|
/ صفحة 42 /
3
أصفقت الأمة الإسلامية على أن في هذه الأمة لدة الامم السابقة أناس محدثون " على صيغة المفعول " وقد أخبر بذلك النبي الأعظم كما ورد في الصحاح والمسانيد من طرق الفريقين : " العامة والخاصة " والمحدث من تكلمه الملائكة بلا نبوة ولا رؤية صورة، أو يلهم له ويلقى في روعه شئ من العلم على وجه الالهام و المكاشفة من المبدأ الأعلى، أو ينكت له في قلبه من حقائق تخفى على غيره، أو غير ذلك من المعاني التي يمكن أن يراد منه، فوجود من هذا شأنه من رجالات هذه الأمة مطبق عليه بين فرق الاسلام، بيد أن الخلاف في تشخيصه، فالشيعة ترى عليا أمير المؤمنين وأولاده الأئمة صلوات الله عليهم من المحدثين، وأهل السنة يرون منهم عمر بن الخطاب، وإليك نماذج من نصوص الفريقين : نصوص أهل السنة : أخرج البخاري في صحيحه في باب مناقب عمر بن الخطاب ج 2 ص 194 عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر. قال ابن عباس رضي الله عنهما : من نبي ولا محدث. قال القسطلاني (1) : ليس قوله " فإن يكن " للترديد بل للتأكيد كقولك : إن يكن لي صديق ففلان. إذ المراد إختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الأصدقاء، وإذا ثبت أن هذا وجد في غير الأمة المفضولة فوجوده في هذه الأمة الفاضلة أحرى. وقال في شرح قول ابن عباس " من نبي ولا محدث " : قد ثبت قول ابن عباس هذا لأبي ذر وسقط لغيره ووصله سفيان بن عيينة في أواخر جامعه وعبد بن حميد بلفظ : كان ابن عباس يقرأ : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إرشاد الساري شرح صحيح البخاري 6 ص 99.
/ صفحة 43 / وأخرج البخاري في صحيحه بعد حديث الغار ج 2 ص 171 عن أبي هريرة مرفوعا : إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب. قال القسطلاني في شرحه 5 ص 431 : قال المؤلف : يجري على ألسنتهم الصواب من غير نبوة. وقال الخطابي : يلقى الشئ في روعه، فكأنه قد حدث به يظن فيصيب ويخطر الشيئ بباله فيكون، وهي منزلة رفيعة من منازل الأولياء. وقال في قوله " إن كان في أمتي " : قاله صلى الله عليه وسلم على سبيل التوقع وكأنه لم يكن اطلع (1) على أن ذلك كائن وقد وقع، وقصة : يا سارية الجبل (2) مشهورة مع غيرها. وأخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عمر عن عايشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم. قال ابن وهب : تفسير محدثون : ملهمون. ورواه ابن الجوزي في " صفة الصفوة " 1 ص 104 وقال : حديث متفق عليه وأخرجه أبو جعفر الطحاوي في " مشكل الآثار " 2 ص 257 بطرق شتى عن عايشة وأبي هريرة، وأخرج قراءة ابن عباس : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث. قال : معنى قوله محدثون أي ملهمون، فكان عمر رضي الله عنه ينطق بما كان ينطق ملهما، ثم عد من ذلك ما قد روي عن أنس بن مالك قال قال عمر بن الخطاب : وافقني ربي أو وافقت ربي في ثلاث : قلت : يا رسول الله ! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى. فنزلت : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. وقلت : يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة فقلت : عسى ربي إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن، فنزلت كذلك قال الأميني : إن كان هذا من القول بإلهام فعلى الاسلام السلام، وما أجهل القوم بالمناقب حتى أتوا بالطامات الكبرى كهذه وعدوها فضيلة، وعليهم إن عقلوا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر إلى التناقض بين قوله هذا وبين ما مر من أن إن للتأكيد لا للترديد. (2) سيوافيك في مناقب عمر : أن قصة : يا سارية الجبل. موضوعة مكذوبة.
/ صفحة 44 / صالحهم إنكار مثل هذا القول على عمر، وفيه حط لمقام النبوة، ومسة على كرامة صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله. قال النووي في شرح صحيح مسلم : اختلف تفسير العلماء للمراد بمحدثون فقال ابن وهب : ملهمون، وقيل : مصيبون إذا ظنوا فكأنهم حدثوا بشئ فظنوه. وقيل : تكلمهم الملائكة، وجاء في رواية : مكلمون. وقال البخاري : يجري الصواب على ألسنتهم وفيه إثبات كرامات الأولياء. وقال الحافظ محب الدين الطبري في " الرياض " 1 ص 199 : ومعنى محدثون والله أعلم أي يلهمون الصواب، ويجوز أن يحمل على ظاهره وتحدثهم الملائكة لا بوحي وإنما بما يطلق عليه اسم حديث، وتلك فضيلة عظيمة. وقال القرطبي في تفسيره ج 12 ص 79 : قال ابن عطية : وجاء عن ابن عباس إنه كان يقرأ : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث. ذكره مسلمة بن القاسم بن عبد الله ورواه سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس. قال مسلمة : فوجدنا المحدثين معتصمين بالنبوة - على قراءة ابن عباس - لأنهم تكلموا بأمور عالية من أنباء الغيب خطرات، ونطقوا بالحكمة الباطنة، فأصابوا فيما تكلموا، وعصموا فيما نطقوا كعمر بن الخطاب في قصة سارية (1) وما تكلم به من البراهين العالية. وأخرج الحافظ أبو زرعة حديث أبي هريرة في طرح التثريب في شرح التفريب 1 ص 88 بلفظ : لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال مكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن في أمتي أحد فعمر. وأخرجه البغوي في " المصابيح " 2 ص 270، والسيوطي في " الجامع الصغير "، وقال المناوي في شرح الجامع الصغير 4 ص 507 : قال القرطبي : " محدثون " بفتح الدال اسم مفعول جمع محدث بالفتح أي ملهم أو صادق الظن، وهو من القي في نفسه شئ على وجه الالهام والمكاشفة من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) هو سارية بن زنيم بن عبد الله وكان من قصته أن عمر رضي الله عنه أمره على جيش وسيره إلى فارس سنة ثلاث وعشرين، فوقع في خاطر سيدنا عمر وهو يخطب يوم الجمعة أن الجيش المذكور لاقى العدو وهم في بطن واد وقد هموا بالهزيمة وبالقرب منهم جبل فقال في أثناء خطبته : يا سارية ! الجبل الجبل. ورفع صوته فألقاه الله في سمع سارية فانحاز بالناس إلى الجبل، وقاتلوا العدو من جانب واحد ففتح الله عليهم. كذا في هامش تفسير القرطبي.
/ صفحة 45 / الملأ الأعلى، أو من يجري الصواب على لسانه بلا قصد، أو تكلمه الملائكة بلا نبوة أو من إذا رأى رأيا أو ظن ظنا أصاب كأنه حدت به، والقي في روعه من عالم الملكوت فيظهر على نحو ما وقع له، وهذه كرامة يكرم الله بها من شاء من صالح عباده، وهذه منزلة جليلة من منازل الأولياء. فإن يكن من أمتي منهم أحد فإنه عمر، كأنه جعله في انقطاع قرينة في ذلك كأنه نبي، فلذلك أتى بلفظ إن بصورة الترديد. قال القاضي : ونظير هذا التعليق في الدلالة على التأكيد والاختصاص قولك : إن كان لي صديق فهو زيد، فإن قائله لا يريد به الشك في صداقته بل المبالغة في أن الصداقة مختصة به لا تتخطاه إلى غيره. وقال القرطبي : قوله " فإن يكن " دليل على قلة وقوعه وندرته، وعلى أنه ليس المراد بالمحدثين المصيبون فيما يظنون لأنه كثير في العلماء بل وفي العوام من يقوى حدسه فتصح إصابته فترتفع خصوصية الخبر وخصوصية عمر، ومعنى الخبر قد تحقق ووجد في عمر قطعا وإن كان النبي صلى الله عليه وآله لم يجزم بالوقوع، وقد دل على وقوعه لعمر أشياء كثيرة كقصة : الجبل يا سارية ! الجبل. وغيره، وأصح ما يدل على ذلك شهادة النبي صلى الله عليه وآله له بذلك حيث قال : إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه (1). قال ابن حجر : وقد كثر هؤلاء المحدثون بعد العصر الأول وحكمته زيادة شرف هذه الأمة بوجود أمثالهم فيها ومضاهاة بني إسرائيل في كثرة الأنبياء، فلما فات هذه الأمة المحمدية كثرة الأنبياء لكون نبيهم خاتم الأنبياء عوضوا تكثير الملهمين. * (تنبيه) * قال الغزالي : قال بعض العارفين سألت بعض الأبدال عن مسألة من مشاهد النفس فالتفت إلى شماله وقال : ما تقول رحمك الله ؟ ثم إلى يمينه كذلك، ثم أطرق إلى صدره فقال : ما تقول ؟ ثم أجاب فسألته عن التفاته ؟ فقال : لم يكن عندي علم فسألت الملكين فكل قال : لا أدري فسألت قلبي فحدثني بما أجبت فإذا هو أعلم منهما. قال الغزالي : وكأن هذا معنى هذا الحديث. ا ه. ويجد الباحث في طي كتب التراجم جمعا من كلمتهم الملائكة منهم : عمران بن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) لم يصدق الخبر الخبر، بل : يكذبه التاريخ الصحيح وسيرة عمر المحفوظة في صفحات الكتب والمعاجم.
