وقعة الأحزاب :
وتسمَّى أيضاً « غزوة الخندق » وكانت في ذي القعدة ، سنة خمس من
الهجرة (1) 627 م ، وقيل : في شوال (2) ، وقيل : في السنة السادسة ، بعد مقدم
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة بخمسة وخمسين شهراً (3) .
وكان سببها : لمَّا أجلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني النضير ساروا إلى خيبر ،
وحزَّبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقدموا على قريش بمكَّة ، وألَّبوها
على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقالوا : نكون معكم حتَّى نستأصله ، وما كان
من أمر قريش الا أن تستجيب لضالَّتها المنشودة في القضاء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وأعوانه.
وتجهَّزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب ، فكان جميع
القوم الذين وافوا الخندق ، ممن ذُكر من القبائل ، عشرة آلاف ، وهم
الأحزاب ، وكانوا ثلاثة عساكر بقيادة أبي سفيان بن حرب.
فلمَّا بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خبرهم جمع المسلمين ، وحثَّهم على
الجهاد والصبر والاستعداد لمقابلة الغزاة وشاورهم في الأمر ، فأشار عليه
سلمان الفارسي بالخندق ، فأعجب ذلك المسلمين ، لأنَّ عملاً من هذ النوع
لابدَّ وأن يعرقل تقدُّم الغزاة ، ويخفِّف من أخطار المجابهة بين الفريقين.
وأقبل المسلمون جميعاً يحفرون خندقاً حول المدينة ، وجعل رسول الله
____________
1) طبقات ابن سعد 2 : 50.
2) الكامل في التاريخ 2 : 70.
3) تاريخ اليعقوبي 2 : 50.
لكلِّ عشرة أربعين ذراعاً (1) ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معهم يحفر وينقل التراب ،
وفرغوا من حفره في ستة أيام ، وكان سائر المدينة مشبك بالبنيان ، فهي
كالحصن ، وكان المسلمون يومئذٍ ثلاثة آلاف مقاتل.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقتال قريش وأحباشها ، وهنا كانت الصدمة
الكبيرة على قريش ، وهي تحسب أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه لا يثبتون لها
ساعات قلائل بهذا العدد الضخم ، وإذا بها تجد بينها وبين المسلمين حاجزاً
لا يمكن اجتيازه الا بعد جهود شاقة ، لاسيَّما وأنَّ أبطال المسلمين وقفوا
بالمرصاد لكل من تحدِّثه نفسه باجتياز ذلك الحاجز ، فأُذهلت بعد أن كانت
مغرورة بقوتها الجبَّارة!
وأنكروا أمر الخندق ، وقالوا : ما كانت العرب تعرف هذا ، وأقاموا على
هذه الحال ـ الرشق بالنبل والحجارة ـ مدَّة خمسة أيام (2) دون قتال..
فلمَّا كان اليوم الخامس خرج عمرو بن عبد ودٍّ العامري ـ وكان يعدّ
بألف فارس ـ وأربعة نفر من المشركين : نوفل بن عبدالله بن المغيرة
المخزومي ، وعكرمة بن أبي جهل ، وضرار بن الخطَّاب الفهري ، وهبيرة بن
أبي وهب المخزومي ، واقتحموا الخندق من مكان ضيِّق ، وركز عمرو رمحه
في الأرض ـ وهو ابن تسعين سنة (3) ـ وأخذ يجول ، ويدعو إلى البراز
ويرتجز :
____________
1) الكامل في التاريخ 2 : 70.
2) تاريخ اليعقوبي 2 : 50.
3) طبقات ابن سعد 2 : 52.
وكأنَّ هذه الكلمات نداء إلى الموت ، فلم يجبه أحد من المسلمين ، وفي
كلِّ مرّة يكرّر فيها نداءه كان يقوم له عليُّ بن أبي طالب عليه السلام من بينهم
ليبارزه ، فيأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجلوس ، انتظاراً منه ليتحرَّك غيره ، ولكن
لم ينهض أحد؛ لمكان عمرو بن عبد ودٍّ ومن معه.
ومضى عمرو يكرِّر النداء والتحدِّي للمسلمين ، فقام عليٌّ عليه السلام مرَّةً
أُخرى ، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال له : « إنَّه عمرو » ، ونادى مرَّةً أُخرى ،
فقام عليٌّ عليه السلام ، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال له : « ادنُ منِّي » فدنا منه ،
فنزع عمامته عن رأسه وعمَّمه بها وأعطاه سيفه ذا الفقار ، وقال له : « امضِ
لشأنك » ثُمَّ رفع يديه وقال : « اللَّهمَّ إنَّك أخذت منِّي حمزة يوم أُحد ،
وعبيدة يوم بدر ، فاحفظ اليوم عليَّاً ، ربِّ لا تذرني فرداً وأنت خير
الوارثين ».
