فهرس الكتاب

مكتبة الإمام أميرالمؤمنين (ع)

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

 / صفحة 114 /

 

4

عمرو بن العاص

المتوفى سنة 43

 

معـــــاويــــــة الحـــــال لا تجهل * وعــــن سبــــل الحـــــق لا تعدل

نسيت احتيــــــالي فــــي جلــــق * عــــلى أهـلها يوم لبس الحلي ؟

وقد أقبلــــوا زمــــرا يهــرعون * مهاليع كالبــــقر الجــــفــــل (1)

وقولي لهم : إن فرض الصـلاة * بغــــير وجــــودك لــــم تــــقبــــل

فــــولوا ولــــم يعـــبأوا بالصلاة * ورمــــت النــــفار إلـــى القسطل

ولما عــــصيت إمــــام الهــــدى * وفي جــــيشه كــــل مــــستــفحل

أبا البــــقر البــــكم أهـــل الشأم * لأهل التــــقى والحــــجى أبتلي؟

فقــــلت : نعــــم، قــم فإني أرى * قــــتــــال المفــــضل بالأفــــضل

فبي حــــاربوا سيد الأوصــــياء * بقولي : دم طــــل مـــن نعثل(2)

وكــــدت لهم أن أقـاموا الرماح * عليها المصاحف فــــي الـقسطل

وعــــلمتهم كشــــف سوأتــــهم * لرد الغــــضنفــــرة المــــقــــبـــل

فــــقام البغــــاة عــــلى حــــيدر * وكفوا عن المشعــــل المـصطلي

نسيت محــــاورة الأشـــعــــري * ونحن عــــلى دومة الجــــنـــدل؟

أليــــن فيطــــمع فــــي جـــانبي * وسهمي قــــد خـــاض في المقتل

خلعــــت الخــــلافة من حــــيدر * كخــــلع النعــــال مـــن الأرجـــل

وألبستهــــا فيك بعــــد الأيــاس * كـــــلبس الخــــواتــــيم بالأنمــــل

ورقيــــتك المنــــبر المشمخـــر * بلا حــــد سيــــف ولا مــــنصــــل

ولو لــــم تكــــن أنـــت من أهله * ورب المقــــام ولــــــــم تـــــكمل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أهرع : أسرع . الهلع : الجزع . الجفل : النفر والشرد .

 (2) طل الدم : هدر أو لم يثأر له فهو طليل ومطلول ومطل .

 

 

 

/ صفحة 115 /

وسيرت جيش نفــــاق العــــراق * كسير الجـــــنـــــوب مع الشمأل

وســــيرت ذكــــرك في الخافقين * كــــسير الحــــمير مــــع المحمل

وجهلــــك بــي يا بن آكلة الكبود * لأعــــظـــــم مــــا أبــــتــــلــــــــي

فــــلولا مــــوازرتي لــــم تــــطع * ولــــولا وجــــودي لــــم تــــقــبل

ولــــولاي كــــنت كمثـــل النساء * تعــــاف الخــــروج مـــن المنزل

نصــــرناك مــن جهلنا يا بن هند * عــــلى النــــبأ الأعــــظم الأفضل

وحــــيث رفعــناك فوق الرؤوس * نــــزلنا إلــــى أسفــــل الأســــفل

وكــــم قــد سمعنا من المصطفى * وصايــــا مخــــصصة فــي علي؟

وفــــي يــوم " خم " رقى منبرا * يــــبلغ والــــركب لــــم يــــرحــل

وفي كــــفه كفــــه معــــلــــنـــــا * يــــنادي بــــأمر العــــزيز العـلي

ألست بكم منكــــم فـــي النفوس * بــــأولى ؟ فـــــقالوا : بلى فافعل

فأنحله إمــــرة المــــؤمنــــيــــن * من الله مستخــــلــــف المنحــــل

وقــــال : فــــمن كنــت مولى له * فهــــذا له الــــيوم نعــــم الــولي

فــــوال مواليــــه يــــا ذا الجلال * وعــــاد معــــادي أخ المــــرسـل

ولا تنــــقـضوا العهد من عترتي * فــــقــــاطعهم بــــي لــــم يــوصل

فبخــــبخ شيــــخــــك لمــــا رأى * عــــرى عــــقــــد حــيدر لم تحلل

فــــقال : ولــــيكم فاحفــــظــــوه * فــــمدخــــله فــــيكم مــــدخــــلي

وإنــــا ومــــا كان من فعــــلـــنا * لــــفي النار فـــــي الدرك الأسفل

ومــــا دم عــــثمان منــــج لـــنا * مــــن الله فــــي الموقف المخجل

وإن عــــليا غــــدا خــــصمــــنا * ويعــــتــــز بــــالله والمرسـل (2)

يحــــاسبنا عــــن أمــــور جرت * ونحــــن عــــن الحــــق في معزل

فما عــذرنا يوما كشف الغطا ؟ * لك الويــــل منــــه غــــدا ثــــم لي

إلا يــــا بن هــــند أبعـت الجنان * بعــــهــــد عـــهــــدت ولم توف لي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) في بعض النسخ : وبلغ والصحب لم ترحل .

 (2) في رواية الخطيب التبريزي : سيحتج بالله والمرسل .

 

 

 

/ صفحة 116 /

وأخــــسرت أخــــراك كيما تنال * يــــسير الحطــــام مــــن الأجــــزل

وأصبحـــت بالناس حتى استقام * لك المــــلك مــــن مــــلك محــــول

وكنت كمقـتنص في الشراك(1) * تــــذود الظــــماء عــــن المــــنهل

كأنك أنســــيت ليــــل الهــــريــر * بصفين مــــع هــــولهــــا المهـول

وقد بــــت تــــذرق ذرق النـــعـام * حــــذارا مــــن البطــــل المقــــبـل

وحــــين أزاح جــــيوش الضـلال * وافــــاك كــــالأسد المــــبــــســــل

وقــــد ضاق منـــك عليك الخناق * وصــــار بــــك الرحب كالفلفل(2)

وقــــولك: يا عمرو ؟ أين المفر * مــــن الفــــارس القسور المسبل؟

عسى حيلــــة منــــك عـــن ثنيه * فــــإن فــــؤدادي فـــي عــــسعــــل

وشــــاطرتــــني كلما يستــــقــيم * مــــن الملك دهــــرك لــــم يــــكمل

فقمت عــــلى عجلتي رافــــعــــا * وأكــــشف عــــن سوأتي أذيــــلــي

فستــــر عــــن وجهه وانـثــــنى * حــــياء وروعــــك لــــم يــــعــــقــل

وأنــــت لخــــوفك مــــن بـــأسه * هــــناك مــــلأت مــــن الأفــــكل(3)

ولمـــا ملــــكت حمــــاة الأنــــام * ونــــالــت عــــصــــاك يــــــــد الأول

منحــــت لغــــيري وزن الجــبال * ولــــم تعــــطني زنــــة الــــخـــــردل

وأنــــحلت مصرا لعبد الملك(4) * وأنــــت عــــن الغــــي لــــم تعــــدل

وإن كنت تــــطــــمع فيها فـــــقد * تخــــلى الــــقطا مــــن يـد الأجــــدل

وإن لم تسامــــح إلــــى ردهــــا * فــــإنـــي لحــــوبكم مصــــطــــلــــي

بخــــيل جــــياد وشــــم الأنــوف * وبــالــــمــــرهــــفات وبــــالــــذبــــل

وأكشــــف عــنك حجاب الغرور * وأيقــــظ نــــائــــمــــة الأثــــكـــــــــل

فرإنك مــــن إمــــرة المــؤمنين * ودعــــوى الخــــلافة فــــي معـــــزل

ومــــالــــك فــــــــيهــــا ولا ذرة * ولا لــــجــــــــــــــدودك بــــــــــــالأول

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أقتنص الطير أو الظبي : اصطاده .