/ صفحة 46 / الحصين الخزاعي المتوفى سنة 52، أخرج أبو عمر في " الاستيعاب " 2 ص 455 : إنه كان يرى الحفظة وكانت تكلمه حتى اكتوى. وذكره ابن حجر في الإصابة 3 ص 26. وقال ابن كثير في تاريخه 8 ص 60 : قد كانت الملائكة تسلم عليه فلما اكتوي انقطع عنه سلامهم، ثم عادوا قبل موته بقليل، فكانوا يسلمون عليه رضي الله عنه. و في شذرات الذهب 1 ص 58 : إنه كان يسمع تسليم الملائكة عليه، ثم اكتوي بالنار فلم يسمعهم عاما، ثم أكرمه الله برد ذلك. وذكر تسليم الملائكة عليه الحافظ العراقي في " طرح التثريب " ج 1 ص 90، وأبو الحجاج المزي في " تهذيب الكمال " كما في تلخيصه ص 250، وقال ابن سعد وابن الجوزي في " صفة الصفوة " 1 ص 283 : كانت الملائكة تصافحه. وذكره ابن حجر في " تهذيب التهذيب " 8 ص 126. ومنهم : أبو المعالي الصالح المتوفى 427، أخرج الحافظان ابنا الجوزي وكثير أن أبا المعالي أصابته فاقة شديدة في شهر رمضان فعزم على الذهاب إلى رجل من ذوي قرابته ليستقرض منه شيئا قال : فبينما أنا أريده فنزل طائر فجلس على منكبي وقال : يا أبا المعالي أنا الملك الفلاني، لا تمضي إليه نحن نأتيك به. قال : فبكر إلي الرجل " صف 2 ص 280، ظم 9 ص 136، يه 12 ص 163 ". م - وقال أبو سليمان الخطابي : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " قد كان في الأمم ناس محدثون، فإن يكن في أمتي فعمر " وأنا أقول : فإن كان في هذا العصر أحد كان أبو عثمان المغربي " طب 9 : 113 ". ومن هذا القبيل تكلم الحوراء مع أبي يحيى الناقد، أخرج الخطيب البغدادي وابن الجوزي عن أبي يحيى زكريا بن يحيى الناقد المتوفى 285 " أحد أثبات المحدثين " قال اشتريت من الله حوراء بأربعة آلاف ختمة، فلما كان آخر ختمة سمعت الخطاب من الحوراء وهي تقول : وفيت بعهدك فها أنا التي قد اشتريتني (1). * (هذا ما عند القوم وأما نصوص الشيعة) * فأخرج ثقة الاسلام الكليني في كتابه " أصول الكافي " ص 84 تحت عنوان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) طب 8 ص 362، ظم 6 ص 8، صف 2 ص 234، مناقب أحمد لابن الجوزي ص 510.
/ صفحة 47 / " باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث " أربعة أحاديث منها بإسناده عن بريد عن الإمامين الباقر والصادق صلوات الله عليهما في قوله عز وجل [ في سورة الحج ] : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث. [ قال بريد ] : قلت : جعلت فداك ليست هذه قراءتنا (1) فما الرسول والنبي والمحدث ؟ قال : الرسول الذي يظهر له الملك فيكلمه، والنبي هو الذي يرى في منامه، وربما اجتمعت النبوة والرسالة لواحد، والمحدث الذي يسمع الصوت ولا يرى الصورة. قال : قلت أصلحك الله كيف يعلم أن الذي رأى في النوم حق وأنه من الملك ؟ قال : يوفق لذلك حتى يعرفه، ولقد ختم الله عز وجل بكتابكم الكتب وختم بنبيكم الأنبياء. وحديث آخر أيضا فصل بهذا البيان بين النبي والرسول والمحدث، وحديثان بالتفصيل المذكور غير أن فيهما مكان لفظة المحدث، الإمام. أحدهما عن زرارة قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل : وكان رسولا نبيا. ما الرسول ؟ وما النبي ؟ قال : النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، والرسول الذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك. قلت : الإمام ما منزلته ؟ قال : يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين الملك، ثم تلا هذه الآية : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث. والثاني : عن إسماعيل بن مرار قال : كتب الحسن بن العباس المعروف إلى الرضا عليه السلام : جعلت فداك أخبرني ما الفرق بين الرسول والنبي والإمام ؟ قال : فكتب أو قال : الفرق بين الرسول والنبي والإمام : إن الرسول الذي ينزل عليه جبرئيل عليه السلام فيراه ويسمع كلامه وينزل عليه الوحي، وربما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم عليه السلام والنبي ربما يسمع الكلام وربما رأى الشخص ولم يسمع، والإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص. هذا تمام ما في هذا الباب من الكافي وأخرج في ص 135 تحت عنوان " باب أن الأئمة عليهم السلام محدثون مفهمون " خمسة أحاديث منها عن حمران بن أعين، قال : قال أبو جعفر عليه السلام : إن عليا كان محدثا فخرجت إلى أصحابي فقلت : جئتكم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) هي قراءة ابن عباس كما مر.
/ صفحة 48 / بعجيبة : فقالوا : وما هي إلا ؟ فقلت : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : كان علي محدثا، فقالوا : ما صنعت شيئا إلا سألته : من كان يحدثه ؟ فرجعت إليه فقلت : إني حدثت أصحابي بما حدثتني فقالوا : ما صنعت شيئا إلا سألته : من كان يحدثه ؟ فقال لي : يحدثه ملك. قلت : تقول إنه نبي ؟ قال : فحرك يده هكذا، أو كصاحب سليمان، أو كصاحب موسى، أو كذي القرنين، أو ما بلغكم أنه قال : وفيكم مثله ؟ وحديث آخر ما ملخصه : إن عليا [ أمير المؤمنين ] كان يعرف قاتله ويعرف الأمور العظام التي كان يحدث بها الناس بقول الله عز ذكره. وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث. وحديثان آخران أحدهما : أن أوصياء محمد صلى الله عليه وآله محدثون. والثاني : الأئمة علماء صادقون مفهمون محدثون. والحديث الخامس في معنى المحدث وإنه يسمع الصوت ولا يرى الشخص. وليس في هذا الباب من كتاب الكافي غير ما ذكرناه. وروى شيخ الطائفة في أماليه ص 260 بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال : كان علي عليه السلام محدثا، وكان سلمان محدثا قال : قلت : فما آية المحدث ؟ قال : يأتيه ملك فينكت في قلبه كيت كيت. وبالإسناد عن أبي عبد الله عليه السلام قال : منا من ينكت في قلبه، ومنا من يقذف في قلبه، ومنا من يخاطب. وبإسناده عن الحرث النصري قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : الذي يسأل عنه الإمام وليس عنده فيه شئ من أين يعلمه ؟ قال : ينكت في القلب نكتا، أو ينقر في الأذن نقرا، وقيل لأبي عبد الله عليه السلام : إذا سئل كيف يجيب ؟ قال : إلهام وسماع وربما كانا جمعا. وروى الصفار بإسناده في " بصائر الدرجات " عن حمران بن أعين قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : ألست حدثتني إن عليا كان محدثا ؟ قال : بلى. قلت : من يحدثه ؟ قال : ملك. قلت : فأقول : إنه نبي أو رسول ؟ قال : لا. بل مثله مثل صاحب سليمان، ومثل صاحب موسى، ومثل ذي القرنين، أما بلغك أن عليا سئل عن ذي القرنين ؟ فقالوا : كان نبيا ؟ قال : لا. بل كان عبدا أحب الله فأحبه، وناصح الله فناصحه.
