|
/ صفحة 67 /
3
قيس الأنصاري
قلت لما بغــــى العدو علينا * حسبــــنا ربـــنا ونعم الوكيل حسبنا ربنا الذي فتح البصــ* ــرة بـالأمس والحديث طويل ويقول فيها : وعــــلي إمــــامـنا وإمــــــــام * لســــوانــــا أتــــى به التـنزيل يوم قال النبي: من كنت مولاه * فهــــذا مــــولاه خــــطب جليل إنما قالــــه النــبي على الأمة * حــــتم مــــا فــــيه قــــال وقيل * (ما يتبع الشعر) * هذه الأبيات أنشدها الصحابي العظيم، سيد الخزرج، قيس بن سعد بن عبادة بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام بصفين، رواها شيخنا المفيد، معلم الأمة المتوفى 413 في " الفصول المختارة " 2 ص 87 وقال بعد ذكرها : إن هذه الأشعار مع تضمنها الاعتراف بإمامة أمير المؤمنين، فهي دلائل على ثبوت سلف الشيعة وإبطال عناد المعتزلة في إنكارهم ذلك . وذكرها في رسالته في معنى المولى وقال فيها : قصيدة قيس التي لا يشك أحد من أهل النقل فيها، والعلم بها من قبوله كالعلم بنصرته لأمير المؤمنين وحربه أهل البصرة وصفين معه، وهي التي أولها : قلت لما بغى العدو علينا * حــسبنا ربنا ونعم الوكيل فشهد هكذا شهادة قطعية بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام من جهة خبر يوم الغدير، صرح بأن القول فيه يوجب رياسته على الكل وإمامته عليهم . ورواها سيدنا الشريف الرضي المتوفى 406 في خصايص الأئمة، وقال : إتفق حملة الأخبار على نقل شعر قيس وهو ينشده بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام بعد
/ صفحة 68 / رجوعهم من البصرة في قصيدته التي أولها : قــلت لما بغى العدو علينا * : حسبنا ربنا ونعم الوكيل وهذان الشاعران [ قيس وحسان ] صحابيان شهدا بالإمامة لأمير المؤمنين شهادة من حضر المشهد وعرف المصدر والمورد. وأخرجها العلم الحجة الشيخ عبيد الله السدابادي في المقنع - الموجود عندنا - فقال : قالوا : ومن الدليل على أن أمير المؤمنين هو الإمام المنصوص عليه قول قيس بن سعد بن عبادة، وهذا من خيار الصحابة يشهد له بالإمامة، وإنه منصوص عليه، وإنه خولف، وقال الكميت بن زيد يصدق قول قيس بن سعد وحسان بن ثابت . ورواها العلامة الكراجكي المتوفى 449 في كنز الفوائد ص 234 فقال : إنه مما حفظ عن قيس بن سعد بن عبادة وإنه كان يقوله بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام بصفين ومعه الراية . وأخرجها أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى 654 في " التذكرة " ص 20 فقال : إن قيس أنشدها بين يدي علي بصفين . ورواها سيدنا هبة الدين الراوندي في " المجموع الرائق " - الموجود عندنا - و المفسر الكبير الشيخ أبو الفتوح الرازي في تفسيره 2 ص 193، وشيخ السروي الآتي شيخنا الشهيد الفتال في " روضة الواعظين " ص 90، وسيدنا القاضي نور الله المرعشي الشهيد 1019 في " مجالس المؤمنين " ص 101، والعلامة المجلسي المتوفى 1111 في " البحار " 9 ص 245، والسيد علي خان المتوفى 1120 في " الدرجات الرفيعة " - الموجود عندنا - في ذكر غزوة صفين، وشيخنا صاحب " الحدايق " البحراني المتوفى 1186 في كشكوله 2 ص 18 . وجمع آخر من متأخري أعلام الطايفة . * (الشاعر) * أبو القاسم وقيل : أبو الفضل (8) قيس بن سعد بن عبادة بن دليم (2) بن حارثة ابن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) وقيل : أبو عبد الله . وقيل : أبو عبد الملك . (2) في تهذيب التهذيب : دليهم .
/ صفحة 69 / أبي حزيمة [ بالحاء المهملة المفتوحة ] (1) ابن ثعلبة بن ظريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر (2) بن حارثة بن ثعلبة . إلى آخر النسب المذكور ص 56 . أمه فكيهة بنت عبيد بن دليم بن حارثة . هو ذلك الصحابي العظيم، كان يعد من أشراف العرب، وأمرائها، ودهاتها، وفرسانها، وأجوادها، وخطباؤها، وزهادها، وفضلائها، ومن عمد الدين وأركان المذهب . * (أما شرفه) * فكان هو سيد الخزرج وابن سادتها، وقد حاز بيته الشرف والمجد جاهلية وإسلاما، قال سليم بن قيس الهلالي في كتابه : إن قيس بن سعد كان سيد الأنصار وابن سيدها . وفي كامل المبرد 1 ص 309 : كان شجاعا جوادا سيدا . وقال أبو عمرو الكشي في رجاله ص 73 : لم يزل قيس سيدا في الجاهلية والاسلام وأبوه و جده وجد جده لم يزل فيهم الشرف، وكان سعد يجير فيجار وذلك له لسؤدده، ولم يزل هو وأبوه أصحاب إطعام في الجاهلية والاسلام، وقيس ابنه بعده على مثل ذلك . وفي الاستيعاب 2 ص 538 : كان قيس شريف قومه غير مدافع هو وأبوه وجده . وفي أسد الغابة 4 ص 215 : كان شريف قومه غير مدافع ومن بيت سيادتهم . وقال ابن كثير في تاريخه 8 ص 99 : كان سيدا مطاعا كريما ممدوحا شجاعا . وقال المترجم له في أبيات له : وإني من القـــوم اليمــــانين سـيد * ومــــا النــــاس إلا سيــــد ومسود وبز جميع الناس أصلي ومنصبي * وجــــسم به أعــــلو الرجـــال مديد وكان والده أحد النقباء الاثنى عشر الذين ضمنوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إسلام قومهم والنقيب : الضمين . راجع تاريخ ابن عساكر 1 ص 86 . * (وأما إمارته) * ففي العهد النبوي كان من النبي صلى الله عليه وآله بمنزلة صاحب الشرطة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) وقيل : حارثة بن خزيم بن أبي خزيمة بالمعجمة المضمومة، تاريخ الخطيب 1 ص 177 . (2) هنا يتحد المترجم مع حسان في النسب .
