الصفحة الرئيسية

مكتبة الموقع

مكتبة الإمام أميرالمؤمنين (ع)

فهرس الكتاب


القول الفصل
هذا ما وسعنا من الاحاطة باحاديث الباب واقواله في نزول الاية الكريمة حول قصة الغدير .
وذكر المتوسعون في النقل وجوها اخر لنزولها ، واول من عرفناه ممن ذكرها الطبري في تفسيره(90) ، ثم تبعه من تاخر عنه ،وانهاها الفخر الرازي(91) الى تسعة اوجه ، وعاشرها ما ذكرناه في هذا الكتاب .
اما ما ذكره الطبري : فعن ابن عباس : يعني ان كتمت آية مما انزل‏عليك من ربك لم تبلغ رسالتي .
وهو غير مناف لنزولها في قصة الغدير ، سواء اخذنا لفظة ( آية ) في قوله نكرة محضة ، او نكرة مخصصة .
فعلى الثاني يراد بها ما نحاول اثباته بمعونة ما ذكرناه من الاحاديث والنقول .
وعلى الاول فهو تاكيد لانجاز ما امر بتبليغه بلفظ مطلق ، ويكون حديث الغدير احد المصاديق المؤكدة .
وعن قتادة : انه سيكفيه الناس ، ويعصمه منهم ، وامره بالبلاغ .
وهو ايضا غير مضاد لما نقوله ، اذ ليس فيه غير ان اللّه سبحانه ضمن له العصمة والكفاية في تبليغ امر كان يحاذر فيه اختلاف‏امته ومناكرتهم(92) له ، ولا يمتنع ان يكون ذلك الامر هو نص الغدير ، ويتعين ذلك بنص هذه الاحاديث .
وعن سعيد بن جبير ، وعبداللّه بن شقيق ، ومحمد بن كعب القرظ‏ي ، وعائشة ، واللفظ لها : كان النبي (ص) يحرس حتى نزلت هذه الاية (واللّه يعصمك من الناس) قالت : فاخرج النبي راسه من القبة فقال : ( ايها الناس‏انصرفوا،فان اللّه قد عصمني ) .
وليس فيه الا انه (ص) فرق الحرس عنه بعد نزول الوعد بالعصمة من غير اي تعرض للامر الذي كان يخشى لاجله بادرة
الناس في‏هذه القصة او مطلقا ، وليس من الممتنع ان يكون ذلك مسالة يوم الغدير ، وتعينه الروايات المذكورة في هذا الكتاب وغيره .
وذكر الطبري ايضا في سبب نزول الاية عن القرظ‏ي : انه كان النبي اذا نزل منزلا اختار له اصحابه شجرة ظليلة يقيل تحتها ،فاتاه اعرابي ، فاخترط سيفه ، ثم قال : من يمنعك مني ؟ قال : ( اللّه ) . فرعدت يد الاعرابي ، وسقط السيف منها .
قال : وضرب براسه الشجرة حتى انتثر دماغه ، فانزل اللّه (واللّه يعصمك من الناس) . انتهى .
وهو يناقض ما تقدم من انه (ص) كان يحتف به الحرس الى نزول الاية ، فمن المستبعد جدا وصول الاعرابي اليه وهو نائم
،والسيف معلق عنده ، والحرس حول قبة النبي . على ان لازم هذا التفريق في نزول الاية، فانه ينص على ان النازل بعد قصة‏الاعرابي هو قوله تعالى : (واللّه يعصمك من الناس) ، ولا مسانخة بين هذه القصة وصدر الاية ، ومن المستصعب البخوع‏لما تفرد به القرظ‏ي في مثل هذا .
وليس من المستحيل ان يكون قصة الاعرابي من ولائد الاتفاق(93)حول نص الغدير ونزول الاية ، فحسب السذج انها نزلت لاجلها ، وفي الحقيقة لنزولها سبب عظيم هو امر الولاية الكبرى ،ولم تك هاتيك الحادثة بمهمة تنزل لاجلها الايات ، وكم سبقت لها ضروب وامثال لم يحتفل بها ، غير ان المقارنة بينها وبين‏نص الولاية على تقدير صحة الرواية اوقعت البسطاء في الوهم .
وروى الطبري(94) عن ابن جريج : ان النبي (ص) كان يهاب قريشا ، فلما نزلت : (واللّه يعصمك من الناس) استلقى ، ثم‏قال : ( من شاء فليخذلني ) . مرتين او ثلاثا .