/ صفحة 49 / وبإسناده عن حمران قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام ما موضع العلماء ؟ قال : مثل ذي القرنين، وصاحب سليمان، وصاحب داود. وبالاسناد عن بريد قال : قلت لأبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام : ما منزلكم ؟ بمن تشبهون ممن مضى ؟ فقال : كصاحب موسى، وذي القرنين، كانا عالمين ولم يكونا نبيين. وبالاسناد عن عمار قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ما منزلتهم ؟ أنبياء هم ؟ قال : لا. ولكن هم علماء كمنزلة ذي القرنين في علمه، وكمنزلة صاحب موسى، وكمنزلة صاحب سليمان. هذه جملة من أخبار الشيعة في الباب وهي كثيرة مبثوثة في كتبهم (1) وهذه رؤوسها، ومؤدى هذه الأحاديث هو الرأي العام عند الشيعة سلفا وخلفا، وفذلكته : أن في هذه الأمة أناس محدثون كما كان في الأمم الماضية، وأمير المؤمنين وأولاده الأئمة الطاهرون علماء محدثون وليسوا بأنبياء. وهذا الوصف ليس من خاصة منصبهم ولا ينحصر بهم، بل : كانت الصديقة كريمة النبي الأعظم محدثة، وسلمان الفارسي محدثا. نعم : كل الأئمة من العترة الطاهرة محدثون، وليس كل محدث بإمام، ومعنى المحدث هو العالم بالأشياء بإحدى الطرق الثلاث المفصلة في الأحاديث المتلوة، هذا ما عند الشيعة ليس إلا. هذا منتهى القول عند الفريقين ونصوصهما في المحدث وأنت كما ترى لا يوجد أي خلاف بينهما، ولم تشذ الشيعة عن بقية المذاهب الإسلامية في هذا الموضوع بشئ من الشذوذ إلا في عدم عدهم عمر بن الخطاب من المحدثين، وذلك أخذا بسيرته الثابتة في صفحات التاريخ من ناحية علمه ولسنا في مقام البحث عنه (2) فهل من المعقول أن يعد هذا القول المتسالم عليه في المحدث لأمة من قائليه فضيلة رابية، وعلى الأخرى منهم ضلالا ومنقصة ؟ لاها الله. هلم معي نسائل كيذبان الحجاز [ عبد الله القصيمي ] جرثومة النفاق، وبذرة الفساد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) جمعها العلامة المجلسي في بحار الأنوار. (2) سنوقفك على البحث عنه في الجزء السادس إنشاء الله.
/ صفحة 50 / في المجتمع كيف يرى في كتابه [ الصراع بين الاسلام والوثنية ] إن الأئمة من آل البيت عند الشيعة أنبياء وإنهم يوحى إليهم، وإن الملائكة تأتي إليهم بالوحي، وإنهم يزعمون لفاطمة وللأئمة من ولدها ما يزعمون للأنبياء ؟ ويستند في ذلك كله على مكاتبة الحسن بن العباس المذكور ص 47 نقلا عن الكافي، هلا يعلم هذا المغفل ؟ إن هذه المفتريات والقذائف على أمة كبيرة [ أطلت آرائها الصالحة على أرجاء الدنيا ] إن هي إلا مآل القول بالمحدث الوارد في الكتاب العزيز وتكلم الملائكة مع الأئمة من آل البيت وأمهم فاطمة البتول كما هو مقتضى استدلاله، وأهل الاسلام كلهم شرع سواء في ذلك. أو للشيعي عندئذ أن يقول : إن عمر بن الخطاب وغيره من المحدثين على زعم العامة عندهم أنبياء يوحى إليهم، وإن الملائكة تأتي إليهم بالوحي ؟ لكن الشيعة علماء حكماء لا يخدشون العواطف بالدجل والتمويه وقول الزور، ولا يسمع لأحد من حملة روح التشيع، والنزعة العلوية الصحيحة، ومقتفى الآداب الجعفرية أن يتهم أمة كبيرة بالطامات، وحاشاها أن تشوه سمعتها بالأكاذيب والافائك، وتقذف الأمم بما هي برئية منه، أما كانت بين يدي الرجل تلكم النصوص الصريحة للشيعة على أن الأئمة علماء وليسوا بأنبياء ؟ أما كان صريح تلك الأحاديث بأن الأئمة مثلهم كمثل صاحب موسى، وصاحب سليمان، وذي القرنين ؟ أما كان في " الكافي " في الباب الذي قلبه الرجل على الشيعة قول الإمامين الباقر والصادق : لقد ختم الله بكتابكم الكتب وختم بنبيكم الأنبياء ؟ نعم : هذه كلها كانت بمرأى من الرجل غير أن الإناء ينضح بما فيه، ووليد الروح الأموية الخبيثة وحامل نزعاتها الباطلة سدك بالقحة والسفالة، ولا ينفك عن الخنى والقذيعة، ومن شأن الأموي أن يتفعى ويمين ويأفك، ويهتك ناموس المسلمين، ويسلقهم بألسنة حداد، ويفتري على آل البيت وشيعتهم اقتداء بسلفه، وجريا على شنشنته الموروثة، ونحن نورد نص كلام الرجل ليكون الباحث على بصيرة من أمره، ويرى جهده البالغ في تشتيت صفوف الأمة، وشق عصا المسلمين بالبهت وقول الزور، قال في " الصراع " ج 1 ص 1 : الأئمة يوحى إليهم عند الشيعة، قال في " الكافي " : كتب الحسن بن العباس إلى الرضا يقول : ما الفرق بين الرسول والنبي والإمام ؟ فقال : الرسول هو الذي ينزل
/ صفحة 51 / عليه جبرئيل فيراه، ويسمع كلامه، وينزل عليه الوحي، والنبي ربما يسمع الكلام، وربما رأى الشخص ولم يسمع، والإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص. وقال : والأئمة لم يفعلوا شيئا ولا يفعلونه إلا بعهد من الله وأمر منه لا يتجاوزونه. وفي الكتاب نصوص أخرى متعددة في هذا المعنى، فالأئمة لدى هؤلاء أنبياء يوحى إليهم، ورسل أيضا لأنهم مأمورون بتبليغ ما يوحى إليهم. وقال في ج 2 ص 35 : قد قدمنا في الجزء الأول : أن القوم يزعمون أن أئمة أهل البيت يوحى إليهم، وأن الملائكة تأتيهم بالوحي من الله ومن السماء، وتقدم قولهم : أن الأئمة لا يفعلون شيئا ولا يقولونه إلا بوحي من الله، وتقدم : إن الفرق عندهم بين محمد رسول الله وبين الأئمة من ذريته : إن محمدا كان يرى الملك النازل عليه بالوحي، وأما الأئمة فيسمعون الوحي وصوت الملك وكلامه ولا يرون شخصه، و هذا هو الفرق لديهم بين النبي والإمام، وبين الرسل والأئمة، وهو فرق لا حقيقة له، فالأئمة من آل البيت عندهم أنبياء ورسل بكل ما في كلمة النبي والرسول من معنى، لأن النبي الرسول هو إنسان أوحى الله إليه رسالة، وكلف تبليغها ونشرها، سواء أكان وحي الله إليه بواسطة الملك أم بلا واسطة، وسواء رأى شخص تلك الواسطة أم لم يره، بل سمع منه وعقل عنه، هذا هو النبي الرسول. ورؤية الملك لا دخل له في حقيقة معنى النبي والرسول بالاجماع، ولهذا يقولون : الرسول هو إنسان أوحي إليه وأمر بالبلاغ، والنبي هو إنسان أوحي إليه ولم يؤمر بالبلاغ ولم يجعلوا لرؤية الملك دخلا في حقيقة النبي وحقيقة الرسول، وهذا لا ينازع فيه أحد من الناس، فالشيعة يزعمون لفاطمة وللأئمة من ولدها ما يزعمون للأنبياء والرسل من المعاني والحقايق، فهم يزعمون أنهم معصومون، وأنهم يوحى إليهم، وأن الملائكة تنزل عليهم بالرسالات، وأن لهم معجزات أقلها إحياؤهم الأموات، كما يقولون في أفضل كتبهم. إنتهى. إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون [ النحل 105 ]
/ صفحة 52 /
4