/ صفحة 70 / من الأمير يلي ما يلي من أموره (1) وكان حامل راية الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض الغزوات، واستعمله على الصدقة، وكان من ذوي الرأي من الناس (2) وبعده ولاه أمير المؤمنين عليه السلام مصر وكان أميرها الطاهر . كان قيس من شيعة علي عليه السلام ومناصحيه بعثه علي أميرا على مصر في صفر سنة 36، وقال له : سر إلى مصر فقد وليتكها، واخرج إلى ظاهر المدينة، واجمع إليك ثقاتك ومن أحببت أن يصحبك حتى تأتي مصر ومعك جند، فإن ذلك أرعب لعدوك وأعز لوليك، فإذا أنت قدمتها إنشاء الله فأحسن إلى المحسن، واشدد على المريب، و أرفق بالعامة والخاصة فإن الرفق يمن . فقال قيس : رحمك الله يا أمير المؤمنين ؟ قد فهمت ما ذكرت، فأما الجند فإني أدعه لك، فإذا احتجت إليهم كانوا قريبا منك، وإن أردت بعثتهم إلى وجه من وجوهك كان لك عدة، ولكني أسير إلى مصر بنفسي وأهل بيتي، وأما ما أوصيتني به من الرفق والاحسان فالله تعالى هو المستعان على ذلك . فخرج قيس في سبعة نفر من أهله حتى دخل مصر مستهل ربيع الأول فصعد المنبر فجلس عليه خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال : الحمد لله الذي جاء بالحق . وأمات الباطل، وكبت الظالمين، أيها الناس ؟ إنا بايعنا خير من نعلم بعد نبينا محمد " صلى الله عليه وآله " فقوموا فبايعوا على كتاب الله وسنة رسوله، فإن نحن لم نعلم لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم . فقام الناس فبايعوا واستقامت مصر وأعمالها لقيس وبعث عليها عماله إلا أن قرية منها يقال لها : خربتا (3) قد أعظم أهلها قتل عثمان وبها رجل من بني كنانة يقال له : يزيد ابن الحارث فبعث إلى قيس إنا لا نأتيك فابعث عمالك فالأرض أرضك ولكن أقرنا على ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) صحيح الترمذي 2 ص 317، سنن البيهقي 8 ص 155، مصابيح البغوي 2 ص 51، الاستيعاب 2 ص 538، أسد الغابة 4 ص 215، الإصابة 5 ص 354، تهذيب التهذيب 6 ص 394 ؟ ؟، مجمع الروايد 9 ص 345 . (2) تاريخ ابن عساكر، تاريخ ابن كثير 8 ص 99 . (3) بفتح الخاء وكسرها وكسر الراء المهملة ثم الموحدة الساكنة .
/ صفحة 71 / حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس، ووثب محمد بن مسلمة بن مخلد بن صامت الأنصاري فنعى عثمان ودعا إلى الطلب بدمه . فأرسل إليه قيس : ويحك أعلي تثب ؟ والله ما أحب أن لي ملك الشام ومصر وإني قتلتك فأحقن دمك . فأرسل إليه مسلمة : إني كاف عنك ما دمت أنت والي مصر، وكان قيس له حزم ورأي (1) . خرج أمير المؤمنين عليه السلام إلى الجمل وقيس على مصر، ورجع من البصرة إلى الكوفة وهو بمكانه ووليها أربعة أشهر وخمسة أيام، دخلها كما مر في مستهل ربيع الأول وصرف منها لخمس خلون من رجب كما في الخطط للمقريزي، فما في الاستيعاب وغيره : إنه شهد الجمل الواقع في جمادى الآخرة سنة 36 في غير محله، نعم يظهر من التاريخ شهوده في مقدمات الجمل . وولاه على أمير المؤمنين آذربيجان كما في تاريخ اليعقوبي 2 ص 178 وكتب إليه وهو عليها : أما بعد : فأقبل على خراجك بالحق، وأحسن إلى جندك بالإنصاف، وعلم من قبلك مما علمك الله، ثم إن عبد الله بن شبيل الأحمسي سألني الكتاب إليك فيه بوصايتك به خيرا، فقد رأيته وادعا متواضعا، فألن حجابك، وافتح بابك، واعمد إلى الحق، فإن من وافق الحق ما يحبو أسره، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب . قال غياث : ولما أجمع علي على القتال لمعاوية كتب أيضا إلى قيس : أما بعد : فاستعمل عبد الله بن شبيل الأحمسي خليفة لك وأقبل إلي، فإن المسلمين قد أجمع ملأهم وانقادت جماعتهم، فعجل الاقبال فأنا سأحضرن إلى المحلين عند غرة الهلال إنشاء الله، وما تأخري إلا لك، قضى الله لنا ولك بالاحسان في أمرنا كله . وروى الطبري في تاريخه 6 ص 91، وابن كثير في تاريخه 8 ص 14 عن الزهري : أنه قال : جعل علي عليه السلام قيس بن سعد على مقدمة من أهل العراق إلى قبل آذربيجان وعلى أرضها وشرطة الخميس التي ابتدعتها العرب وكانوا أربعين ألفا بايعوا عليه السلام على الموت، ولم يزل قيس يداري ذلك البعث حتى قتل علي عليه السلام واستخلف ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تاريخ الطبري 5 ص 227، كامل ابن الأثير 3 ص 106، شرح ابن أبي الحديد 2 ؟ ص 23 نقلا عن كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي .
/ صفحة 72 / أهل العراق الحسن بن علي عليها السلام على الخلافة . * (حديث دهاءه) * يجد القارئ شواهد قوية على ذلك من مواقفه العظيمة في المغازي، ونظراته العميقة في الحروب، وآرائه المتبعة في مهمات القضايا، وأفكاره العالية في إمارته، وإعظام الإمام أمير المؤمنين محله من الدهاء، وإكباره رأيه في حكومته، فإنه لما قدم قيس من ولاية مصر على علي، وأخبره الخبر الجاري بينه وبين رجال مصر ومعاوية علم أنه كان يقاسي أمورا عظاما من المكايدة، فعظم محل قيس عنده، وأطاعه في الأمر كله (تاريخ الطبري 5 ص 231) . فعندها تجد سيد الخزرج (قيس) في الطبقة العليا من أصحاب الرأي ومن مقدمي رجالات النهى والحجا، وتشاهد هناك آيات عقله المطبوع والمكتسب، وتعده أعظم دهاة العرب حين ثارت الفتن، وسعرت نار الحرب، إن لم نقل : أعظم دهاة العالم، ونرى له التقدم في الفضيلة على الخمسة (1) الذين عدوه منهم، وأولاهم بالعقلية الناضجة، وتجد دون محله الشامخ ما في الاستيعاب 2 ص 538 وغيره (2) من : إنه أحد الفضلاء الجلة من دهاة العرب من أهل الرأي والمكيدة في الحرب، مع النجدة والسخاء والشجاعة . قال الحلبي في سيرته: من وقف على ما وقع بينه وبين معاوية لرأى العجب من وفور عقله . وقال ابن كثير في البداية 8 ص 99 : ولاه علي نيابة مصر وكان يقاوم بدهائه وخديعته وسياسته لمعاوية وعمرو بن العاص. وكان الإمام السبط الحسن يوصي أمير عسكره عبد الله بن العباس وهو أمير اثنى عشر ألفا من فرسان العرب، وقراء مصر بمشاورة قيس بن سعد والمراجعة إليه في مهام الحرب مع معاوية والأخذ برأيه في سياسة الجيش، كما يأتي حديثه . وكان ثقيلا جدا على معاوية وأصحابه، ولما قدم قيس إلى المدينة من مصر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) هم : معاوية . عمرو بن العاص . قيس بن سعد . المغيرة بن شعبة . عبد الله بن بديل : راجع تاريخ الطبري 6 ص 94، كامل ابن الأثير 3 ص 143، أسد الغابة 4 ص 215 . (2) أسد الغابة 4 ص 215، الإصابة 3 ص 249، تهذيب التهذيب 8 ص 395، السيرة الحلبية 3 ص 93 .
