه الطير - على حد تعبيرهه - وما كان يظن ان القوم يزعجون هذا الامر ويخرجونه عن أهل بيت نبيهم، فقد بادر اليه عمه العباس قائلا له : " يابن أخي امدد يدك أبايعك، فيقول الناس : عم رسول الله صلى الله عليه وآله بايع ابن عم رسول الله فلا يختلف عليك اثنان " . فقال له الامام : " ومن يطلب هذا الامر غيرنا ؟ " (29) . وعلق الدكتور طه حسين على ذلك بقوله : " نظر العباس في الامر فرأى ابن أخيه، أحق منه بوراثة السلطان لانه ربيب النبي، وصاحب السابقة في الاسلام وصاحب البلاء الحسن الممتاز في المشاهد كلها، ولان النبي كان يدعوه أخاه حتى قالت له أم أيمن : ذات يوم مداعبة تدعوه أخاك وتزوجه ابنتك ؟ ! ولان النبي قال له : أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي، وقال للمسلمين يوما آخر : من كنت مولاه فعلي مولاه. من أجل ذلك أقبل العباس بعد وفاة النبي على ابن أخيه ، وقال له : ابسط يدك أبايعك " (30) . لقد تخلف الامام (ع) عن بيعة ابي بكر ساخطا، وأعلن شجاه وأساه على صياع حقه، واستبداد القوم بالامر من دون أن يعنوا به وفي نهجه شذرات من بليغ كلامه عرض فيها لذلك . ارغامه على البيعة : وأجمع رأي القوم على ارقام الامام (ع) وقسره على البيعة لابي بكر فأرسلوا حفنة من الشرطة فأحاطت بداره، وأخرجوه منها، وهو مهان الجانب، وجئ به إلى ابى بكر، فصاح القوم به بعنف : " بايع أبا بكر " . فأجابهم الامام بمنطقة الفياض، وهو غير وجل من جبروتهم وسطوتهم قائلا : " أنا أحق بهذا الامر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الامر من الانصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي (ص) وتأخذونه منا أهل البيت غضبا ! ! ألستم زعمتم للانصار أنكم أولى بهذا الامر منهم لما كان محمد (ص) منكم فاعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الامارة ؟ وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار، نحن اولى برسول الله حيا وميتا، فانصفونا إن كنتم تؤمنون، وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون... " . ووضع الامام (ع) النقاط على الحروف بهذا الاحتجاج الرائع ، ودلل على انه اولى وأحق بالامر منهم لانه اقرب إلى النبي (ص) وألصق به من غيره، فان القرب من النبي (ص) هي الجهة التي تمسك بها القوم في التغلب على الانصار، وهي متوفرة في الامام اكثر من غيره ، فهو ابن عمر النبي (ص) وختنه على بنته... وثار ابن الخطاب بعد أن أعوزته الحجة في الرد على الامام فسلك طريق العنف قائلا له : " انك لست متروكا حتى تبايع " . فزجره الامام قائلا : " احلب حلبا لك شطره، واشدد له اليوم امره يردده عليك غدا " وكشف (ع) السر في اندفعات ابن الخطاب وحماسه، فانه لم يقف هذا الموقف الصارم تجاه الامام الا من أجل ان ترجع اليه الخلافة وشؤون الملك بعد أبي بكر، وثار الامام، وهتف يزأر قائلا : " والله يا عمر، لا أقبل قولك ولا ابايعه " . وخاف أبوبكر من تطور الاحداث، وخشي من غضب الامام فاقبل عليه، فخاطبه بناعم القول قائلا : " إن لم تبايع فلا أكرهك " . وانبرى اليه أبوعبيدة محاولا اخماد ثورته، وكسب وده قائلا له : " يابن عم انك حدث السن، وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالامور، ولا