شاعت القالة حول علم الأئمة من آل محمد صلوات الله عليه وعليهم ممن أضمر الحنق على الشيعة وأئمتهم، فعند كل منهم حوشي من الكلام، يزخرف الزلح من القول، ويخبط خبط عشواء، ويثبت البرهنة على جهله، كأن الشيعة تفردت بهذا الرأي عن المذاهب الإسلامية، وليس في غيرهم من يقول بذلك في إمام من أئمة المذاهب، فاستحقوا بذلك كل سبسب وتحامل ووقيعة، فحسبك ما لفقه القصيمي في " الصراع " من قوله في صحيفة ب تحت عنوان : الأئمة عند الشيعة يعلمون كل شئ، والأئمة إذا شاءوا أن يعلموا شيئا أعلمهم الله إياه، وهم يعلمون متى يموتون، ولا يموتون إلا باختيارهم، وهم يعلمون علم ما كان وعلم ما يكون ولا يخفى عليهم شئ ص 125 وص 126 [ من الكافي للكليني ] ثم قال : وفي الكتاب نصوص أخرى أيضا في المعنى، فالأئمة يشاركون الله في هذه الصفة صفة علم الغيب، وعلم ما كان وما سيكون، وإنه لا يخفى عليهم شئ، والمسلمون كلهم يعلمون أن الأنبياء والمرسلين لم يكونوا يشاركون الله في هذه الصفة، والنصوص في الكتاب والسنة وعن الأئمة في أنه لا يعلم الغيب إلا الله متواترة لا يستطاع حصرها في كتاب... إلخ. ج - العلم بالغيب أعني الوقوف على ما وراء الشهود والعيان من حديث ما غبر أو ما هو آت إنما هو أمر سائغ ممكن لعامة البشر كالعلم بالشهادة يتصور في كل ما ينبأ الانسان من عالم غابر، أو عهد قادم لم يره ولم يشهده، مهما أخبره بذلك عالم خبير، أخذا من مبدأ الغيب والشهادة، أو علما بطرق أخرى معقولة، وليس هناك أي وازع من ذلك، وأما المؤمنون خاصة فأغلب معلوماتهم إنما هو الغيب من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقاءه والحياة بعد الموت
/ صفحة 53 / والبعث والنشور ونفخ الصور والحساب والحور والقصور والولدان وما يقع في العرض الأكبر، إلى آخر ما آمن من به المؤمن وصدقه، فهذا غيب كله، وأطلق عليه الغيب في الكتاب العزيز، وبذلك عرف الله المؤمنين في قوله تعالى : الذين يؤمنون بالغيب " البقرة 3 " وقوله تعالى : الذين يخشون ربهم بالغيب " الأنبياء 49 " وقوله : إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب " فاطر 18 " وقوله : إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب " يس 11 " وقوله : من خشي الرحمن بالغيب " ق 33 " وقوله : إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة " الملك 12 " وقوله : جنات عدن وعد الله عباده بالغيب " مريم 61 ". ومنصب النبوة والرسالة يستدعي لمتوليه العلم بالغيب من شتى النواحي مضافا إلى ما يعلم منه المؤمنون، وإليه يشير قوله تعالى : كلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين " هود " ومن هنا قص على نبيه القصص، وقال بعد النبأ عن قصة مريم : ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك " آل عمران 44 " وقال بعد سرد قصة نوح : تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك. " هود 49 " وقال بعد قصة إخوان يوسف : ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك " يوسف 102 ". وهذا العلم بالغيب الخاص بالرسل دون غيرهم ينص عليه بقوله تعالى : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول. نعم : ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا. فالأنبياء والأولياء والمؤمنون كلهم يعلمون الغيب بنص من الكتاب العزيز، ولكل منهم جزء مقسوم، غير أن علم هؤلاء كلهم بلغ ما بلغ محدود لا محالة كما وكيفا، وعارض ليس بذاتي، ومسبوق بعدمه ليس بأزلي، وله بدء ونهاية ليس بسرمدي، ومأخوذ من الله سبحانه وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو. والنبي ووارث علمه في أمته (1) يحتاجون في العمل والسير على طبق علمهم بالغيب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أجمعت الأمة الإسلامية على أن وارث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في علمه هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام راجع الجزء الثالث من كتابنا ص 95 - 101.
/ صفحة 54 / من البلايا، والمنايا، والقضايا، وإعلامهم الناس بشئ من ذلك، إلى أمر المولى سبحانه ورخصته، وإنما العلم، والعمل به، وإعلام الناس بذلك، مراحل ثلاث لا دخل لكل مرحلة بالأخرى، ولا يستلزم العلم بالشئ وجوب العمل على طبقه، ولا ضرورة الاعلام به، ولكل منها جهات مقتضية ووجوه مانعة لا بد من رعايتها، وليس كلما يعلم يعمل به، ولا كلما يعلم يقال. قال الحافظ الأصولي الكبير الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشهير بالشاطبي المتوفى 790 في كتابه القيم [ الموافقات في أصول الأحكام ] ج 2 ص 184 : لو حصلت له مكاشفة بأن هذا المعين مغصوب أو نجس، أو أن هذا الشاهد كاذب، أو أن المال لزيد، وقد تحصل [ للحاكم ] بالحجة لعمرو، أو ما أشبه ذلك، فلا يصح له العمل على وفق ذلك ما لم يتعين سبب ظاهر، فلا يجوز له الانتقال إلى التيمم، ولا ترك قبول الشاهد ولا الشهادة بالمال لذي يد على حال، فإن الظواهر قد تعين فيها بحكم الشريعة أمر آخر، فلا يتركها اعتمادا على مجرد المكاشفة أو الفراسة، كما لا يعتمد فيها على الرؤيا النومية، ولو جاز ذلك لجاز نقض الأحكام بها وإن ترتبت في الظاهر موجباتها، وهذا غير صحيح بحال فكذا ما نحن فيه، وقد جاء في الصحيح : إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأحكم له على نحو ما أسمع منه. الحديث. فقيد الحكم بمقتضى ما يسمع وترك ما وراء ذلك، وقد كان كثير من الأحكام التي تجري على يديه يطلع على أصلها وما فيها من حق وباطل، ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يحكم إلا على وفق ما سمع، لا على وفق ما علم (1) وهو أصل في منع الحاكم أن يحكم بعلمه، وقد ذهب مالك في القول المشهور عنه : إن الحاكم إذا شهدت عنده العدول بأمر يعلم خلافه، وجب عليه الحكم بشهادتهم إذا لم يعلم تعمد الكذب، لأنه إذا لم يحكم بشهادتهم كان حاكما بعلمه، هذا مع كون علم الحاكم مستفادا من العادات التي لا ريبة فيها لا من الخوارق التي تداخلها أمور، والقائل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) قال السيد محمد الخضر الحسين التونسي في تعليق الموافقات : لا يقضي عليه الصلاة والسلام بمقتضى ما عرفه من طريق الباطن كما حكى القرآن عن الخضر عليه السلام حتى يكون للأمة في أخذه بالظاهر أسوة حسنة. إلى أن قال : والحكم بالظاهر وإن لم يكن مطابقا للواقع ليس بخطأ لأنه حكم بما أمر الله.