 (2) الفلفل : القرب بين الخطوات .

 (3) الأفكل : الرعدة من الخوف .

 (4) عبد الملك بن مروان والد الخلفاء الأمويين .

 

 

 

/ صفحة 117 /

فــــإن كــــان بينكما نــســــبــــة * فــــأين الحــــسام مــــن المنجــــل ؟

وأيــن الحصا من نجوم السما ؟ * وأيــــن معــــاوية مــــن عــــلـــي ؟

فــــإن كــــنت فيـــها بلغت المنى * فــــفي عــــنقي عــــلق الجلجل (1)

* (ما يتبع الشعر) *:

هذه القصيدة المسماة بالجلجلية كتبها عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبي سفيان في جواب كتابه إليه يطلب خراج مصر ويعاتبه على امتناعه عنه، توجد منها نسختان في مجموعتين في المكتبة الخديوية بمصر كما في فهرستها المطبوع سنة 1307 ج 4 ص 314 وروى جملة منها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 2 ص 522 وقال : رأيتها بخط أبي زكريا يحيى (2) بن علي الخطيب التبريزي المتوفى 502 .

 وقال الاسحاقي في " لطايف أخبار الدول " ص 41 : كتب معاوية إلى عمرو بن العاص : إنه قد تردد كتابي إليك بطلب خراج مصر وأنت تمتنع وتدافع ولم تسيره فسيره إلي قولا واحدا وطلبا جازما، والسلام .

 فكتب إليه عمرو بن العاص جوابا وهي القصيدة الجلجلية المشهورة التي أولها :

معــــاويــــــة الفضل لا تنس لي * وعــــن نهــــــج الحــــــق لا تعــــدل

نسيــــت احتــــيالي فــــي جــلق * عــــلى أهلها يــــوم لــــبس الحلي ؟

وقد أقبلوا زمــــرا يهــــرعــون * ويــــأتون كــــالبــقــــر الــــمهــــــــل

ومنها أيضا :

ولــــولاي كنــــــت كمثل النساء * تعــــــاف الخـــــروج مــــن المنـــزل

نسيــــت محــــاورة الأشعــــري * ونحــــن عــــلى دومــــة الجــــنـدل ؟

وألعــــقــــتــــه عــــسلا بـــاردا * وأمــــزجــــت ذلــــك بالحــــنظــل(3)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مثل يضرب راجع مجمع الأمثال للميداني ص 195 .

 (2) أحد أئمة اللغة والنحو قال ابن ناصر : كان ثقة في النقل وله المصنفات الكثيرة . كذا ترجم له ابن كثير في تاريخه 12 ص 171 .

 (3) في رواية الخطيب التبريزي :

فألمظه عسلا باردا * وأخبأ من تحته حنظلي

 

 

/ صفحة 118 /

أليــــن فيطمع فــــي جــــانـــبي * وسهــــمي قــــد غــــاب فـي المفصل

وأخلعــــتها منــــه عــن خدعة * كخــــلع النــعــــال مــــن الأرجــــــــل

وألبستها فــــيك لمــــا عجــزت * كــــلبس الخــــواتيم فــــي الأنــــمـــل

ومنها أيضا :

ولــــم تــــك والله مــــن أهــلها * ورب الــــمــــقام ولــــم تــــكــــمـــــل

وســــيرت ذكــرك في الخافقين * كــــسير الجــــنوب مــــع الشــــمـــأل

نصــــرناك من جهلنا يا بن هند * عــــلى البطــــل الأعــــظم الأفــــضـل

وكــــنت ولــــن ترها في المنام * فــــزفت إلــــيك ولا مــــهـــــــر لــــي

وحــــيث تـــركنا أعالي النفوس * نــــزلنا إلــــى أســــفــــل الأرجـــــــل

وكــــم قـد سمعنا من المصطفى * وصــــايــــا مخــــصصة فــــي عــلي

ومنها أيضا :

وإن كــــان بــــيــــنكمــــا نـسبة * فــــأين الحــــسام مــــن المــــنجل ؟

وأيــــن الثــــريا وأيــن الثرى ؟ * وأيــــن معــــاوية مــــن عــــلــــي ؟

فلما سمع معاوية هذه الأبيات لم يتعرض له بعد ذلك . ا ه‍ .

 وذكر الشيخ محمد الأزهري في شرح مغني اللبيب 1 ص 82 هذه الأبيات برمتها حرفيا نقلا عن تاريخ الاسحاقي غير أنه حذف قوله :

وحيث تركنا أعالي النفـــــوس * نــــزلنا إلى أسفـــــل الأرجــــل

وذكر منها ثلاث عشر بيتا ابن شهر آشوب في " المناقب " 3 ص 106 .

 وأخذ منها السيد الجزايري في " الأنوار النعمانية " ص 43 عشرين بيتا .

 وذكر برمتها الزنوزي في الروضة الثانية من رياض الجنة وقال : هذه القصيدة تسمى بالجلجلية لما في آخرها : وفي عنقي علق الجلجل .

 وخمسها بطولها الشاعر المفلق الشيخ عباس الزيوري البغدادي، وقفت عليه في ديوانه المخطوط المصحح بقلمه، ويوجد التخميس في إحدى نسختي المكتبة الخديوية بمصر .

 يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون

 

 

/ صفحة 119 /

مهمات مصادر ترجمة عمرو بن العاص .

صحيح البخاري.

صحيح مسلم.

السنن أبو داود.

السنن للترمذي.

السنن للنسائي.

كتاب التاريخ، سليم بن قيس

السيرة النبوية، ابن هشام.

عيون الأخبار، ابن قتيبة.

المعارف، ابن قتيبة.

الإمامة والسياسة، ابن قتيبة

المحاسن والأضداد، الجاحظ.

البيان والتبيين، الجاحظ.

الأنساب، أبو عبيدة.

أنساب الأشراف، البلاذري.