أرى أبا بكر إلا على هذا الامر منك وأشد احتمالا واضطلاعا به، فسلم لابي بكر هذا الامر، فانك إن تعيش ويطل بك بقاء، فأنت لهذا الامر خليق، وبه حقيق في ضلك ودينك وعلمك، وفهمك، وسابقتك، ونسبك وصهرك... " . وأثارت هذه المخاتلة والمخادعة كوامن الالم والاستياء في نفس الامام فاندفع يخاطب المهاجرين من قريش ويذكرهم مآثر أهل البيت عليهم السلام وفضائلهم قائلا : " الله الله يا معشر المهاجرين !... لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره، وقعر بيته إلى دوركم، وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه... فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لانا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الامر منكم، ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، الدافع عنهم الامور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله انه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتصلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعدا.." (31). ولو انهم استجابوا النداء الامام الذي فيه ضمان أكيد لصالح الامة ، وصيانة لهم من الزيع والانحراف في مجالاتها العقائدية وغيرها، لجنبوا الامة كثيرا من المضاعفات السيئة ولكن هيهات من ذلك فقد انساب الانساب منذ أقدم عصوره وراء شهواته واطماعه مضحيا بكل شئ في سبيل ذلك . وعلى أي حال فان القوم لم يعوا منطق الامام وتجاهلوه، وقدموا مصالحهم الخاصة على كل شئ . الاجراءات الصارمة : واقتضت سياسة أبى بكر أن يتخذ جميع الاجراءات الصارمة ضد الامام (ع) وان يسلك جميع الوسائل التي من شأنها اضعاف جبهته والتغلب عليه لانه يمثل القوى المعارضة لحكومته فقد كانت الاكثرية الساحقة من الانصار تميل للامام، وترغب في أن يتولى زمام الحكم، وهذه بعض الوسائل التي سلكتها حكومة أبى بكر : الحصار الاقتصادى : والحصار الاقتصادي من أوثق الطرق وأدقها، وأكثرها نجاحا لشل الحركة المعارضة وابادتها فان المال في جميع فترات التاريخ هو الاداة الفعالة التي تعتمد عليها الجبهة المعارضة لقلب نظام الحكم، ولا تزال الدول في جميع أنحاء العالم تسلك هذا الطريق فتصادر أموال خصومها، أو تمنعهم من التصرف بها خوفا من أن تستخدمه للاطاحة بها، وقد أمعن أبوبكر في ذلك فبادر إلى فرض الحصار الاقتصادي على الامام لئلا يقوى على الانتفاضة عليه، وقد نفذ ما يلي : اسقاط الخمس : والخمس حق مفروض لآل رسول الله (ص) نص عليه القرآن الكريم قال تعالى : " واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله، وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير " (32) . وقد أجمع المسلمون على أن النبي (ص) كان يختص بسهم من الخمس ، ويخص أقاربه بسهم آخر منه، وكانت هذه سيرته إلى أن اختاره الله إلى الرفيق الاعلى، ولما ولي أبوبكر أسقط سهم النبي (ص) وسهم ذي القربى ومنع بني هاشم من الخمس، وجعلهم كغيرههم (33) وقد ارسلت اليه بضعة الرسول وريحانته فاطمة الزهراء (ع) تسأله أن يدفع اليها ما بقى من خمس خيبر فأبى أن يدفع اليها شيئا (34) وقد ترك شبح الفقر مخيما على آل النبي (ص) وحجب عنهم أهم