/ صفحة 55 / بصحة حكم الحاكم بعلمه فذلك بالنسبة إلى العلم المستفاد من العادات لا من الخوارق، ولذلك لم يعتبره رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الحجة العظمى. إلى أن قال : في ص 187. إن فتح هذا الباب يؤدي إلى أن لا يحفظ ترتيب الظواهر، فإن من وجب عليه القتل بسبب ظاهر فالعذر فيه ظاهر واضح، ومن طلب قتله بغير سبب ظاهر بل بمجرد أمر غيبي ربما شوش الخواطر وران على الظواهر، وقد فهم من الشرع سد هذا الباب جملة، ألا ترى إلى باب الدعاوي المستند إلى أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، ولم يستثن من ذلك أحد حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتاج إلى البينة في بعض ما أنكر فيه مما كان اشتراه فقال : من يشهد لي ؟ حتى شهد له خزيمة بن ثابت فجعلها الله شهادتين. فما ظنك بآحاد الأمة، فلو ادعى أكبر الناس على أصلح الناس لكانت البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وهذا من ذلك والنمط واحد، فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي الشرعية. وقال في ص 189 : فصل : إذا تقرر اعتبار ذلك الشرط فأين يسوغ العمل على وفقها ؟ فالقول في ذلك أن الأمور الجائزات أو المطلوبات التي فيها سعة يجوز العمل فيها بمقتضى ما تقدم وذلك على أوجه : أحدها أن يكون في أمر مباح كأن يرى المكاشف أن فلانا يقصده في الوقت الفلاني أو يعرف ما قصد إليه في إتيانه من موافقة أو مخالفة، أو يطلع على ما في قلبه من حديث أو اعتقاد حق أو باطل وما أشبه ذلك، فيعمل على التهيئة له حسبما قصد إليه أو يتحفظ من مجيئه إن كان قصده بشر، فهذا من الجائز له كما لو رأى رؤيا تقتضي ذلك، لكن لا يعامله إلا بما هو مشروع كما تقدم. الثاني : أن يكون العمل عليها لفائدة يرجو نجاحها، فإن العاقل لا يدخل على نفسه ما لعله يخاف عاقبته فقد يلحقه بسبب الالتفات إليها أو غيره، والكرامة كما إنها خصوصية كذلك هي فتنة واختبار لينظر كيف تعملون، فإن عرضت حاجة أو كان لذلك سبب يقتضيه فلا بأس. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بالمغيبات للحاجة إلى ذلك، ومعلوم أنه عليه الصلاة والسلام لم يخبر بكل مغيب اطلع عليه، بل كان ذلك في بعض الأوقات وعلى مقتضى الحاجات، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام
/ صفحة 56 / المصلين خلفه : أنه يراهم من وراء ظهره. لما لهم في ذلك من الفائدة المذكورة في الحديث، وكان يمكن أن يأمرهم وينهاهم من غير إخبار بذلك، وهكذا سائر كراماته ومعجزاته، فعمل أمته بمثل ذلك في هذا المكان أولى منه في الوجه الأول، ولكنه مع ذلك في حكم الجواز لما تقدم من خوف العوارض كالعجب ونحوه. الثالث : أن يكون فيه تحذير أو تبشير ليستعد لكل عدته فهذا أيضا جائز كالإخبار عن أمر ينزل إن لم يكن كذا، أو لا يكون إن فعل كذا فيعمل على وفق ذلك... إلخ. فهلا كان من الغيب نبأ إبني نوح، وأنباء قوم هو وعاد وثمود، وقوم إبراهيم ولوط، وذكرى ذي القرنين، ونبأ من سلف من الأنبياء والمرسلين ؟ ! وهلا كان منه ما أسر به النبي صلى الله عليه وآله إلى بعض أزواجه فأفشته إلى أبيها فلما نبأها به وقالت : من أنبأك هذا ؟ قال : نبأني العليم الخبير ؟ " تحريم 3 ". وهلا كان منه ما أنبأ موسى صاحبه من تأويل ما لم يستطع عليه صبرا ؟ " الكهف " وهلا كان منه ما كان يقول عيسى لأمته : وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ؟ " آل عمران 49 ". وهلا كان منه قول عيسى لبني إسرائيل : يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ؟ " الصف 6 " وهلا كان منه ما أوحى الله تعالى إلى يوسف : لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ؟ " يوسف 15 ". وهلا كان ما أنبأ آدم الملائكة من أسمائهم أمرا من الله يا آدم أنبئهم بأسمائهم ؟ " البقرة 33 ". وهلا كانت منه تلكم البشارات الجمة المحكية عن التوراة والانجيل والزبور وصحف الماضين وزبر الأولين بنبوة نبي الاسلام وشمائله وتاريخ حياته وذكر أمته ؟. وهلا كانت منه تلك الأنباء الصحيحة المروية عن الكهنة والرهابين والاقسة حول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قبل ولادته ؟. ليس هناك أي منع وخطر إن علم الله أحدا ممن خلق بما شاء وأراد من الغيب المكتوم من علم ما كان أو سيكون، من علم السماوات والأرضين، من علم الأولين
/ صفحة 57 / والآخرين، من علم الملائكة والمرسلين. كما لم ير أي وازع إذا حبا أحدا بعلم ما شاء من الشهادة وأراه ما خلق كما أرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض. ولا يتصور عندئذ قط اشتراك مع المولى سبحانه في صفته العلم بالغيب، ولا العلم بالشهادة ولو بلغ علم العالم أي مرتبة رابية، وشتان بينهما، إذ القيود الامكانية البشرية مأخوذة في العلم البشري دائما لا محالة، سواء تعلق بالغيب أو تعلق بالشهادة، وهي تلازمه ولا تفارقه، كما أن العلم الآلهي بالغيب أو الشهادة تؤخذ فيه قيود الاحدية الخاصة بذات الواجب الأحد الأقدس سبحانه وتعالى. وكذلك الحال في علم الملائكة، لو أذن الله تعالى إسرافيل مثلا وقد نصب بين عينيه اللوح المحفوظ الذي فيه تبيان كل شئ أن يقرأ ما فيه ويطلع عليه لم يشارك الله قط في صفته العلم بالغيب، ولا يلزم منه الشرك. فلا مقايسة بين العلم الذاتي المطلق وبين العرضي المحدود، ولا بين ما لا يكيف بكيف. ولا يؤين بأين وبين المحدود المقيد. ولا بين الأزلي الأبدي وبين الحادث الموقت. ولا بين التأصلي وبين المكتسب من الغير، كما لا يقاس العلم النبوي بعلم غيره من البشر، لاختلاف طرق علمهما، وتباين الخصوصيات والقيود المتخذة في علم كل منهما، مع الاشتراك في إمكان الوجود. بل لا مقايسة بين علم المجتهد وبين علم المقلد فيما علما من الأحكام الشرعية ولو أحاط المقلد بجميعها، لتباين المبادئ العلمية فيهما. فالعلم بالغيب على وجه التأصل والاطلاق من دون قيد بكم وكيف كالعلم بالشهادة على هذا الوجه إنما هما من صفات الباري سبحانه، ويخصان بذاته لا مطلق العلم بالغيب والشهادة، وهذا هو المعنى نفيا وإثباتا في مثل قوله تعالى : قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله " النمل 65 " وقوله تعالى : إن الله عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات الصدور " فاطر 38 " وقوله تعالى : إن الله يعلم غيب السموات والأرض بصير بما تعملون " الحجرات 18 " وقوله تعالى : ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون " الجمعة 8 " وقوله تعالى : عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم " الحشر 22 " وقوله تعالى : ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم " السجدة 6 " وقوله تعالى : عالم الغيب والشهادة
/ صفحة 58 / العزيز الحكيم " التغابن 18 " وقوله تعالى : حكاية عن نوح، لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك " أنعام 50، هود 31 " وقوله تعالى حكاية : لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير " الأعراف 188 ". وبهذا التفصيل في وجوه العلم يعلم عدم التعارض نفيا وإثباتا بين أدلة المسألة كتابا وسنة، فكل من الأدلة النافية والمثبتة ناظر إلى ناحية منها، والموضوع المنفي من علم الغيب في لسان الأدلة غير المثبت منه وكذلك بالعكس. وقد يوعز إلى الجهتين في بعض النصوص الواردة عن أهل البيت العصمة عليهم السلام مثل قول الإمام أبي الحسن موسى الكاظم عليه السلام مجيبا يحيى بن عبد الله بن الحسن لما قاله : جعلت فداك إنهم يزعمون أنك تعلم الغيب ؟ فقال عليه السلام : سبحان الله ضع يدك على راسي فوالله ما بقيت شعرة فيه ولا في جسدي إلا قامت، ثم قال : لا والله ما هي إلا وراثة عن رسول الله صلى الله عليه وآله (1) وكذلك الحال في بقية الصفات الخاصة بالمولى العزيز سبحانه وتعالى فإنها تمتاز عن مضاهاة ما عند غيره تعالى من تلكم الصفات بقيودها المخصصة، فلو كان عيسى على نبينا وآله وعليه السلام يحيي كل الموتى بإذن الله، أو كان خلق عالما بشرا من الطين بإذن ربه بدل ذلك الطير الذي أخبر عنه بقوله : إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله " آل عمران 49 " لم يكن يشارك المولى سبحانه في صفته الإحياء والخلق، والله هو الولي، وهو محيي الموتى، وهو الخلاق العليم. وإن الملك المصور في الأرحام مع تصويره ما شاء الله من الصور وخلقه سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها (1) لم يكن يشارك ربه في صفته، والله هو الخالق ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أخرجه شيخنا المفيد في المجلس الثالث من أماليه. (2) عن حذيفة مرفوعا : إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال : يا رب أذكر أم أنثى ؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول : يا رب أجله ؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول : يا رب رزقه ؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ذلك شيئا ولا ينقص. أخرجه أبو الحسين مسلم في صحيحه، وذكره ابن الأثير في جامع الأصول. وابن الدبيع في التيسير 4 ص 40. وفي حديث آخر ذكره ابن الدبيع في تيسير الوصول 4 ص 40 : إذا بلغت " يعني المضغة " أن تخلق نفسا بعث الله ملكا يصورها، فيأتي الملك بتراب بين إصبعيه فيخط في المضغة ثم يعجنه ثم يصورها كما يؤمر فيقول : أذكر أم أنثى ؟ أشقى أم سعيد ؟ وما عمره ؟ وما رزقه ؟ وما أثره ؟ وما مصائبه ؟ فيقول الله فيكتب الملك.
