فهرس الكتاب

مكتبة الإمام الحسين

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

لمحات

مَن مِثلُ الامام الحسين عليه السلام

 

امامته:

الامام الحسين أحد الكواكب المشرقة من أئمة أهل البيت (ع) الذين استكملت فيهم الصفات الانسانية ، وبلغوا ذروة الكمال المطلق ، وأقاموا منار هذا الدين ، ورفعوا شعار الحق والعدل في الارض ، وتبنوا القضايا المصيرية للاسلام ، وعانوا في سبيله جميع الوان الكوارث والخطوب ، ولاقوا كل جهد وضيق من جبابرة عصورهم الذين اتخذوا مال الله دولا وعباد الله خولا .

وقد نظر النبي (ص) - وهو يوحي اليه - من خلال الاحقاب المترامية إلى الائمة الطاهرين من أهل بيته فعرفهم باسمائهم وصفاتهم ، ودلل بنصوصه العامة والخاصة على أنهم خلفاؤه وأوصياؤه ، وانهم سفن النجاة وأمن العباد وقرنهم بكتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وقد المعنا إلى الكثير من تلكم النصوص في البحوث السابقة فلم تعد هنا ضرورة لذكرها ، كما أنا بحثنا بصورة موضوعية وشاملة عن الامامة وضرورتها ، وواجبات الامام وصفاته في كتابنا (حياة الامام الحسن) فلا حاجة لاعادة البحث هنا .

مظاهر شخصيته :

أما الظاهر الفذة التي اتصفت بها شخصية أبي الاحرار ، وكانت من عناصره ومقوماته فهي :

1 - قوة الارادة :

من النزعات الذاتية لابي الشهداء (ع) قوة الارادة ، وصلابة العزم والتصميم ، وقد ورث هذه الظاهرهة الكريمة من جده الرسول (ص) الذي غير التاريخ ، وقلب مفاهيم الحياة ، ووقف صامدا وحده أمام القوى الهائلة التي هبت لتمنعه من أن يقول كلمة الله ، فلم يعن بها وراح يقول لعمه أبي طالب مؤمن قريش :

" والله لو وضعوا الشمس بيميني والقمر بيساري على أن أترك هذا الامر ما تركته حتى أموت أو يظهره الله...".

بهذا الارادة الجبارة قابل قوى الشرك ، واستطاع أن يتغلب على مجريات الاحداث ، وكذلك وقف سبطه العظيم في وجه الحكم الاموي فاعلن بلا تردد رفضه لبيعة يزيد ، وانطلق مع قلة الناصر إلى ساحات الجهاد ليرفع كلمة الحق ، ويدحض كلمة الباطل ، وقد حشدت عليه الدولة الاموية جيوشها الهائلة ، فلم يحفل بها ، واعلن عن عزمه وتصميمه بكلمته الخالدة قائلا :

" لا أرى الموت إلا سعادة ، والحياة مع الظالمين إلا برما...".

وانطلق مع الاسرة الكريمة من أهل بيته وأصحابه إلى ميدان الشرف والمجد ليرفع راية الاسلام ، ويحقق للامة الاسلامية اعظم الانتصارات والفتح حتى استشهد سلام الله عليه ، وهو من أقوى الناس ارادة ، وامضاهم عزيمة وتصميما .

غير حافل بما عاناه من الكوارث التي تذهل العقول وتحير الالباب .

2 - الاباء عن الضيم :

والصفة البارزة من نزعات الامام الحسين (ع) الاباء عن الضيم حتى لقب (بأبي الضيم) وهي من أعظم القابه ذيوعا وانتشارا بين الناس فقد كان المثل الاعلى لهذه الظاهرة فهو الذي رفع شعار الكرامة الانسانية ورسم طريق الشرف والعزة ، فلم يخنع ، ولم يخضع لقرود بني أمية ، وآثر الموت تحت ظلال الاسنة ، يقول عبد العزيز بن نباتة السعدي :

والحسين الذي رأى الموت في العـ * -ز حياة والعيش في الذل قتلا

ووصفه المؤرخ الشهير اليعقوبي بأنه شديد العزة(1) يقول ابن أبي الحديد :

" سيد أهل الاباء الذي علم الناس الحمية ، والموت تحت ظلال السيوف اختيارا على الدنية أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) عرض عليه الامان هو وأصحابه فأنف من الذل ، وخاف ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان مع أنه لا يقتله ، فاختار الموت على ذلك .

وسمعت النقيب أبا زيد يحيى بن زيد العلوي يقول :

كأن أبيان أبي تمام في محمد بن حميد الطائي ما قيلت إلا في الحسين :

وقد كان فــــــوت الموت سهلا فــــــرده * اليه الحفاظ المـر والخلـــــــق الوعـــر

ونفس تعـــــاف الضيم حــــــتى كأنــــــه * هو الكفر يوم الروع أو دونه الــــــكفر

فأثبت في مستـــنقع المــــــوت رجــــــله * وقال لها : من دون أخصمــــك الحشر

تردى ثيـــاب الموت حمـــــــرا فمــــا بدا * لها الليل إلا وهي من سندس خضر(2)

لقد علم أبوالاحرار الناس نبل الاباء ونبل التضحية يقول فيه مصعب ابن الزبير :

" واختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة " (3) ثم تمثل :

وإن الالى بالطف من آل هاشم * تآسوا فسنوا للكرام التآسيا وقدكات كلماته يوم الطف من أروع ما أثر من الكلام العربي في تصوير العزة والمنعة والاعتداد بالنفس يقول :

" ألا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة ، وهيهات منا الذلة ، يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت ، وأنوف حمية ، ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام...".

ووقف يوم الطف كالجبل الاشم غير حافل بتلك الوحوش الكاسرة من جيوش الردة الاموية ، وقد ألقى عليهم وعلى الاجيال أروع الدروس عن الكرامة وعزة النفس وشرف الاباء قائلا :

" والله لا أعطيكم بيدي اعطاء الذليل ، ولا أفر فرار العبيد إني عذت بربي وربكم أن ترجمون..."." وألقت هذه الكلمات المشرقة الاضواء على مدى ما يحمله الامام العظيم من الكرامة التي التي لا حد لابعادها ، والتي هي من أروع ما حفل به تاريخ الاسلام من صور البطولات الخالدة في جميع الآباد .

وتسابق شعراء أهل البيت (ع) إلى تصوير هذ الظاهرة الكريمة فكان ما نظموه في ذلك من أثمن ما دونته مصادر الادب العربي وقد عنى السيد حيدر الحلي إلى تصوير ذلك في كثير من روائعه الخالدة التي رثى بها جده الحسين يقول :

طمعت أن تسومه القوم ضيمــا * وأبى الله والحســــام الصنيــــع

كيف يلوي على الدنيــــة جـــيدا * لسوى الله ما لــــواه الخــضوع

ولديه جأش أرد مــــن الــــدرع * لضمأى القنــــــا وهن شــــروع

وبه يرجــــع الحفــــاظ لصــــدر * ضاقت الارض وهـي فيـه تضيع

فأبـــــى أن يعــــيــش إلا عزيزا * أو تجلى الكفاح وهو صريع(4)

ولم تصور منعة النفس وإباؤها بمثل هذا التصوير الرائع ، فقد عرض حيدر إلى ما صممت عليه الدولة الاموية من ارغام الامام الحسين (ع) على الذل والهوان ، واخضاعه لجورهم واستبدادهم ، ولكن يأبى له الله ذلك وتأبى له نفسه العظيمة التي ورثت عز النبوة أن يقر على الضيم ، فانه سلام الله عليه لم يلو جيده خاضعا لاي أحد إلا لله ، فكيف يخضع لاقزام بني امية ؟ ! وكيف يلويه سلطانهم عن عزمه الجبار الذي هو أرد من الدرع للقنا الضامئة ، وما أروع قوله :

وبه يرجع الحفاظ لصدر * ضاقت الارض وهي فيه تضيع وهل هناك أبلغ أو أدق وصفا لاباء الامام الحسين وعزته من هذا الوصف ، فقد أرجع جميع طاقات الحفاظ والذمام لصدر الامام (ع) التى ضاقت الارض من صلابة عزمه وتصميمه ، بل أنها على سعتها تضيع فيه ومن الحق انه قد حلق في وصفه لاباء الامام ، ويضاف لذلك جمال اللفظ فليس في هذا الشعر كلمة غريبة أو حرف ينبو على السمع .