/ صفحة 73 / أخافه مروان والأسود بن أبي البختري فظهر قيس إلى علي عليه السلام فكتب معاوية إلى مروان والأسود يتغيظ عليهما ويقول : أمددتما عليا بقيس بن سعد ورأيه و مكايدته، فوالله لو أنكما أمددتماه بمأة ألف مقاتل ما كان ذلك بأغيظ إلي من إخراجكما قيس بن سعد إلى علي (تاريخ الطبري 6 ص 53) وعالج معاوية قلوب أصحابه وأمنهم من ناحية قيس بافتعال كتاب عليه وقرائته على أهل الشام كما يأتي تفصيله . وكان قيس يرى نفسه في المكيدة والدهاء فوق الكل وأولى الجميع ويقول : لولا أني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : المكر والخديعة في النار . لكنت من أمكر هذه الأمة (1) ويقول : لولا الاسلام لمكرت مكرا لا تطيقه العرب (2) فشهرته بالدهاء مع تقيد المعروف بالدين، وكلاءته حمى الشريعة، والتزامه البالغ في إعمال الرأي بما يوافق رضى مولاه سبحانه، وكفه نفسه عما يخالف ربه، تثبت له الأولوية والتقدم والبروز بين دهاة العرب، ولا يعادله من الدهاة الخمسة الشهيرة أحد إلا عبد الله بن بديل وذلك لاشتراكهما في المبدء، والتزامهما بالدين الحنيف، والكف عن الهوى، والوقوف عند مضلات الفتن . وكلامه لمالك الأشتر (مالك وما مالك ؟) ينم عن غزارة عقله، وحسن تدبيره، واستقامة رأيه، وقوة إيمانه، وهو من غرر الكلم، ودرر الحكم، رواه شيخ الطايفة في أماليه ص 86 في حديث طويل فقال : قال الأشتر لعلي عليه السلام : دعني يا أمير المؤمنين ؟ أوقع بهؤلاء الذين يتخلفون عنك . فقال له : كف عني . فانصرف الأشتر وهو مغضب، ثم إن قيس بن سعد لقي مالكا في نفر من المهاجرين والأنصار فقال : يا مالك ؟ كلما ضاق صدرك بشئ أخرجته، وكلما استبطأت أمرا استعجلته، إن أدب الصبر : التسليم، وأدب العجلة : الأناة، وإن شر القول : ما ضاهى العيب، وشر الرأي : ما ضاهى التهمة، فإذا ابتليت فاسأل، وإذا أمرت فأطع، ولا تسأل قبل البلاء، ولا تكلف قبل أن ينزل الأمر، فإن في أنفسنا ما في نفسك، فلا تشق على صاحبك . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أسد الغابة 4 ص 215، تاريخ ابن كثير 8 ص 101 . (2) الدرجات الرفيعة، الإصابة 3 ص 249 .
/ صفحة 74 / ولما بويع أمير المؤمنين بلغه : أن معاوية قد وقف من إظهار البيعة له وقال : إن أقرني على الشام وأعمالي التي ولانيها عثمان بايعته . فجاء المغيرة إلى أمير المؤمنين فقال له : يا أمير المؤمنين ؟ إن معاوية من قد عرفت وقد ولاه الشام من كان قبلك فوله أنت كيما تتسق عرى الأمور ثم اعزله إن بدا لك فقال أمير المؤمنين : أتضمن لي عمري يا مغيرة فيما بين توليته إلى خلعه ؟ قال : لا . قال : لا يسألني الله عز وجل عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبدا، وما كنت متخذ المضلين عضدا، لكن أبعث إليه وادعوه إلى ما في يدي من الحق، فإن أجاب فرجل من المسلمين، له ما لهم، و عليه ما عليهم، وإن أبى حاكمته إلى الله، فولى المغيرة وهو يقول : فحاكمه إذا، فحاكمه إذا، فأنشأ يقول : نصحت عليا في ابن حرب نصيحة * فرد فمــــا مــــني له الــدهر ثانيه ولم يقبل النــــصح الذي جئــته به * وكانت لــــه تلك النصيحة كــــافيه وقالوا له : ما أخلص النصح كله * فقلت لــــه : إن النصيحــــة غاليه فقام قيس بن سعد فقال : يا أمير المؤمنين ؟ إن المغيرة أشار عليك بأمر لم يرد الله به، فقدم فيه رجلا وأخر فيه أخرى، فإن كان لك الغلبة يقرب إليك بالنصيحة، و إن كانت لمعاوية يقرب إليه بالمشورة . ثم أنشأ يقول : يكاد ومن أرسى بثيرا مكانه (1) * مغــــيرة أن يقـوى عليك معاويه وكنــــت بحمد الله فيــــنا موفـــقا * وتلك التي أرءاكهــــا غـير كافيه فسبحان من علا السماء مكانها * وأرضا دحاها فاستقرت كما هيه فكان هو صاحب الرأي الوحيد بعين الإمام الطاهر تجاه تلك الآراء التعسة الفارغة عن النزعات الروحية في كل منحسة ومتعسة بين حاذف وقاذف(2). * (فروسيته) * إن الباحث لا يقف على أي معجم يذكر فيه قيس إلا ويجد في طيه جمل الثناء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الواو : للقسم . بثير مصغرا . جبل معروف بمنى . (2) مثل يضرب لمن هو بين شرين : الحاذف بالعصا، القاذف بالحصا .
/ صفحة 75 / متواصلة على حماسته وشجاعته، ويقرأ له دروسا وافية حول فروسيته، وبأسه في الحروب وشدته في المواقف الهائلة، فما عساني أن أكتب عن فارس سجل له التأريخ : إنه كان سياف النبي الأعظم، وأشد الناس في زمانه بعد أمير المؤمنين ؟ (1) وما عساني أن أقول في باسل كان أثقل خلق الله على معاوية ؟ جبن أصحابه الشجاع والجبان، وكان أشد عليه من جيش عرام، وكتائب تحشد مائة ألف مقاتل، وكان يوم صفين يقول والله إن قيسا يريد أن يفنينا غدا إن لم يحبسه عنا حابس القيل(2). تعرب عن هذه الناحية مواقفه في العهدين : النبوي والعلوي . أما مواقفه على العهد النبوي فتجد نبأها العظيم في صحايف بدر وفتح وحنين واحد وخيبر ونضير وأحزاب، وهو يعد مواقفه هذه كلها في شعره ويقول : إننا إننا الــــذين إذا الــــفتح * شهــــدنا وخيــــبرا وحنـــينا بعد بدر وتلك قاصمة الظهر * واحد وبالنضيــــر ثــــنيـــــنا وقال سيدنا صاحب "الدرجات الرفيعة" : إنه شهد مع النبي المشاهد كلها، وكان حامل راية الأنصار مع رسول الله، أخذ النبي صلى الله عليه وآله يوم الفتح الراية من أبيه - سعد - و دفعها إليه . وقال الخطيب في تاريخه 1 ص 177 : إنه حمل لواء رسول الله في بعض مغازيه . وفي تاريخي الطبري وابن الأثير 3 ص 106 : إنه كان صاحب راية الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وآله وكان من ذوي الرأي والبأس . وفي الاستيعاب (3) : إنه كان حامل راية النبي في فتح مكة إذا نزعها من أبيه، وأرسل عليا رضي الله عنه أن ينزع اللواء منه ويدفعه لابنه قيس ففعل . وأما مواقفه على العهد العلوي فكان يحض أمير المؤمنين على قتال معاوية ويحثه على محاربة مناوئيه ويقول : يا أمير المؤمنين ؟ ما على الأرض أحد أحب إلينا أن يقيم فينا منك . لأنك نجمنا الذي نهتدي به، ومفزعنا الذي نصير إليه، وإن فقدناك لتظلمن أرضنا وسماؤنا، ولكن والله لو خليت معاوية للمكر ليرومن مصر، وليفسدن اليمن، وليطعمن في العراق، ومعه قوم يمانيون قد اشربوا قتل عثمان، وقد اكتفوا بالظن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إرشاد القلوب للديلمي 2 ص 201 . (2) يأتي ذكر مصادر هذه كلها إنشاء الله تعالى . (3) 2 ص 537، والسيرة الحلبية 3 ص 93، وهامشها سيرة زيني دحلان 2 ص 265 .