/ صفحة 59 / البارئ المصور، وهو الذي يصور في الأرحام كيف يشاء. والملك المبعوث إلى الجنين الذي يكتب رزقه وأجله وعمله ومصائبه وما قدر له من خير وشر وشقاوته وسعادته ثم ينفخ في الروح (1) لا يشارك ربه، والله هو الذي لم يكن له شريك في الملك وخلق كل شئ فقدره تقديرا وملك الموت مع أنه يتوفى الأنفس، وأنزل الله فيه القرآن وقال : قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم " السجدة 11 " صح مع ذلك الحصر في قوله تعالى : الله يتوفى الأنفس حين موتها، والله هو المميت ولا يشاركه ملك الموت في شئ من ذلك، كما صحت النسبة في قوله تعالى : الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم " النحل 28 " وفي قوله تعالى : الذين تتوفاهم الملائكة طيبين " النحل 32 " ولا تعارض في كل ذلك ولا إثم ولا فسوق في إسناد الإماتة إلى غيره تعالى. والملك لا يغشاه نوم العيون (2) ولا تأخذه سنة الراقد بتقدير من العزيز العليم وجعله، ومع ذلك لا يشارك الله فيما مدح نفسه بقوله : لا تأخذه سنة ولا نوم. ولو أن أحدا مكنه المولى سبحانه من إحياء موتان الأرض برمتها لم يشاركه تعالى والله هو الذي يحيي الأرض بعد موتها. فهلم معي نسائل القصيمي عن أن قول الشيعة بأن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا شيئا أعلمهم الله إياه كيف يتفرع عليه القول بأن الأئمة يشاركون الله في هذه الصفة صفة علم الغيب ؟ وما وجه الاشتراك بعد فرض كون علمهم بإخبار من الله تعالى وإعلامه ؟ وقد ذهب على الجاهل أن الحكم بأن القول بعلم الأئمة بما كان وما يكون - وليس هو كل الغيب ولا جله - وعدم خفاء شئ من ذلك عليهم يستلزم الشرك بالله في صفة علمه بالغيب. تحديد لعلم الله، وقول بالحد في صفاته سبحانه، ومن حده ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) عن ابن مسعود مرفوعا : إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ثم ينفخ فيه الروح. أخرجه البخاري في باب ذكر الملائكة في صحيحه ومسلم وغيرهما من أئمة الصحاح إلا النسائي وأحمد في مسنده 1 ص 374، 414، 430، وأبو داود في مسنده 5 ص 38، وذكره ابن الأثير في جامعه، وابن الدبيع في التيسير 4 ص 39. (2) راجع الخطبة الأولى من نهج البلاغة وشروحها.
/ صفحة 60 / فقد عده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. والنصوص الموجودة في الكتاب والسنة على أن لا يعلم الغيب إلا الله قد خفيت مغزاها على المغفل ولم يفهم منها شيئا، ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد. ونسائل الرجل : كيف خفي هذا الشرك المزعوم على أئمة قومه ؟ فيما أخرجوه عن حذيفة قال : أعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان وما يكون إلى يوم القيامة (1) وما أخرجه أحمد إمام مذهب الرجل في مسنده ج 5 ص 388 عن أبي إدريس قال : سمعت حذيفة بن اليمان يقول : والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة. وقد جهل بأن علم المؤمن بموته واختياره الموت واللقاء مهما خير بينه وبين الحياة ليس من المستحيل، ولا بأمر خطير بعيد عن خطر المؤمن فضلا عن أئمة المؤمنين من العترة الطاهرة، هلا يعلم الرجل ما أخرجه قومه في أئمتهم من ذلك وعدوه فضائل لهم ؟ ذكروا عن ابن شهاب (2) قال : كان أبو بكر - ابن أبي قحافة - والحارث بن كلدة يأكلان حريرة أهديت لأبي بكر فقال الحارث لأبي بكر : ارفع يدك يا خليفة رسول الله إن فيها لسم سنة وأنا وأنت نموت في يوم واحد فرفع يده فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة. وذكر أحمد في مسنده 1 ص 48 و 51، والطبري في رياضه 2 ص 74 إخبار عمر عن موته بسبب رؤيا رآها، وما كان بين رؤياه وبين يوم طعن فيه إلا جمعة، وفي الرياض ج 2 ص 75 عن كعب الأحبار إنه قال لعمر. يا أمير المؤمنين اعهد بأنك ميت إلى ثلاثة أيام فلما قضى ثلاثة أيام طعنه أبو لؤلؤة فدخل عليه الناس ودخل كعب في جملتهم فقال : القول ما قال كعب. وروى إن عيينة بن حصن الفزاري قال لعمر : إحترس أو أخرج العجم من المدينة فإني لا آمن أن يطعنك رجل منهم في هذا الموضع. ووضع يده في الموضع الذي طعنه فيه أبو لؤلؤة. وعن جبير بن مطعم قال : إنا لواقفون مع عمر على الجبل بعرفة إذ سمعت رجلا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) صحيح مسلم في كتاب الفتن، مسند أحمد 5 ص 386، البيهقي، تاريخ ابن عساكر 4 ص 94، تيسير الوصول 4 ص 241، خلاصة التهذيب 63، الإصابة 1 ص 218، التقريب 82. (2) ك 3 ص 64، صف 1 ص 10، يا 1 ص 180.
/ صفحة 61 / يقول : يا خليفة ! فقال أعرابي من لهب من خلفي : ما هذا الصوت ؟ قطع الله لهجتك والله لا يقف أمير المؤمنين بعد هذا العام أبدا. فسببته وأدبته فلما رمينا الجمرة مع عمر جاءت حصاة فأصابت رأسه ففتحت عرقا من رأسه فسال الدم، فقال رجل : أشعر أمير المؤمنين أما والله لا يقف بعد هذا العام ههنا أبدا. فالتفت فإذا هو ذلك اللهبي فوالله ما حج عمر بعدها. خرجه ابن الضحاك. وإن تعجب فعجب إخبار الميت وهو يدفن عن شهادة عمر في أيام خلافة أبي بكر، أخرج البيهقي عن عبد الله بن عبيد الله الأنصاري قال : كنت فيمن دفن ثابت بن قيس وكان قتل باليمامة (1) فسمعناه حين أدخلناه القبر يقول : محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الشهيد، عثمان البر الرحيم. فنظرنا إليه فإذا هو ميت. وذكره القاضي في " الشفاء " في فصل إحياء الموتى وكلامهم. وعن عبد الله بن سلام قال : أتيت عثمان وهو محصور أسلم عليه فقال : مرحبا بأخي مرحبا بأخي، أفلا أحدثك ما رأيت الليلة في المنام ؟ فقلت : بلى. قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مثل لي في هذه الخوخة - وأشار عثمان إلى خوخة في أعلى داره - فقال : حصروك ؟ فقلت. نعم. فقال : عطشوك ؟ فقلت : نعم. فأدلى دلوا من ماء فشربت حتى رويت، فها أنا أجد برودة ذلك الدلو بين ثديي وبين كتفي. فقال : إن شئت أفطرت عندنا وإن شئت نصرت عليهم ؟ فاخترت الفطر (2). وعنه قال : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم البارحة وأبا بكر وعمر فقالوا لي : صبرا فإنك تفطر عندنا القابلة. وعن كثير بن الصلت عن عثمان قال : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامي هذا فقال : إنك شاهد معنا الجمعة " ك 3 ص 99 " وعن ابن عمر : إن عثمان أصبح يحدث الناس قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام قال : يا عثمان أفطر عندنا غدا. فأصبح صائما وقتل من يومه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بلدة باليمن على ستة عشر مرحلة من المدينة، وكانت وقعة اليمامة في ربيع الأول سنة اثنتى عشر هجرية في خلافة أبي بكر. (2) الرياض النضرة 2 ص 127، الإتحاف للشبراوي 92.