واي وازع من ان يكون الامر الذي كان رسول اللّه (ص) يهاب قريشا لاجله هو نص الخلافة ، كما فصلته الاحاديث الانفة؟ فليس‏ هو بمضاد لما نقوله .
وروى الطبري(95) باربعة اسانيد عن عائشة : من زعم ان محمدا (ص) كتم شيئا من كتاب اللّه فقد اعظم على اللّه الفرية ، واللّهيقول : (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك) .
وما كانت عائشة بقولها في صدد بيان سبب النزول ، وانما احتجت بالاية الكريمة على انه (ص) قد اغرق نزعا بالتبليغ ، ولم يدع‏آية من الكتاب الا وبثها ، وهذا ما لا يشك فيه ، ونحن نقول به قبل هذه الاية‏وبعدها .
واما ما حشده الرازي في تفسيره(96) من الوجوه العشرة(97) وجعل نص الغدير عاشرها ، وقصة الاعرابي المذكور في‏تفسير الطبري ثامنها ، وهيبة قريش مع زيادة اليهود والنصارى تاسعها ، وقد عرفت حق القول فيهما فهي مراسيل مقطوعة عن‏الاسناد غير معلومة القائل ، ولذا عزي جميعها في تفسير نظام الدين النيسابوري(98) الى القيل ، وجعل ما روي في نص‏الولاية اول الوجوه ، واسنده الى ابن عباس والبراء بن عازب وابي‏سعيد الخدري ومحمد بن علي (ع) .
والطبري الذي هو اقدم واعرف بهذه الشؤون اهملها راسا ، وهو وان لم يذكر حديث الولاية ايضا لكنه افرد له كتابا اخرجه‏ فيه بنيف وسبعين طريقا ، كما سبق ذكره وذكر من عزاه اليه في هذا الكتاب ، وروى هناك نزول الاية عندئذ باسناده عن زيدبن ارقم ، والرازي نفسه لم يعتبر منها الا ما زاد على رواية الطبري في تاسع الوجوه من التهيب من اليهود والنصارى ، وستقف‏على حقيقة الحال فيه .
فهي غير صالحة للاعتماد عليها ، ولا ناهضة لمجابهة الاحاديث المعتبرة السابق ذكرها التي رواها من قدمنا ذكرهم من اعاظم‏العلماء كالطبري ، وابن ابي حاتم ، وابن مردويه ، وابن عساكر ، وابي نعيم ، وابي اسحاق الثعلبي ، والواحدي ، والسجستاني‏والحسكاني ، والنطنزي ، والرسعني وغيرهم باسانيد جمة ، فما ظنك بحديث يعتبره هؤلاء الائمة ؟
على ان اللائح على غير واحد من الوجوه مع لوائح الافتعال السائد عليها عدم التلاؤم بين سياق الاية وسبب النزول ، فلايعدو جميعها ان يكون تفسيرا بالراي ، او استحسانا من غير حجة ، او تكثيرا للغط امام حديث الولاية ، فتا في عضده ،وتخذيلا عن تصديقه ، ويابى اللّه الا ان يتم نوره .
قال الرازي(99) بعد عد الوجوه : اعلم ان هذه الروايات وان كثرت ، الا ان الاولى حمله على انه تعالى آمنه من مكر اليهود والنصارى وامره باظهار التبليغ من غيرمبالاة منه بهم ، وذلك لان ما قبل هذه الاية بكثير وما بعدها بكثير ، لما كان كلاما مع اليهود والنصارى امتنع القاء هذه الاية‏الواحدة في البين على وجه تكون اجنبية عما قبلها وما بعدها . انتهى .
وانت ترى ان ترجيحه لهذا الوجه مجرد استنباط منه بملاءمة سياق الايات من غير استناد الى اية رواية ، ونحن اذا علمنا ان‏ترتيب الايات في الذكر غير ترتيبها في النزول نوعا ، فلا يهمنا مراعاة السياق تجاه النقل الصحيح ، وتزيد اخباتا الى ذلك‏بملاحظة ترتيب نزول السور المخالف لترتيبها في القرآن ، والايات المكية في السور المدنية وبالعكس ، قال السيوط‏ي في‏الاتقان(100) :
فصل : الاجماع والنصوص المترادفة على ان ترتيب الايات توقيفي لا شبهة في ذلك ، اما الاجماع فنقله غير واحد منهم
:الزركشي في البرهان(101) ، وابو جعفر بن الزبير في مناسباته ، وعبارته : ترتيب الايات في سورها واقع بتوقيفه (ص) وامره من‏غير خلاف في هذا بين المسلمين .