/ صفحة 76 / عن العلم، وبالشك عن اليقين، وبالهوى عن الخير، فسر بأهل الحجاز وأهل العراق ثم ارمه بأمر يضيق فيه خناقه، ويقصر له من نفسه . فقال : أحسنت والله يا قيس ؟ وأجملت (1) ز فأرسله علي عليه السلام مع ولده الحسن الزكي وعمار بن ياسر إلى الكوفة ودعوة أهلها إلى نصرته فخطب الحسن عليه السلام هناك وعمار وبعدهما قام قيس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ؟ إن هذا الأمر لو استقبلنا به الشورى، لكان علي أحق الناس به في سابقته وهجرته وعلمه وكان قتل من أبى ذلك حلالا وكيف ؟ والحجة قامت على طلحة والزبير وقد بايعاه خلعاه حسدا . فقام خطباؤهم وأسرعوا إلى الرد بالإجابة فقال النجاشي : رضينا بقــــسم الله إذ كـان قسمنا * عــــليا وأبــــناء النــــبي محــــمد وقلنا له : أهــــلا وسهلا ومرحبا * نقــــبل يديــــه مــــن هــوى وتودد فمرنا بما ترضى نجبك إلى الرضا * بصم العوالي والصفيح المهند(2) وتسويد مــــن سـودت غير مدافع * وإن كان من سودت غــــير مسود فإن نلت ما تهوى فــــذاك نـــريده * وإن تخط ما تهوى فغــــير تعــــمد وقال قيس بن سعد حين أجاب أهل الكوفة : جزى الله أهل الكوفـــة اليوم نصرة * أجـابـــوا ولم يأبوا بخذلان من خذل وقــالوا : عــلي خـــير حاف وناعل * رضينا به من ناقضي العهد من بدل هما أبــــرزا زوج النــــبي تعــــمـدا * يسوق بها الحادي المنيخ على جمل فما هكذا كــــانت وصــــاة نبــــيكــم * ومـــا هكذا الانصاف أعظم بذا المثل فهل بعــــد هــــذا مــن مقال لقائل ؟ * ألا قــــبح الله الأمــــانـي والعــــلــــل هذا لفظ شيخ الطائفة في أمالي ولده ص 87 و 94، ورواه شيخنا المفيد في - النصرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أمالي شيخ الطايفة ص 85 . (2) صم الرجل بحجر : ضربه به . السيف المصمم : الماضي . العوالي إلى ج العالية : ما يلي السنان من القناة . ويطلق على الرمح . الصفيح ج الصفيحة : السيف العريض . هند السيف : أحد .
/ صفحة 77 / لسيد العترة - ونسب الأبيات الدالية إلى قيس بن سعد بتغيير وزيادة وهذا لفظه : فلما قدم الحسن عليه السلام وعمار وقيس الكوفة مستنفرين لأهلها (إلى أن قال) : ثم قام قيس بن سعد رحمه الله فقال : أيها الناس إن هذا الأمر لو استقبلناه فيه شورى لكان أمير المؤمنين أحق الناس به لمكانه من رسول الله، وكان قتال من أبى ذلك حلالا، فكيف في الحجة على طلحة والزبير ؟ وقد بايعاه طوعا ثم خلعاه حسدا وبغيا، وقد جاءكم علي في المهاجرين والأنصار، ثم أنشأ يقول : رضينا بقسم الله إذ كــــان قسمنا * عــــليا وأبــــناء الرسول محمد وقلنا لهم : أهلا وسهلا ومرحبا * نمــــد يدينا من هــــوى وتــــودد فما للزبـير الناقض العهد حرمة * ولا لأخــــيه طــلحة اليوم من يد أتاكم سليل المصطـــفى ووصيه * وأنتم بحمد الله عار من الهد(1) فمن قائم يرجى بخيل إلى الوغا * وصم العــوالي والصفيح المهند يسود مــــن أدنــــاه غـير مدافع * وإن كـــان ما نقضيه غير مسود فـــإن يأتي ما نهوى فذاك نريده * وإن نخــــط ما نهــوى فغير تعمد وكان يسير في تلك المواقف بكل عظمة وجلال بهيئة فخمة، ترهب القلوب، وترعب الفوارس، وترعد الفرائص، قال المنذر بن الجارود يصف مواكب المجاهدين مع أمير المؤمنين وقد رآهم في الزاوية (2) : ثم مر بنا فارس على فرس أشقر عليه ثياب بيض، وقلنسوة بيضاء، وعمامة صفراء، متنكب قوسا، متقلد سيفا، تخط رجلاه في الأرض، في ألف من الناس، الغالب على تيجانهم الصفرة والبياض، معه راية صفراء، قلت : من هذا ؟ قيل : هذا قيس بن سعد بن عبادة في الأنصار وأبناءهم وغيرهم من قحطان . " مروج الذهب 2 ص 8 " . ولما أراد أمير المؤمنين المسير إلى أهل الشام دعا إليه من كان معه من المهاجرين والأنصار فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد : فإنكم ميامين الرأي، مراجيح الحلم، مقاويل بالحق، مباركوا الفعل والأمر، وقد أردنا المسير إلى عدونا وعدوكم فأشيروا علينا برأيكم . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الهد : الضعيف والجبان . (2) موضع قرب البصرة، وقرية بين واسط والبصرة على شاطئ دجلة .
