|
/ صفحة 341 / القرن السادس 47 الملك الصالح ولد 495 استشهد 556
1 سقى الحمى ومحلا كنت أعهـــــده * حـيا بحور بصــوب المزن أجوده فإن دنى الغيث واستسقت مرابعه * ربا فـــــدمعي بالتسكـــــاب ينـحده ويقول فيها: يا راكـــــب الغي دع عـــــنك الضلال * فـهذا الرشد بالكوفة الغراء مشهده من ردت الشمس من بعد المغيب له * فـــــأدرك الفضل والأمــــلاك تشهده ويـــــوم (خم) وقـــــد قــــال النبي له * بـــــين الحــضور وشالت عضده يده : من كنـــــت مولـــــى هذا يكون له * مولـــــى أتانـــــي بـــــه أمــر يؤكده من كـــــان يخـــــذله فـــــالله يخــذله * أو كـــــان يعـــــضده فـــــالله يعضده والبـــــاب لمــــا دحاه وهو في سغب * من الصيـــــام وما يخـــــفى تعــــبده وقلقـــــل الحـــصن فارتاع اليهود له * وكـــــان أكثـــــرهم عـــــمدا يفــنـده نادى بأعـــــلى السما جبريل ممتـدحا *: هــــذا الـوصي وهذا الطهر أحمده وفـــــي الفـــرات حديث إذ طغى فأتى * كـــــل إليـــــه لخــوف الهلك يقصده فقـــــال للماء: غض طوعا فبان لهم * حصـــــباؤه حيـــــن وافاه يهدده(1) 2 م - وله من قصيدة توجد منها 57 بيتا يمدح بها أمير المؤمنين عليه السلام: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) القصيدة 39 بيتا يوجد شطر منها في مناقب ابن شهر آشوب، والصراط المستقيم للبياضي، وذكرها برمتها العلامة السيد أحمد العطار في كتابه (الرائق ).
/ صفحة 342 / وفـــــي مواقـــــف لا يحـــصى لها عددا * مـــــا كان فيـــــها برعـــــديد ولا نـــكل كـــــم كـــــربة لأخــيه المصطفى فرجت * به وكـــــان رهيـــن الحادث الجلـل ؟ ! كـــم بين من كان قد سن الهروب ومن * في الحرب إن زالت الأجبال لم يزل ؟ ! في هـــــل أتـــــى بــــين الرحمن رتبته * فـــــي جـــــوده فتمـــــسك يــا أخي بهل عــلي قال. اسألوني كي أبين لكم علمــ * ـــي وغـــــيـــــر عـــــلي ذاك لــــم يقل بـــــل قـــــال: لســـــت بخــير إذ وليتكم * فقـــــومونـــــي فـــــإني غـــــير معـتدل إن كـــــان قـــــد أنكـــــر الحـساد رتبته * فقـــــد أقـــــر لـــــه بالحـــــق كـل ولي وفـــــي (الغدير) له الفـضل الشهير بما * نـــــص النـــــبي لـــــه فـي مجمع حفل 3 قال من قصيدة ذات 44 بيتا أولها: لا تبـــــك للجـيرة السارين في الظعن * ولا تعـــــرج عـــلى الأطلال والدمن فليس بعـــــد مشيب الرأس من غزل * ولا حنـــــين إلـــــى إلـــف ولا سكن وتـــــب إلى الله واستشفع بخيــــرته * من خلقه ذي الأيادي البيض والمنن (محمد) خـــــاتم الـرسل الذي سبقت * بـــــه بشـــــارة قـــس وابن ذي يزن يقول فيها: فاجعــله ذخـرك في الدارين معتصما * له وبالمرتضــى الهـادي أبي الحسن وصيـــــه ومواسيه ونـــــاصره على * أعـــــاديه مـــــن قيـــــس ومــن يمن أوصى النـــــبي إلـــــيه لا إلــــى أحد * ســـواه في (خم) والأصحاب في علن فقـــــال: هـــــذا وصيي والخليفة من * بعـدي وذو العلم بالمفروض والسنن قـــالوا: سمعنا فلما أن قضى غدروا * والطــهر (أحمد) ما واروه في الجبن 4 وله من قصيدة 27 بيتا: أنا من شيعـــــة الإمام عــلــــي * حرب أعدائه وسلـــــم الـــولي أنا مـــــن شيعة الإمام الذي ما * مـــــال فـــــي عــمره لفعل دني أنا عبد لصاحب الحوض ساقي * من تـــوالى فيـــــه بكأس روي
/ صفحة 343 / أنا عبد لمن أبان لـنا المشكـــل * فارتـــــاض كـــــل صعــــب أبي والـــــذي كبــرت ملائكة الله له * عـــــند صرعـــــة العـــــامــري الإمـــــام الـــــذي تخـــــيره الله * بـــــلا مـــــرية أخـــــا للنـــــبـي قسما ما وقاه بالنفس لمـــا بــــ * ــات في الفـرش عنه غير علي ولعــــمري إذ حل في يوم (خم) * لـــــم يـكن موصيا لغير الوصي 5 وله من قصيدة ذات 41 بيتا مطلعها: ما كـــــان أول تائـــــه بجـــــمالــه * بـــــدر منـــــال البــدر دون مناله متـــــباين فالعـــــدل من أقـــــواله * ليغـــــرنا والجـــــور مـــن أفعاله صـــــرع الـفؤاد بسحر طرف فاتر * حتـــــى دنـــــى فأصـــــابه بنــباله متعـــــود للـــــرمي حـــــاجبه غدا * مـــــن قسيه واللحظ بعض نصاله ما بلـــــبل الأصـــداغ فوق عذاره * إلا انطـــــوى قلــبي على بلباله 5 يبغـــــي مغــالطة العيون بها لكي * يخـــــفى عـــــقاربه مـــدب صلاله ويظـــــل من ثقـل الضلالة تشتكي * مـــــا يشتكــــيه القلب من أغلاله جعل السهاد رقيب عيني في الدجا * كي لا تــرى في النوم طيف خياله وحفـــــظت فــي يدي اليمين وداده * جـــــهدي وضيـع مهجتي بشماله وأبـــــاح حـــــسادي موارد سمعه * وحميت ورد السمع عن عذاله10 أغـــــراه تـــأنيسي له بنفاره عنى * وإذلالـــــي بفـــــرط دلالــــــــــــه ولـــــربما عاتبته فيقول لي: قولي * يكـــــذبـــــه بفتـــــح فـــــعالـــــه كمعـــــاشر أخـــــذ النـبي عهودهم * واستحسنوا الغـدر الصراح بآله خـــــانوه فــي أمواله وزروا على * أفعالـــــه وعـــــصوه في أقواله هــــــذا (أمير المؤمنين) ولم يكن * في عصره من حاز مثل خصاله5 العـــــلم عــــند مقاله والجود حـــ * ــين نـــــواله والبــأس يوم نزالـه وأخــــوه من دون الورى وأمينـه * قـــــدما عــلى المخفي من أحواله وصـــــاهم بولايـــــة فكـــــأنمـــــا * وصـــــاهم بخـــــلافـــــه وقتـــاله