بلاغات النساء، ابن أبي طاهر.

الكامل، المبرد.

المثالثب، الكلبي.

التاريخ، اليعقوبي.

الإمتاع والمؤانسة، أبو حيان.

الأغاني، أبو الفرج.

الطبقات، ابن سعد.

العقد الفريد، ابن عبد ربه.

مروج الذهب، المسعودي.

المستدرك، الحاكم النيسابوري.

المحاسن والمساوي، البيهقي.

الاستيعاب، ابن عبدالبر.

تاريخ الأمم، الطبري.

تاريخ الشام، ابن عساكر.

ربيع الأبرار، الزمخشري.

الخصايص، الوطواط.

التفسير الكبير، الفخر الرازي.

الترغيب والترهيب، المنذري.

شرح النهج، ابن أبي الحديد.

الكامل، ابن الأثير.

البداية والنهاية، ابن كثير.

تمييز الخبيث، ابن الديبع.

التذكرة، سبط ابن الجوزي.

ثمرات الأوراق، ابن حجة.

السيرة النبوية، الحلبي.

روض المناظر، ابن شحنة

نور الأبصار، الشبلنجي.

جمهرة الخطب، أحمد زكي.

جمهرة الرسائل، أحمد زكي.

دائرة المعارف، فريد وجدي.

 

 

 

/ صفحة 120 /

 

* (الشاعر) *:

عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد (بالتصغير) بن سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لوي القرشي أبو محمد وأبو عبد الله .

 أحد دهاة العرب الخمس، منه بدئت الفتن وإليه تعود، وتقحمه في البوائق والمخاريق ثابت مشهور تضمنته طيات الكتب، وتناقلته الآثار والسير، وإذا استرسلت في الكلام عن الجور والفجور فحدث عنه ولا حرج، كما تجده في كلمات الصحابة الأولين، فالبغل نغل وهو لذلك أهل (1) ويقع الكلام في ترجمته عن نواحي شتى .

 نسبه أبوه هو الأبتر بنص الذكر الحميد (إن شانئك هو الأبتر) وعليه أكثر أقوال المفسرين والعلماء (2) وفي بعض التفاسير وإن جاء ترديد بينه وبين أبي جهل وأبي لهب وعقبة بن أبي معيط وغيرهم إلا أن القول الفصل ما ذكره الفخر الرازي من : أن كلا من أولئك كانوا يشنئون رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أن ألهجهم به وأشدهم شنئة العاص ابن وائل .

 فالآية تشملهم أجمع، ويخص اللعين بخزي آكد، ولذلك اشتهر بين المفسرين أنه هو المراد .

 قال الرازي في تفسيره 8 ص 503، روي أن العاص بن وائل كان يقول : إن محمدا أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده، فإذا مات انقطع ذكره، واسترحتم منه، وكان قد مات ابنه عبد الله من خديجة، وهذا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي وعامة أهل التفسير .

 وقال ص 504 بعد نقل الأقوال الأخر : ولعل العاص بن وائل كان أكثرهم مواظبة على هذا القول، فلذلك اشتهرت الروايات بأن الآية نزلت فيه .

 وروى التابعي الكبير سليم بن قيس الهلالي في كتابه : أن الآية نزلت في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مثل يضرب لمن لؤم أصله فخبث فعله .

 (2) راجع الطبقات لابن سعد 1 ص 115، والمعارف لابن قتيبة ص 124، وتاريخ ابن عساكر 7 ص 330 .

 

 

 

/ صفحة 121 /

المترجم نفسه، كان أحد شانئي رسول الله صلى الله عليه وآله لما مات ولده إبراهيم فقال : إن محمدا قد صار أبتر لا عقب له .

 وذكره بذلك أمير المؤمنين في أبيات له تأتي فقال :

إن يقـــرنوا وصيه والأبــــتـــرا * شاني الرسول واللعين الأخزرا

وذكره بذلك عمار بن ياسر يوم صفين وعبد الله بن جعفر في حديثيهما الآتيين .

 فالمترجم له هو (الأبتر ابن الأبتر) وبذلك خاطبه أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب له يأتي بقول : من عبد الله أمير المؤمنين إلى الأبتر ابن الأبتر عمرو بن العاص شانئ محمد وآله محمد في الجاهلية والاسلام .

 تعرفنا الآية الكريمة المذكورة إن كل معزو إلى العاص من الولد من ذكر أو أنثى من المترجم له أو غيره ليسوا لرشدة، فمن هنا تعرف فضيلة عمرو من ناحية النسب، أضف إلى ذلك حديث أمه ليلى العنزية الجلانية .

 كانت أمه ليلى أشهر بغي بمكة وأرخصهن أجرة، ولما وضعته ادعاها خمسة كلهم أتوها غير أن ليلى ألحقته بالعاص لكونه أقرب شبها به، وأكثر نفقة عليها، ذكرت ذلك أروى بنت الحارث بن عبد المطلب لما وفدت إلى معاوية فقال لها : مرحبا بك يا عمة ؟ فكيف كنت بعدنا ؟ فقالت : يا بن أخي ؟ لقد كفرت يد النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة، وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك، من غير بلاء كان منك ولا من آبائك، ولا سابقة في الاسلام، ولقد كفرتم بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله فأتعس الله منكم الجدود، وأصعر منكم الخدود، حتى رد الله الحق إلى أهله، وكانت كلمة الله هي العليا، ونبينا محمد صلى الله عليه وآله هو المنصور على من ناواه ولو كره المشركون، فكنا أهل البيت أعظم الناس في الدين حظا ونصيبا وقدرا حتى قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله مغفورا ذنبه، مرفوعا درجته، شريفا عند الله مرضيا، فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وصار ابن عم سيد المرسلين فيكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى حيث يقول : يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، ولم يجمع بعد رسول الله لنا شمل، ولم يسهل لنا وعر، وغايتنا الجنة، وغايتكم النار .

 فقال لها عمرو بن العاص : أيها العجوز الضالة ؟ أقصري من قولك، وغضي

 

 

/ صفحة 122 /

من طرفك .

 قالت : ومن أنت ؟ لا أم لك .

 قال : عمرو بن العاص .

 قالت يا بن اللخناء النابغة تتكلم وأمك كانت أشهر امرأة بمكة وآخذهن لأجرة، إربع على ظلعك (1) واعن بشأن نفسك فوالله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها ولا كريم منصبها، ولقد إدعاك ستة (2) نفر من قريش كله يزعم أنه أبوك فسألت أمك عنهم فقالت : كلهم أتاني فانظروا أشبههم به فألحقوه به، فغلب عليك شبه العاص بن وائل فلحقت به، ولقد رأيت أمك أيام منى بمكة مع كل عبد عاهر، فأتم بهم فإنك بهم أشبه(3).