/ صفحة 78 / فقام قيس بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا أمير المؤمنين ؟ انكمش (1) بنا إلى عدونا، ولا تعرج (2) فوالله لجهادهم أحب إلي من جهاد الترك والروم لإدهانهم في دين الله، واستذلالهم أولياء الله من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله من المهاجرين و الأنصار، والتابعين بالاحسان، إذا غضبوا على رجل حبسوه أو ضربوه أو حرموه أو سيروه، وفيأنا لهم في أنفسهم حلال، ونحن لهم فيما يزعمون قطين . قال : يعني رقيق . " كتاب صفين ص 50 " قال صعصعة بن صوحان : لما عقد علي بن أبي طالب الألوية لأجل حرب صفين أخرج لواء رسول الله صلى الله عليه وآله ولم ير ذلك اللواء منذ قبض رسول الله، فعقده علي ودعا قيس بن سعد بن عبادة فدفع إليه واجتمعت الأنصار وأهل بد فلما نظروا إلى لواء رسول الله صلى الله عليه وآله بكوا فأنشأ قيس بن سعد يقول : هــــذا اللواء الـــذي كنا نحف به * مع النــــبي وجــــبريل لـــنا مدد ما ضر من كانت الأنصار عيبته * أن لا يـــكون له من غيرهم أحد قوم إذا حــــاربوا طـــالت أكفهم * بالمشرفــــية حــــتى يفـــتح البلد ابن عساكر في تاريخه 3 ص 245، وابن عبد البر في " الاستيعاب 2 ص 539، وابن الأثير في " أسد الغابة " 4 ص 216، والخوارزمي في " المناقب " ص 122 (3) . ولما تعاظمت الأمور على معاوية دعا عمر بن العاص، وبسر بن أرطاة، و عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فقال لهم : إنه قد غمني رجال من أصحاب علي منهم : سعيد بن قيس في همدان، والأشتر في قومه، والمرقال (هاشم بن عتبة)، وعدي بن حاتم، وقيس بن سعد في الأنصار، وقد وقتكم يمانيكم بأنفسها حتى لقد إستحييت لكم وأنتم عددتم من قريش، وقد أردت أن يعلم الناس أنكم أهل غنا، وقد عبأت لكل رجل منهم رجلا منكم فاجعلوا ذلك إلي . فقالوا : ذلك إليك . قال : فأنا أكفيكم سعيد بن قيس وقومه غدا . وأنت يا عمرو ؟ لأعور بني ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انكمش الرجل : أسرع . (2) من عرج : وقف ولبث . (3) ذكر الأبيات له شيخنا المفيد في يوم الجمل وهو في غير محله .
/ صفحة 79 / زهرة : المرقال . وأنت يا بسر ؟ لقيس بن سعد . وأنت يا عبيد الله ؟ للأشتر النخعي . وأنت يا عبد الرحمن بن خالد ؟ لأعور طي يعني : عدي بن حاتم . ثم ليرد كل رجل منكم عن حماة الخيل فجعلها نوايب في خمسة أيام لكل رجل منهم يوما . وإن بسر بن أرطاة غدا في اليوم الثالث في حماة الخيل فلقي قيس بن سعد في كماة الأنصار فاشتدت الحرب بينهما وبرز قيس كأنه فنيق (1) مقرم (2) وهو يقول : أنا ابن سعــــد زانــــه عــباده * والخــــزرجيون رجــال ساده ليس فــــراري بالوغـــا بعاده * إن الفــــرار للفــــتى قــــلاده يا رب أنت لقني الشهادة (3) * والقتل خـــير من عناق غاده حتى متى تثنى لي الوســـادة فطعن خيل بسر وبرز له بعد ملي وهو يقول : أنا ابن أرطــــاة عــــظيم القـــدر * مــــراود فــــي غــــالب بــن فهر ليس الفــــرار مــــن طـباع بسر * إن يــــرجع اليوم بغيــــر وتــــــر وقــــد قــــضيت في عدوي نذري * يا ليت شعري ما بقي من عمري وجعل يطعن بسر قيسا فيضربه قيس بالسيف فيرده على عقبيه، ورجع القوم جميعا ولقيس الفضل (كتاب صفين ص 226) . وروى نصر في كتابه ص 227 - 240 : إن معاوية دعا النعمان بن بشر بن سعد الأنصاري، ومسلمة بن مخلد الأنصاري ولم يكن معه من الأنصار غيرهما فقال : يا هاذان ؟ لقد غمني ما لقيت من الأوس والخزرج، صاروا واضعي سيوفهم على عواتقهم يدعون إلى النزال حتى والله جبنوا أصحابي الشجاع والجبان، وحتى والله ما أسأل عن فارس من أهل الشام إلا قالوا : قتله الأنصار، أما والله لألقينهم بحدي وحديدي، ولأعيبن لكل فارس منهم فارسا ينشب (4) في حلقه، ثم لأرمينهم بأعدادهم من قريش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) فنيق كشريف : الفحل المكرم لا يؤذى ولا يركب لكرامته . (2) أقرم الفحل : ترك عن الركوب والعمل للفحلة . (3) في مناقب ابن شهر آشوب : يا ذا الجلال لقني الشهادة . (4) نشب الشيئ في الشيئ : علق فيه .
/ صفحة 80 / رجالا لم يغذهم التمر والطفيشل (1) يقولون : نحن الأنصار قد والله آووا ونصروا ولكن أفسدوا حقهم بباطلهم . فغضب النعمان فقال : يا معاوية ؟ لا تلومن الأنصار بسرعتهم في الحرب فإنهم كذلك كانوا في الجاهلية، فأما دعاؤهم إلى النزال فقد رأيتهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وأما لقاؤك إياهم في أعدادهم من قريش فقد علمت ما لقيت قريش منهم فإن أحببت أن ترى فيهم مثل ذلك آنفا ؟ فافعل، وأما التمر والطفيشل فإن التمر كان لنا فلما أن ذقتموه شاركتمونا فيه، وأما الطفيشل فكان لليهود فلما أكلناه غلبنا هم عليه كما غلب قريش على سخينة (2) ثم تكلم مسلمة بن مخلد (إلى أن قال) : وانتهى الكلام إلى الأنصار فجمع قيس بن سعد الأنصاري الأنصار ثم قام خطيبا فيهم فقال : إن معاوية قد قال ما بلغكم وأجاب عنكم صاحبكم، فلعمري لئن غظتم معاوية اليوم لقد غظتموه بالأمس، وإن وترتموه في الاسلام لقد وترتموه في الشرك، وما لكم إليه من ذنب أعظم من نصر هذا الدين الذي أنتم عليه، فجدوا اليوم جدا تنسونه به ما كان أمس، وجدوا غدا جدا تنسونه به ما كان اليوم، وأنتم مع هذا اللواء الذي كان يقاتل عن يمينه جبرئيل وعن يساره ميكائيل، والقوم مع لواء أبي جهل والأحزاب، وأما التمر فإنا لم نغرسه ولكن غلبنا عليه من غرسه، وأما الطفيشل فلو كان طعامنا لسمينا به كما سميت : قريش السخينة . ثم قال قيس بن سعد في ذلك : يا بن هند : دع التــــوثــــــــــب فــــي الحــــرب * إذا نحــــن فــــي البلاد نـــأينا(3) نحــــن مــــن قــــد رأيــت فادن إذا * شئــت بمن شئت في العجاج إلينا إن بـــرزنا بالجمع نلقك في الجمع * وإن شئت محـــضة أســــريـــــنـا فالقنا في اللفيف نلقك في الخزرج * تدعــــو فــــي حــــربنا أبــــويــــنا أي هــــذين مــــا أردت فــــخــذه ؟ * لــــيس منــــا وليــس منك الهوينا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) كسميدع : نوع من المرق . (2) طعام يتخذ من دقيق وسمن كانت قريش تكثر من أكلها فعيرت بها وسميت : قريش السخينة . (3) ذكر ابن أبي الحديد في شرحه 2 ص 297 ستة من هذه الأبيات مع اختلاف فيها .