ثم ذكر نصوصا على ان النبي (ص) كان يلقن اصحابه ويعلمهم مانزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الان في مصاحفنا بتوقيف جبرئيل اياه على ذلك ، واعلامه عند نزول كل آية : ان‏هذه الاية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا . انتهى.
على ان طبع الحال يستدعي ان يكون تهيبه (ص) من اليهود والنصارى في اوليات البعثة ، وعلى فرض التنازل بعد الهجرة بيسير ،لا في اخريات ايامه التي كان يهدد فيها دول العالم ، وتهابه الامم ، وقد فتح خيبر ، واستاصل شافة بني قريضة والنضير ، وعنت‏له الوجوه ، وخضعت له الرقاب طوعا وكرها ، وفيها كانت حجة الوداع التي نزلت فيها الاية ، كما عرفت ذلك من الاحاديث‏السابقة ، ويعلمنا القرطبي في تفسيره(102) بالاجماع على ان سورة المائدة مدنية ثم نقل عن النقاش نزولها في عام الحديبية‏سنة ( 6 ) ، فاتبعه بالنقل عن ابن العربي : بان هذا حديث موضوع لا يحل لمسلم اعتقاده . . .الى ان قال : ومن هذه السورة ما نزل في حجة الوداع ، ومنها ما نزل عام الفتح ، وهو قوله تعالى : ( ولا يجرمنكم شنان قوم . . . )(103)الاية . وكل ما نزل بعد هجرة النبي (ص) فهو مدني ، سواء نزل بالمدينة او في سفر من الاسفار ، انما يرسم بالمكي ما نزل قبل‏الهجرة .
وقال الخازن في تفسيره(104) : سورة المائدة نزلت بالمدينة الا قوله‏تعالى : ( اليوم اكملت لكم دينكم ) فانها نزلت بعرفة في حجة الوداع .
واخرجا القرطبي والخازن عن النبي (ص) قوله في حجة الوداع : ان سورة المائدة من آخر القرآن نزولا .
وقال السيوط‏ي في الاتقان(105) : عن محمد بن كعب من طريق ابي عبيد : ان سورة المائدة نزلت في حجة الوداع فيما بين‏مكة والمدينة .
وعن فضائل القرآن لابن الضريس ، عن محمد بن عبداللّه بن ابي جعفر الرازي ، عن عمرو بن هارون ، عن عثمان بن عطاالخراساني ، عن ابيه ، عن ابن عباس : ان اول ما انزل من القرآن : (اقرا باسم ربك) ثم ( ن ) ثم (يا ايها المزمل) الى ان عد الفتح ، ثم المائدة ، ثم البراءة ،فجعل البراءة آخر سورة نزلت المائدة قبلها .
وروى ابن كثير في تفسيره(106) عن عبداللّه بن عمر : ان آخر سورة انزلت سورة المائدة والفتح يعني سورة النصر ونقل من‏طريق احمد والحاكم والنسائي عن عائشة : ان المائدة آخر سورة نزلت .
وبهذه كلها تعرف قيمة ما رواه القرطبي في تفسيره(107) ، وذكره‏السيوط‏ي في لباب النقول(108) من طريق ابن مردويه والطبراني عن ابن عباس من ان ابا طالب كان يرسل كل يوم رجالا من‏بني هاشم يحرسون النبي حتى نزلت هذه الاية (واللّه يعصمك من الناس) ، فاءراد اءن يرسل معه من يحرسه ، فقال : ( يا عم‏ان اللّه عصمني من الجن والانس).
فانه يستدعي ان تكون الاية مكية ، وهو اضعف من ان يقاوم الاحاديث المتقدمة والاجماع الانف ونصوص المفسرين .

ذيل في المقام :
قال القرطبي في تفسيره(109) في قوله تعالى : (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك) : هذا تاديب للنبي (ص) وتاديب لحملة العلم من امته الا يكتموا شيئا من امر شريعته ، وقد علم اللّه تعالى من امر نبيه انه لا يكتم‏شيئا من وحيه ، وفي صحيح مسلم(110) عن مسروق عن عائشة انها قالت : من حدثك ان محمدا (ص) كتم شيئا من الوحي فقدكذب ، واللّه تعالى يقول : (يا ايها الرسول بلغ ما انزل) الاية .
وقبح اللّه الروافض حيث قالوا : انه (ع) كتم شيئا مما اوحى اللّه اليه‏كان بالناس حاجة اليه . انتهى .