/ صفحة 62 / قال محب الدين الطبري في " الرياض " 2 ص 127 بعد رواية ما ذكر : واختلاف الروايات محمول على تكرار الرؤيا فكانت مرة نهارا ومرة ليلا. وأخرج الحاكم في " المستدرك " 3 ص 203 بسند صححه إخبار عبد الله بن عمرو الأنصاري الصحابي ابنه جابر بشهادته يوم أحد، وإنه أول قتيل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فكان كما أخبر به. م - وذكر الخطيب البغدادي في تاريخه 2 ص 49 عن أبي الحسن المالكي أنه قال : كنت أصحب خير النساج - محمد بن إسماعيل - سنين كثيرة ورأيت له من كرامات الله تعالى ما يكثر ذكره غير أنه قال لي قبل وفاته بثمانية أيام، إني أموت يوم الخميس المغرب فادفن يوم الجمعة قبل الصلاة وستنسى فلا تنساه. قال أبو الحسين : فأنسيته إلى يوم الجمعة فلقيني من خبرني بموته فخرجت لأحضر جنازته فوجدت الناس راجعين فسألتهم لم رجعوا فذكروا أنه يدفن بعد الصلاة، فبادرت ولم ألتفت إلى قولهم فوجدت الجنازة قد أخرجت قبل الصلاة أو كما قال. وهذه القصة ذكرها ابن الجوزي أيضا في المنتظم 6 ص 274 ]. غيض من فيض : توجد في طي كتب الحفاظ ومعاجم أعلام القوم قضايا جمة في أناس كثيرين عدوها لهم فضلا وكرامة تنبأ عن علمهم بالغيب وبما تخفي الصدور، ولا يراها أحد منهم شركا، ولا يسمع من القصيمي ومن لف لفه فيها ركزا، وأمثالها في أئمة الشيعة هي التي جسها القوم، وألقت عليهم جشمها، وكثر فيها منهم الرطيط، وإليك جملة من تلكم القضايا. 1 - قال أبو عمرو بن علوان خرجت يوما إلى سوق الرحبة في حاجة فرأيت جنازة فتبعتها لأصلي عليها ووقفت حتى يدفن الميت في جملة الناس فوقعت عيني على امرأة مسفرة من غير تعمد فلححت بالنظر واسترجعت واستغفرت الله " إلى أن قال " : فخطر في قلبي : أن زر شيخك الجنيد، فانحدرت إلى بغداد فلما جئت الحجرة التي هو فيها طرقت الباب فقال لي : ادخل أبا عمر وتذنب بالرحبة ونستغفر لك ببغداد. تاريخ بغداد 7 ص 247، صف 2 ص 236.
/ صفحة 63 / 2 - قال ابن النجار كان الشيخ " أبو محمد عبد الله الجبائي المتوفى 605 " يتكلم يوما في الاخلاص والرياء والعجب وأنا حاضر في المجلس فخطر في نفسي : كيف الخلاص من العجب ؟ فالتفت إلي الشيخ وقال : إذا رأيت الأشياء من الله وأنه وفقك لعمل الخير وأخرجك من البين سلمت من العجب. هب 5 ص 16 . 3 - عن الشيخ علي الشبلي قال : احتاجت زوجتي إلى مقنعة فقلت : علي دين خمسة دراهم فمن أين أشتري لك مقنعة ؟ فنمت فرأيت من يقول لي : إذا أردت أن تنظر إلى إبراهيم الخليل فانظر إلى الشيخ عبد الله بن عبد العزيز. فلما أصبحت أتيته بقاسيون فقال لي : ما لك يا علي ؟ اجلس وقام إلى منزله وعاد ومعه مقنعة في طرفها خمسة دراهم فأخذتها ورجعت. هب 5 ص 74. 4 - قال أبو محمد الجوهري سمعت أخي أبا عبد الله يقول : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت : يا رسول الله أي المذاهب خير ؟ وقال قلت : على أي المذاهب أكون ؟ فقال : ابن بطة ابن بطة (1) فخرجت من بغداد إلى عكبرا فصادف دخولي يوم الجمعة فقصدت الشيخ أبا عبد الله ابن بطة إلى الجامع فلما رآني قال لي ابتداء صدق رسول الله، صدق رسول الله. هب 3 ص 123. 5 - قال أبو الفتح القواس لحقتني إضاقة وقتا من الزمان فنظرت فلم أجد في البيت غير قوس لي وخفين كنت ألبسهما فأصبحت وقد عزمت على بيعهما وكان يوم مجلس أبي الحسين بن سمعون فقلت في نفسي : أحضر المجلس ثم انصرف فأبيع الخفين والقوس. قال : وكان القواس قل ما يتخلف عن حضور مجلس ابن سمعون قال أبو الفتح : فحضرت المجلس فلما أردت الانصراف ناداني أبو الحسين : يا أبا الفتح لا تبع الخفين ولا تبع القوس فإن الله سيأتيك برزق من عنده. تاريخ ابن عساكر 1 ص 276. 6 - قال الحافظ ابن كثير في تاريخه 12 ص 144 : قدم الخطيب أردشير بن منصور أبو الحسين العبادي وكان يحضر في مجلسه في بعض الأحيان أكثر من ثلاثين ألفا من الرجال والنساء، قال بعضهم : دخلت عليه وهو يشرب مرقا فقلت في نفسي : ليته أعطاني فضله لأشربه لحفظ القرآن فناولني فضله فقال : اشربها على تلك النية. قال : ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) هو الحافظ أبو عبد الله عبيد الله بن محمد الفقيه الحنبلي العكبري توفي سنة 387.
/ صفحة 64 / فرزقني الله حفظ القرآن. 7 - قال أبو الحارث الأولاسي : خرجت من حصن أولاس اريد البحر فقال بعض أخواني : لا تخرج فإني قد هيأت لك " عجة " حتى تأكل قال : فجلست فأكلت معه ونزلت إلى الساحل وإذا أنا بإبراهيم بن سعد [ أبو إسحاق الحسني ] العلوي قائما يصلي فقلت في نفسي : ما أشك إلا أنه يريد أن يقول : امش معي على الماء، ولئن قال لي لامشين معه، فما استحكم الخاطر حتى قال : هيه يا أبا الحارث امش على الخاطر. فقلت : بسم الله فمشى هو على الماء فذهبت أمشي فغاصت رجلي فالتفت إلي وقال لي يا أبا الحارث : العجة أخذت برجلك. فذهب وتركني. طب 6 ص 86، كر 2 ص 208، صف 2 ص 242. 8 - كان ابن سمعون محمد بن أحمد الواعظ المتوفى 387 يعظ يوما على المنبر وتحته أبو الفتح بن القواس فنعس ابن القواس فأمسك ابن سمعون عن الوعظ حتى استيقظ فحين استيقظ قال ابن سمعون : رأيت رسول الله في منامك هذا ؟ قال : نعم. قال : فلهذا أمسكت عن الوعظ حتى لا أزعجك عما كنت فيه. تاريخ بغداد 1 ص 276، المنتظم 7 ص 199، تاريخ ابن كثير 11 ص 323. 9 - روي عن ابن الجنيد أنه قال : رأيت إبليس في المنام وكأنه عريان فقلت : ألا تستحي من الناس ؟ فقال - وهو لا يظنهم ناسا - : لو كانوا ناسا ما كنت ألعب بهم كما يلعب الصبيان بالكرة إنما الناس جماعة غير هؤلاء فقلت : أين هم ؟ فقال : في مسجد الشونيزي قد أضنوا قلبي واتعبوا جسدي، كلما هممت بهم أشاروا إلى الله عز وجل فأكاد أحترق قال : فلما انتبهت لبست ثيابي ورحت إلى المسجد الذي ذكر فإذا ثلاثة جلوس ورؤوسهم في مرقعاتهم فرفع أحدهم رأسه إلي وقال : يا أبا القاسم لا تغتر بحديث الخبيث وأنت كلما قيل لك شئ تقبل. فإذا هم : أبو بكر الدقاق. وأبو الحسين النوري (1 ). وأبو حمزة محمد بن علي الجرجاني الفقيه الشافعي. ذكره ابن الأثير كما في تاريخ ابن كثير 11 ص 97، وابن الجوزي في صفة الصفوة 2 ص 234. 10 - جاء يوما شاب نصراني في صورة مسلم إلى أبي القاسم الجنيد الخزاز فقال ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) توفي في سنة 295، ومن جملة العجائب المذكورة في ترجمته في تاريخ ابن كثير 11 ص 106 : أنه صام عشرين سنة لا يعلم به أحد لا من أهله ولا من غيره.