/ صفحة 344 / واستنقصوا الدين الحنيف بكتمهم * يــــوم (الغدير) وكان يوم كماله ] أخذنا هذه القصائد من كتاب (الرائق) لسيدنا العلامة السيد أحمد العطار و قد ذكر فيه شطرا مهما من شعر الملك الصالح في العترة الطاهرة ولعله جل ما فيهم ] . * (الشاعر) * : أبو الغارات الملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين طلايع بن رزيك بن الصالح الأرمني (1) أصله من الشيعة الإمامية في العراق كما في [ أعلام الزركلي ]. هو من أقوام جمع الله سبحانه لهم الدنيا والدين، فحازوا شرف الدارين، وحبوا بالعلم الناجع والأمرة العادلة، بينا هو فقيه بارع كما في [ خواص العصر الفاطمي ] وأديب شاعر مجيد كما طفحت به المعاجم، فإذا به ذلك الوزير العادل تزدهي القاهرة بحسن سيرته، وتعيش الأمة المصرية بلطف شاكلته، وتزدان الدولة الفاطمية بأخذه بالتدابير اللازمة في إقامة الدولة وسياسة الرعية ونشر الأمن وإدامة السلام، وكان كما قال الزركلي في [ الأعلام ] وزيرا عصاميا يعد من الملوك، ولقب بالملك الصالح، ولقد طابق هذا اللفظ معناه كما ينبئك عنه تاريخه المجيد، فلقد كان صالحا بعلمه الغزير وأدبه الرايق، صالحا بعدله الشامل وورعه الموصوف، صالحا بسياسته المرضية وحسن مداراته مع الرعية، صالحا بسيبه الهامر ونداه الوافر، صالحا بكل فضايله وفواضله دينية ودنيوية، وقبل هذه كلها تفانيه في ولاء أئمة الدين عليهم السلام و نشر مآثرهم ودفاعه عنهم بفمه وقلمه ونظمه ونثره، وكان يجمع الفقهاء ويناظرهم في الإمامة والقدر، وكان في نصر التشيع كالسكة المحماة كما في (الخطط والشذرات ). وله كتاب [ الاعتماد (2) في الرد على أهل العناد ] يتضمن إمامة أمير المؤمنين عليه السلام والكلام على الأحاديث الواردة فيها، وديوانه مجلدان فيه كل فن من الشعر، وقد شرح سعيد بن مبارك النحوي الكبير المتوفى سنة 569 بيتا من شعر المترجم في عشرين كراسا، وكان الأدباء يزدلفون إلى دسته كل ليلة ويدونون شعره، و العلماء يفدون إليه من كل فج فلا يخيب أمل آمل منهم، وكان يحمل إلى العلويين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بكسر الهمزة وكسر الميم نسبة إلى أرمينية على غير قياس وهي اسم لصقع عظيم واسع. (2) الاجتهاد: في شذرات الذهب.
/ صفحة 345 / في المشاهد المقدسة كل سنة أموالا جزيلة وللأشراف من أهل الحرمين ما يحتاجون إليه من كسوة وغيرها حتى ألواح الصبيان التي يكتب فيها والأقلام وأدوات الكتابة ووقف ناحية (المقس) (1) لأن يكون ثلثاها على الأشراف من بني الحسنين السبطين الإمامين عليهما السلام، وتسعة قراريط منها على أشراف المدينة النبوية المنورة، وجعل قيراطا على مسجد أمين الدولة، وأوقف بلقس بالقليوبية وبركة الحبش (2) و جدد الجامع بالقرافة الكبرى، وبنى الجامع الذي على باب زويلة بظاهر القاهرة و يسمى بجامع الصالح، ولم يترك غزو الأفرنج مدة حياته في البر والبحر، فكانت بعوثه إليهم تترى في كل سنة (3) ولم يزل له صدر الدست وذرى الفخر ونفوذ الأمر وعرش الملك حتى اختار الله تعالى له على ذلك كله الفوز بالشهادة وقتل غيلة في دهليز قصره سنة 556 يوم الاثنين 19 شهر الصيام ودفن في القاهرة بدار الوزارة ثم نقله ولده العادل إلى القرافة الكبرى. كلمات حول المترجم: 1 - قال ابن الأثير في الجزء الحادي عشر من تاريخه (الكامل) ص 103: في هذه السنة (يعني سنة 556) في شعر رمضان قتل الملك الصالح وزير العاضد العلوي صاحب مصر وكان سبب قتله إنه تحكم في الدولة التحكم العظيم واستبد بالأمر والنهي وجباية الأموال إليه لصغر العاضد ولأنه هو الذي ولاه ووتر الناس فإنه أخرج كثيرا من أعيانهم وفرقهم في البلاد ليأمن وثوبهم عليه، ثم أنه زوج ابنته من العاضد فعاداه أيضا الحرم من القصر فأرسلت عمة العاضد الأموال إلى الأمراء المصريين و دعتهم إلى قتله وكان أشدهم عليه في ذلك إنسان يقال له: ابن الداعي، فوقفوا له في دهليز القصر فلما دخل ضربوه بالسكاكين على دهش فجرحوه جراحات مهلكة إلا أنه حمل إلى داره وفيه حياة فأرسل إلى العاضد يعاتبه على الرضا بقتله مع أثره في خلافته فأقسم العاضد أنه لا يعلم بذلك ولم يرض به فقال: إن كنت بريئا فسلم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بفتح الميم ثم السكون كان قبل الاسلام يسمى (أم دنين ). (2) قال الحموي: هي أرض في وهدة من الأرض واسعة طولها نحو ميل مشرفة على نيل مصر خلف القرافة وقف على الأشراف. (3) الخطط ج 4 ص 81 وص 324، تحفة الأحباب للسخاوي ص 176.