وزاد القسطلاني في ارشاد الساري(111) ضغثا على ابالة فقال : قالت الشيعة : انه قد كتم اشياء على سبيل التقية .
وليتهما اوعزا الى مصدر هذه الفرية على الشيعة من عالم ذكرها ، او مؤلف تضمنها ، او فرقة تنتحلها ، نعم لم يجدا شيئا من‏ذلك ، بل حسبا انهما مصدقان في كل ما ينبزان به امة من الامم على اي حال ، او انه ليس للشيعة تاليف محتوية على معتقداتهم‏هي مقاييس في كل ما يعزى اليهم ، او ان جيلهم المستقبل لا ينتج رجالا يناقشون المفترين الحساب ، فمن هنا وهنا راقهماتشويه سمعة الشيعة ، كما راق غيرهم ، فتحروا الوقيعة فيهم بالمفتريات، ليثيروا عليهم عواطف ، ويخذلوا عنهم امما ، فحدثواعنهم كما يحدثون عن الامم البائدة الذين لا مدافع عنهم ، والشيعة لم تجرؤ قط على قدس صاحب الرسالة باسناد كتمان مايجب عليه تبليغه اليه (ص) الا ان يكون للتبليغ ظرف معين ، فما كان يسبق الوحي الالهي بتقديم المظاهرة به قبل ميعاده .
اللهم ان كانا الرجلان يمعنان النظر في اقاويل اصحابهم المقولة في الاية الكريمة من الوجوه العشرة التي ذكرها الرازي
لوقفاعلى قائل ما قذفا الشيعة به ، فان منهم من يقول : ان الاية نزلت في الجهاد ، فانه (ص)كان يمسك احيانا من حث
المنافقين على الجهاد .
وآخر منهم يقول : انها نزلت لما سكت النبي عن عيب آلهة الوثنيين ! .
وثالث يقول : كتم آية التخيير عن ازواجه .
فنزول الاية على هذه الوجوه ينبئ عن قعود النبي عما ارسل اليه ، حاشا نبي العظمة والقداسة .
( وانه لتذكرة للمتقين # وانا لنعلم ان منكم مكذبين )(112)

90 - جامع البيان: مج‏4/ج 6/307.
91 -
التفسير الكبير: 12/49.
92 -
المناكرة: المعاداة والمحاربة.
93 -
يريد1 انها وليدة الصدفة التي حدثت عند نص الغدير ونزول الاية.
94 -
جامع البيان: مج‏4/ج‏6/308.
95 -
جامع البيان: مج‏4/ج‏6/308.
96 -
التفسير الكبير: 12/49.
97 -
1 نزلت في قصة الرجم والقصاص على ما تقدم في قصة اليهود. 2 نزلت في عيب اليهود واستهزائهم بالدين.
3 لما نزلت آية التخيير، وهي قوله: (يا ايها النبي قل لا زواجك...) الاية، فلم يعرضها عليهن خوفا من اختيارهن الدنيا.
4 نزلت في امر زيد وزينب. 5 نزلت في الجهاد، فانه كان يمسك احيانا عن حث المنافقين على الجهاد. 6 لما سكت النبي عن عيب آلهة الوثنيين فنزلت. 7 لما قال في حجة الوداع بعد بيان الشرائع والمناسك : ((هل بلغت؟)). قالوا: نعم. قال: ((اللهم فاشهد)). فنزلت الاية. 8 نزلت في اعرابي اراد قتله وهو نائم تحت شجرة. 9 كان يهاب قريشا واليهود والنصارى ، فازال اللّه عن قلبه تلك الهيبة بالاية. 10 نزلت في قصة الغدير. هذه ملخص الوجوه التي ذكرها. (المؤلف)
98 -
غرائب القرآن: 6/194.
99 -
التفسير الكبير: 12/50.
100 -
الاتقان في علوم القرآن: 1/172.
101 -
البرهان في علوم القرآن: 1/64.
102 -
الجامع لاحكام القرآن: 6/22.
103 -
المائدة: 2.
104 -
تفسير الخازن: 1/429.
105 -
الاتقان في علوم القرآن: 1/52 و26.
106 -
تفسير ابن كثير: 2/2.
107 -
الجامع لاحكام القرآن: 6/158.
108 -
لباب النقول في اسباب النزول: ص‏83.
109 -
الجامع لاحكام القرآن: 6/157.
110 -
صحيح مسلم: 1/208 ح‏287 كتاب الايمان.
111 -
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري: 10/210.
112 -
الحاقة: 48 49.