 وقال الإمام السبط الحسن الزكي سلام الله عليه بمحضر من معاوية وجمع آخر : أما أنت يا بن العاص فإن أمرك مشترك، وضعتك أمك مجهولا من عهر وسفاح، فتحاكم فيك أربعة (4) من قريش فغلب عليك جزارها، ألأمهم حسبا، وأخبثهم منصبا، ثم قام أبوك فقال : أنا شانئي محمد الأبتر فأنزل الله فيه ما أنزل(5) .

وعده الكلبي أبو المنذر هشام المتوفى 206 / 4 في كتابه " مثالب العرب " الموجود عندنا - ممن يدين بسفاح الجاهلية، وقال في باب تسمية ذوات الرايات : وأما النابغة أم عمرو بن العاص : فإنها كانت بغيا من طوايف مكة فقدمت مكة ومعها بنات لها، فوقع عليها العاص بن وائل في الجاهلية في عدة من قريش منهم : أبو لهب، وأمية بن خلف، وهشام بن المغيرة، وأبو سفيان بن حرب، في طهر واحد فولدت عمرا فاختصم القوم جميعا فيه كل يزعم أنه ابنه، ثم إنه أضرب عنه ثلاثة وأكب عليه اثنان : العاص بن وائل، وأبو سفيان بن حرب فقال أبو سفيان : أنا والله وضعته في حر أمه .

 فقال العاص : ليس هو كما تقول

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مثل يضرب لمن يتوعد . ربع في المكان أي أقام به . الظلع : العرج . يقال : ظلع البعير أي غمز في مشيته فالمعنى : لا تجاوز حدك في وعيدك، وأبصر نقصك وعجزك عنه .

 (2) في العقد الفريد، وروض المناظر : خمسة .

 (3) بلاغات النساء ص 27، العقد الفريد 1 ص 164، روض المناظر 8 ص 4، ثمرات الأوراق 1 ص 132، دايرة المعارف لفريد وجدي 1 ص 215، جمهرة الخطب 2 ص 363 .

 (4) في لفظ الكلبي وسبط ابن الجوزي : خمسة .

 (5) أخذنا هذه الجملة من حديث المهاجاة الطويلة الواقعة بين الإمام الحسن بن علي وبين عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة، وعتبة بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، في مجلس معاوية رواه ابن أبي الحديد في شرحه 2 ص 101 نقلا عن كتاب المفاخرات للزبير بن بكار، وذكره سبط ابن الجوزي في التذكرة ص 114 .

 

 

 

/ صفحة 123 /

هو إبني فحكما أمه فيه فقالت : للعاص .

 فقيل لها بعد ذلك : ما حملك على ما صنعت و أبو سفيان أشرف من العاص ؟ فقالت : إن العاص كان ينفق على بناتي، ولو ألحقته بأبي سفيان لم ينفق علي العاص شيئا وخفت الضيعة، وزعم ابنها عمرو بن العاص إن أمه امرأة من غنزة بن أسد بن ربيعة .

 وكان الزناة الذين اشتهروا بمكة جماعة منهم هؤلاء المذكورون وأمية بن عبد شمس، وعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص أخو مروان بن الحكم، وعتبة بن أبي سفيان أخو معاوية، وعقبة بن أبي معيط .

 (1) وعده الكلبي من الأدعياء في باب - أدعياء الجاهلية - وقال : قال الهيثم : ومن الأدعياء عمرو بن العاص، وأمه النابغة حبشية، وأخته لأمه أرينب (بضم الألف) وكانت تدعي لعفيف بن أبي العاص، وفيها قال عثمان لعمرو بن العاص : لمن كانت تدعى أختك أرينب يا عمرو ؟ فقال : لعفيف بن أبي العاص . قال عثمان : صدقت . إنتهى .

 وروى أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى 209 / 11 في كتاب " الأنساب " : إن عمرا اختصم فيه يوم ولادته رجلان : أبو سفيان، والعاص، فقيل : لتحكم أمه فقالت : إنه من العاص بن وائل .

 فقال أبو سفيان .

 أما إني لا أشك إنني وضعته في رحم أمه فأبت إلا العاص فقيل لها : أبو سفيان أشرف نسبا .

 فقالت : إن العاص بن وائل كثير النفقة علي وأبو سفيان شحيح .

 ففي ذلك يقول حسان بن ثابت لعمرو بن العاص حيث هجاه مكافئا له عن هجاء رسول الله صلى الله عليه وآله :

أبوك أبو سفيان لا شك قد بدت * لنا فيك منه بينات الدلائل

فــــفاخــــر بــــه إمـــا فخرت ولا تكن * تفاخــــر بالعــــاص الهجــين بن وائل

وإن التي فــــي ذاك يا عمرو حــكمت * فــــقالت رجــــاء عــــند ذاك لـــنائــــل

: من العاص عمرو تخبر الناس كلما * تجمعــــت الأقــــوام عـند المحامل(2)

وقال الزمخشري في " ربيع الأبرار " : كانت النابغة أم عمرو بن العاص أمة لرجل من عنزة (بالتحريك) فسبيت فاشتراها عبد الله بن جذعان التيمي بمكة فكانت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) وإلى هنا ذكره سبط ابن الجوزي في تذكرته ص 117 عن المثالب .

 (2) شرح ابن أبي الحديد 2 ص 101 .

 

 

 

/ صفحة 124 /

بغيا .

 ثم ذكر نظير الجملة الأولى من كلام الكلبي ونسب الأبيات المذكورة إلى أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب .

 وقال : جعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص عن أمه ولم تكن بمنصب مرضي فأتاه بمصر أميرا عليها فقال : أردت أن أعرف أم الأمير .

 فقال : نعم، كانت امرأة من عنزة، ثم من بني جلان تسمى ليلى وتلقب النابغة، إذهب وخذ ما جعل لك (1) وقال الحلبي في سيرته 1 ص 46 في نكاح البغايا . ونكاح الجمع .

 من أقسام نكاح الجاهلية : الأول أن يطأ البغي جماعة متفرقين واحدا بعد واحد فإذا حملت وولدت الحق الولد بمن غلب عليه شبهه منهم .

 الثاني : أن تجتمع جماعة دون العشرة ويدخلون على امرأة من البغايا ذوات الرايات كلهم يطؤوها فإذا حملت ووضعت ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت وهو ابنك يا فلان .

 تسمي من أحبت منهم فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع منهم الرجل إن لم يغلب شبهه عليه، وحينئذ يحتمل أن يكون أم عمرو بن العاص رضي الله عنه من القسم الثاني فإنه يقال : إنه وطئها أربعة هم : العاص، وأبو لهب، وأمية، وأبو سفيان، و ادعي كلهم عمرا فألحقته بالعاص لإنفاقه على بناتها .

 ويحتمل أن يكون من القسم الأول ويدل عليه ما قيل : إنه الحق بالعاص لغلبة شبهه عليه، وكان عمرو يعير بذلك عيره علي وعثمان والحسن وعمار بن ياسر وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم .

 و سيأتي ذلك في قصة قتل عثمان عند الكلام على بناء مسجد المدينة (2) .

* (عبد الله وعمرو) * روى الحافظ ابن عساكر في تاريخ الشام 7 ص 330 : إن عمرو بن العاص قال لعبد الله بن جعفر الطيار ذي الجناحين في مجلس معاوية : يا بن جعفر ؟ يريد تصغيره .

 فقال له : لئن نسبتني إلى جعفر فلست بدعي ولا أبتر ثم ولى وهو يقول :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ورواه المبرد في الكامل، ابن قتيبة في عيون الأخبار 1 ص 284، ابن عبد البر في الاستيعاب، وذكر في شرح النهج لابن أبي الحديد 2 ص 100، جمهرة الخطب 2 ص 19 .

 (2) ذكر قتل عثمان عند الكلام على بناء المسجد ج 2 ص 72 - 88 ولم يوجد هناك شيء مما أو عزاليه .

 

 

 

/ صفحة 125 /

تعرضت قرن الشمس وقت ظهيرة * لتستر منــــه ضوءه بــــظـــــلامكا

كفرت اختــــيارا ثــــم آمنت خيــفة * وبغــــضك إيــــانا شهــــيد بــــذلكا

* (عبد الله وعمرو) * أخرج الحافظ ابن عساكر في تاريخه 7 ص - 438 : إن عبد الله بن أبي سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي قدم معاوية وعنده عمرو فجاء الآذن فقال : هذا عبد الله وهو بالباب : فقال : إئذن له .

 فقال عمرو : يا أمير المؤمنين ؟ لقد أذنت لرجل كثير الخلوات للتلهي، والطربات للتغني، صدوف عن السنان، محب للقيان، كثير مزاحه، شديد طماحه، ظاهر الطيش، لين العيش، أخاذ للسلف، صفاق للشرف فقال عبد الله : كذبت يا عمرو ؟ وأنت أهله ليس كما وصفت ولكنه : لله ذكور، ولبلاءه شكور، وعن الخنا زجور، سيد كريم، ماجد صميم، جواد حليم، إن ابتدأ أصاب، وإن سئل أجاب، غير حصر ولا هياب، ولا فاحش عياب، كذلك قضى الله في الكتاب، فهو كالليث الضرغام، الجرئ المقدام، في الحسب القمقام، ليس بدعي ولا دني كمن اختصم فيه من قريش شرارها فغلب عليه جزارها، فأصبح ينوء بالدليل، ويأوي فيها إلى القليل، قد بدت بين حيين، وكالساقط بين المهدين، لا المعتزي إليهم قبلوه، ولا الظاعن عنهم فقدوه، فليت شعري بأي حسب تنازل للنضال ؟ أم بأي قديم تعرض للرجال ؟ أبنفسك ؟ فأنت الخوار الوغد الزنيم .

 أم بمن تنتمي إليه ؟ فأنت أهل السفه والطيش والدناءة في قريش، لا بشرف في الجاهلية شهر، ولا بقديم في الاسلام ذكر، غير أنك تنطق بغير لسانك، وتنهض بغير أركانك، وأيم الله إن كان لأسهل للوعث (1) وألم للشعث (2) أن يكعمك (3) معاوية على ولوعك باعراض قريش كعام الضبع في وجاره (4) فأنت لست لها بكفي، ولا لأعراضها بوفي .

 قال : فتهيأ عمرو للجواب فقال له معاوية : نشدتك الله إلا ما كففت . فقال عمرو : يا أمير المؤمنين دعني أنتصر فإنه لم يدع شيئا . فقال معاوية : أما في مجلسك هذا فدع الانتصار و

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الوعث بالفتح : العسر الغليظ .

 (2) يقال : لم الله شعثهم . أي جمع أمرهم . (39 يقال : كعم البعير . أي شد فمه لئلا يعض أو يأكل .

 (4) الوجار بكسر الواو وفتحها : حجر الضبع وغيرها 

 

 

/ صفحة 126 /

عليك بالاصطبار .

 وأشار إلى هذه القصة ابن حجر في الإصابة 2 ص 320 .

إسلامه:

إن الذي حدانا إليه يقين لا يخالجه شك بعد الأخذ بمجامع ما يؤثر عن الرجل في شئونه وأطواره : أنه لم يعتنق الدين اعتناقا، وإنما انتحله انتحالا وهو في الحبشة، نزل بها مع عمارة بن الوليد لاغتيال جعفر وأصحابه رسل النبي الأعظم تنتهي إليه الأنباء عن أمر الرسالة، ويبلغه التقدم والنشور له، وسمع من النجاشي قوله : أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله ؟ فقال : أيها الملك ؟ أكذلك هو ؟ فقال : ويحك يا عمرو أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده (1) .

 فراقه التزلف إلى صاحب الرسالة بالتسليم له فلم ينكفئ إلى الحجاز إلى طمعا في رتبة، أو وقوفا على لماظة من العيش، أو فرقا من البطش الإلهي بالسلطة النبوية .

 فنحن لا نعرفه في غضون هاتيك المدد التي كان يداهن فيها المسلمين و يصانعهم إبقاءا لحياته، واستدرارا لمعاشه، إلا كما نعرفه يوم كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وآله بقصيدة ذات سبعين بيتا فلعنه صلى الله عليه وآله عدد أبياته .

 وهو كما قال أمير المؤمنين : متى ما كان للفاسقين وليا، وللمسلمين عدوا ؟ ؟ وهل يشبه إلا أمه التي دفعت به(2).

وكان كما يأتي عن أمير المؤمنين من قوله : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا، وأسروا الكفر فلما وجدوا أعوانا رجعوا إلى عداوتهم منا .

 قال ابن أبي الحديد في الشرح 1 ص 137 : قال شيخنا أبو القاسم البلخي رحمه الله تعالى : قول عمرو بن العاص لمعاوية لما قاله معاوية : يا أبا عبد الله ؟ إني لأكره لك أن تتحدث العرب عنك إنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا : دعنا عنك .

 كناية عن الالحاد بل تصريح به، أي : دع هذا الكلام لا أصل له، فإن اعتقاد الآخرة و إنها لاتباع بعرض الدنيا من الخرافات، وما زال عمرو بن العاص ملحدا ما تردد قط

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سيرة ابن هشام 3 ص 319 وغير واحد من كتب السيرة النبوية والتاريخ .

(2) تذكرة خواص الأمة ص 56، السيرة الحلبية وغيرهما .

 

 

 

/ صفحة 127 /

في الالحاد والزندقة وكان معاوية مثله .

 وقال في ج 2 ص 113 : نقلت أنا من كتب متفرقة كلمات حكمية تنسب إلى عمرو بن العاص استحسنتها وأوردتها لأني لا أجحد الفاضل فضله وإن كان دينه عندي غير مرضي .