وانظر إلى هذه الابيات من رائعته الاخرى التي يصف بها اباء الحسين يقول :

لقد مات لكــــــن ميتـــة هاشميـــة * لهم عرفت تحـــت القــــــنا المتقصد

كريم أبــــى شـــم الدنية أنــــــفـــه * فأشممــه شـــوك الوشيـــج المسدد

وقال: قـــفي يا نفس وقـفــــه وارد * حيـــــاض الردى لا وقفــــة المتردد

رأى أن ظهر الذل أخشن مركبـــــا * من الموت حيث الموت منه بمرصد

فآثر أن يسعى على جمرة الوغــى * برجـل ولا يعطى المقادة عن يد (5)

لا أكاد أعرف شعرا أدق ، ولا أعذب من هذا الشعر فهو يمثل أصدق تمثيل منعة الامام العظيم وعزة نفسه التي آثرت الموت تحت ظلال الاسنة على العيش الرغيد بذل وخنوع ، ناهجا بذلك منهج الشهداء من أسرته الذين تسابقوا إلى ساحات النضال ، واندفعوا بشوق إلى ميادين التضحية والفداء لينعموا بالكرامة والعزة .

ومضى حيدر في تصويره لاباء الامام الشهيد فوصفه بأنه أبى شم الدنية والضيم ، وعمد إلى شم الرماح والسيوف لان بها طعام الاباء وطعم الشرف والمجد...".وعلى هذا الغرار من الوصف الرائع يمضي حيدر في تصويره لمنعة الامام ، تلك المنعة التي ملكت مشاعره وعواطفه كما ملكت عواطف غيره ، ومن المقطوع به أنه لم يكن متكلفا بذلك ، ولا منتحلا وانما وصف الواقع وصفا صادقا لا تكلف فيه .

ويقول حيدر :

في رائعة أخرى يصف بها اباء الامام وسمو ذاته ، ولعلها من أجمل ما رثى به الامام (ع) يقول :

وسامته يركــــب احدى اثنتين * وقــــد صرت الحــــرب أسنانها

فإما يــــرى مذعنا أو تمـــوت * نــــفس أبــــى العــــز اذعانها

فقال لها: اعتصـــــمي بالاباء * فنــــفس الابــــي ومــــا زانها

اذا لم تجد غير لبس الهـــوان * فبالمــــوت تنزع جــــثمانـــها

رأى القتل صبرا شعار الكرام * وفخــــرا يزيــــن لها شأنهـــا

فشمر للحــــرب فــــــي معرك * به عرك الموت فرسانها (6)

إن مراثي حيدر للامام تعد - بحق - طغراء مشرقا في تراث الامة العربية ، فقد فكر فيها تفكيرا جادا ورتب أجزاءها ترتيبا دقيقا حتى جاءت بهذه الروعة ، وكان - فيما يقول معاصروه - ينظم في كل حول قصيدة خاصة في الامام (ع) ويعكف طيلة عامه على اصلاحها ، ويمعن امعانا دقيقا في كل كلمة من كلماتها حتى جاءت بمنتهى الروعة والابداع .

3 - الشجاعة :

ولم يشاهد الناس في جميع مراحل التاريخ أشجع ، ولا أربط جأشا ، ولا أقوى جنانا من الامام الحسين (ع) فقد وقف يوم الطف موقفا حير فيه الالباب ، وأذهل فيه العقول ، وأخذت الاجيال تتحدث باعجاب واكبار عن بسالته ، وصلابة عزمه ، وقدم الناس شجاعته على شجاعة أبيه التي استوعبت جميع لغات الارض .

وقد بهر أعداؤه الجبناء بقوة بأسه ، فانه لم ينهار أمام تلك النكبات المذهلة التي أخذت تتواكب عليه ، وكان يزداد انطلاقا وبشرا كلما ازاداد الموقف بلاء ومحنة ، فانه بعد ما فقد أصحابه وأهل بيته زحف عليه الجيش بأسره وكان عدده - فيما يقول الرواة - ثلاثين الفا ، فحمل عليهم وحده وقد ملك الخوف والرعب قلوبهم فكانوا ينهزمون أمامه كالمعزى اذا شد عليها الذئب - على حد تعبير الرواة - وبقي صامدا كالجبل يتلقى الطعنات من كل جانب ، ولم يوه له ركن ، وإنما مضى في أمره استبسالا واستخفافا بالمنية يقول السيد حيدر :

فتلقى الجموع فردا ولكن * كل عضو في الروع منه جموع

رمحه من بنانه وكأن من * عزمه حد سيفه مطبوع

زوج السيف بالنفوس ولكن * مهرها الموت والخضاب النجيع

ويقول في رائعة أخرى :

ركين وللارض تحت الكماة * رجيف يزلزل ثهلانها

أقر على الارض من ظهرها * إذا ململ الرعب أقرانها

تزيد الطلاقة في وجهه * اذا غير الخوف الوانها

ولما سقط أبي الضيم على الارض جريحا وقد أعياه نزف الدماء تحامى الجيش بأسره من الاجهاز عليه رعبا وخوفا منه ، يقول السيد حيدر :

عفيرا متى عاينته الكماة * يختطف الرعب الوانها

فما أجلت الحرب عن مثله * صريعا يجبن شجعانها

وتغذى أهل بيته وأصحابه بهذ الروح العظيمة فتسابقوا إلى الموت بشوق واخلاص لم يختلج في قلوبهم رعب ولا خوف ، وقد شهد لهم عدوهم بالبسالة ورباطة الجأش فقد قيل لرجل شهد يوم الطف مع عمر بن سعد ويحك أقتلتم ذرية رسول الله (ص) ؟ فاندفع قائلا :

" عضضت بالجندل ، إنك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا ، ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالاسود الضارية ، تحطم الفرسان يمينا وشمالا ، وتلقي أنفسها على الموت ، لا تقبل الامان ، ولا ترغب في المال ، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية ، والاستيلاء على الملك ، فلو كففنا عنها رويدا لاتت على نفوس العسكر بحذافيره ، فما كنا فاعلين لا أم لك..."(7).

ووصف بعض الشعراء هذه البسالة النادرة بقوله :

فلو وقفت صم الجبال مكانهم * لمادت على سهل ودكت على وعر

فمن قائم يستعرض النبل وجه * ومن مقدم يرمي الاسنة بالصدر

وما أروع قول السيد حيدر :

دكوا رباها ثم قالوا لها * وقد جثوا: نحن مكان الربا

لقد تحدى أبوالاحرار ببسالته النادرة الطبيعة البشرية فسخر من الموت وهزأ من الحياة ، وقد قال لاصحابه حينما مطرت عليه سهام الاعداء :

" قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لابد منه ، فان هذه السهام رسل القوم اليكم...".

لقد دعا أصحابه إلى الموت كأنما هو يدعوهم إلى مأدبه لذيذة ، ولقد كانت لذيذة عنده حقا ، لانه هو ينازل الباطل ويرتسم له برهان ربه الذي هو مبدؤه (8).

4 - الصراحة :

من صفات ابي الاحرار الصراحة في القول ، والصراحة في السلوك ففي جميع فترات حياته لم يوارب ولم يخادع ، ولم يسلك طريقا فيه أي التواء ، وإنما سلك الطريق الواضح الذي يتجاوب مع ضميره الحي ، وابتعد عن المنعطفات التي لا يقرها دينه وخلقه ، وكان من الوان ذلك السلوك النير أن الوليد حاكم يثرب دعاه في غلس الليل ، وأحاطه علما بهلاك معاوية ، وطلب منه البيعة ليزيد مكتفيا بها في جنح الظلام ، فامتنع (ع) وصارحه بالواقع قائلا :

" يا أمير إنا أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، بنا فتح الله وبنا ختم ، ويزيد فاسق فاجر ، شارب الخمر ، قاتل النفس المحرمة ، معلن بالفسق والفجور ، ومثلي لا يبايع مثله...".

وكشف هذه الكلمات عن مدى صراحته ، وسمو ذاته ، وقوة العارضة عنده في سبيل الحق .