وقال نبيُّ الله صلى الله عليه وآله وسلم لمَّا دنا عليٌّ عليه السلام من عمرو : « خرج الإيمان سائره إلى
الكفر سائره »..
فبرز إليه عليٌّ ، وهو يقول :
فلمَّا انتهى إليه قال : « يا عمرو إنَّك في الجاهلية تقول : لا يدعوني أحدٌ
إلى ثلاث الا قبلتها ، أو واحدة منها ». قال : أجل. قال : « فإنِّي أدعوك إلى
شهادة أن لا إله الا الله ، وأنَّ محمَّداً رسول الله ، وأن تُسلم لربِّ العالمين ».
قال : يا ابن أخ ، أخِّر هذه عنِّي. فقال له عليٌّ : « أمَّا إنَّها خيرٌ لك لو
أخذتها ».
ثُمَّ قال : « فها هنا أُخرى » قال : ما هي ؟ قال : « ترجع من حيث
جئت ». قال : لا تَحدَّث نساء قريش بهذا أبداً.
قال : « فها هنا أُخرى ». قال : ما هي ؟ قال : « تنزل تقاتلني » فضحك
عمرو وقال : إنَّ هذه الخصلة ما كنت أظنَّ أنَّ أحداً من العرب يرومني
مثلها ، إنِّي لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك ، وقد كان أبوك لي نديماً (1) .
قال عليٌّ عليه السلام : « ولكنِّي أُحبُّ أن أقتلك ، فانزل إن شئت ».
فغضب عمرو ونزل فضرب وجه فرسه حتى رجع (2) ، وحمل على
عليٍّ عليه السلام وضربه على رأسه فاتَّقاها بالدرقة ، فقدَّها السيف ونفذ منها إلى
رأسه فشجَّه ، وبقي محتفظاً بثباته ، وتوالت عليه الضربات وهو يحيد عنها ،
ثُمَّ كرَّ عليه عليٌّ عليه السلام فضربه على حبل عاتقه ضربةً كان دويُّها كالصاعقة ،
____________
1) قال أبو الخير أستاذ أبن أبي الحديد : « والله ما طلب عمرو الرجوع من عليٍّ
إلاّ خوفاً منه ، فقد عرف قتلاه ببدر وأُحد ، وعلم إن هو بارز علياً قتله عليٌّ ،
فاستحى أن يظهر الفشل ، فأظهر هذا الإدِّعاء ، وإنَّه لكاذب ». أنظر فضائل
الإمام علي : 113.
2) الارشاد 1 : 102 ، وإعلام الورى 1 : 381.
ارتجَّ له العسكران ، فسقط يخور بدمه كالثور ، وارتفعت غبرة حالت بينهما
وبين الجيشين.
على أنَّ هناك رواية أُخرى (1) تذهب إلى أن الامام ضرب عمراً على
ساقيه فقطعهما جميعاً ، فسقط الى الأرض ، فأخذ عليٌّ عليه السلام بلحيته وذبحه ،
وأخذ رأسه بيده هدية إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأقبل والدماء تسيل على وجهه
من ضربة عمرو ، ورأس عمرو بيده يقطر دماً ، وكان وجه علي عليه السلام يتهلَّل
فرحاً ، فألقاها بين يدي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فقام أبو بكر وعمر فقبّلا رأس
عليٍّ عليه السلام ، فعانقه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ودعا له ، فقال عمر بن الخطَّاب لعليٍّ عليه السلام :
هلا استلبت درعه ، فليس للعرب درع خير منها؛ فقال عليٌّ : « ضربته
فاتَّقاني بسوأته فاستحييت أن أسلبه ».
وعلى أيِّ حال فقد علت أصوات المسلمين بالتكبير ، بعد أن أصابهم
الخوف في بادئ الأمر ، وانهزم الذين كانوا مع عمرو بن عبد ودٍّ ، واقتحمت
خيولهم الخندق ، وكبا بنوفل بن عبدالله بن المغيرة فرسه ، فجعلوا يرمونه
بالحجارة ، فقال لهم : قتلة أجمل من هذه ، ينزل إليَّ بعضكم أقاتله ، فنزل
إليه عليٌّ عليه السلام فضربه حتَّى قتله ، وبعث الله عليهم ريحاً في ليالٍ شاتية شديدة
البرد ، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم ، فانصرفوا هاربين لا يلوون
على شيء ، حتَّى ركب أبو سفيان ناقته وهي معقوله! فلمَّا بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
الله ذلك : قال : « عوجل الشيخ ».