 وقال في ص 114 : قال شيخنا أبو عبد الله : أول من قال بالارجاء المحض معاوية وعمرو بن العاص، كانا يزعمان أنه لا يضر مع الإيمان معصية، ولذلك قال معاوية لمن قال : حاربت من تعلم وارتكبت ما تعلم .

 فقال : وثقت بقوله تعالى : إن الله يغفر الذنوب جميعا .

 وقال في ج 2 ص 179 : وأما معاوية فكان فاسقا مشهورا بقلة الدين والانحراف عن الاسلام، وكذلك ناصره ومظاهره على أمره عمرو بن العاص ومن تبعهما من طغام أهل الشام وأجلافهم وجهال الأعراب، فلم يكن أمرهم خافيا في جواز محاربتهم و استحلال قتالهم .

 وهناك كلمات ذكرت في مصادر وثيقة تمثل الرجل بين يدي القاري بروحياته و حقيقته، وتخبره بعجره وبجره (1) وإليك نماذج منها :

1 - كلمة النبي الأعظم :

دخل زيد بن أرقم على معاوية فإذا عمرو بن العاص جالس معه على السرير فلما رأى ذلك زيد جاء حتى رمى بنفسه بينهما فقال له : عمرو بن العاص : أما وجدت لك مجلسا إلا أن تقطع بيني وبين أمير المؤمنين ؟ فقال زيد : إن رسول الله صلى الله عليه و آله غزا غزوة وأنتما معه فرءاكما مجتمعين فنظر إليكما نظرا شديدا ثم راءكما اليوم الثاني واليوم الثالث كل ذلك يديم النظر إليكما فقال في اليوم الثالث : إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص مجتمعين ففرقوا بينهما فإنهما لن يجتمعا على خير .

 كذا أخرجه ابن مزاحم في كتاب " صفين " ص 112 ورواه ابن عبد ربه في " العقد الفريد " 2 ص 290 عن عبادة بن الصامت وفيه : إنه صلى الله عليه وآله قاله في غزوة تبوك ولفظه : إذا رأيتموهما اجتمعا ففرقوا بينهما فإنهما لا يجتمعان على خير .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) العجر : العروق المتعقدة . البحر : العروق المتعقدة في البطن . مثل يضرب لمن يخبر بجميع عيوبه .

 

 

 

/ صفحة 128 /

2 - كلمة أمير المؤمنين عليه السلام:

روى أبو حيان التوحيدي في " الإمتاع والمؤانسة " 3 ص 183 قال : قال الشعبي : ذكر عمرو بن العاص عليا فقال : فيه دعابة فبلغ ذلك عليا فقال : زعم ابن النابغة إني تلعابة، تمراحة، ذو دعابة، اعافس، وامارس . هيهات يمنع من العفاس والمراس (1) ذكر الموت وخوف البعث والحساب، ومن كان له قلب ففي هذا من هذا له واعظ وزاجر، أما وشر القول الكذب، إنه ليعد فيخلف، ويحدث فيكذب، فإذا كان يوم البأس فإنه زاجر وآمر ما لم تأخذ السيوف بهام الرجال، فإذا كان ذاك فأعظم مكيدته في نفسه أن يمنح القوم إسته .

 ورواه بهذا اللفظ شيخ الطايفة في أماليه ص 82 من طريق الحافظ ابن عقدة .

* (صورة أخرى على رواية الشريف الرضي) * عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن في دعابة، وإني امرؤ تلعابة، أعافس وأمارس، لقد قال باطلا، ونطق آثما، أما وشر القول الكذب، إنه ليقول فيكذب، ويعد فيخلف، ويسأل فيلحف، ويسئل فيبخل، ويخون العهد، ويقطع الإل، فإذا كان عند الحرب فأي زاجر وآمر هو ؟ ؟ ! ! ما لم تأخذ السيوف مآخذها، فإذا كان ذلك كان أكبر مكيدته أن يمنح القرم سبته، أما والله إني ليمنعني من اللعب ذكر الموت، وإنه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة، وإنه لم يبايع معاوية حتى شرط له أن يؤتيه أتية، ويرضخ له على ترك الدين رضيخة(2). نهج البلاغة - 1 ص 145 .

 * (صورة أخرى على رواية ابن قتيبة) * قال زيد بن وهب : قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه : عجبا لابن النابغة يزعم إني تلعابة، أعافس وأمارس، أما وشر القول أكذبه، إنه يسأل فيلحف، و يسئل فيبخل، فإذا كان عند البأس فإنه امرؤ زاجر ما لم تؤخذ السيوف مآخذها من هام القوم، فإذا كان كذلك كان أكبر همه أن يبر قط ويمنع الناس إسته، قبحه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) العفاس بالكسر : الفساد المراس : العبث واللعب .

 (2) يقال : رضخ له من ماله رضيخة . أي : قليلا من كثير .

 

 

 

/ صفحة 129 /

الله وترحه . (عيون الأخبار 1 ص 164) .

* (صورة أخرى على رواية ابن عبد ربه) * ذكر عمرو بن العاص عند علي بن أبي طالب فقال فيه علي : عجبا لابن الباغية يزعم إني بلقائه أعافس وأمارس، ألا وشر القول أكذبه، إنه يسأل فيلحف، و ويسئل فيبخل، فإذا احمر البأس، وحمى الوطيس، وأخذت السيوف مآخذها من هام الرجال لم يكن له هم إلا غرقة ثيابه، ويمنح الناس إسته، فضه الله وترحه . (العقد الفريد 2 ص 287) .

 3 - كلمة أخرى له عليه السلام:

 لما رفع أهل الشام المصاحف على الرماح يوم صفين يدعون إلى حكم القرآن قال علي عليه السلام : عباد الله ؟ أنا أحق من أجاب إلى كتاب الله ولكن معاوية، وعمرو بن العاص، وابن أبي معيط، وحبيب بن مسلمة، وابن أبي سرح، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالا، وصحبتهم رجالا، فكانوا شر أطفال، وشر رجال، إنها كلمة حق يراد بها الباطل، إنهم والله ما رفعوها، إنهم يعرفونها ولا يعملون بها، وما رفعوها لكم إلا خديعة ومكيدة . كتاب صفين لابن مزاحم ص 264 .

4 - كلمة أخرى له عليه السلام :

قال أبو عبد الرحمن المسعودي : حدثني يونس بن أرقم بن عوف عن شيخ من بكر بن وائل قال : كنا مع علي بصفين فرفع عمرو بن العاص شقة خميصة في رأس رمح فقال ناس : هذا لواء عقده له رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يزالوا كذلك حتى بلغ عليا فقال علي : هل تدرون ما أمر هذا اللواء ؟ إن عدو الله عمرو بن العاص أخرج له رسول الله صلى الله عليه وآله هذه الشقة فقال : من يأخذها بما فيها ؟ فقال عمرو : و ما فيها يا رسول الله ؟ قال : فيها أن لا تقاتل به مسلما، ولا تقربه من كافر .