ومن الوان تلك الصراحة التي اعتادها وصارت من ذاتياته أنه لما خرج إلى العراق وافاه النبأ المؤلم وهو في أثناء الطريق بمقتل سفيره مسلم ابن عقيل ، وخذلان أهل الكوفة ، فقال للذين اتبعوه طلبا للعافية لا للحق :

" قد خذلنا شيعتنا فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف ، ليس عليه ذمام...".

فتفرق عنه ذوو الاطماع ، وبقى مع الصفوة من أهل بيته(9) لقد تجنب (ع) في تلك الساعات الحرجة التي يتطلب فيها إلى الناصر الاغراء والخداع مؤمنا ان ذلك لا يمكن أن تتصف به النفوس العظيمة المؤمنة بربها والمؤمنة بعدالة قضيتها .

ومن الوان تلك الصراحة أنه جمع أهل بيته وأصحابه في ليلة العاشر من المحرم ، فاحاطهم علما بأنه يقتل في غد ، ويقتل جميع من كان معه صارحهم بذلك ليكونوا على بصيرة وبينة من أمرهم ، وأمرهم بالتفرق في سواد ذلك الليل ، فأبت تلك الاسرة العظيمة مفارقته ، وأصرت على الشهادة بين يديه .

تدول الدول ، وتزول المالك ، وهذه الاخلاق الرفيعة أحق بالبقاء وأجدر بالخلود من كل كائن حي لانها تمثل القيم العليا التي لا كرامة للانسان بدونها .

5 - الصلابة في الحق :

أما الصلاة في الحق فهي من مقومات أبي الشهداء ومن أبرز ذاتياته فقد شق الطريق في صعوبة مذهلة لاقامة الحق ، ودك حصون الباطل ، وتدمير خلايا الجور .

لقد تبنى الامام (ع) الحق بجميع رحابه ومفاهيمه ، واندفع إلى ساحات النضال ليقيم الحق في ربوع الوطن الاسلامي ، وينقذ الامة من التيارات العنيفة التي خلقت في أجوائها قواعد للباطل ، وخلايا للظلم ، وأوكارا للطغيان تركتها تتردى في مجاهل سحيقة من هذ الحياة رأى الامام (ع) الامة قد غمرتها الاباطيل والاضاليل ، ولم يعد ماثلا في حياتها أي مفهوم من مفاهيم الحق ، فانبرى (ع) إلى ميادين التضحية والفداء ليرفع راية الحق :

وقد أعلن (ع) هذا الهدف المشرق في خطابه الذي ألقاه أمام أصحابه قائلا :

" ألا ترون إلى الحق لا يعمل به ، والى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله...".

لقد كان الحق من العناصر الوضائة في شخصية أبي الاحرار ، وقد استشف النبي (ص) فيه هذه الظاهرة الكريمة فكان - فيما يقول المؤرخون - يرشف دوما تغره الكريم ذلك الثغر الذي قال كلمة الله وفجر ينابيع العدل والحق في الارض .

6 - الصبر :

من النزعات الفذة التي تفرد بها سيد الشهداء الصبر على نوائب الدنيا ومحن الايام ، فقد تجرع مرارة الصبر منذ أن كان طفلا ، فرزئ بجده وامه ، وشاهد الاحداث الرهيبة التي جرت على أبيه ، وما عاناه من المحن والخطوب ، وتجرع مرارة الصبر في عهد أخيه ، وهو ينظر إلى خذلان جيشه له ، وغدرهم به ، حتى ارغم على الصلح ، وبقي معه يشاركه في محنه وآلامه ، حتى اغتاله معاوية بالسم ، ورام أن يوارى جثمانه بجوار جده فمنعته بنو امية فكان ذلك من أشق المحن عليه .

ومن أعظم الرزايا التي صبر عليها أنه كان يرى انتقاض مبادئ الاسلام ، وما يوضع على لسان جده من الاحاديث المنكرة التي تغير وتبدل شريعة اللهه ، ومن الدواهي التي عاناها أنه كان يسمع سب أبيه وانتقاضه على كل هذه الرزايا والمصائب .

وتواكبت عليه المحن الشاقة التي تميد بالصبر في يوم العاشر من المحرم فلم يكد ينتهي من محنة حتى تطوف به مجموعة من الرزايا والام ، فكان يقف على الكواكب المشرقة من أبنائه وأهل بيته ، وقد تناهبت السيوف والرماح أشلاءهم فيخاطبهم بكل طمأنينة وثبات :

" صبرا يا أهل بيتي ، صبرا يا بني عمومتي ، لا رأيتم هوانا بعد هذا اليوم " .

وقد بصر شقيقته عقيلة بني هاشم ، وقد أذهلها الخطب ، ومزق الاسى قلبها ، فسارع اليها ، وأمرها بالخلود إلى الصبر والرضا بما قسم الله .

ومن أهوال تلك الكوارث التي صبر الامام عليها أنه كان يرى أطفاله وعياله ، وهم يضجون من ألم الظمأ القاتل ، ويستغيثون به من أليم العطش فكان يأمرهم بالصبر والاستقامة ، ويخبرهم بالعاقبة المشرقة التي يؤل اليها أمرهم بعد هذه المحن الحازبة .

وقد صبر على ملاقاة الاعداء الذين ملئت الارض جموعهم المتدفقة ، وهو وحده يتلقى الضرب والطعن من جميع الجهات ، قد تفتت كبده من العطش وهو غير حافل بذلك كله .

لقد كان صبره وموقفه الصلب يوم الطف من أندر ما عرفته الانسانية يقول الاربلي :

" شجاعة الحسين يضرب بها المثل ، وصبره في الحرب أعجز الاوائل والاواخر " (10).

إن أي واحدة من رزاياه لو ابتلى بها أي انسان مهما تدرع بالصبر والعزم وقوة النفس لاوهنت قواه واستسلم للضعف النفسي ، ولكنه (ع) لم يعن بما ابتلي به في سبيل الغاية الشريفة التي سمت بروحه أن تستسلم للجزع أو تضرع للخطوب ، يقول المؤرخون :

إنه تفرد بهذه الظاهرة ، فلم توه عزمه الاحداث مهما كانت ، وقد توفى له ولد في حياته فلم ير عليه أثر للكآبه فقيل له في ذلك فقال (ع) :

" إنا أهل بيت نسأل الله فيعطينا ، فاذا أراد ما نكره فيما نحب رضينا " (11) لقد رضى بقضاء الله واستسلم لامره ، وهذا هو جوهر الاسلام ومنتهى الايمان .

7 - الحلم :

أما الحلم فهو من أسمى صفات أبي شهداء (ع) ومن أبرز خصائصه فقد كان - فيما أجمع عليه الرواة - لا يقابل مسيئا باسائته ، ولا مذنبا بذنبه ، وإنما كان يغدق عليهم ببره ومعروفه شأنه في ذلك شأن جده الرسول (ص) الذي وسع الناس جميعا باخلاقه وفضائله ، وقد عرف بهذه الظاهرة وشاعت عنه ، وقد استغلها بعض مواليه فكان يعمد إلى اقتراف الاسائة إليه لينعم بصلته واحسانه ، ويقول المؤرخون :

إن بعض مواليه قد جنى عليه جناية توجب التأديب فأمر (ع) بتأديبه ، فانبرى العبد قائلا :

" يا مولاي ، إن الله تعالى يقول : " الكاظمين الغيظ " .

فقابله الامام ببسماته الفياضة وقال له : " خلوا عنه ، فقد كظمت غيظي...".

وسارع العبد قائلا : " والعافين عن الناس " .

" قد عفوت عنك...".

وانبرى العبد يطلب المزيد من الاحسان قائلا : " والله يحب المحسنين " .

" أنت حر لوجه الله...".

ثم أمر له بجائزة سنية (12) تغنيه عن الحاجة ومسألة الناس .

لقد كان هذا الخلق العظيم من مقوماته التي لم تنفك عنه ، وظلت ملازمة له طوال حياته .