مواردهم الاقتصادية التي فرضها الله لهم : الاستيلاء على تركة النبي : واستولى أبوبكر على جميع ما تركه النبي (ص) من بلغة العيش فلم يبق ولم يذر منه أي شئ وانما حازه إلى بيت المال، وقد سد بذلك على العترة الطاهرة أي نافذة من مواردها المعاشية، وفرض عليها حصارا اقتصاديا لا تطيق معه من القيام بأي حركة ضده . حجته: وكانت حجة أبي بكر في مصادرته لتركة النبي (ص) وحرمان ورثته منها ما رواه عن رسول الله (ص) أنه قال : " لا نورث ما تركناه صدقة " (35) ولهذا الحديث استند أبوبكر في حجب سيدة النساء فاطمة عليها السلام عن ارثها من أبيها، وقد وصم هذا الحديث بالوهن والضعف 1 - إنه لو كان صحيحا ومعتبرا لعرفته سيدة النساء فاطمة (ع) وما دخلت ميدان المخاصمة والمحاججة معه، وكيف تطالبه وهي سليلة النبوة بأمر لم يكن مشروعا لها ؟ 2 - ان النبي (ص) كيف يحجب عن بضعته أمرا يرجع إلى تكليفها الشرعي، فان في ذلك تعريضا للامة للهلاك والقاء لها في ميدان الخصومة 3 - انه من الممتنع ان يحجب النبى هذا الحديث عن الامام، وهو حافظ سره، وباب مدينة علمه، وباب دار حكمته وأقضى أمته، وأبو سبطيه، ومن المقطوع به أنه لو كان لهذا الحديث أي نصيب من الصحة لعرفه الامام، وما كتمه النبي (ص) عنه . 4 - انه لو كان له أي مدى من الصحة لما خفى على امهات المؤمنين وقد ارسلن إلى عثمان بن عفان يسألنه أن يسأل لهن ميراثهن من رسول الله صلى الله عليه وآله... هذه بعض المؤاخذات التي تواجه الحديث، وهي تجعله من الضعف بأقص مكان . حوار الزهراء مع أبي بكر : وضاقت الدنيا على بضعة النبي (ص) وأرهقت ارهاقا شديدا من الاجراءات الصارمة التي اتخذها أبوبكر ضدها، ويقول الرواة إنها سلام الله عليها استقلت غضبا فلاثت خمارها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمة من حفدتها، ونساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله حتى دخلت على أبى بكر، وهو في حشد من المهاجرين والانصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاة (36). ثم أتت أنة اجهش لها القوم بالبكاء، وارتج المجلس، فأمهلتهم حتى اذا سكن نشيجهم، وهدأت فورتهم، افتتح خطابها بحمد الله والثناء عليه، وانحدرت في خطابها كالسيل، فلم يسمع أخطب ولا أبلغ منها، وقد تحدثت في خطابها الرائع عن معارف الاسلام وفلسفته، وألقت الاضواء على علل أحكامه، وحكم تشريعاته، وعرضت إلى ما كانت عليه حالة الامم قبل أن يشرق عليها نور الاسلام من التناحر والانحطاط، ووهن العقول وضحالة التفكير ، خصوصا الجزيرة العربية فقد منيت بالذل والهوان، فكانت على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبة العجلان، وموطئ الاقدام، وقد بلغت من الانحطاط في حياتها الاقتصادية إلى حد كانت الاكثرية الساحقة تقتاد القد، وتشرب الطرق، وظللت على هذا الحال المرير ترسف في قيود الفقر، إلى أن أنقذها الله بنبيه ورسوله (ص) فدفعها إلى واحات الحضارة، وجعلها سادة الامم والشعوب، فما أعظم فضله على العرب وعلى الناس جميعا... وعرضت سيدة النساء (ع) إلى فضل ابن عمها الامام أمير المؤمنين (ع) وجهاده المشرق في نصرة الاسلام ، والذب عن حياضة في حين أن المهاجرين من قريش كانوا في رفاهية