/ صفحة 346 / عمتك إلى حتى أنتقم منها فأمر بأخذها فأرسل إليها فأخذها قهرا واحضرت عنده فقتلها ووصى بالوزارة لابنه رزيك ولقب العادل فانتقل الأمر إليه بعد وفاة أبيه، وللصالح أشعار حسنة بليغة تدل على فضل غزير فمنها في الافتخار: أبى الله إلا أن يدوم لـــنا الدهـــــر * ويخــــدمنا في ملكنا العز والنصر عـــــلمنـــــا بأن المال تفنى ألوفه * ويبقى لـــنا من بعده الأجر والذكر خلطـــنا النـــدى بالباس حتى كأننا * سحاب لديه البرق والرعد والقطر قـــــرانا إذا رحنا إلى الحرب مرة * قـــرانا ومن أضيافنا الذئب والنسر كمـــــا أنــنا في السلم نبذل جودنا * ويـــــرتع فـــي أنعامنا العبد والحر وكان الصالح كريما فيه أدب وله شعر جيد وكان لأهل العلم عنده اتفاق، ويرسل إليهم العطاء الكثير، بلغه أن الشيخ أبا محمد بن الدهان النحوي البغدادي المقيم بالموصل قد شرح بيتا من شعره وهو هذا: تجنب سمعي ما يقول العــــــواذل * وأصبح لي شغل من الغز وشاغل فجهز إليه هدية سنية ليرسلها إليه فقتل قبل إرسالها، وبلغه أيضا أن إنسانا من أعيان الموصل قد أثنى عليه بمكة فأرسل إليه كتابا يشكره ومعه هدية، وكان الصالح إماميا لم يكن على مذهب العلويين المصريين، ولما ولى العاضد الخلافة وركب سمع الصالح ضجة عظيمة فقال: ما الخبر ؟ فقيل: إنهم يفرحون فقال: كأني بهؤلاء الجهلة وهم يقولون: ما مات الأول حتى استخلف هذا. وما علموا أنني كنت من ساعة استعرضهم استعراض الغنم قال عمارة (1): دخلت على الصالح قبل قتله بثلاثة أيام فناولني قرطاسا فيه بيتان من شعر وهما: نحـــــن في غـــفلة ونوم وللموت * عـــــيون يقـــــظانة لا تـــــنـــــام قــــد رحلـــــنا إلــى الحمام سنينا * ليت شعري متى تكون الحمام ؟! فكان آخر عهدي به. وقال عمارة أيضا: ومن عجيب الاتفاق إنني أنشدت ابنه قصيدة أقول فيها: أبوك الذي تسطو الليالي بحده * وأنــــت يمين إن سطا وشمال ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أحد شعراء الغدير في القرن السادس يأتي شعره وترجمته في هذا الجزء.
/ صفحة 347 / لرتبته العــظـمى وإن طال عمره * إليــــك مصيــــر واجـــــب ومنال تخالصك اللحظ المصون ودونها * حجــاب شريف لا انقضى وحجال فانتقل الأمر عليه بعد ثلاثة أيام. 2 - وقال ابن خلكان في تاريخه ج 1 ص 259: دخل الصالح إلى القاهرة و تولى الوزارة في أيام الفائز، واستقل بالأمور وتدبير أحوال الدولة، وكان فاضلا محبا لأهل الفضايل، سمحا في العطاء سهلا في اللقاء جيد الشعر ومن شعره: كــــم ذا يرينا الـــدهر من أحداثه * عـــبرا وفيـــنا الصد والاعراض ننسى الممات وليس يجري ذكره * فيــنـــا فتذكــــرنـــا به الأمراض ومنه أيضا: ومهفـهف ثمل القوام سرت إلى * أعــــطافه النـشوات من عينيه ماضــي اللحاظ كأنما سلت يدي * سيــــفي غداة الروع من جفنيه قـــــد قلت إذ خط العذار بمسكه * فـــــي خـــــده ألفيـــــه لا لامـيه : ما الشعر دب بعارضيه وإنما * أصداغــــــه نفضـت على خديه النـــاس طوع يدي وأمري نافذ * فيهـــــم وقلــبي الآن طوع يديه فأعجـــــب بسلطــان يعم بعدله * ويجـــــور سلطـان الغرام عليه والله لـــــولا اسم الفــرار وإنه * مستقـــــبح لفـــــررت منه إليه وأنشد لنفسه بمصر: مشيبك فقد نضا صبغ الشباب * وحـــــل الباز في وكر الغراب تـــنام ومقــــلة الحدثان يقظى * ومـــــا ناب النوائب عنك ناب وكيــف بقاء عمرك وهو كنز * وقـد أنفقت منه بلا حساب ؟ ! وكان المهذب عبد الله بن أسعد الموصلي نزيل حمص قد قصده من الموصل و مدحه بقصيدته الكافية التي أولها: أمـــــا كفـــــاك تـــــلاقي في تلاقيكا * ولســـــت تقـــــم إلا فـــــرط حبـيكا وفيــــم تغـضب إن قال الوشاة سلا * وأنــــت تعلم أني لست أسلوكا ؟ ! لا نلت وصلك إن كان الذي زعموا * ولا شفــــى ظمأي جواد ابن رزيكا
/ صفحة 348 / وهي من نخب القصايد. 3 - قال المقريزي في (الخطط) ج 4 ص 81 - 73: زار الملك الصالح مشهد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في جماعة من الفقراء وإمام مشهد علي رضي الله عنه يومئذ السيد ابن معصوم (1) فزار طلايع وأصحابه وباتوا هنالك فرأى السيد في منامه الإمام صلوات الله عليه يقول له: قد ورد عليك الليلة أربعون فقيرا من جملتهم رجل يقال له: طلايع بن رزيك من أكبر محبينا فقل له: إذهب فإنا قد وليناك مصر. فلما أصبح أمر من ينادي: من فيكم اسمه طلايع بن رزيك ؟ فليقم إلى السيد ابن معصوم. فجاء طلايع إلى السيد وسلم عليه فقص عليه رؤياه، فرحل إلى مصر وأخذ أمره في الرقي، فلما قتل نصر بن عباس الخليفة الظافر إسماعيل استثارت نساء القصر لأخذ ثاراته بكتاب في طيه شعورهن، فحشد طلايع الناس يريد النكبة بالوزير القاتل، فلما قرب من القاهرة فر الرجل ودخل طلايع المدينة بطمأنينة وسلام، فخلعت عليه خلايع الوزارة ولقب بالملك الصالح، فارس المسلمين، نصير الدين، فنشر الأمن وأحسن السيرة. [ ثم ذكر حديث قتله (2) ] وقال: كان شجاعا كريما جوادا فاضلا محبا لأهل الأدب جيد الشعر رجل وقته فضلا وعقلا وسياسة وتدبيرا، وكان مهابا في شكله، عظيما في سطوته، وجمع أموالا عظيمة، وكان محافظا علي الصلوات فرايضها ونوافلها شديد المغالاة في التشيع صنف كتابا سماه [ الاعتماد في الرد على أهل العناد ] جمع له الفقهاء وناظرهم عليه وهو يتضمن إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام، وله شعر كثير يشتمل على مجلدين في كل فن فمنه في اعتقاده: يــا أمة سلكـــت ضـــــلالا بــينا * حتى استوى إقرارها وجحودها قلتم: ألا إن المعاصي لم تكــن * إلا بتقـــــدير الإلـــــه وجــــودها لـو صح ذا كان الإله بزعــمكم * منع الشريعة أن تقام حــــدودها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) قال السيد ابن شدقم في (تحفة الأزهار ): كان أبو الحسن بن معصوم ابن أبي الطيب أحمد سيدا شريفا جليلا عظيم الشأن رفيع المنزلة كان في المشهد الغروي كبيرا عظيما ذا جاه وحشمة ورفعة وعز واحترام عليه سكينة ووقار. ا ه. وهو جد الأسرة الكريمة النجفية المعروفة اليوم ببيت خرسان. (2) راجع كتابنا شهداء الفضيلة ص 58.