8 - التواضع :

وجبل الامام الحسين (ع) على التواضع ومجافاة الانانية والكبرياء ، وقد ورث هذه الظاهرة من جده الرسول (ص) الذي أقام اصول الفضائل ومعالي الاخلاق في الارض ، وقد نقل الرواة بوادر كثيرة من سمو أخلاقه وتواضعهه نلمع إلى بعضها :

1 - انه اجتاز على مساكين يأكلون في (الصفة) فدعوه إلى الغداء فنزل عن راحلته ، وتغذى معهم ، ثم قال لهم :

قد أجبتكم فأجيبوني ، فلبوا كلامه وخفوا معه إلى منزله ، فقال (ع) لزوجه الرباب :

اخرجي ما كنت تتدخرين ، فاخرجت ما عندها من نقود فناولها لهم (13).

2 - مر على فقراء يأكلون كسرا من أموال الصدقة ، فسلم عليهم فدعوه إلى طعامهم ، فجلس معهم ، وقال :

لولا انه صدقة لاكلت معهم ثم دعاهم إلى منزله ، فاطعمهم ، وكساهم ، وأمر لهم بدراهم (14).

لقد اقتدى (ع) في ذلك بجده الرسول (ص) وسار على هديه فقد كان - فيما يقول المؤرخون - يخالط الفقراء ويجالسهم ، ويفيض عليهم ببره واحسانه ، حتى لا يتبيغ بالفقير فقره ، ولا يبطر الغنى ثراؤه .

3 - وجرت مشادة بين الحسين وأخيه محمد بن الحنفية ، فانصرف محمد إلى داره وكتب اليه رسالة جاء فيها " أما بعد :

فان لك شرفا لا أبلغه ، وفضلا لا أدركه ، أبونا علي لا أفضلك فيه ولا تفضلني ، وأمي أمرأة من بني حنيفة ، وأمك فاطمة بنت رسول الله (ص) ولو كان ملء الارض مثل أمي ما وفين بأمك ، فاذا قرأت رقعتي هذه فالبس رداءك ونعليك وسر الي ، وترضيني ، واياك أن أكون سابقك إلى الفضل الذي أنت أولى به مني...".

ولما قرأ الحسين رسالة أخيه سارع اليه وترضاه (15) وكان ذلك من معالي أخلاقه وسمو ذاته .

9 - الرافة والعطف :

ومن صفات أبي الاحرار أنه كان شديد الرأفة بالناس يمد يده لكل ذي حاجة ، ويسعف كل ذي لهفة ، ويجير كل من استجار به ، وقد فزع مروان اليه والى أخيه وهو من ألد أعدائهم ، بعد فشل واقعة الجمل ، وطلب منهما أن يشفعا له عند أبيهما ، فخفا اليه وكلماه في شأنه وقالا له :

" يبايعك يا أمير المؤمنين " .

فقال (ع) :

" أولم يبايعني قبل قتل عثمان لا حاجة لي في بيعته انها كف يهودية ، لو بايعني بيده لغدر بسبابته ، أما أن له امرة كلعقة الكلب أنفه ، وهو أبوالاكبش الاربعة ، وستلقى الامة من ولده يوما أحمر " .

وما زالا يلطفان به حتى عفا عنه ، إلا أن هذا الوغد قد تنكر لهذا المعروف وقابل السبطين بكل ما يملك من وسائل الشر والمكروه ، فهو الذي منع جنازة الامام الحسن أن تدفن بجواز جده ، وهو الذي أشار على الوليد بقتل الامام الحسين إن امتنع من البيعة ليزيد ، كما اظهر السرور والفرح بمقتل الامام (ع) وحسب مروان أنه من تلك الشجرة التي لم تثمر إلا الخبيث الدنس وما يضر الناس .

ومن ألوان تلك الصور الخالدة لعطف الامام ورأفته بالناس أنه لما استقبله الحر بجيشه البالغ ألف فارس ، وكان قد أرسل لمناجزته وقتاله فرأه الامام وقد أشرف على الهلاك من شدة العطش فلم تدعه أريحيته ولا سمو ذاته أن لا يقوم بانقاذهم ، فأمر (ع) غلمانه وأهل بيته أن يسقوا القوم عن آخرهم ، ويسقوا خيولهم فسقوهم عن آخرهم ، وكان فيهم علي بن الطعان المحاربي الذي اشتد به العطش فلم يدر كيف يشرب فقام (ع) بنفسه فسقاه ، وكانت هذه البادرة من أروع ما سجل في قاموس الانسانية من الشرف والنيل .

10 - الجود والسخاء :

من مزايا الامام أبي الاحرار (ع) الجود والسخاء فقد كان ملاذا للفقراء والمحرومين ، وملجأ لمن جارت عليه الايام ، وكان يثلج قلوب الوافدين إليه بهباته وعطاياه يقول كمال الدين بن طلحة :

" وقد اشتهر النقل عنه أنه كان يكرم الضيف ، ويمنح الطالب ، ويصل الرحم ، ويسعف السائل ، ويكسوا العاري ، ويشبع الجائع ، ويعطي الغارم ويشد من الضعيف ، ويشفق على اليتيم ، ويغنى ذا الحاجة ، وقل أن وصله مال إلا فرقه ، وهذه سجية الجواد وشنشنه الكريم ، وسمة ذي السماحة ، وصفة من قد حوى مكارم الاخلاق ، فأفعالهه المتلوة شاهدة له بصنعه الكرم ، ناطقة بأنه متصف بمحاسن الشيم ..." (16) .

ويقول المؤرخون إنه كان يحمل في دجى الليل السهم الجراب يملؤه طعاما ونقودا إلى منازل الارامل واليتامى والمساكين حتى أثر ذلك في ظهره (17) وكان يحمل اليه المتاع الكثير فلا يقوم حتى يهب عامته ، وقد عرف معاوية فيه هذه الظاهرة فأرسل اليه بهدايا والطاف كما أرسل إلى غيره من شخصيات يثرب وأخذ يحدث جلساءه بما يفعله كل واحد منهم بتلك الالطاف فقال في الحسين :

" أما الحسين فيبدأ بأيتام من قتل مع أبيه بصفين فان بقي شئ نحر به الجزور وسقى به اللبن...".

وبعث رقيبا يرى ما يفعله القوم فكان كما أخبر فقال معاوية :

" أنا ابن هند ، أنا أعلم بقريش من قريش " (18).

وعلى أي حال فقد نقل المؤرخون بوادر كثيرة من جود الامام وسخائه نلمع إلى بعضها :

1 - مع اسامة بن زيد .

ومرض اسامة بن زيد مرضه الذي توفي فيه فدخل عليه الامام عائدا فلما استقر به المجلس قال أسامة :

- واغماه .

- ما غمك ؟ .

- ديني وهو ستون الفا .

- هو علي .

- أخشى أن أموت قبل أن يقضى .

- لن تموت حتى أقضيها عنك .

وبادر الامام (ع) فقضاها عنه قبل موته (19) وقد غض طرفه عن اسامة فقد كان من المتخلفين عن بيعة أبيه ، فلم يجازيه بالمثل وإنما أغدق عليه بالاحسان .

2 - مع جارية له :

روى أنس قال :

كنت عند الحسين فدخلت عليه جارية بيدها طاقة ريحانة فحيته بها ، فقال لها :

أنت حرة لوجه الله تعالى ، وبهر أنس فانصرف يقول :

- جارية تجيئك بطاقة ريحان ، فتعتقها ؟ ! ! - كذا أدبنا الله ، قال تبارك وتعالى :

" واذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها " ، وكان أحسن منها عتقها (20) وبهذا السخاء والخلق الرفيع ملك قلوب المسلمين وهاموا بحبه وولائه .

3 - مع غارم :

كان الامام الحسين (ع) جالسا في مسجد جده الرسول (ص) وذلك بعد وفاة أخيه الحسن (ع) ، وكان عبد الله بن الزبير جالسا في ناحية منه كما كان عتبة بن أبي سفيان جالسا في ناحية أخرى منه ، فجاء اعرابي على ناقة فعقلها ودخل المسجد فوقف على عتبة بن أبي سفيان فسلم عليه فرد عليه السلام ، فقال له الاعرابي :

" اني قتلت ابن عم لي ، وطولبت بالدية فهل لك أن تعطيني شيئا ؟ " .

فرفع عتبة اليه رأسه وقال لغلامه :

ادفع اليه مائة درهم ، فقال له الاعرابي :

" ما أريد إلا الدية تامة " .