/ صفحة 65 / له : يا أبا القاسم ما معنى قول النبي صلى الله عليه وآله، اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ؟ فأطرق الجنيد ثم رفع رأسه إليه وقال : أسلم فقد آن لك أن تسلم قال : فأسلم الغلام. تاريخ ابن كثير 11 ص 114. م - وحكي عن أبي الحسن الشاذلي المتوفى 656 قوله : لولا لجام الشريعة على لساني لأخبرتكم بما يحدث في غد وما بعده إلى يوم القيامة. هب 5 ص 279 ]. العجب العجاب : وأعجب من هذه كلها دعوى الرجل من القوم أنه يرى اللوح المحفوظ ويقرأه فتؤخذ منه تلكم الدعاوي الضخمة، وتذكر في سلسلة الفضائل، وتأتي في كتبهم حقايق راهنة من دون أي مناقشة في الحساب. قال ابن العماد في شذرات الذهب 8 ص 286 في ترجمة المولى محيي الدين محمد ابن مصطفى القوجوي الحنفي المتوفى 950 صاحب الحواشي على البيضاوي ومؤلفات أخرى : كان يقول إذا شككت في آية من القرآن أتوجه إلى الله تعالى فيتسع صدري حتى يصير قدر الدنيا ويطلع فيه قمران لا أدري هما أي شئ ثم يظهر نور فيكون دليلا إلى اللوح المحفوظ فأستخرج منه معنى الآية. م - وقال في ج 8 ص 178 في ترجمة المولى بخشي الرومي الحنفي المتوفى 931 : رحل إلى ديار العرب فأخذ عن علمائهم وصارت له يد طولى في الفقه والتفسير (إلى أن قال) : كان ربما يقول : رأيت في اللوح المحفوظ مسطورا كذا وكذا فلا يخطئ أصلا ]. وقال اليافعي في مرآة الجنان 3 ص 471 : إن الشيخ جاكير المتوفى سنة 590 كان يقول : ما أخذت العهد على أحد حتى رأيت اسمه مرفوعا في اللوح المحفوظ من جملة مريدي. وقال في المرآة ج 4 ص 25 : كان الشيخ ابن الصباغ أبو الحسن علي بن حميد المتوفى 612 لا يصحب إلا من يراه مكتوبا في اللوح المحفوظ من أصحابه. وذكره ابن العماد في شذراته 5 ص 52. توجد جملة كثيرة من هذه الأوهام الخرافية في طبقات الشعراني، والكواكب الدرية للنووي، وروض الرياحين لليافعي، وروضة الناظرين للشيخ أحمد الوتري وأمثالها. الذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يشعرون [ الأعراف 182 ]
/ صفحة 66 /
5
لقد كثرت الجلبة واللغط حول هذه المسألة من أناس جاهلين بمواقع الأحكام، ذاهلين عن مصادر الفتيا حسبوا أنها من مختصات الشيعة فحسب، ففوقوا إليهم نبال الطعن وشنوا عليهم الغارات، وهناك أغرار تصدوا للدفاع - وهم مشاركون لأولئك في الجهل أو الذهول - بأنها من عمل الدهماء فلا يحتج بها على المذهب أو العلماء، وآخر حرف الكلم عن مواضعه ابتغاء إثبات أمنيته، ولكن وراء الكل حذاق البحث كشفوا عن تلكم السوءات. عزب على المساكين إن للشيعة موافقون من أهل المذاهب الأربعة في جواز نقل الموتى لأغراض صحيحة إلى غير محال موتهم قبل الدفن وبعده مهما أوصى به الميت أو لم يوص به. قالت المالكية : يجوز نقل الميت قبل الدفن وبعده من مكان إلى آخر بشروط ثلاثة : أولها أن لا ينفجر حال نقله. ثانيها أن لا تنهتك حرمته بأن ينقل على وجه يكون فيه تحقير له. ثالثها أن يكون نقله لمصلحة كأن يخشى من طغيان البحر على قبره، أو يراد نقله إلى مكان ترجى بركته، أو إلى مكان قريب من أهله، أو لأجل زيارة أهله إياه، فإن فقد شرط من هذه الشروط الثلاثة حرم النقل (1 ). وقالت الحنابلة : لا بأس بنقل الميت من الجهة التي مات فيها إلى جهة بعيدة عنها بشرط أن يكون النقل لغرض صحيح كأن ينقل إلى بقعة شريفة ليدفن فيها، أو ليدفن بجوار رجل صالح، وبشرط أن يؤمن تغير رائحته، ولا فرق في ذلك بين أن يكون قبل الدفن أو بعده (2 ). وقالت الشافعية : يحرم نقل الميت إلى بلد آخر ليدفن فيه. وقيل : يكره إلا أن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الفقه على المذاهب الأربعة 1 ص 421. (2) الفقه على المذاهب الأربعة 1 ص 422
/ صفحة 67 / يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس أو بقرب قبر صالح، ولو أوصى بنقله إلى أحد الأماكن المذكورة لزم تنفيذ وصيته عند الأمن من التغيير، والمراد بمكة جميع الحرم لا نفس البلد (1 ). وقالت الحنفية : يستحب أن يدفن الميت في الجهة التي مات فيها، ولا بأس بنقله من بلدة إلى أخرى قبل الدفن عند أمن تغير رائحته، أما بعد الدفن فيحرم إخراجه إلا إذا كانت الأرض التي دفن فيها مغصوبة أو أخذت بعد دفنه بشفعة (2 ). ومن سبر التاريخ وجد الاطباق من علماء المذاهب على جواز النقل في الصورتين عملا، وكان من المرتكز في الأذهان نقل الجثث إلى البقاع الشريفة من أرض بيت الله الحرام، أو جواز النبي الأعظم، أو قرب إمام مذهب، أو مرقد ولي صالح، أو بقعة اختصها الله بالكرامة، أو إلى حيث مجتمع أهل الميت، أو قبور ذويه. م - وكان يوم نقل رفاة أولئك الرجال من المذاهب الأربعة يوما مشهودا تقام فيه حفلات مكتظة يحضر فيها حشد من العلماء والخطباء والقراء وأناس آخرين، كل ذلك ينبأ عن جوازه، وإصفاق الأمة الاسلامية عليه ]. بل كان ذلك مطردا منذ عهد (3) الصحابة الاولين والتابعين لهم بإحسان بوصية من الميت أو بترجيح من أوليائه، وكاد أن يكون من المجمع عليه عملا عند فرق المسلمين في القرون الإسلامية. ولو لم يكن كذلك لما اختلفت الصحابة في دفن رسول الله صلى الله عليه وآله، بالمدينة أو بمكة أو عند جده إبراهيم الخليل (4 ). وتراه كان مشروعا في الشرايع السالفة فقد مات آدم عليه السلام بمكة ودفن في غار أبي قبيس، ثم حمل نوح تابوته في السفينة، ولما خرج منها دفنه في بيت المقدس (5) وفي أحاديث ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) المنهاج المطبوع بهامش شرحه المغني 1 ص 357 تأليف محيي الدين النووي الشافعي، شرح الشربيني الشافعي 1 ص 358، حاشية شرح ابن قاسم العزى تأليف الشيخ إبراهيم الباجوري الشافعي 1 ص 280 وغيرها. |