/ صفحة 349 / حــــاشــا وكلا أن يكون إلهنا * ينهى عن الفحشاء ثم يريدها وله قصيدة سماها [ الجوهرية في الرد على القدرية ]. ثم قال: ويروى أنه لما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها قال: هذه الليلة ضرب في مثلها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وأمر بقراءة مقتله واغتسل وصلى مائة وعشرين ركعة أحيى بها ليله وخرج ليركب فعثر وسقطت عمامته واضطرب لذلك وجلس في دهليز دار الوزارة فأحضر ابن الصيف وكان يلف عمايم الخلفاء والوزراء وله على ذلك الجاري الثقيل ليصلح عمامته وعند ذلك قال له رجل: إن هذا الذي جرى يتطير منه فإن رأى مولانا أن يؤخر الركوب فعل. فقال: الطيرة من الشيطان وليس إلى التأخير سبيل. ثم ركب فكان من أمره ما كان. وقال في ج 2 ص 284: قال ابن عبد الظاهر: مشهد الإمام الحسين صلوات الله عليه قد ذكرنا أن طلايع بن رزيك المنعوت بالصالح كان قد قصد نقل الرأس الشريف من عسقلان (1) لما خاف عليها من الفرنج وبني جامعه خارج باب زويلة ليدفنه به و يفوز بهذا الفخار فغلبه أهل القصر على ذلك وقالوا: لا يكون ذلك إلا عندنا فعمدوا إلى هذا المكان وبنوه له ونقلوا الرخام إليه وذلك في خلافة الفائز على يد طلايع في سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وسمعت من يحكي حكاية يستدل بها على بعض شرف هذا الرأس الكريم المبارك وهي: أن السلطان الملك الناصر رجمه الله لما أخذ هذا القصر وشي إليه بخادم له قدر في الدولة المصرية وكان ببده زمام القصر وقيل له: إنه يعرف الأموال التي بالقصر والدفائن فأخذ وسئل فلم يجب بشئ وتجاهل فأمر صلاح الدين نوابه بتعذيبه فأخذه متولي العقوبة وجعل على رأسه خنافس وشد عليها قرمزية، وقيل: إن هذه أشد العقوبات، وإن الانسان لا يطيق الصبر عليها ساعة إلا تنقب دماغه وتقتله ففعل ذلك به مرارا وهو لا يتأوه وتوجد الخنافس ميتة فعجب من ذلك وأحضره وقال له: هدا سر فيك ولا بد أن تعرفني به. فقال: والله ما سبب هذا إلا أني لما وصلت رأس الإمام الحسين حملتها. قال: وأي سر أعظم من هذا. وراجع في شأنه فعفا عنه. إنتهى. 4 - وقال الشعراني في مختصر تذكرة القرطبي ص 121: قد ثبت أن طلايع ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر يقال لها: عروس الشام.
/ صفحة 350 / ابن رزيك الذي بنى المشهد بالقاهرة نقل الرأس إلى هذا المشهد بعد أن بذل في نقلها نحو أربعين ألف دينار، وخرج هو وعسكره فتلقاها من خارج مصر حافيا مكشوف الرأس هو وعسكره، وهو في برنس حرير أخضر في القبر الذي هو في المشهد موضوعة على كرسي من خشب الآبانوس، ومفروش هناك نحو نصف أردب من الطيب كما أخبرني بذلك خادم المشهد، إلى أن قال في ص 122: فزر يا أخي هذا المشهد بالنية الصالحة إن لم يكن عندك كشف فقول الإمام القرطبي: إن دفن الرأس في مصر باطل صحيح في أيام القرطبي فإن الرأس إنما نقلها طلايع ابن رزيك بعد موت القرطبي: قال الأميني: هذا التصحيح لقول القرطبي يكشف عن جهل الشعراني بترجمة القرطبي وطلايع، وقد خفي عليه أن القرطبي توفي سنة 671 بعد وفاة طلايع الملك الصالح بمائة وخمس عشر سنة فإنه توفي سنة 556 ونطفة القرطبي لم تنعقد بعد. ثم مشهد رأس الحسين الذي بناه طلايع احترق سنة 740 فأعيد بناؤه مرارا وأخيرا أقيم في جواره جامع حتى إذا كانت أيام الأمير عبد الرحمن كخيا أحد أمراء المماليك فأعيد بناء المشهد الحسيني في أواخر القرن الماضي للميلاد وبعد ذلك أعيد بناؤه برمته في أيام الخديوي السابق، ولم يبق من البناء القديم إلا القبة المغطية لمقام الإمام فأصبح على ما نشاهده الآن وهو الجامع المعروف بجامع سيدنا الحسين (1). ولادته ووفاته، مدايحه ومراثيه : ولد الملك الصالح سنة خمس وتسعين وأربعمائة ومدحه الفقيه عمارة اليمني (الآتي ذكره) بقصايد توجد في كتابه (النكت العصرية) منها: دعـــــوا كـل برق شمتم غير بارق * يلـــوح على الفسطاط صادق بشره وزوروا المــقام الصالحي فكل من * على الأرض ينسى ذكره عند ذكره ولا تجعـــلوا مقصودكم طلب الغنى * فتجــــــنوا على مجد المقام وفخره ولكـن سلوا منه العلى تظفروا بها * فكـــــل أمري يرجى على قدر قدره ومدحه في شعبان سنة 505 بقصيدة منها: قصدتك من أرض الحطيم قصائدي * حـــــادي ســـــراها سنـــــة وكتاب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تاريخ مصر الحديث ج 1 ص 298.