فلم يعن به عتبة ، فانصرف الاعربي آيسا منه ، فالتقى بابن الزبير فعرض عليه قصته ، فأمر له بمائتي درهم فردها عليهه ، وأقبل نحو الامام الحسين (ع) فرفع اليه حاجته ، فأمر له بعشرة آلاف درهم ، وقال له :

هذه لقضاء ديونك ، وأمر له بعشرة آلاف درهم أخرى وقال له :

هذه تلم بها شعثك وتحسن بها حالك ، وتنفق بها على عيالك ، فاستولت على الاعرابي موجات من السرور واندفع يقول :

طربت وما هاج لي معبق * ولا لي مقام ولا معشق

ولكن طربت لآل الرسو * ل فلذ لي الشعر والمنطق

هم الاكرمون الانجبون * نجوم السماء بهم تشرق

سبقت الانام إلى المكرمات * وأنت الجواد فلا تلحق

أبوك الذي ساد بالمكرمات * وأنت الجواد فلا تلحق

أبوك الذي ساد بالمكرمات * فقصر عن سبقه السبق

به فتح الله باب الرشاد * وباب الفساد بكم مغلق (21)

4 - مع اعرابي :

وقصده اعرابي فسلم عليه وسأله حاجته ، وقال : سمعت جدك يقول : إذا سألتم حاجة فاسألوها من أربعة أما عربي شريف ، أو مولى كريم ، أو حامل القرآن ، أو صاحب وجه صبيح ، فأما العرب فشرفت بجدك ، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم ، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل ، وأما الوجه الصبيح فاني سمعت رسول الله (ص) يقول : إذا أردتم أن تنظروا الي فانظروا إلى الحسن والحسين .

فقال له الحسين (ع) :

ما حاجتك ؟ فكتبها الاعرابي على الارض ، فقال له الحسين (ع) :

سمعت أبي عليا يقول : المعروف بقدر المعرفة فأسألك عن ثلاث مسائل إن أجبت عن واحدة فلك ثلث ما عندي ، وان أجبت عن اثنين فلك ثلثا ما عندى وان أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي ، وقد حملت الي صرة من العراق الاعرابي :

سل ولا حول ولا قوة إلا بالله .

الامام الحسين : أي الاعمال أفضل ؟

- الايمان بالله .

- ما نجاة العبد من الهلكة ؟

- الثقة بالله .

- ما يزين المرء ؟

علم معه حلم .

- فان أخطأه ذلك ؟

- مال معه كرم .

- فان أخطأه ذلك .

- فقر معه صبر .

- فان أخطأه ذلك .

- صاعقة تنزل من السماء فتحرقه .

فضحك الامام ورمى اليه بالصرة (22) .

5 - مع سائل :

ووفد عليه سائل فقرع الباب وأنشاء يقول :

لم يخب اليوم من رجاك ومن * حرك من خلف بابك الحلقه

أنت ذو الجود أنت معدنه * أبوك قد كان قاتل الفسقه

وكان الامام واقفا يصلي فخف من صلاته ، وخرج إلى الاعرابي فرأى عليه أثر الفاقة ، فرجع ونادى بقنبر فلما مثل عندهه قال له :

ما تبقى من نفقتنا ؟ قال :

مائتا درهم أمرتني بتفرقتها في أهل بيتك ، فقال هاتها فقد أتى من هو أحق بها منهم ، فاخذها ودفعها إلى الاعرابي معتذرا منه وهو ينشد هذه الابيات :

خذها فاني اليك معتذر * واعلم بأني عليك ذو شفقة

لو كان في سيرنا عصا تمد اذن * كانت سمانا عليك مندفقة

لكن ريب المنون ذو نكد * والكف منا قليلة النفقة

فاخذها الاعرابي شاكرا وداعيا له بالخير ، وانبرى مادحا له :

مطهرون نقيات جيوبهم * تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا

وأنتم أنتم الاعلون عندكم * علم الكتاب وما جاءت به السور

من لم يكن علويا حين تنسبه * فما له في جميع الناس مفتخر (23)

هذه بعض بوادر كرمه وسخائه وهي تكشف عن مدى تعاطفه وحنوه على الفقراء ، وأنه لم يبغ أي مكسب سوى ابتغاء مرضاة الله والتماس الاجر في الدار الآخرة...".وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض نزعاته وصفاته التي بلغ بها ذروة الكمال المطلق ، واحتل بها قلوب المسلمين فهاموا بحبه والولاء له .

عبادته وتقواه :

واتجه الامام الحسين (ع) بعواطفه ومشاعره نحو الله فقد تفاعلت جميع ذاتياته بحب الله والخوف منه ، ويقول المؤرخون :

إنه عمل كل ما يقر به إلى الله فكان كثير الصلاة والصوم والحج والصدقة وأفعال الخير (24).

ونعرض لبعض ما أثر عنه من عبادته واتجاهه نحو الله :

أ - خوفه من الله كان الامام (ع) في طليعة العارفين بالله ، وكان عظيم الخوف منه شديد الحذر من مخالفته حتى قال له بعض أصحابه : " ما أعظم خوفك من ربك ؟ ! ! " فقال (ع) : " لا يأمن يوم القيامة الا من خاف الله في الدنيا ..." (25).

وكانت هذه سيرة المتقين الذين أضاؤا الطريق ، وفتحوا آفاق المعرفة ، ودللوا على خالق الكون وواهب الحياة .

ب - كثرة صلاته وصومه :

كان (ع) أكثر أوقاته مشغولا بالصلاة والصوم(26) وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة - كما حدث بذلك ولده زين العابدين - (27) وكان يختم القرآن الكريم في شهر رمضان(28) وتحدث ابن الزبير عن عبادة الامام فقال :

" أما والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه كثيرا في النهار صومه "(29).

ج - حجه :

كان الامام (ع) كثير الحج وقد حج خمسا وعشرين حجة ماشيا على قدميه (30) وكانت نجائبه تقاد بين يديه(31) وكان يمسك الركن الاسود ويناجي الله ويدعو قائلا :

" إلهي أنعمتني فلم تجدني شاكرا ، وابتليتني فلم تجدني صابرا ، فلا أنت سلبت النعمة بترك الشكر ، ولا أدمت الشدة بترك الصبر ، إلهي ما يكون من الكريم إلا الكرم..." (32) .

وخرج (ع) معتمرا لبيت الله فمرض في الطريق فبلغ ذلك أباه أمير المؤمنين (ع) وكان في يثرب فخرج في طلبه فأدركه في (السقيا) وهو مريض فقال له :

" يا بني ما تشتكي ؟ " .

" أشتكي رأسي " .

فدعا أمير المؤمنين ببدنة فنحرها وحلق رأسه ورده إلى المدينة ، فلما أبل من مرضه قفل راجعا إلى مكة واعتمر (33) هذا بعض ما أثر من طاعته وعبادته .

د - صدقاته :

كان (ع) كثير البر والصدقة ، وقد ورث أرضا وأشياء فتصدق بها قبل أن يقبضها (34) وكان يحمل الطعام في غلس الليل إلى مساكين أهل المدينة (35) لم يبتغ بذلك إلا الاجر من الله ، والتقرب اليه ، وقد المعنا - فيما سبق - إلى كثير من الوان بره واحسانه .

مواهبه العلمية :

ولم يدان الامام الحسين (ع) أحد في فضله وعلمه فقد فاق غيره بملكاته ومواهبه العلمية ، وقد انتهل وهو في سنه المبكر من نمير علوم جده التي أضاءت آفاق هذا الكون ، كما تتلمذ على يد أبيه الامام أمير المؤمنين باب مدينة علم النبي (ص) وأعلم الامة ، وأفقهها بشؤون الدين ، وورد في الحديث " كان الحسن والحسين يغران العلم غرا " (36) وقال حبر الامة عبد الله بن عباس :

" الحسن من بيت النبوة وهم ورثة العلم " (37) .

وقال بعض من ترجمه :

" كان الحسن أفضل أهل زمانه في العلم والمعرفة بالكتاب والسنة " (38) ونعرض - بايجاز - لبعض شؤونه العلمية.