 فأخذها، فقد والله قربه من المشركين وقاتل به اليوم المسلمين، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا أعوانا رجعوا إلى عداوتهم منا إلا أنهم لم يدعوا الصلاة .

 كتاب صفين لابن مزاحم ص 110 .

 

 

 

/ صفحة 130 /

5 - كتاب أمير المؤمنين إلى عمرو:

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الأبتر ابن الأبتر عمرو بن العاص بن وائل شانئ محمد وآله محمد في الجاهلية والاسلام .

 سلام على من اتبع الهدى - أما بعد - فإنك تركت مروءتك لامرئ فاسق مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه، ويسفه الحليم بخلطته، فصار قلبك لقلبه تبعا كما قيل : وافق شن طبقة (1) فسلبك دينك وأمانتك ودنياك وآخرتك، وكان علم الله بالغا فيك، فصرت كالذئب يتبع الضرغام إذا ما الليل دجا، أو أتى الصبح يلتمس فاضل سؤره، وحوايا فريسته، ولكن لا نجاة من القدر، ولو بالحق أخذت لأدركت ما رجوت، وقد رشد من كان الحق قائده، فإن يمكن الله منك ومن ابن آكلة الأكباد ألحقتكما بمن قتله الله من ظلمة قريش على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن تعجزا (2) وتبقيا بعدي فالله حسبكما، وكفى بانتقامه انتقاما، وبعقابه عقابا . والسلام .

* (فائدة) * هذا الكتاب بهذه الصورة ذكرها ابن أبي الحديد (3) في شرحه 4 ص 61 نقلا عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم ولم نجده فيه فمن أمعن النظر في جل ما نقله ابن أبي الحديد عن هذا الكتاب يعلم بأن المطبوع منه هو مختصره لا أصله وهو أكبر من الموجود بكثير .

 صورة أخرى له:

 فإنك قد جعلت دينك تبعا لدنيا امرئ ظاهر غيه، مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه، ويسفه الحليم بخلطته، فاتبعت أثره، وطلبت فضله، إتباع الكلب للضرغام، يلوذ بمخالبه، وينتظر ما يلقى إليه من فضل فريسته، فأذهب دنياك وآخرتك، ولو بالحق أخذت، أدركت ما طلبت، فإن يمكن الله منك ومن ابن أبي سفيان أجزكما بما قدمتما، وإن تعجزا وتبقيا فما أمامكما شر لكما . والسلام . نهج البلاغة 2 ص 64

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مثل ساير له قصة يستفاد منها . شن : اسم رجل . طبقة : اسم امرأة : راجع مجمع الأمثال للميداني 2 ص 321 .

 (2) عجز الشئ : مؤخره .

 (3) وذكره عنه الدكتور أحمد زكي صفوت في جمهرة الرسائل 1 ص 486 .

 

 

 

/ صفحة 131 /

6 - خطبة أمير المؤمنين بعد التحكيم:

لما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى إلى مكة ورد علي عليه السلام ابن عباس إلى البصرة قام في الكوفة خطيبا فقال : الحمد لله، وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ليس معه إله غيره، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله - أما بعد - : فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب، تورث الحسرة، وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، ونحلت لكم مخزون رأيي، لو كان يطاع لقصير أمر (1) فأبيتم علي إباء المخالفين الجفاة، والمنابذين العصاة، حتى ارتاب الناصح بنصحه، وضن الزند بقدحه، فكنت أنا وإياكم كما قال أخو هوازن(2):

أمرتكم أمـــري بمنعــــــرج اللوى * فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد

ألا ؟ إن هذين الرجلين : (عمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري) اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، و أماتا ما أحيى القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله، فحكما بغير حجة بينة، ولا سنة ماضية، واختلفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد (3)، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، واستعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشام .

 الإمامة والسياسة 1 ص 119، تاريخ الطبري 6 ص 45، مروج الذهب 2 ص 35، نهج البلاغة 1 ص 44، كامل ابن الأثير 3 ص 146 .

 ذكر ابن كثير في تاريخه 7 ص 286 هذه الخطبة ولما لم يعجبه ذكر أهل العيث والفساد بما هم عليه، أولم يره صادرا من أهله في محله، أولم يرض أن تطلع الأمة الإسلامية على حقيقة عمرو بن العاص وصويحبه فبتر الخطبة وذكرها إلى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) قصير هو مولى جذيمة الأبرش، وكان قد أشار على سيده أن لا يأمن الزباء ملكة الجزيرة، وقد دعته إليها ليزوجها، فخالفه وقصد إليها فقتلته فقال قصير : لا يطاع لقصير أمر . فذهب مثلا .

 (2) دريد بن الصمة .

 (3) في الإمامة والسياسة : لم يرشدهما الله .

 

 

 

/ صفحة 132 /

آخر البيت فقال : ثم تكلم فيما فعله الحكمان فرد عليهما ما حكما به وأنبهما، و قال ما فيه حط عليهما .

 ا ه‍ وهناك لأمير المؤمنين عليه السلام في خطبه كلمات كثيرة حول الرجل مثل قوله : قد سار إلى مصر ابن النابغة عدو الله وولي من عادى الله .

 وقوله : إن مصرا افتتحها الفجرة أولو الجور والظلم الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الاسلام عوجا .

 (1) نضرب عنها صفحا روما للاختصار .

7 - قنوت أمير المؤمنين بلعن عمرو:

م - أخرج أبو يوسف القاضي في " الآثار " ص 71 من طريق إبراهيم قال : إن عليا رضي الله عنه قنت يدعو على معاوية رضي الله عنه حين حاربه فأخذ أهل الكوفة عنه، وقنت معاوية يدعو على علي فأخذ أهل الشام عنه ] .

 وروى الطبري في تاريخه 6 ص 40 قال : كان علي إذا صلى الغداة يقنت فيقول : أللهم ؟ العن معاوية، وعمرا، وأبا الأعور السلمي، وحبيبا، وعبد الرحمن بن خالد، والضحاك بن قيس، والوليد .

 فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن عليا، وابن عباس، والأشتر، وحسنا، وحسينا .

 ورواه نصر بن مزاحم في كتاب صفين ص 302 وفي ط مصر ص 636 وفيه : كان علي إذا صلى الغداة والمغرب وفرغ من الصلاة يقول : أللهم ؟ العن معاوية، و عمرا، وأبا موسى، وحبيب بن سلمة .

 إلى آخر الحديث باللفظ المذكور، غير أن فيه : قيس بن سعد مكان الأشتر .

 م - وقال ابن حزم في المحلى 4 : 145 : كان علي يقنت في الصلوات كلهن، و كان معاوية يقنت أيضا، يدعو كل واحد منهما على صاحبه ] .