/ صفحة 351 / إن تســـــألا عما لقـــيت فإنني * لا مخـــــفق أمــــلى ولا كـذاب لم أنتجع تمد النطاف ولم أقف * بمـــــذانب وقـــفت بها الأذناب وقال يمدحه: أعــنــــدك أن وجدي واكتئابي * تراجع مذ رجعت إلى اجتنابي؟! وإن الهجـــــر أحدث لي سلوا * يسكـــــن بـــرده حر التهابي ؟ ! وإن الأربعـــــين إذا تـــــولـت * بريعـان الصبا قبح التصابي ؟ ! ولـــــو لــم ينهني شيب نهاني * صباح الشيـــــب في ليل الشباب وأيـــــام لهـــــا فـــي كل وقت * جنـــــايات تجـــــل عن العتاب 5 أقضيــــها وتحسب من حياتي * وقـــــد أنفـقـــتـــهن بـــلا حساب وقـــــد حـــالت بنو رزيك بيني * وبـــــين الــدهر بالمنن الرغاب ومنها: ولـولا الصالح انتاش القواقي * لكـــان الفــــضل مجتنب الجناب وكنـــــت وقـــــد تخيره رجائي * كمن هجر السراب إلى الشراب ولم يخفـــــق بحـمد الله سعيي * إلى مصر ولا خاب انتخابي 10 ولكـــــن زرت أبلــــج يقتضيه * نـــــداه عــــمارة الأمل الخراب ومنها: أقمت الناصر (1) المحيي فأحيى * رســـــوما كـــــن كالـرسم اليباب وبث العـــــدل فــي الدنيا فأضحى * قـــــطيع الشـــــاء يــأنس بالذئاب وأنـــــت شهـــــاب حق وهو منه * بمنـــــزلة الضـــــياء من الشهاب سعـــــى مسعــاك في كرم وبأس * وشـــــب على خلائقك العـذاب 15 فأصبـــــح معـــــلم الطــرفين لما * حـــــوى شـرف انتساب واكتساب وصنـــــت الملك من عزمات بدر * بمـــــيمون النقـــــيبة والـــــركاب بـــــأورع لـــــم يـــزل في كل ثغر * زعـــــيم القـــــب مضروب القباب مخـــــوف البأس في حرب وسلم * وحـــــد السيف يخشى في القراب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) هو الملك الناصر العادل بن الصالح بن رزيك -
/ صفحة 352 / وقال يمدحه بقصيدة أولها: إذا قــدرت عــــلــى العلياء بالغلب * فـــلا تعــــرج عـلى سعي ولا طلب واخطب بألسنة الأغماد ما عجزت * عــن نـيله ألسن الأشعار والخطب ويقول فيها: ألـــقــى الكــفيل أبو الغارات كلكــــه * عـــلـــى الزمان وضاعت حيلة النوب وداخــــــــلت أنــــفس الأيام هيبــــته * حتى استرابت نفوس الشك والريب 5 بث الندى والـــــردى زجــرا وتكرمة * فكـــــل قـــــلب رهيـــــن الـــــرعــــب في الرعب فما لحامل سيف أو مثقفة * سوى التحـــــمل بين الناس من إرب لمـــــا تمـــــرد بهـــــرام وأســـــرتـه * جـــــهلا وراموا قـــراع النبع بالغرب صدعــــت بالناصر المحبي زجاجتهم * وللزجاجـــــة صـــــدع غــــير منشعب أسرى إليهم ولو أسرى إلى الفلك الأعــ * ــلى لخـــافت قلوب الأنجم الشهب 10 في ليلــة قدحت زرق النصال بها * نارا تشـــــب بأطـــــراف القنا الأشب ظـــــنوا الشجــــاعة تنجيهم فقارعهم * أبـــــو شجـــاع قريع المجد والحسب سقـــــوا بأســـكر سكرا لا انقضاء له * مـــن قهوة الموت لا من قهوة العنب ومنها: لله عزمة محيـــــي الــدين كم تركت * بتـــــربة الحـــي مـن خد امرئ ترب سمـــــا إليهـــــم سمو البدر تصحبه * كواكب من سحـــاب النقع في حجب 15 في فتية من بني رزيك تحسبهم * عن جانـبـيــه رحى دارت على قطب وقال يمدحه بقصيدة منها: هـــــل القـــــلب إلا بضـــعة يتقلب ؟ * لـــــه خاطر يرضى مرارا ويغضب أم النــــفس إلا وهـــــدة مطمئــــنـة * تفيض شعاب الهم منها وتنضب ؟! فـــــلا تلزمن النـــاس غير طباعهم * فتتعـــــب مــن طول التعاب ويتعبوا فـــــإنك إن كشفـــــتهم ربـما انجلي * رمادهـــــم مـــــن جـــــمرة تــتلهب فتـــــاركهم ما تـــــاركوك فـــــإنـهم * إلى الشر مذ كانوا من الخير أقرب ولا تغـــــترر منـــهم بحسن بشاشة * فأكثــــر إيـــــماض البــــوارق خلب
/ صفحة 353 / كـــــأن القـــــوافي حيــــن تدعى لشكرهم * على الجمر تمشي أو على الشوك تسحب واصـــــغ إلى ما قـــــلته تنـــــتفـــــع بـــه * ولا تطـــــرح نصـــــحي فـــــأني مجـــــرب فمـــــا تـــــنكر الأيـــــام معـــــرفتي بــــها * ولا إنـــــنـــــي أدرى بـــــهــــــــــن وأدرب وإنـــــي لأقـــــوام جـــــذيل محـــــكــــــــك * وإنـــــي لأقـــــوام عـــــذيـــــق مــرجـــــب عـــــليم بمـــــا تــــرضى المروءة والتـقى * خبـــــير بمـــــا آتـــــي ومـــــا أتجــنب 10 حلبـــــت أفـــــاويق الـــــزمان بـــراحـــــة * تـــــدر بهـــــا أخـــــلافه حـــــين تخـــــلب وصـــــاحبت هـــــذا الــدهر حتى لقد غدت * عجـــــائبه مـــــن خـــــبرتي تـــــتعجـــــب ودوخـــــت أقـــــطار البـــــلاد كـــــأنـــــني * إلـــــى الريح اعزي أو إلى الخضر أنسب وعـــــاشرت أقـــــواما يـــــزيدون كــــثرة * عـــــلى الألـف أوعد الحصى حين يحسب فمـــــا راقـــــني فـــــي روضـهم قط مرتع * ولا شاقـــــني فـــي وردهم قط مشرب 15 تـــــراني وإيـــــاهم فـــــريقيــن كـــــلـــــنا * بمـــــا عـــــنـــــده من عزة النفس معجب فعـــــندهم دنـــــيا وعـــــندي فضـــــيلـــــة * ولا شـــــك إن الفـــــضل أعـــــلى وأغلب عـــــلى أن ما عـــــندي يـــــدوم بــقـــــاؤه * عـــــلي ويفـــــني المـــــال عــنهم ويذهب أنـــــاس مضـــــى صـدر من العمر عندهم * اصعـــــد ظـــــني فيـــــهـــــــم وأصـــــوب رجـــــوت بهـــــم نـــــيل الغــــــني فوجدته * كـــــما قيل في الأمثال: عنقاء مغرب 20 وكســـــل عـــــزم المـــــدح بعـــــد نشاطه * نـــــدى ذمـــــه عـــــندي من المدح أوجب كـــــأن القـــــوافي حـــــين تدعى لشكرهم * على الجمر تمشي أو على الشوك تسحب أفـــــوه بحـــــق كـــــلما رمـــــت ذمـــــهـم * ومـــــا غـــــير قـــول الحق لي قط مذهب وأصـــــدق إلا أن أريـــــد مديحـــــهــــــــم * فـــــإني علـــــى حـــــكم الضــرورة أكذب ولـــــو عـــــلموا صـــــدق المـــدائح فيهم * لكـــــانت مســـــاعـيهم تهش وتطرب 25 ولكـــــن دروا أن الـــــذي جـــــاء مـــادحا * بغـــــير الـــــذي فيـــــهم يســـــب ويـثلب ومـــــا زال هـــــذا الأمـــــر دأبـــي ودأبهم * أغـــــالب لـــــومي فيـــــهم وهـــو أغلب إلى أن أذلتـــــنـــــي الليـــــالـــي وأعـتـبت * ومـــــا خلتـــــها بعـــــد الاســـــاءة تعتب فهـــــاجرت نحـــــو الصـــالح الملك هجرة * غـــــدت سبـــــبا للأمــــــن وهو المسبب وقال يمدحه من قصيدة: هـــــي البـــــدر مـــــن سنــة البدر أملح * وغـــــرتها مـــــن غــــرة الصبح أصبح
/ صفحة 354 / منعـــــمة تسبـــــي العـــــقـــــول بصورة * إلى مثلها لب الجـــــوانح يجـــــنـــح كـــــأن الظـــــباء العــــفر يحكين جيدها * ومقـــــلتها فـــــي حيـن ترنو وتسنح كـــــأن اهتــراز الغصن من فوق ردفها * هضيـــــم بأعـــــلى رملـــــة يتـــرنح 5 تعـــــلمت مـــن حبي لها عزة الهوى * وقـــــد كنـــــت فيـــــه قبلـــها أتسمح وهيـــــج نـــــار الوجــد والشوق قولها * أحتـــــى إلى الجوزاء طرفك يطمح؟! فلا جفـــــن إلا مـــــاؤه ثـــــم يســـــفح * ولا نـــــار إلا زنـــــدها ثـــــم يـــــقـدح وما عـــــلمت أنـــــي إذا شفني الهوى * إليهـــــا بدعـــــوى الصبـــر لا أتبجــح وإن اعـــــتـــــرافي بالتـــــأخر حيث لا * يقـــــدمني فضـــــل أجـــــل وأرجــــــح 10 ألم تر فضل الصالح الملك لم يدع * عـلـى الأرض من يثني عليه ويمدح؟! كـــــأن مساعـــــي جملة الخلق جملة * غـــــدت بمساعـــــيه الحــــميدة تشرح تجمـــــع فـــــيه مـــا تفرق في الـورى * عـــــلى إنـــــه أسـنى وأسمى وأسمح يرجـــــى النـــــدى منــه فيغني ويسمح * ويخـــــشى الـردى منه فيعفو ويصفح لـــــه كـــــل يـــــوم منـــــة مستجـــــدة * يضـــــوع جـــــميل الــذكر منها وينفح وقال يمدحه من قصيدة: من كـــان لا يعشق الأجياد والحدقا * ثـــــم ادعـــــى لـذة الدنيا فما صدقا في العشق معنى لطيف ليس يعرفه * مـــــن البريـــــة إلا كــل من عشقا لا خفـــــف الله عـــــن قلبي صبابته * للغـــــانيات ولا عـــن طرفي الأرقا ويقول فيها: لو كنت أملك روحي وارتضيت بها * بذلتهـــــا لـــــك لا زورا ولا ملقـــا وإنـــــما الصـالح الهادي تمـــلكها * بفيـــض جـــود رعى آماله وسقى واقتادها الحظ حتى جاورت مـــلكا * تـمسي ملـــوك الليالي عنده سوقا قال يمدحه وولده وأخاه فارس المسلمين: أبيض مجردة ؟ ! أم عيون * تسل وأجفانهن الجفون ؟! عجـــبت لهـــــا قضبا باتره تصــــول بها المقل الفاتره
/ صفحة 355 / فتغـــــدو لأرواحنـــــا واتــــره ظبـــــاء فتــــكن بأسد العرين * وغـــــائرة خــرجت من كمين إذا مـا هـــــززن رماح القدود حميـــــن النفوس لذيذ الورود حياض اللمى ورياض الخدود فلا تطمعــنك تلـك الغــــصون * فـــإن كـــــثيــب نقاها مصون وفيهن فتـــــانة لـــــم تــــــزل أوامـــــر مقـــــلتها تمتـــــثـل ومن أجل سلطانها في المقل تقول لها أعين الناظـــــــرين * إذا ما رنت: ما الذي تأمرين؟ منعـــــمة ردفـــــها مخـــصب وما اهتز من خصرها مجـذب مقسمـــــة كـــــلها يعـــــجــب فجسم جرى فيه ماء معــــين * وقلـــــب غــدا صخرة لا تلين أمـــــا وعلى الصالح الأوحد ردى المعتدي وندى المجتدي وجعد العـــــقوبة سمـــط اليد ومن نصر العترة الطاهرين * ونعـــم النصير لهم والمعين لقــد شرفت مصر والقاهره بأيـــــام دولتـــــه القـــاهره وأصبـــــح للـدولة الطاهره بعزم ابن رزيك فتح مبـــين * وعزم ابنه ناصر الناصرين إذا مـــــا بـدا الملك الناصر بدت شيم ما لهـــــا حـــاصر يطـــــول بهــا الأمل القاصر
/ صفحة 356 / كـــريم السجية طلق الجبين * بـــــرى الله كــلتا يديه يمين فتـــــى شــــأو همتـه لا ينال فماذا عسى في علاه يقال؟! وقد حاز أنهى صفات الكمال وخـــــولـــــه الله دنـــيا ودين * وأصخـــــى لـه كل خلق يدين فـــــلا زال ظـــــل أبــيه مديد مدى الدهر في دولـة لا تميد وبلـــــغ فــــي نفسه ما يريد وإخــوته الســـــادة الأكرمين * وفي عمهم فارس المسلمين وقال يمدح الصالح ويرثي أهل البيت عليهم السلام: شـــــأن الغرام أجل أن يلحاني * فيـــه وإن كنت الشفيق الحاني أنا ذلك الصب الــــذي قطعت به * صلــــة الغرام مطامع السلوان ملئـــــت زجاجة صدره بضميره * فبـــــدت خفـــــية شـأنه للشاني غدرت بموثقها الدموع فغادرت * ســـري أسيــــرا في يد الاعلان 5 عـنـفــت أجفاني فقام بعذرها * وجـــــد يبـيـح ودائـــــع الأجـفان ومنها: يا صاحبي وفي مجــــانبة الهــــوى * رأي الرشاد فما الـــذي تريان ؟! بـــــي ما يـــذود عــن التسبب أوله * ويزيل أيـــــسره جنــــــون جناني قبضــــــت على كف الصبابة سلوة * تــنهى النهى عن طاعة العصيان أمســـــي وقلبـــــي بين صبر خاذل * وتجـــــلـــــد قـــــاص وهـــــم دان 10 قـــد سهلت حزن الكلام لنادب * آل الـــــرسول نواعــــب الأحـزان فابـــــذل مشايعـــة اللسان ونصره * إن فـــــات نصـــــر مهنـــد وسنان واجعل حديث بني الوصي وظلمهم * تشبــيــــب شكوى الدهر والخذلان غــــصبـــــت أميـــة إرث آل محمد * سفـــــها وشنـــــت غـــارة الشنآن وغــــدت تخالف في الخلافة أهلها * وتقـــــابل البـــــرهــــان بالبــهتان