الرجوع اليه في الفتيا :

كان الامام الحسين (ع) من مراجع الفتيا في العالم الاسلامي ، وقد رجع اليه أكابر الصحابة في مسائل الدين ، وكان ممن سأله عبد الله بن الزبير فقد استفتاه قائلا :

" يا أبا عبد الله ما تقول في فكاك الاسير على من هو ؟ " .

فأجابه (ع) : " على القوم الذين أعانهم أو قاتل معهم...".

وسأله ثانيا " يا أبا عبد الله متى يجب عطاء الصبي ؟ " .

فاجابه (ع) : إذا استهل وجب له عطاؤه ورزقه " .

وسأله ثالثا عن الشرب قائما ؟ فدعا (ع) بلقحة - أي ناقة - له فحلبت فشرب قائما ، وناوله (39) قال ابن القيم الجوزي : " إن الباقي من الصحابة من رجال الفتيا هم أبوالدرداء وأبوعبيدة الجراح ، والحسن والحسين " (40) لقد كان المسلمون يرجعون اليه في مسائل الحلال والحرام ويأخذون من أحكام الاسلام وآداب الشريعة كما كانوا يرجعون إلى أبيه .

مجلسه :

كان مجلسه مجلس علم ووقار قد ازدان بأهل العلم من الصحابة ، وهم يأخذون عنه ما يلقيه عليهم من الادب والحكمة ، ويسجلون ما يروون عنه من أحاديث جده (ص) ويقول المؤرخون :

إن الناس كانوا يجتمعون اليه ويحتفون به ، وكأن على رؤوسهم الطير يسمعون منه العلم الواسع والحديث الصادق (41) وكان مجلسه في جامع جده رسول الله (ص) وله حلقة خاصة به ، وسأل رجل من قريش معاوية أين يجد الحسين ؟ فقال له :

" اذا دخلت مسجد رسول الله (ص) فرأيت حلقة فيها قوم كأن على رؤوسهم الطير فتلك حلقة أبي عبد الله " (42) .

ويقول العلائلي : " كان مجلسه مهوى الافئدة ، ومتراوح الاملاك يشعر الجالس بين يديه أنه ليس في حضرة انسان من عمل الدنيا ، وصنيعة الدنيا ، تمتد اسبابها برهبته وجلاله وروعته ، بل في حضرة طفاح بالسكينة كأن الملائكة تروح فيها ، وتغدوا ..." (43) .

لقد جذبت شخصية الامام ، وسمو مكانته الروحية قلوب المسلمين ومشاعرهم فراحوا يتهافتون على مجلسه ، ويستمعون لاحاديثه ، وهم في منتهى الاجلال ، والخضوع .

من روى عنه :

كان الامام (ع) من أعلام النهضة الفكرية والعلمية في عصره ، وقد ساهم مساهمة ايجابية في نشر العلوم الاسلامية ، واشاعة المعارف والآداب بين الناس ، وقد انتهل من نمير علومه حشد كبير من الصحابة وابنائهم وهم :

ولده الامام زين العابدين ، وبنته فاطمة(44) وسكينة وحفيده الامام أبوجعفر الباقر (ع) والشعبي ، وعكرمة ، وكرز التميمي ، وسنان ابن أبي سنان الدوئلي ، و عبد الله بن عمر ، وابن عثمان والفرزدق(45) وابن أخيه زيد بن الحسن (46) وطلحة العقيلي وعبيد بن حنين (47) وأبو هريرة ، وعبيدالله بن أبي يزيد ، والمطلب بن عبيدالله بن خنطب ، وأبوحازم الاشجعي ، وشعيب بن خالد ، ويوسف الصباغ ، وأبوهشام(48) وغيرهم وقد الف احمد بن محمد بن سعيد الهمداني كتابا في أسماء من روى عن الحسن والحسين (49).

لقد اتخذ الامام الجامع النبوي مدرسة له فكان به يلقي محاضراته في علم الفقه والتفسير ، ورواية الحديث ، وقواعد الاخلاق وآداب السلوك وكان المسلمون يفدون عليه من كل فج للانتهال من نمير علومه المستمدة من علوم النبي (ص) ومعارفه .

رواياته عن جده :

وروى الامام الحسين (ع) مجموعة كبيرة من الاحاديث عن جده الرسول (ص) وقد ذكر الزهري في كتاب (المغازي) أن البخاري روى عن الحسين أحاديث كثيرة ، وفيها باب تحريض النبي (ص) على قيام الليل ، كما روى عنه الترمذي في كتاب (الشمائل النبوية) أحاديث كثيرة ، وقد نقلها عنه سفيان بن وكيع (50) ونلمع إلى بعض رواياتههه عن جده :

1 - قال (ع) : قال رسول الله (ص) : " من حسن اسلام المرء قلة الكلام فيما لا يعنيه " (51) .

2 - قال (ع) : قال رسول الله (ص) : " من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه " (52).

3 - قال (ع) : سمعت رسول الله (ص) يقول : " ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة (أو قال تصيبه مصيبة) وان قدم عهدههها فيحدث لها استراجاعا إلا أحدث الله عنه ذلك ، وأعطاه ثواب ما وعده عليها يوم أصيب بها " (53) .

4 - قال (ع) : سمعت النبي (ص) يقول : " إن الله يحب معالي الامور ويكره سفاسفها " (54).

5 - قال (ع) : سمعت النبي (ص) يقول : " من يطع الله يرفعه ، ومن يعص الله يضعه ومن يخلص نيته لله يزينه ، ومن يثق بما عند الله يغنيه ، ومن يتعزز على الله يذله " (55).

6 - قال (ع) : كان رسول الله (ص) اذا استقى قال : " اللهم اسقنا سقيا واسعة وادعة عامة نافعة غير ضارة تعم بها حاضرنا وبادينا ، وتزيد بها في رزقنا ، وشكرنا ، اللهم اجعله رزق ايمان وعطاء ايمان ، ان عطاءك لم يكن محظورا ، اللهم انزل علينا في ارضنا سكنها (56) وانبت فيها زينتها ومرعاها " (57) .

7 - قال (ع) : حدثني أبي عن النبي (ص) أنه قال : " المغبون لا محمود ولا مأجور " (58).

8 - روى (ع) عن أبيه قال : قال رسول الله (ص) : " رأس العقل بعد الايمان بالله عزوجل التحبيب إلى الناس " (59).

9 - روى عن أبيه قال : قال رسول الله (ص) : " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ، عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن حبنا أهل البيت " (60).

مسنده :

الف هذا المسند أبوبشير محمد بن أحمد الدولابي المتوفى سنة (320 ه) وقد أدرجه في غضون كتابه " الذرية الطاهرة " (61) ، وهذه بعض بنوده :

1 - روى علي بن الحسين عن أبيه أن رسول الله (ص) قال : " من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه .." .

2 - قال الحسين (ع) : وجدت في قائم سيف رسول الله (ص) صحيفة مربوطة وهي :

" أشد الناس على الله عذابا القاتل غير قاتله ، والضارب غير ضاربه .

ومن جحد نعمة مواليه فقد برئ مما أنزل الله عزوجل.

 3 - روى الحسين (ع) قال : قال رسول الله (ص) : " إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي " .

4 - روى الحسين عن أبيه عن جده قال (ص) :

" يكون بعدي ثلاث فرق ، مرجئة ، وحرورية ، وقدرية ، فان مرضوا فلا تعودوهم ، وان ماتوا فلا تشهدوهم ، وان دعوا فلا تجيبوهم " .

5 - روى (ع) عن جده (ص) أنه قال : " ما من عبد أو أمه يضمن بنفقة ينفقها فيما يرضي الله إلا أنفق أضعافها في سخط الله ، وما من عبد يدع معونة أخيه المسلم ، والسعي في حاجته ، قضيت تلك الحاجة ، أو لم تقض إلا ابتلي بمعونة من يأثم فيه ، ولا يؤجر عليه ، وما من عبد ولا أمة يدع الحج وهو يجد السبيل اليه لحاجة من حوائج الدنيا إلا نظر إلى المحلقين قبل أن يقضي الله تلك الحاجة .