/ صفحة 81 / ثم لا ينــــزع العجــــــاجـــــة حتى * تنجلي حــــوبنا لنــــا أو عــــليـــنا ليت ما تطــــلب العــــداة أتـــانــــا * أنعــــم الله بالشهــــادة عــــيــــنــا إننا إننا الذيــــن إذا الــــفــــتـــــح * شهدنا وخيــــبــــرا وحــــنــــيـــــنا بعــــد بــــدر وتـلك قاصمة الظهر * واُحــــد وبالنضــــيــــر ثــــنــــيـــنا يــــوم الأحــــزاب قــد علم الناس * شفــــينا مــــن قبــــلكم واشتـــفينا فلما بلغ معاوية شعره دعا عمرو بن العاص فقال : ما ترى في شتم الأنصار ؟ قال : أرى أن توعد ولا تشتم، ما عسى أن تقول لهم ؟ إذا أردت ذمهم ذم أبدانهم ولا تذم أحسابهم قال معاوية : إن خطيب الأنصار قيس بن سعد يقوم كل يوم خطيبا وهو والله يريد أن يفنينا غدا إن لم يحبسه عنا حابس القيل، فما الرأي ؟ قال : الرأي : التوكل والصبر . فأرسل معاوية إلى رجال من الأنصار فعاتبهم، منهم : عقبة بن عمرو . وأبو مسعود . والبراء بن عازب . و عبد الرحمن بن أبي ليلي . وخزيمة بن ثابت . وزيد بن أرقم . وعمرو ابن عمرو . والحجاج بن غزية . وكانوا هؤلاء يلقون في تلك الحرب فبعث معاوية بقوله : لتأتوا قيس بن سعد . فمشوا بأجمعهم إلى قيس قالوا : إن معاوية لا يريد شتمنا فكف عن شتمه فقال : إن مثلي لا يشتم ولكني لا أكف عن حربه حتى ألقى الله . وتحركت الخيل غدوة فظن قيس بن سعد أن فيها معاوية فحمل على رجل يشبهه فقنعه بالسيف فإذا غير معاوية، وحمل الثانية يشبهه أيضا فضربه ثم انصرف وهو يقول : قــــولوا لهذا الشاتمـــي معاويه * إن كــــلما أوعــدت ريح هاويه خوفتــــنا لكــــلب قوم عــــاويـه * إلي يا بن الخــــاطئين الماضيه ترقل إرقال العجوز الخاويه(1) * في أثر الســـــاري ليال الشاتيه فقال معاوية : يا أهل الشام ؟ إذا لقيتم هذا الرجل فأخبروه بمساويه (فلما تحاجز الفريقان شتمه معاوية شتما قبيحا وشتم الأنصار) (2) فغضب النعمان ومسلمة على معاوية، فأرضاهما بعد ما هما أن ينصرفا إلى قومهما . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أرقل : أسرع . الخاوية : الساقطة . (2) هذه الجملة من لفظ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد .
/ صفحة 82 / ثم إن معاوية سأل النعمان أن يخرج إلى قيس فيعاتبه ويسأله السلم، فخرج النعمان حتى وقف بين الصفين فقال يا قيس ؟ أنا النعمان بن بشير . فقال قيس : هيه يا ابن بشير ؟ فما حاجتك ؟ فقال النعمان : يا قيس ؟ إنه قد أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنفسه، ألستم معشر الأنصار تعلمون أنكم أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار ؟ وقتلتم أنصاره يوم الجمل ؟ وأقحمتم خيولكم على أهل الشام بصفين ؟ فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا لكان واحدة بواحدة، ولكنكم خذلتم حقا ونصرتم باطلا، ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس حتى أعلمتم في الحرب، ودعوتم إلى البراز، ثم لم ينزل بعلي أمر (1) قط إلا هونتم عليه المصيبة، ووعدتموه الظفر، وقد أخذت الحرب منا وعنكم ما قد رأيتم فاتقوا الله في البقية . فضحك قيس ثم قال : ما كنت أراك يا نعمان ؟ تجتري على هذه المقالة، إنه لا ينصح أخاه من غش نفسه، وأنت والله الغاش الضال المضل . أما ذكرك عثمان فإن كانت الأخبار تكفيك فخذ مني واحدة : قتل عثمان من لست خيرا منه، وخذله من هو خير منك، أما أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث . وأما معاوية فوالله لو اجتمعت عليه العرب لقاتلته الأنصار . وأما قولك : إنا لسنا كالناس فنحن في هذا الحرب كما كنا مع رسول الله نتقي السيوف بوجوهنا، والرماح بنحورنا، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون، ولكن انظر يا نعمان ؟ هل ترى مع معاوية إلا طليقا أو أعرابيا أو يمانيا مستدرجا بغرور ؟ انظر أين المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان الذين رضي الله عنهم، ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وصويحبك ؟ ولستما والله ببدريين ولا أحديين ولا لكما سابقة في الاسلام، ولا آية في القرآن (2) و لعمري لئن شغبت علينا لقد شغب علينا أبوك . ثم قال قيس في ذلك: والراقصات بكـل أشعث أغبر * خوص العيون تحثها الركبان ما ابن المخــلد ناسيا أسيافنا * عــمن نحــــاربه ولا النعمان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) في شرح النهج : خطب . (2) وإلى هنا رواه ابن قتيبة أيضا في الإمامة والسياسية 1 ص 94 .
/ صفحة 83 / تركا العيان وفي العيان كفاية * لو كـــــان ينفع صاحبيه عيان ثم إن عليا عليه السلام دعا قيس بن سعد فأثنى عليه خيرا وسوده على الأنصار (1) وخرج قيس في نهروان إلى الخوارج فقال لهم : عباد الله ؟ أخرجوا إلينا طلبتنا منكم وادخلوا في هذا الأمر الذي خرجتم منه، وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم فإنكم ركبتم عظيما من الأمر، تشهدون علينا بالشرك، والشرك ظلم عظيم، تسفكون دماء المسلمين، وتعدونهم مشركين . فقال له عبد الله بن شجرة السلمي : إن الحق قد أضاء لنا فلسنا متابعيكم أو تأتونا بمثل عمر . فقال قيس : ما نعلمه فينا غير صاحبنا فهل تعلمونه فيكم ؟ قالوا : لا . قال : نشدتكم الله في أنفسكم أن تهلكوها فإني لا أرى الفتنة إلا وقد غلبت عليكم (2) أما موقفه بعد العهدين فكان مع الإمام السبط المجتبى سلام الله عليه ولما وجه عسكره إلى قتال أهل الشام دعا عليه السلام عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب فقال له : يا بن عم ؟ إني باعث إليك اثنى عشر ألفا من فرسان العرب، وقراء مضر، الرجل منهم يريد الكتيبة، فسر بهم، وألن لهم جانبك، وأبسط لهم وجهك، وأفرش لهم جناحك، وادنهم في مجلسك، فإنهم بقية ثقات أمير المؤمنين، وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات حتى تسير بمسكن (3) ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني على أثرك وشيكا، وليكن خبرك عندي كل يوم، وشاور هذين يعني : قيس بن سعد وسعيد بن قيس، وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فإن فعل فقاتله، وإن أصبت فقيس بن سعد، وإن أصيب قيس بن سعد فسعيد بن قيس على الناس . فسار عبيد الله ... فأما معاوية فإنه وافى حتى نزل قرية يقال لها : الحيوضة . (بمسكن) وأقبل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إلى هنا تنتهى رواية نصر بن مزاحم في كتاب صفين . (2) تاريخ الطبري 6 ص 47، كامل ابن الأثير 3 ص 137 . (3) بفتح الميم ثم السكون ثم الكسر : موضع قريب من أوانا ناحية دجيل بينه وبين بغداد عدة فراسخ من جهة تكريت .