من العيش وادعين آمنين لم يكن لهم أي ضلع في نصرة القضية الاسلامية، وانما كانوا - على حد تعبيرها - ينكصون عند النزال، ويفرون من القتال ، كما كانوا يتربصون بأهل البيت الدوائر، ويتوقعون بهم نزول الاحداث وأعربت (ع) في خطابها عن أسفها البالغ على ما مني به المسلمون من الزيغ والانحراف، والاستجابة لدواع الهوى والغرور، وتنبأت عمار سيواجهون من الاحداث الخطيرة والكوارث المؤلمة نتيجة لما ارتكبوه من الاخطاء والانحراف عما أراده الله منهم من التمسك بالعترة، وبعدما أدلت بهذه النقاط المشرقة عرضت إلى حرمانها من ارث أبيها رسول الله (ص) فقالت : " وانتم الآن تزعمون : ان لا أرث لي من أبي " أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " . أفلا تعلمون... - بلى قد تجلى لكم كالشمس الضاحية - أني ابنته ويها أيها المسلمون أأغلب على تراث أبي ؟ يابن أبي قحافة ؟ ! ! أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئا فريا أفعلى عمد تركتم كتاب الله، ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول : " وورث سليمان داود " وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا إذ يقول : " رب هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا " وقال : " وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " وقال : " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين " . وقال : " إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين " . وزعمتم أن لا حظوة لي، ولا ارث من أبي، ولا رحم بيننا أفخصكم الله بآية أخرج منها أبي . أم تقولون : هل ملتين لا يتوارثان ؟ أولست أنا وأبي من أهل ملة واحدة ؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي ؟ ثم وجهت خطابها إلى أبي بكر فقالت له : " فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد الموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولا ينفعكم إذ تندمون " ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم " . واتجهت نحو فئة المسلمين تستنهض همهم، وتوقظ عزائمهم للمطالبة بحقها، والثأر لها قائلة : " يا معشر الفتية واعضاد الملة، وحضنة الاسلام ما هذه الغميزة في حقي، والسنة عن ظلامتي ؟ ! ! أما كان رسول الله أبي يقول : " المرء يحفظ في ولده " سرعان ما أحدثتم وعجلان ذا هالة، ولكم طاقة بما أحاول وقوة على ما أطلب وأزاول، أتقولون : مات محمد فخطب جليل استوسع وهيه، واستنهر فتقه، وانفتق رتقه، وأظلمت الارض لغيبته، وكسفت الشمس والقمر، وانتشرت النجوم لمصيبته، وأكدت الآمال وخشعت الجبال، واضيع الحريم، وأديلت الحرمة عند مماته، فتلك والله النازلة الكبرى والمصيبة العظمى التي لا مثلها نازلة، ولا بائقة عاجلة، أعلن بها كتاب الله جل ثناؤه في ممساكم ومصبحكم هتافا وصراخا، وتلاوة والحانا ولقبله ما حلت بانبياء الله ورسله، حكم فصل وقضاء حتم، وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسول أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين " . وأخذت تحفز الانصار، وتذكرهم بجهادهم المضئ وكفاحهم المشرق في نصرة الاسلام وحماية أهدافه ومبادئه، طالبة منهم الانتفاضة