6 - روى يحيى بن سعيد قال : كنت عند علي بن الحسين فجاءه نفر من الكوفيين فقال علي بن الحسين : يا أهل العراق ، أحبونا حب الاسلام فاني سمعت أبي يقول : قال رسول الله (ص) : " يا أيها الناس ، لا ترفعوني فوق حقي فان الله عزوجل قد اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا " .

7 - روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها و عبد الله بن عباس أن رسول الله (ص) كان يقول :

" لا تديموا النظر إلى المجذومين ، من كلمهم منكم فليكن بينه وبينكم قيد رمح...".

8 - روت فاطمة بنت الحسين (ع) عن أبيها قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " ان الله يحب معالي الاخلاق وأشرافها ، ويكره سفاسفها...".

9 - روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها أن رسول الله (ص) قال : " لا تديموا النظر إلى المجذومين " .

10 - روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال : كان رأس رسول الله صلى الله عليه وآله في حجر علي ، وكان يوحى اليه ، فلما سرى عنه - أي الوحي - قال : يا علي صليت العصر ؟ قال : لا ، قال : اللهم انك تعلم أنه كان في حاجتك وحاجة رسولك فردها عليه فردها عليه ، فصلى وغابت الشمس .

11 - روت فاطمة عن أبيها أن النبي (ص) قال : " للسائل حق وان جاء على فرس " .

12 - روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال : قال رسول الله (ص) :

" من اصيب بمصيبة فذكرها وان تقادم عهدها فأحدث لها استرجاعا احدث الله له ثواب ما وعده حين اصيب بها...".

13 - روت فاطمة بنت الحسين (ع) عن أبيها ، قال : قال رسول الله (ص) :

" لما اخذ الله ميثاق العباد جعل في (الحجر) فمن الوفاء بالبيعة استلام الحجر " .

14 - روى عبد الله بن سليمان بن نافع مولى بني هاشم ، عن الحسين ابن علي قال :

قال رسول الله (ص) : " يا بني هاشم أطيبوا الكلام ، واطعموا الطعام " .

15 - روى أبوسعيد الميثمي قال : سمعت الحسين بن علي يقول : قال رسول الله (ص) : " من لبس ثوب شهرة كساه الله ثوب نار...".

هذه بعض بنود مسند الامام الحسين (ع) وهي حافلة بآداب السلوك وتهذيب الاخلاق التي لا غني للناس عنها .

رواياته عن امه فاطمة (ع):

وروى (ع) عن أمه سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع) من الاحاديث ما يلي :

1 - روى محمد بن علي بن الحسين قال :

خرجت مع جدي الحسين ابن علي إلى أرضه فادركنا النعمان بن بشير على بغلة له فنزل عنها وقال للحسين : اركب أبا عبد الله ، فأبى فلم يزل يقسم عليه ، حتى قال : أما انك قد كلفتني ما اكره ، ولكن احدثك حديثا حدثتنيه امي فاطمة ان رسول الله (ص) قال :

" الرجل أحق بصدر وفراشه ، والصلاة في بيته الا إماما الجمع من الناس ، فاركب أنت على صدر الدابة ، وسارت تدف ، فقال النعمان :صدقت فاطمة..."."

2 - روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله قالت :

قال رسول الله (ص) :

" لا يلو من إلا نفسه من بات وفي يده غمره ..(62)،"(63).

رواياته عن أبيه :

وروى الامام الحسين عن أبيه الامام أمير المؤمنين (ع) الشئ الكثير سواء أكان مما يتعلق بالسيرة النبوية أم في الاحكام الشرعية وهذه بعضها :

1 - روى (ع) عن أبيه (ع) أن رسول الله (ص) بعث سرية فأسروا رجلا من بني سليم يقال له الاصيد من سلمة فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله رق لحاله ، وعرض عليه السلام فأسلم فبلغ ذلك أباه وكان شيخا فكتب اليه رسالة فيها هذه الابيات :

من راكب نحو المدينة سالما * حتى يبلغ ما أقول الا صيدا

ان البنين شرارهم أمثالهم * من عق والده وبر الابعدا

أتركت دين أبيك والشم العلى * أودوا وتابعت الغداة محمدا

وعرض الاصيد رسالة أبيه على النبي (ص) واستأذنه في جوابه فأذن له فكتب اليه :

إن الذي سمك السماء بقدرة * حتى علا في ملكه فتوحدا

بعث الذي لا مثلهه فيما مضى * يدعو لرحمته النبي محمدا

فدعا العباد لدينه فتتابعوا * طوعا وكرها مقبلين على الهدى

وتخوفوا النار التي من أجلها * كان الشقي الخاسر المتلددا

واعلم بانك ميت ومحاسب * فالى من هذي الضلالة والردى

ولما قرأ سلمة رسالة ابنه وفد على النبي (ص) وأسلم (64) .

2 - قال (ع) سألت أبي عن سيرة رسول الله (ص) في جلسائه فقال :

كان رسول الله دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مشاح ، يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤيس منه ، ولا يخيب فيه فيه ، قد ترك نفسه من ثلاث :

المراء ، والاكبار وما لا يعنيه ، وترك الناس من ثلاث :

كان لا يذم أحدا ولا يعيبه ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه ، ه واذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، فاذا سكت تكلموا ، لا يتنازعون عنده الحديث ومن تكلم عنده أنصتوا اليه ، حتى يفرغ حديثهم عنده حديث أولهم ، يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجب مما يتعجبون ، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقة ومسألته حتى ان كأن اصحابه ليستجلبونهم ، ويقول :

اذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فارفدوه ، ولا يقبل الثناء الا من مكافئ ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجور (65) فيقطعه بنهي أو قيام..."." (66).

وقد امتاز النبي (ص) على عامة النبيين بهذه الاخلاق العالية التي الفت ما بين قلوب المسلمين ، ووحدت ما بين مشاعرهم وعواطفهم ، وجعلتهم في عصورهم الاولى سادة الامم والادلاء على مرضاة الله وطاعته

3 - روى (ع) عن أبيه قال : قال رسول الله (ص) : " من قتل دون ماله فهو شهيد " (67).

4 - روى عليه السلام عن أبيه قال : قال رسول الله (ص) : " عجبت لمن يحتمي من الطعام مخافة الداء ، كيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النار " (68) .

5 - قال (ع) : سمعت أبي يقول : " الايمان معرفة بالقلب واقرار باللسان وعمل بالاركان..."." (69) .

6 - روى (ع) عن ابيه انه قال : " لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم أشراركم ، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم..."." (70) .

7 - روى عن ابيه انه قال : " إن الله تبارك وتعالى أخفى أربعة في أربعة : أخفى رضاه في طاعته ، فلا تستصغرن شيئا من طاعته فربما وافق رضاه ، وأنت لا تعلم وأخفى سخطه فلا تستصغرن شيئا من طاعته فربما وافق سخطه معصيته وأنت لا تعلم ، وأخفى اجابته في دعوته فلا تستصغرن شيئا من دعائه فربما وافق اجابته وانت لا تعلم ، وأخفى وليه في عباده فلا تستصغرن عبدا من عبيد الله فربما يكون وليه وانت لا تعلم"(71).

8 - روى (ع) عن ابيه انه قال : قال رسول الله (ص) : " خير دور الانصار بنو النجار ، ثم بنو عبدالاشهل ، ثم بنو الحرث ، ثم بنو ساعدة ، وفي كل دور الانصار خير . . ." (72) .

9 - روى (ع) عن ابيه انه قال :

قال رسول الله (ص) : " خير الدعاء الاستغفار ، وخير العبادة قول لا إله إلا الله ..."(73) .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض رواياته عن جده وأبويه .