/ صفحة 84 / عبيد الله بن عباس حتى نزل بإزاءه فلما كان من غد وجه معاوية بخيل إلى عبيد الله فيمن معه فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن عباس أن الحسن قد أرسلني في الصلح، وهو مسلم الأمر إلي فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا، وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن أجبتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم، اعجل لك في هذا الوقت نصفها، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فأقبل عبيد الله إليه ليلا فدخل عسكر معاوية، فوفى له بما وعده، وأصبح الناس ينتظرون عبيد الله أن يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه، فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة، ثم خطبهم فثبتهم وذكر عبيد الله فنال منه، ثم أمرهم بالصبر والنهوض إلى العدو فأجابوه بالطاعة وقالوا له : انهض بنا إلى عدونا على اسم الله . فنزل فنهض بهم وخرج إليه بسر بن أرطاة فصاح إلى أهل العراق : ويحكم هذا أميركم عندنا قد بايع، وإمامكم الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم ؟ فقال لهم قيس بن سعد : اختاروا إحدى اثنتين : إما القتال مع غير إمام، وإما أن تبايعوا بيعة ضلال . فقالوا : بل نقاتل بلا إمام فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم، فكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه ويمنيه فكتب إليه قيس : لا والله لا تلقاني أبدا إلا بيني وبينك الرمح (شرح ابن أبي الحديد 4 ص 14) قال اليعقوبي في تاريخه 2 ص 191 : إنه وجه الحسن عليه السلام بعبيد الله بن العباس في اثنى عشر ألفا لقتال معاوية ومعه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وأمر عبيد الله أن يعمل بأمر قيس ورأيه فسار إلى ناحية الجزيرة وأقبل معاوية لما انتهى إليه الخبر بقتل علي فسار إلى الموصل بعد قتل علي بثمانية عشر يوما، والتقى العسكران فوجه معاوية إلى قيس بن سعد : يبذل له ألف ألف درهم على أن يصير معه أو ينصرف عنه، فأرسل إليه بالمال وقال : تخدعني عن ديني ؟ فيقال : إنه أرسل إلى عبيد الله بن عباس وجعل له ألف ألف درهم فصار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه، وأقام قيس على محاربته، وكان معاوية يدس إلى عسكر الحسن من يتحدث : أن قيس بن سعد قد صالح معاوية وصار معه، ووجه إلى عسكر قيس من يتحدث : أن الحسن قد صالح معاوية وأجابه .
/ صفحة 85 / وفي الاستيعاب 2 ص 225 عن عروة قال : كان قيس مع الحسن بن علي على مقدمته ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رؤسهم بعد ما مات علي وتبايعوا على الموت، فلما دخل الحسن في بيعة معاوية أبى قيس أن يدخل وقال لأصحابه : ما شئتم ؟ إن شئتم جادلت بكم حتى يموت الأعجل منا، وإن شئتم أخذت لكم أمانا ؟ ؟ ! فقالوا : خذ لنا أمانا، فأخذ لهم إن لهم كذا وكذا، وأن لا يعاقبوا بشئ وأنه رجل منهم، ولم يأخذ لنفسه خاصة شيئا . (ثم ارتحل نحو المدينة ومضى بأصحابه) . * (حديث جوده) * لا يسعنا بسط المقال في أخبار (قيس) من هذه الناحية لكثرتها، غير أنا نورد لك شيئا من ذلك الكثير الطيب، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق (1) وكانت هذه الخلة من هذا البيت على عنق الدهر " أي قديما " وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : الجود من شيمة أهل ذلك البيت (2) . باع قيس مالا من معاوية بتسعين ألفا فأمر مناديا فنادى في المدينة : من أراد القرض فليأت منزل سعد فأقرض أربعين أو خمسين وأجاز الباقي، وكتب على من أقر له صكا، فمرض مرضا قل عواده فقال لزوجته قريبة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر : يا قريبة ؟ لم ترين قل عوادي ؟ قالت للذي لك عليهم من الدين . فأرسل إلى كل رجل بصكه المكتوب عليه فوهبه ماله عليهم (3) . قال جابر : خرجنا في بعث كان عليهم قيس بن سعد ونحر لهم تسع ركائب فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله ذكروا له من أمر قيس فقال : إن الجود من شيمة أهل ذلك البيت، ولما ارتحل من العراق نحو المدينة ومضى بأصحابه جعل ينحر لهم كل يوم جزورا حتى بلغ (4) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) مثل يضرب : أي حسبك بالقليل من الكثير . (2) الإصابة 5 ص 254 . (3) تاريخ الخطيب البغدادي 1 ص 177، تاريخ ابن كثير 8 ص 69 . (4) الاستيعاب 2 ص 525، تهذيب التهذيب 8 ص 394 .
/ صفحة 86 / روى عبد الله بن المبارك عن جويرة قال : كتب معاوية إلى مروان : أن اشتر دار كثير بن الصلت منه فأبى عليه فكتب معاوية إلى مروان : أن خذه بالمال الذي عليه، فإن جاء به وإلا بع عليه داره . فأرسل إليه مروان فأخبره قال : إني أؤجلك ثلاثا فإن جئت بالمال وإلا بعت عليك دارك . قال : فجمعها إلا ثلاثين ألفا فقال : من لي بها ؟ ثم ذكر قيس بن سعد فأتاه فطلبها منه فأقرضه فجاء بها إلى مروان فلما رآه قد جاء بها ردها إليه ورد عليه داره، فرد كثير الثلاثين ألفا على قيس فأبى أن يقبلها . (1) روى المبرد في كامله 1 ص 309 : أن عجوزا شكت إلى قيس أن ليس في بيتها جرذ فقال : ما أحسن ما سألت، أما والله لأكثرن جرذان بيتك . فملأ بيتها طعاما وودكا وإداما، وقال ابن عبد البر : هذه القصة مشهورة صحيحة . في كامل المبرد 1 ص 309 : إنه توفي أبوه عن حمل لم يعلم به، فلما ولد وقد كان سعد رضي الله عنه قسم ماله في حين خروجه من المدينة بين أولاده فكلم أبو بكر و عمر في ذلك قيسا وسألاه أن ينقض ما صنع سعد من تلك القسمة فقال : نصيبي للمولود ولا أغير ما صنع أبي ولا أنقضه . وذكره ابن عبد البر في " الاستيعاب " 2 ص 525 وقال : صحيح من رواية الثقات . ومن مشهور أخبار قيس : إنه كان له مال كثير ديونا على الناس فمرض واستبطأ عواده فقيل له : إنهم يستحيون من أجل دينك . فقال : أخزى الله مالا يمنع الأخوان من العيادة . فأمر مناديا ينادي : من كان لقيس عليه مال فهو في حل . فأتاه الناس حتى هدموا درجتا كانوا يصعدون عليها إليه، وفي لفظ : فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه من كثرة العواد . (2) كان قيس في سرية فيها أبو بكر وعمر فكان يستدين ويطعم الناس، فقال أبو بكر و عمر : إن تركنا هذا الفتى أهلك مال أبيه فمشيا في الناس فلما سمع سعد قام خلف النبي فقال : من يعذرني من ابن أبي قحافة وابن الخطاب يبخلان علي إبني . " أسد الغابة " ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الاستيعاب 2 ص 525، الإصابة 5 ص 254 (2) ربيع الأبرار للزمخشري، الاستيعاب 2 ص 526، البداية والنهاية 8 ص 100 .