/ صفحة 357 / لم تقــتـــنــــــع أحـــلامها بركوبها * ظـــهر النفاق وغارب العدوان 15 وقعـــــودهم فـــــي رتبة نبـــــويـة * لـــــم يبـــــنها لهـــــم أبــــو سفيان حتـــــى أضـــــافوا بعـــد ذلك أنهم * أخـــــذوا بـــــثار الكـفر في الإيمان فأتـــــى زيـــــاد في القبـــيح زيادة * تركـــــت يـــــزيد يـزيد في النقصان حـــــرب بــنو حرب أقاموا سوقها * وتشبـــــهت بهـــــم بـــــنو مــروان لهـــــفي عــلــى النفر الذين أكفهم * غـيـث الورى ومعونة اللهفان 20 أشـــــلاؤهم مـــــزق بكـــــل ثــنية * وجـــــسومهم صـــرعى بكل مكان مـــــالت عـــــليهم بالتــــمالئ أمة * باعـــــت جــــزيل الربح بالخسران دفعـوا عن الحق الذي شهدت لهم * بالنـــــص فيـــــه شواهــــد القرآن ما كـــــان أولاهـــــم به لــو أيدوا * بالصـــــالح المخـــــتار مـن غسان أنســـــاهم المخــــتار صدق ولائه * كـــــم أول أربـــــى عليه الثاني 25 وقضى شاعرنا الملك الصالح شهيدا يوم الاثنين تاسع عشر من شهر رمضان سنة ست وخمسين وخمسمائة ورثاه الفقيه عمارة اليمني بقصيدة أولها: أفـــــي أهـل ذا النادي عليم أسائله ؟ ! * فـــــإني لمـــــا بــــي ذاهب اللب ذاهله سمعـــــت حـــــديثا أحـــسد الصم عنده * ويذهـــــل واعـــــيه ويخـــــرس قــاتله فهـــــل من جـــواب يستغيث به المنى * ويعلو على حق المصيبة باطله ؟ ! ؟ ! وقـــــد رابني مـــــن شاهد الحال إنني * أرى الدســـــت منصوبا وما فيه كافله فهـــل غـــاب عنه واستناب سليله ؟ ! * أم اختار هجرا لا يرجى تواصله ؟ ! 5 فإنـــــي أرى فـــــوق الوجـــــوه كـآبة * تـــــدل عـــــلى أن الـــــوجوه ثـــواكله ويقول فيها: دعوني فما هـــــذا أوان بكــــــائه * سيأتيكم طـــل البكـــاء ووابلـــــه ولا تـــــنكروا حـــزني عليه فإنني * تقـــــشع عـــــني وابـل كنت آمله ولم لا نبكـــــيه ونـــــندب فقــــــده * وأولادنا أيتامـــــه وأراملــــه ؟ ! فيــاليت شعـــري بعد حسن فعاله * وقد غاب عناما بنا الله فاعله 10 أيـــــــكرم مثوى ضيفكم وغريبكم * فيمكث أم تطوى ببين مراحله ؟ !
/ صفحة 358 / ومنها: فيا أيها الدست الــذي غـــــاب صـــــدره * فمـــــاجت بـــــلاياه وهاجـــــت بلابـــــله عهدت بـــــك الطـــــود الذي كان مفزعا * إذا نـــــزلت بالملـــــك يومـــــا نوازلــــه فمن زلـــزل الطود الذي ساخ في الثرى * وفي كـل أرض خـــــوفه وزلازلـــــه ؟ ! 15 ومـــن سد باب الملك والأمر خارج * إلى سائـــــر الأقـــــطار منه وداخله ؟ ! ومن عـــــوق الغـــــازي المجاهد بعدما * أعدت لغزو المشـــــركين جحــــافله ؟ ! ومـــــن أكـــــره الـرمح الرديني فالنوى * وأرهقه حتـــــى تحـــــطم عـــــاملــه ؟ ! مـــــن كسر العـــــضب المهـــند فاغتدى * وأجفانه مطروحة تحـــــطم حــمائله ؟ ! ومـــــن سلـــــب الاســـــلام حليــة جيده * إلـى أن تشكى وحشة الطرق عاطله ؟ ! 20 ومن أسكت الفضل الذي كان فضله * خطيـــــبا إذا التفت عـــــلــيه محافله ؟ ! ومـــــا هـــــذه الضــوضاء من بعد هيبة * إذا خـــــامرت جسـما تخلت مفاصله ؟ ! كـــــأن أبا الغـــــارات لـــــم يشــن غارة * يـــــريك ســـــواد الليـــــل فيها قساطله ولا لمعـــــت بـــــين العجـــــاج نصـــوله * ولا طـــــرزت ثـــــوب الفــجاج مناصله ولا صـــــارفي عـــــالي ركــــابيه موكب * ينـــــافس فيـــــه فـــــارس الخيل راجله 25 ولا مـــــرحت فـــوق الدروع يراعه * كمـــــا مـــرحت تحت السروج صواهله ولا قـــــسمت ألحـــــاظه بـــــين مخـلص * جـــــميل السجـــــايا أو عـــــدو يجامله ولا قـــــابل المحـــــراب والحــرب عاملا * مـــــن الـــبأس والاحسان ما الله قابله تعجبـــــت من فعـــــل الزمـــــان بنــفسه * ولا شـــــك إلا أنـــــه جـــــن عـــــاقــله بمـــــن تفخـــــر الأيـــــام بعـــــد طـــلائع * ولـــــم يـــــك فـي أبنائها من يماثله ؟ ! 30 أتـنـزل بالهـــــادي الكـــفيل صروفها * وقـــــد خيـمت فوق السماك منازله ؟ ! وتسعـــــى المنــــايا منه في مهجة امرئ * سعـــــت همــــم ؟ الأقدار فيما تحاوله ورثاه بقصيدة أخرى منها: تنكد بعـــد الصـالح الدهر فاغتدت * مجــــالس أيامي وهــــن غـــيوب أيجــــدب خـدي من ربيع مدامعي * وربعي من نعمي يديه خصيب ؟ ! وهل عنده أن الدخيل من الجـوى * مقـــيـــم بقلبي ما أقام عسيب ؟ !