من تراثه الرائع :

للامام (ع) تراث رائع خاض في جملة منه مجموعة من البحوث الفلسفية والمسائل الكلامية التي منيت بالغموض والتعقيد ، فأوضحها وبين وجهة الاسلام فيها ، كما خاض في كثير من كلماته أصول الاخلاق وقواعد الآداب ، واسس الاصلاح الاجتماعي والفردي ، ونعرض فيما يلي لبعض ما اثر عنه :

القدر :

من أهل المسال الكلامية وأعمقها مسألة القدر فقد اثير حولها الكلام منذ فجر التاريخ الاسلامي ، وقد تصدى أئمة أهل البيت (ع) لبيانها ودفع الشبهات عنها ، وقد سأل الحسن بن الحسن البصري الامام الحسين عنها ، فأجابه (ع) برسالة هذا نصها :

" اتبع ما شرحت لك في القدر مما افضى الينا اهل البيت ، فإنه من لم يؤمن بالقدر خيره وشره كفر ، ومن حمل المعاصي على الله عزوجل فقد افترى على الله افتراء عظيما ، وان الله لا يطاع بإكراه ، ولا يعصى بغلبة ، ولا يهمل العباد في الهلكة ، لكنه المالك لما ملكهم ، والقادر لما عليه أقدرهم ، فإن ائتمروا به فعل فليس هو حملهم عليها قسرا ، ولا كلفهم جبرا ، بل بتمكينه إياهم بعد اعذاره وانذاره لهم واحتجاجه عليهم طوقهم ومكنهم وجعل لهم السبيل إلى ما اخذ ما إليه دعاهم ، وترك ما عنه نهاهم عنه ، جعلهم مستطيعين لاخذ ما امرهم به من شئ غير آخذ به ، ولترك ما نهاهم عنه من شئ غير تاركيه ، والحمد لله الذي جعل عباده أقوياء لما امرهم به ينالون بتلك القوة ، وما نهاهم عنه ، وجعل العذر لمن لم يجعل له السبيل حمدا متقبلا ، فأنا على ذلك اذهب ، وبه اقول انا واصحابي ايضا عليه وله الحمد..."." (74) .

وقد عرض هذا الكلام الشريف إلى بحوث كلامية مهمة .

والتعرض لها يستدعي الاطالة والخروج عن الموضوع .

الصمد :

كتب اليه جماعة يسألونه عن معنى الصمد في قوله تعالى : " الله الصمد " فكتب (ع) لهم بعد البسملة :

" أما بعد :

فلا تخوضوا في القرآن ، ولا تجادلوا فيه ، ولا تتكلموا فيه بغير علم ، فقد سمعت جدي رسول الله (ص) يقول :

من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ، وان الله سبحانه قد فسر الصمد فقال (الله أحد الله الصمد) ثم فسره فقال :

" لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) (لم يلد) لم يخرج منه شئ كثيف كالولد وسائر الاشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين ، ولا شئ لطيف كالنفس ، ولا يتشعب من البدوات كالسنة والنوم ، والخطرة والهم والحزن والبهجة والضحك والبكاء والخوف والرجاء ، والرغبة والسأمة والجوع والشبع ، تعالى عن أن يخرج منه شئ ، وان يتولد منه شئ كثيف أو لطيف " ولم يولد " :

لم يتولد منه شئ ، ولم يخرج منه شئ كما تخرج الاشياء الكثيفة من عناصرهم والدابة من الدابة ، والنبات من الارض ، والماء من الينابيع والثمار من الاشجار ، ولا كما يخرج الاشياء اللطيفة من مراكزها كالبصر من العين والسمع من الاذن ، والشم من الانف ، والذوق من الفم ، والكلام من اللسان ، والمعرفة والتمييز من القلب ، وكالنار من الحجر ، لا بل هو اللهه الصمد الذي لا شئ ، ولا في شئ ، ولا على شئ ، مبدع الاشياء وخالقها ومنشئ الاشياء بقدرته ، يتلاشى ما خلق للفناء بمشيئته ، ويبقى ما خلق للبناء بعلمه ، فذلكم الله الصمد الذي لم يلد ولم يولد ، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ، ولم يكن له كفوا احد ..."(75) .

التوحيد :

وعرض الامام الحسين (ع) في كثير من كلامه إلى توحيد الله فبين حقيقته وجوهره ، وفند شبه الملحدين وأوهامهم ، ونعرض فيما يلي لبعض ما اثر عنه :

1 - قال (ع) :

" ايها الناس اتقوا هؤلاء المارقة الذين يشبهون الله بأنفسهم يضاهون قول الذين كفروا من أهل الكتاب ، بل هو الله ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ، لا تدركه الابصار ، وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير ، استخلص الوحدانية والجبروت ، وامضى المشيئة والارادة والقدرة والعلم بما هو كائن ، لا منازع له في شئ من امره ، ولا كفو له يعادله ، ولا ضد له ينازعه ولا سمي له يشابهه ، ولا مثل له يشاركه ، لا تتداوله الامور ولا تجري عليه الاحوال ، ولا ينزل عليه الاحداث ، ولا يقدر الواصفون كنه عظمته ، ولا يخطر على القلوب مبلغ جبروته ، لانه ليس له في الاشياء عديل ، ولا تدركه العلماء بألبابها ، ولا أهل التفكير بتفكيرهم إلا بالتحقيق ، ايقانا بالغيب لانه لا يوصف بشئ من صفات المخلوقين ، وهو الواحد الصمد ، ماتصور في الاوهام فهو خلافه ، ليس برب من طرح تحت البلاغ ، ومعبود من وجد في هواء أو غير هواء ، هو في الاشياء كائن ، لا كينونة محظور بها عليه ، ومن الاشياء بائن لا بينونة غائب عنها ، ليس بقادر من قارنه ضد أو ساواه ند ، ليس عن الدهر قدمه ، ولا بالناحية اممه ، احتجب عن العقول كما احتجب عن الابصار ، وعمن في السماء احتجابه كمن في الارض ، قر به كرامته ، وبعده اهانته ، لا يحله في ، ولا توقته إذ ، ولا تؤامره إن علو من غير توقل ، ومجيئه من غير تنقل ، يوجد المفقود ، ويفقد الموجود ولا تجتمع لغيره الصفتان في وقت ، يصيب الفكر منه الايمان به موجودا ووجود الايمان لا وجود صفة ، به توصف الصفات لا بها يوصف ، وبه تعرف المعارف لابها يعرف ، فذلك الله لا سمي له ، سبحانه ليس كمثله شئ ، وهو السميع البصير ..." (76).

وحذر الامام من تشبيه الخالق العظيم بعباده او بسائر الممكنات التي يلاحقها العدم ، ويطاردها الفناء .

ان الانسان مهما اوتي من طاقات فهي محدودة كما وكيفا ، ويستحيل ان يصل إلى ادارك حقيقة المبدع العظيم الذي خلق هذه الاكوان وخلق هذه المجرات التي تذهل العقول تصورها ، وما بنيت عليه من الانظمة الدقيقة المذهلة...".إن الانسان قد عجز عن معرفة نفسه التي انطوت على هذه الاجهزة العميقة كجهاز البصر والسمع والاحساس وغيرها فكيف يصل إلى ادراك خالقه ؟ ! وعلى اي حال فقد اوضحت هذه اللوحة الرائعة كثيرا من شؤون التوحيد ، ودللت على كيفيته ، وهي من أثمن ما اثر من ائمة اهل البيت عليهم السلام في هذا المجال .

2 - يقول المؤرخون ان حبر الامة عبد الله بن عباس كان يحدث الناس في مسجد رسول الله (ص) فقام اليه نافع الازرق فقال له :

تفتي الناس في النملة والقملة صف لي إلهك الذي تعبد ، فاطرق اعظاما لقوله ، وكان الامام الحسين (ع) جالسا فانبرى قائلا :

- إلي يابن الازرق ؟

- لست اياك .

فثار ابن عباس ، وقال له :

" إنه من بيت النبوة ، وهم ورثة العلم...".

فاقبل نافع نحو الحسين فقال (ع) له :

" يا نافع من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في التباس سائلا ناكبا عن المنهاج ، ظاعنا بالاعوجاج ، ضالا عن السبيل ، قائلا غير الجميل اصف لك إلهي ، بما وصف به نفسه ، واعرفه بما عرف به نفسه لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس قريب غير ملتصق بعيد غير منتقص يوحد ولا يبغض معروف بالآيات موصوف بالعلامات لا إله إلا هو الكبير المتعال ..."(77).

فحار الازرق ، ولم يطق جوابا ، فقد ملكت الحيرة أهابه ، وسد عليه الامام كل نافذة ينفذ منها ، وبهر جميع من سمعوا مقالة الامام ، وراحوا يرددون كلام ابن عباس ان الحسين من بيت النبوة وهم ورثة العلم .

الامر بالمعروف :