/ صفحة 87 / 4 ص 415 . وفي لفظ : كان قيس مع أبي بكر وعمر في سفر في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله فكان ينفق عليهما وعلى غيرهما ويفضل فقال له أبو بكر : إن هذا لا يقوم به مال أبيك فأمسك يدك . فلما قدموا من سفرهم قال سعد بن عبادة لأبي بكر : أردت أن تبخل إبني إنا لقوم لا نستطيع البخل . (1) حكى ابن كثير في تاريخه 8 ص 99 : إنه كان لقيس صحفة يدار بها حيث داروا كان ينادي له مناد : هلموا اللحم والثريد . وكان أبوه وجده من قبله يفعلان كفعله . قال الهيثم بن عدي : إختلف ثلاثة عن الكعبة في أكرم أهل زمانهم فقال أحدهم : عبد الله بن جعفر : وقال الآخر قيس بن سعد. وقال الآخر : عرابة الأوسي . فتماروا في ذلك حتى ارتفع ضجيجهم عند الكعبة فقال لهم رجل : فليذهب كل رجل منكم إلى صاحبه الذي يزعم أنه أكرم من غيره، فلينظر ما يعطيه وليحكم على العيان : فذهب صاحب عبد الله بن جعفر إليه فوجده قد وضع رجله في الغرز (2) ليذهب إلى ضيعة له فقال له : يا بن عم رسول الله ؟ ابن سبيل ومنقطع به . قال : فأخرج رجله من الغرز وقال : ضع رجلك واستو عليها، فهي لك بما عليها، وخذ ما في الحقيبة (3) ولا تخدعن في السيف فإنه من سيوف علي، فرجع إلى أصحابه بناقة عظيمة وإذا في الحقيبة أربعة آلاف دينار، ومطارف من خز وغير ذلك وأجل ذلك سيف علي بن أبي طالب . ومضى صاحب قيس إليه فوجده نائما، فقالت له الجارية : ما حاجتك إليه ؟ قال ابن سبيل ومنقطع به . قالت : فحاجتك أيسر من إيقاظه، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس مال غيره اليوم، واذهب إلى مولانا في معاطن الإبل فخذ لك ناقة وعبدا، واذهب راشدا . فلما استيقظ قيس من نومه أخبرته الجارية بما صنعت فأعتقها شكرا على صنيعها ذلك، وقال . هلا أيقظتني ؟ حتى أعطيه ما يكفيه أبدا، فلعل الذي أعطيتيه لا يقع منه موقع حاجته . وذهب صاحب عرابة الأوسي إليه فوجده ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الدرجات الرفيعة نقلا عن كتاب الغارات لإبراهيم بن سعيد الثقفي . (2) الغرز بالفتح ثم السكون : ركاب من جلد . (3) الحقيبة بفتح المهملة : ما يحمل على الفرس خلف الراكب .
/ صفحة 88 / وقد خرج من منزله يريد الصلاة وهو يتوكأ على عبدين له - وكان قد كف بصره - فقال له : يا عرابة ؟ فقال : قال . فقال : ابن سبيل ومنقطع به . قال : فخلى عن العبدين ثم صفق بيديه باليمنى على اليسرى ثم قال : أوه أوه والله ما أصبحت ولا أمسيت وقد تركت الحقوق من مال عرابة شيئا ولكن خذ هذين العبدين . قال : ما كنت لأفعل . فقال : إن لم تأخذهما فهما حران، فإن شئت فأعتق، وإن شئت فخذ . وأقبل يلتمس الحائط بيده، قال : فأخذهما وجاء بهما إلى صاحبيه . قال فحكم الناس على أن ابن جعفر قد جاد بمال عظيم وأن ذلك ليس بمستنكر له، إلا أن السيف أجله . وإن قيسا أحد الأجواد حكمت مملوكته في ماله بغير علمه واستحسن فعلها وعتقها شكرا لها على ما فعلت . وأجمعوا على أن أسخى الثلاثة عرابة الأوسي، لأنه جاد بجميع ما يملكه، وذلك جهد من مقل . " البداية و النهاية 8 ص 100 " * (حديث خطابته) * إن تقدم سيد الأنصار في المعالم الدينية، وتضلعه في علمي الكتاب والسنة، و عرفانه بمعاريض القول، ومخاريق القيل، وسقطات الرأي، وتحليه بما يحتاج إليه مداره الكلام ومشيخة الخطابة من العلم الكثار، والأدب الجم، وربط الجاش، وقوة العارضة، وحسن التقرير، وجودة السرد، وبلاغة المنطق، وطلاقة اللسان، ومعرفة مناهج الحجاج والمناظرة، وأساليب إلقاء المحاضرة، كلها براهين واضحة على حظه الوافر وقسطه البالغ من هذه الخلة، وإنه أعلى الناس ذافوق (1) على أن فيما مر و ما يأتي من كلمه وخطبه خبرا يصدق الخبر، وشاهد صدق على أنه أحد أمراء الكلام كما كان في مقدم أمراء السيف . فهو خطيب الأنصار المفوه، واللسن الفذ من الخزرج، ومتكلم الشيعة الأكبر، ولسان العترة الطاهرة الناطق، والمجاهد الوحيد دون مبدءه المقدس بالسيف واللسان، أخطب من سحبان وائل، وأنطق من قس الأيادي، وأصدق في مقاله من قطاة(2). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) مثل يضرب : أي أعلى الناس سهما . (2) أصدق من قطاة . مثل مشهور .
/ صفحة 89 / وناهيك بقول معاوية بن أبي سفيان لقومه يوم صفين : إن خطيب الأنصار قيس ابن سعد يقوم كل يوم خطيبا، وهو والله يريد أن يفنينا غدا إن لم يحبسه عنا حابس القيل (مر ص 81) وفي قول أمير المؤمنين عليه السلام له عند بعض مقاله كما مر ص 76 : أحسنت والله يا قيس ؟ وأجملت . لغنى وكفاية عن أي إطراء وثناء عليه . * (حديث زهده) * لا نحاول في البحث عن هذه النواحي في أي من التراجم سرد تاريخ أمة غابرة، أو ذكريات أماثل الأمة أو حثالتها في القرون الخالية فحسب، بل إنما نخوض فيها بما فيها من عظات دينية، وفلسفة أخلاقية، وحكم عملية، ومعالم روحية، ومصالح اجتماعية، ودستور في مناهج السير إلى المولى سبحانه، وبرنامج في إصلاح النفس، ودروس في التحلي بمكارم الأخلاق التي بعث لا تمامها نبي الاسلام . وهناك نماذج من نفسيات شيعة العترة الطاهرة وما لهم دون م |