والثورة على قلب الحكم القائم قائلا : " ايها بني قيلة (37) أأهضم تراث أبي وأنتم بمرئ ومسمع ومنتدى ومجمع تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذوو العدد والعدة، والاداة والقوة، وعندكم السلاح والجنة (38) توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فال تغيثون، وانتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح والنخبة التي انتخبت، والخيرة التي اختيرت لنا - أهل البيت - قاتلتم العرب وتحملتم الكد والتعب، وناطحتم الامم وكافحتم البهم، فلا نبرح وتبرحون نأمركم فتائمرون، حتى اذا دارت بنا رحى الاسلام، ودر حلب الايام وخضعت نعرة الشرك، وسكنت فورة الافك، وخمدت نيران الكفر وهدأت دعوة الهرج واستوسق نظام الدين فان جرتم (39) بعد البيان وأسررتم بعد الاعلان، ونكصتم بعد الاقدام، واشركتم بعد الايمان، بؤسا لقوم (نكثوا ايمانهم وهموا باخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة) أتخشونهم ؟ " والله أحق أن تخشوه ان كنتم مؤمنين " . ولما رأت وهن الانصار، وتخاذلهم وعدم استجابتهم لنداء الحق ، وجهت لهم أعنف اللوم، وأشد العتب والتقريع قائلة : " ألا وقد قلت : ما قلت : على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنها فيضة النفس، وبثة الصدر ، ونفثة الغيظ، وتقدمة الحجة، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر، نقية الخف، باقية العار، موسومة بغضب الله، وشنار الابد، موصومة ب " نار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة انها عليها موصدة " فبعين الله ما تفعلون " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " . وأنا ابنة نذيركم بين يدي عذاب شديد " فاعملوا انا عاملون، وانظروا إنا منتظرون " (40) . وقد وجلت القلوب، وخشعت الابصار، وبخعت النفوس، وأوشكت أن ترد شوارد الاهواء، ويرجع الحق إلى نصابه ومعدنه، إلا أن ابا بكر قد استطاع بلباقته الهائلة، وقابلياته الدبلوماسية ان يسيطر على الموقف وينقذ حكومته من الانقلاب، وقد قابل بضعة الرسول (ص) بكل تكريم واحتفاء واظهر لها انه يخلص لها اكثر مما يخلص لابنته عائشة، وانه يكن لها في اعماق نفسه الاحترام والتقدير، كما اظهر لها حزنه العميق على وفاة ابيها رسول الله (ص) وانه ود ان يكون مات قبل موته، وعرض لها انه لم يتقلد منصب الحكم ولم يتخذ معها الاجراءات الصارمة عن رأيه الخاص ، وإنما كان عن رأي المسلمين واجماعهم، وقد جلب له بذلك القلوب بعد ما نفرت منه، واخمد نار الثورة وقضى على جميع معالمها . حجة الزهراء : اما حجة الزهراء (ع) على ارثها من ابيها، فقد كانت وثيقة للغاية فقد كان استدلالها بآيات محكمات لا ترد، ولا تكابر، احتجت - اولا - على توريث الانبياء الشامل لابيها بآيتي داود وزكريا، وهما صريحتان بتوريثهما، واحتجت - ثانيا - بعموم آيات المواريث، وعموم آية الوصية ويجب الاخذ بتلك العمومات وهي بالطبع شاملة لابيها وخروجه عنها ، انما هو من باب التخصيص بلا مخصص، ثم ذكرت لهم ان ما يوجب التخصيص والخروج عن هذه العمومات انما هو فيما اذا اختلف الوارث ومورثه في الدين وتقول لهم : فهل لكم اذ منعتموني عن ارثي من ابي اني واياه من اهل ملتين وهما