/ صفحة 359 / وإن برقـــــت سني لذكر حكايـــة * فـــإن فـــــؤادي ما حيـــيت كئيب ورثاه بقصيدة أولها: طمع المرء في الحياة غرور * وطـــــويل الآمـال فيها قصير ولكم قـــــدر الفـــــتى فـــأتته * نـــــوب لـــــم يحط بها التقدير منها: فض ختم الحياة عنك حمام * لا يـــراعي إذنا ولا يستشير ما تخـــــطى إلـى جلالك إلا * قـــــدر أمـــــره عـــلينا قدير بذرت عمرك الليالي سفاها * فسيعـــــلمن ما جنى التبذير وقال: ليـــــت يـــــوم الاثنــــــين لم يتبسم * عـــــن محـــــياه للـــــيالي ثغــور طلعـــــت شمـــــسه بـــيوم عبوس * حير الطيـر شـــــره المستطــــــير وتجـــــلى صباحه عـــــن جبــيـــن * إثـــــمد اللـــــيل فـــــوقــه مذرور صبح المجد في صبيحة ذاك الـــيـ * ـــوم غـــــبراء صيلـم عنقفير (1) بلغ الـــــدهر عـــــنـــدها ما تمنى * وعـــــليها كـــــان الزمان يدور 5 حـــــادث ظلـــــت الحـــــوادث مــا * شـــــاهدته مـــــن جــوره تستجير ترجـــــف الأرض حـين يذكر عنه * وتكـــــاد الســـــماء منـــــه تمـور طبـق الأرض من مصاب أبي الغا * رات خـــــطب لـــــه النجــوم تغور ومنها: لـــــك رضـــوان زائر ولقوم * هلكـــــوا فيـــــه منكر ونكير حفـظت عهدك الخلافة حفظا * أنت منها به خليق جدير 10 أحسنـــت بعدك الصنيعة فينا * فاستوت منك غيبة وحضور وأبـــــى الله أن يـــــتم عليها * مــا نوى حاسد لها أو كفور ضيقـــــوا حفرة المكيدة لكن * ضــاق بالناكثين ذاك الحفير ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) صبح القوم صبحا: أتاهم صباحا. صيلم: الأمر الشديد. يقال: وقعد صيلمة أي مستأصلة عنقفير أحسبه مصحف (خنشفير) أي الداهية.
/ صفحة 360 / وتجـــــروا عــــلى القصور بغدر * وســـــراج الوفاء فيـها ينير 15 حـــــرم آمـــــن وشهـــــر حــرام * هتكت منـــــهما عــــرى وستور لا صيـــــام نهـــــاهم لا إمـــــــام * طاهـــــر تـــرب أخـمصيه طهور أخـــــفروا ذمـــة الهدى بعد علم * ويـقـــــين أن الإمـــــام خـــفيـــر وإذا مـــــا وفـــت خدور البوادي * بذمـــــام فــما تقول القصور ؟ ! غـــضــــب العاضد الإمام فكادت * فرقا منه أن تذوب الصخور 20 أدرك الثــــــأر من عـــــداه بعزم * لـــــم يكـن في النشاط منه فتور واستقـــــامت بنـــــصره وهـــداه * حجـــــة الله واستـــــمر المــرير دفن الملك الصالح بالقاهرة ثم نقل ولده العادل سنة سبع وخمسين وخمسمائة في تاسع صفر تابوت أبيه من القاهرة إلى مشهد بني له في القرافة (1) في وزارته وحفر سردابا يوصل فيه من دار الوزارة إلى دار سعيد السعداء وعمل فيه الفقيه عمارة اليمني قصائد منها: خربت ربوع المكرمات لراحل * عــمرت به الأجداث وهي قفار نعــش الجدود العاثرات مشيع * عــميت بـــرؤية نعشه الأبصار نعــش تود بنات نعش لو غدت * ونظـــامها أسفــــا عــــليه نثار شخـص الأنام إليه تحت جنازة * خـــفضت برفـعة قدرها الأقدار ومنها: 5 وكأنها تابوت موسى أودعت * في جـــــانبيه سكيـــــنة ووقـــار أوطـــــنته دار الــــوزارة ريثما * بنـــــيت لنقـــــلته الكــــريمة دار وتغـاير الهرمان والحرمان في * تابوتـــــه وعـــــلى الكـــريم يغار آثرت مصرا منه بالشرف الذي * حـــــسدت قـــرافتها له الأمصار غـضب الإله على رجال أقدموا * جـهلا عليه وآخرين أشاروا 10 لا تعجـــــبن لقـــدار نـاقة صالح * فلكـــــل عـــــصر صـــالح وقدار أحلـــــلت دار كــرامة لا تنقضي * أبـــــدا وحـــــل بقـــاتليــــك بوار ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) جبانة في مصر والكلام فيها طويل بسط القول فيها المقريزي في الخطط ج 4 ص 317.
/ صفحة 361 / وقع القصاص بهم وليسوا مقنعــا * يــرضى وأين من السماء غبار ؟! ضاقــت بهـــم سعة الفجاج وربما * نـــــام الـــــولي ولا يـــــنام الثـــــار فتهـــــن بالأجـــــر الجـزيل وميتة * درجـــــت عـــــليها قبـــــلك الأخـيار 15مات الوصي بها وحمزة عمه * وابـــــن البـــــتول وجعــــفر الطـيار وقال في يوم الخميس وقد نقل الصالح إلى تربته بالقرافة: يا مطـــــلق العـــبرات وهي غزار * ومقيـــــد الـــــزفرات وهـي حرار ما بـــــال دمعـــك وهو ماء سافح * يذكـــــى به مــن حد وجدك نار ؟! لا تتـــــخذني قـــدوة لك في الأسى * فلـــــدي منـــــه مشاعـــر وشعار خفـــــض عـــــليك فـإن زند بليتي * وار وفـــــي صــدري صدى وأوار 5 إن كان في يدك الخيار ؟ فإنني * ولهـــــان لـــــم أتــــرك وما أختار فـــــي كــــل يــوم لي حنين مضلة * يـــــؤدى لها بعـــــد الحــوار حوار عاهـــــدت دمــعي أن يقـر فخانني * قـــــلب لسائلـــــه الهمـــــوم قرار هـــــل عـــــند محتــــقر يسير بل |