 ورواه الوطواط في " الخصايص " ص 330 وزاد فيه : ولم يزل الأمر على ذلك برهة من ملك بني أمية إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة فمنع من ذلك .

 وذكره ابن الأثير في " أسد الغابة " 3 ص 144 بلفظ الطبري .

 م - وقال أبو عمر في " الاستيعاب " في الكنى في ترجمة أبي الأعور السلمي : كان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تاريخ الطبري 6 ص 61 و 62 .

 

 

 

/ صفحة 133 /

هو وعمرو بن العاص مع معاوية بصفين، وكان من أشد من عنده على علي رضي الله عنه، وكان علي رضي الله عنه يذكره في القنوت في صلاة الغداة يقول : أللهم عليك به . مع قوم يدعو عليهم في قنوته .

 وذكره على لفظ الطبري أبو الفدا في تاريخه 1 : 179 ] .

 م - وقال الزيلعي في نصب الراية 2 : 131 : قال إبراهيم : وأهل الكوفة إنما أخذوا القنوت عن علي، قنت يدعو على معاوية حين حاربه، وأهل الشام أخذوا القنوت عن معاوية قنت يدعو على علي ] .

 ورواه أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته ص 59 بلفظ الطبري حرفيا إلى قنوت معاوية وزاد فيه : محمد بن الحنفية، وشريح بن هاني .

 وذكره ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 1 ص 200 نقلا عن كتابي صفين لابن ديزيل (المترجم له ج 1 ص 73) ونصر بن مزاحم . وذكره الشبلنجي في " نور الأنصار " ص 110 .

 8 - دعاء عايشة على عمرو:

 لما بلغ عايشة قتل محمد بن أبي بكر جزعت عليه جزعا شديدا وجعلت تقنت وتدعو في دبر الصلاة على معاوية وعمرو بن العاص . رواه الطبري في تاريخه 6 ص 60، ابن الأثير في " الكامل " 3 ص 155، ابن كثير في تاريخه 7 ص 314، ابن أبي الحديد في شرح النهج 2 : 33 .

 9 - الإمام الحسن الزكي وعمرو :

روى الزبير بن بكار في كتاب " المفاخرات " قال : اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعتبة بن أبي سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة، وقد كان بلغهم عن الحسن بن علي عليه السلام قوارص (1) وبلغه عنهم مثل ذلك فقالوا : يا أمير المؤمنين ؟ إن الحسن قد أحيا أباه وذكره، وقال فصدق، وأمر فأطيع، وخفقت له النعال، وإن ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوءنا .

 قال معاوية : فما تريدون : ؟ قالوا : ابعث عليه فليحضر لنسبه ونسب أباه ونعبره ونوبخه ونخبره أن أباه قتل عثمان ونقرره بذلك، ولا يستطيع أن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الكلمة القارصة : التي تنغص وتؤلم .  جمع قوارص .

 

 

 

/ صفحة 134 /

يغير علينا شيئا من ذلك .

 قال معاوية : إني لا أرى ذلك ولا أفعله .

 قالوا : عزمنا عليك يا أمير المؤمنين ؟ لتفعلن .

 فقال : ويحكم لا تفعلوا فوالله ما رأيته قط جالسا عندي إلا خفت مقامه وعيبه لي .

 قالوا : ابعث إليه على كل حال .

 قال : إن بعثت إليه لأنصفنه منكم .

 فقال عمرو بن العاص : أتخشى أن يأتي باطله على حقنا ؟ أو يربي قوله على قولنا ؟ قال معاوية : أما إني إن بعثت إليه لآمرنه أنه يتكلم بلسانه كله .

 قالوا : مره بذلك .

 قال: أما إذا عضيتموني وبعثتم إليه وأبيتم إلا ذلك فلا تمرضوا له في القول واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب، ولا يلصق بهم العار، ولكن اقذفوه بحجره تقولون له : إن أباك قتل عثمان، وكره خلافة الخلفاء من قبله .

 فبعث إليه معاوية فجاءه رسوله فقال : إن أمير المؤمنين يدعوك .

 قال : من عنده ؟ فسماهم، فقال الحسن عليه السلام : ما لهم خر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون.

 ثم قال : يا جارية ؟ ابغيني ثيابي، أللهم ؟ إني أعوذ بك من شرورهم، وأدرأ بك في نحورهم، وأستعين بك عليهم، فاكفنيهم كيف شئت وأنى شئت بحول منك وقوة يا أرحم الراحمين . ثم قام فدخل على معاوية .

 إلى أن قال : فتكلم عمرو بن العاص فحمد الله وصلى على رسوله ثم ذكر عليا عليه السلام فلم يترك شيئا يعيبه به إلا قاله، وقال : إنه شتم أبا بكر وكره خلافته وامتنع من بيعته ثم بايعه مكرها، وشرك في دم عمر، وقتل عثمان ظلما، وادعى من الخلافة ما ليس له : ثم ذكر الفتنة يعيره بها وأضاف إليه مساوي .

 وقال : إنكم يا بني عبد المطلب ؟ لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء واستحلالكم ما حرم الله من الدماء، وحرصكم على الملك، وإتيانكم ما لا يحل، ثم إنك يا حسن ؟ تحدث نفسك إن الخلافة صائرة إليك، وليس عندك عقل ذلك ولا لبه، كيف ترى الله سبحانه، سلبك عقلك، وتركك أحمق قريش يسخر منك ويهزأ بك، وذلك لسوء عمل أبيك، وإنما دعوناك لنسبك وأباك، فأما أبوك فقد تفرد الله به وكفانا أمره، وأما أنت فإنك في أيدينا نختار فيك الخصال، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله، ولا عيب من الناس، فهل تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا ؟ فإن كنت ترى أنا كذبنا في شيء فاردده علينا فيما قلنا، وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان .

 

 

 

/ صفحة 135 /

فتكلم الحسن بن علي عليهما السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله (إلى أن قال لعمرو بعد جمل ذكرت ص 122) : وقاتلت رسول الله صلى الله عليه وآله في جميع المشاهد، وهجوته وآذيته بمكة، وكدته كيدك كله، وكنت من أشد الناس له تكذيبا وعداوة، ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة لتأتي بجعفر وأصحابه إلى أهل مكة، فلما أخطأك ما رجوت، ورجعك الله خائبا، وأكذبك واشيا، جعلت حسدك على صاحبك عمارة بن الوليد فوشيت به إلى النجاشي حسدا لما ارتكب من حليلته ففضحك الله وفضح صاحبك، فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والاسلام، ثم إنك تعلم وكل هؤلاء الرهط يعلمون : أنك هجوت رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين بيتا من الشعر، فقال رسول الله : أللهم ؟ إني لا أقول الشعر ولا ينبغي لي، أللهم العنه بكل حرف ألف لعنة .

 فعليك إذن من الله ما لا يحصى من اللعن .