لا يتوارثان، أولست واياه من اهل ملة واحدة... وقد بلغت بهذا المنطق إلى ابعد الغايات، وقدمت اروع الحجج في الدفاع عن حقها. تأميم فدك : وبقي هناك شئ آخر ذات اهمية بالغة في المجال الاقتصادي وهي واردات فدك، فقد كانت تقوم بسد جميع ما تحتاجه العترة الطاهرة من النفقات الاقتصادية، وتوفر لها اسباب المعيشة برخاء إلا انها اممت، واضيفت وارادتها إلى بيت المال لئلا تقوى شوكة علي (ع) على مناهضة الحكم القائم . وهنا بحوث بالغة الاهمية انفقنا على تحقيقها وقتا غير قليل، وقد حذفت واعرضنا عن ذكرها، فانه لم تكن عندنا - يعلم الله - أية رغبة في الخوض في هذه البحوث المؤلمة إلا ان دراسة حياة الامام الحسين (ع) دراسة منهجية سليمة وشاملة تتوقف على دراسة هذه الاحداث التي لعبت دورها الخطير في مسرح السياسة الاسلامية، فقد اخذت تجري كلها في فصل واحد مترابط، واعقبت اشد المحن والخطوب . مآسي الزهراء : وطافت موجات قاسية من الهموم والاحزان ببضعة النبي (ص) ووديعته فقد احتل الاسى قلبها الرقيق المعذب، وغشيتها سحب قاتمة من الكدر واللوعة على فقد أبيها الذي كان اعز عندها من الحياة، فكانت تزور جدثه الطاهر فتطوف حوله، وهي حيرى ذاهلة اللب، منهدة الكيان فتلقي بنفسها عليه، وتأخذ حفنة من ترابه الطاهر فتضعه على عينيها ووجهها وتطيل من شمه، وتقبيله، فتجد في نفسها راحة، وهي تبكي امر البكاء واشجاه، وتقول بصوت حزين النبرات : ماذا على من شم تربة أحمد * أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت علي مصائب لو أنها * صبت على الايام صرن لياليا قل للمغيب تحت أطباق الثرى * إن كنت تسمع صرختي وندائيا قد كنت ذات حمى بظل محمد * لا اختشي ضيما وكان جماليا فاليوم أخضع للذليل وأتقي * ضيمي وادفع ظالمي بردائيا فاذا بكت قمرية في ليلها * شجنا على غصن بكيت صباحيا فلاجعلن الحزن بعدك مؤنسي * ولاجعلن الدمع فيك وشاحيا (41) وتصور هذه الابيات أروع تصوير وأصدقه للوعة الزهراء وشجونها فقد مثلت أحزانها المرهقة على فراق أبيها الذي أخلصت له في الحب كما أخلص لها أبوها، ولو صبت مصائبها الموجعة على الايام لخلعت زينتها... كما صورت هذه الابيات الحزينة مدى منعتها وعزتها أيام أبيها فقد كانت من أعز نساء المسلمين شأنا واعلاهن مكانة، ولكنها بعدما فقدت أباها تنكر لها القوم، وأجمعوا على الغض من شأنها، حتى صارت تخضع للذليل، وتتقى ممن ظلمها بردائها اذ لم يكن هناك من يحميها، ولم تكن تأوي إلى ركن شديد . وقد خلدت إلى البكاء والحزن حتى عدت من البكائين الخمس (42) الذين مثلوا الحزن والاسى في هذه الحياة، وقد بلغ من عظيم وجدها على أبيها أن أنس بن مالك استأذن عليها ليعزيها بمصابها الاليم، وكان ممن وسد رسول الله (ص) في مثواه الاخير فقالت له : " أنس بن مالك ؟ " . نعم يا بنت رسول الله " . فقالت له وهي تلفظ قطعا من قلبها المذاب : " كيف طابت نفوسكم أن تحثوا التراب على رسول الله (ص) " (43) . وقطع أنس كلامه، وطاش لبه، وخرج وهو يذرف الدموع قد غرق في عالم من الاسى والشجون . وألحت بضعة رسول الله (ص) على ابن عمها أمير المؤمنين أن يريها القميص الذي غسل فيه أباها رسول الله (ص) فجاء به اليها فاخذته بلهفة وهي توسعه تقبيلا وشما لانها تجد فيه رائحة أبيها الذي غاب في مثواه، ووضعته على عينيها، وقلبها الزاكي يتقطع من الم الحزن والاسى حتى غشي عليها وخلدت وديعة النبي (ص) إلى البكاء في وضح النهار وفي غلس الليل وظل شبح أبيها يتابعها في كل فترة م حياتها القصيرة الامد، وقد ثقل على القوم فيما يقول المؤرخون، بكاؤها فشكوها إلى الامام أمير المؤمنين (ع) وطلبوا منه ان تجعل لبكائها وقتا خاصا لانهم لا يهجعون ولا يستريحون فكلمها أمير المؤمنين (ع) فأجابته إلى ذلك فكانت في نهارها تخرج خارج المدينة وتصحب معها ولديها الحسن والحسين فتجلس تحت شجرة من أراك، فتستظل تحتها، وتبكي أباها طيلة النهار فاذا أوشكت الشمس أن تغرب تقدمها الحسنان مع أبيهما ورجعوا قافلين إلى الدار التي خيم عليها الحزن والاسى، وعمد القوم إلى تلك الشجرة فقطعوها فكانت تبكي في حر الشمس، فقام أمير المؤمنين (ع) فبنى لها بيتا أسماه " بيت الاحزان " ظل رمزا لاساها على ممر العصور، ونسب إلى قائم آل محمد (ص) انه قال فيه : ام تراني اتخذت لا وعلاها * بعد بيت الاحزان بيت سرور وكانت حبيبة رسول الله تمكث نهارها في ذلك البيت الحزين تناجي أباها وتبكيه أمر البكاء وأقساه، واذا جاء الليل أقبل علي فأرجعها إلى الدار مع ولديها الحسن والحسين . وأثر الحزن المرهق ببضعة النبي وريحانته حتى فتكت بها الامراض فلازمت فراشها، ولم تتمكن من النهوض والقيام فبادرت السيدات من نساء المسلمين إلى عيادتها فقلن لها : " كيف أصبحت من علتك يا بنت رسول الله ؟ " . فرمقتهن بطرفها، واجابتهن بصوت خافت مشفوع بالحزن والحسرات قائلة : " أجدني كارهة لدنياكن، مسرورة لفراقكن، ألقى الله ورسوله بحسراتكن، فما حفظ لي الحق، ولا رعيت من الذمة، ولا قبلت الوصية ولا عرفت الحرمة... " (44) . وخيم على النسوة صمت رهيب، وأنعكس على وجوههن حزن شديد وغامت عيونهن بالدموع، وانطلقن إلى بيوتهن بخطى ثقيلة، فعرضن على أزواجهن كلمات زهراء الرسول، فكانت وقعها عليهم أشد من ضربات السيوف، فقد عرفوا مدى تقصيرهم تجاه وديعة نبيهم وهرعن بعض امهات المؤمنين إلى عيادتها فقلن لها : " يا بنت رسول الله... صيري لنا في حضور غسلك حظا " . فلم تجبهن إلى ذلك وقالت : " أتردن أن تقلن في كما قلتن في امي لا حاجة لي في حضوركن " . إلى جنة المأوى : وتوالت الامراض على وديعة النبي (ص) وفتك الحزن بجسمها النحيل المعذب حتى انهارت قواها، واصبحت لا تقوى على النهوض من فراشها وأخذت تذوي كما تذوي الازهار عند الضماء، فقد مشى اليها الموت سريعا وهي في شبابها الغض الاهاب، وقد حان موعد اللقاء القريب بينها وبين أبيها الذي غاب عنها وغابت معه عواطفه الفياضة ولما بدت لها طلائع الرحيل عن هذه الحياة طلبت حضور ابن عمها للامام أمير المؤمنين، فعهدت اليه بوصيتها، وقد جاء فيها ان يواري جثمانها المقدس في غلس الليل البهيم، وان لا يشيعها أحد من الذين هضموها، لانهم اعداؤها وأعداء أبيها - على حد تعبيرها - كما عهدت اليه أن يتزوج من بعدها بابنت اختها أمامة لانها تقوم برعاية ولديها الحسن والحسين اللذين هما أعز عندها من الحياة، وعهدت اليه ان يعفى موضع قبرها ليكون رمزا لغضبها غير قابل للتأويل على ممر الاجيال الصاعدة، وضمن لها الامام جميع ما عهدت اليه، وانصرف عنها وهو غارق في الاسى والشجون . وأسرت بضعة الرسول (ص) إلى اسماء بنت عميس فقالت لها : " إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء بعد موتهن " فقد كانت العادة أن يدرج على المرأة ثوب فيصفها لمن رأى وقد كرهت ذلك فاحبت أن يصنع لها سرير لا يبدو فيه جسدها، فعملت لها أسماء سريرا يستر من فيه قد شاهدته حينما كانت في الحبشة، فلما نظرت اليه سرت به، وابتسمت وهي أو ابتسامة شوهدت لها منذ ان لحق ابوها بالرفيق الاعلى (45) . وفي آخر يوم من حياتها أصبحت وقد ظهر بعض التحسن على صحتها، وكانت بادية الفرح والسرور فقد علمت أنها في يومها تلحق بأبيها، وعمدت إلى ولديها فغسلت لهما، وصنعت لهما من الطعام ما يكفيهم يومهم، وأمرت ولديها بالخروج لزيارة قبر جدهما، وهي تلقي عليهما نظرة الوداع، وقلبها يذوب من اللوعة والوجد، وخرج الحسنان، وقد هاما في تيار من الهواجس، واحسا ببوادر مخيفة اغرقتهما بالهموم والاحزان والتفت وديعة النبي إلى سلمى بنت عميس، وكانت تتولى تمريضها وخدمتها فقالت لها : " يا أماه " " نعم يا حبيبة رسول الله " " اسكبي لي غسلا " فانبرت واتتها بالماء فاغتسلت فيه، وقالت لها ثانيا : " ايتيني بثيابي الجدد " . فناولتها ثيابها، وهتفت بها مرة اخرى : " اجعلي فراشي وسط البيت " . وذعرت سلمى وارتعش قلبها فقد عرفت ان الموت قد حل بوديعة النبي، وصنعت لها سلمى ما أرادت فاضطجعت على فراشها، واستقبلت القبلة والتفتت إلى سلمى قائلة بصوت خافت : " يا امه... اني مقبوضة الآن، وقد تطهرت فلا يكشفني أحد " وأخذت تتلو آيات من الذكر الحكيم حتى فارقت، وسمت تلك الروح العظيمة إلى بارئها لتلتقي بابيها الذي كرهت الحياة بعده . لقد ارتفعت تلك الروح إلى جنان الله ورضوانه، فما اظلت سماء الدنيا في جميع مراحل هذه الحياة مثلها قداسة وفضلا وشرفا وعظمة، وقد انقطع بموتهاه آخر من كان في دنيا الوجود من نسل رسول الله . وقفل الحسنان إلى الدار فلم يجدا فيها امهما فبادرا يسألان سلمى عن امهما ففاجئتهما وهي غارقة في العويل والبكاء قائلة : " يا سيدي ان امكما قد ماتت فاخبرا بذلك اباكما " . فكان ذلك كالصاعقة عليهما فهرعا مسرعين إلى جثمانها، فوقع عليها الحسن، وهو يقول : " يا اماه كلميني قبل أن تفارق روحي بدني " . والقى الحسين نفسه عليها وهو يعج بالبكاء قائلا : " يا اما انا ابنك الحسين كلميني قبل ان ينصدع قلبي " . وأخذت اسماء تعوسعهما تقبيلا، وتعزيهما وتطلب منهما ان يسرعا إلى ابيهما فيخبراه، فانطلقا إلى مسجد جدهما رسول الله وهما غارقان في البكاء فلما قربا من المسجد رفعا صوتهما بالبكاء، فاستقبلهما المسلمون، وقد ظنوا انهما تذكرا جدهما فقالوا : " ما يبكيكما يا بني رسول الله ؟ لعلكما نظرتما موقف جدكما فبكيتما شوقا اليه ؟ " . " أو ليس قد ماتت أمنا فاطمة ؟ " . واضطرب الامام أمير المؤمنين وهز النبأ المؤلم كيانه، وطفق يقول : " " بمن العزاء يا بنت محمد ؟ كنت بك أتعزى ففيم العزاء من بعدك ؟ " وخف مسرعا إلى الدار، وهو يذرف الدموع، ولما القى نظرة على جثمان حبيبة رسول الله أخذ ينشد : لكل اجتماع من خليلين فرقة * وكل الذي دون الفراق قليل |