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في قتل عليٍّ عليه السلام لعمرو : « لضربة عليٍّ يوم الخندق
أفضل من عبادة الثقلين ».
____________
1) ارشاد القلوب 2 : 218.
قال جابر : « فما شبهت قتل عليٍّ عمراً الا بما قصَّ الله تعالى من قصة
داود وجالوت ، حيث قال : ( فَهَزَمُوهُم بِإذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ
جَالُوت ) (1) » (2) .
نعم لقد قلبت ضربة عليٍّ عليه السلام لعمرو الوضع تماماً ، بعدما كان النصر
حليف قريش بقوَّتها الجبَّارة ، وصدق سبحانه حيث قال : ( وكَمْ مِن فِئَةٍ
قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً ) (3) .
بسيف عليٍّ عليه السلام كان النصر حليف المسلمين وهنا يسكت القلم ، ولا
يدري ماذا يكتب عن شجاعة ابن أبي طالب عليه السلام فقد كفى الله المؤمنين
القتال به عليه السلام.
ولمَّا نُعي عمرو بن عبد ودٍّ إلى أخته عمرة ، قالت : مَن قتله ؟ ومن الذي
اجترأ عليه ؟ فقيل لها : قتله عليُّ بن أبي طالب. فقالت : لقد قتل الأبطال
وبارز الأقران ، وكانت ميتته على يد كفءٍ كريم من قومه ، وأنشأت تقول :
هكذا اكتسح عليُّ بن أبي طالب عليه السلام فرسان المعارك وشجعان الفلا..
____________
1) سورة البقرة : 251.
2) انظر إعلام الورى 1 : 382.
3) سورة البقرة : 249.
4) ارشاد القلوب 2 : 218 بتفاوت.
حتَّى لم يعد له مثيل بين أبطال العرب ، يسابق الأسود ، ويقطع الرؤوس ،
ولايخاف في الله لومة لائم ، فهو الوحيد الذي بدَّد آمال الأحزاب في
الخندق ، وبثَّ في صفوفهم الرعب ، وهنا أنزل الله تعالى على رسوله الآية :
( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ) (1) .
وقعة بني قريظة :
بنو قريظة : هي فخذ من جذام اخوة النضير ، ويقال : إنَّ تهوُّدهم كان
في أيام عاديا أبي السموأل ، ثُمَّ نزلوا بجبل يقال له : قريظة ، فنُسبوا إليه ، وقد
قيل : إنَّ قريظة اسم جدِّهم بعقب الخندق (2) .
وكانت هذه الغزوة في ذي القعدة سنة خمس (3) من الهجرة ، وكان بين
بني قريظة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلح فنقضوه ، ومالوا مع قريش ، فوجَّه إليهم
سعد بن معاذ وعبدالله بن رواحه وخوَّات بن جُبير ، فذكَّرهم العهد وأساءوا
الإجابة ، فلمَّا انهزمت قريش يوم الخندق دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليَّاً عليه السلام ،
فقال له : « قدِّم راية المهاجرين إلى بني قريظة » وقال : « عزمت عليكم ألا
تصلُّوا العصر الا في بني قريظة » ثُمَّ سار إليهم في المسلمين وهم ثلاثة آلاف ،
والخيل ستة وثلاثون فرساً ، وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة.
____________
1) سورة الاحزاب : 33 | 9.
2) تاريخ اليعقوبي 2 : 52.
3) طبقات ابن سعد 2 : 57.
وحاصر المسلمون بني قريظة شهراً أو خمساً وعشرين ليلة (1) أشدَّ
الحصار.. فدنا منهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلقيه عليُّ بن أبي طالب عليه السلام فقال :
« يارسول الله لا تدنُ » ، فقال : « أحسب أنَّ القوم أساءوا القول » ، فقال : « نعم
يا رسول الله » ، فيقال : إنَّه قال بيده كذا وكذا ، فانفرج الجبل حين رأوه ،
وقال : « يا عبدة الطاغوت ، يا وجوه القردة والخنازير ، فعل الله بكم وفعل »..
فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أياماً حتَّى نزلوا على حكم سعد بن معاذ
الأنصاري ، وقد حكم انَّه تقتل مقاتلتهم ، وتُسبى ذراريهم ، وتجعل أموالهم
للمهاجرين دون الأنصار ، فقال رسول الله : « لقد حكمت بحكم الله من
فوق سبعة أرقعة ـ سماوات ـ ».
ومن مواقف أمير المؤمنين عليه السلام وهي التي تعنينا بالبحث : انَّه ضرب
أعناق رؤوساء اليهود أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، منهم : حُيي بن أخطب ، وكعب
بن أسد ، بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2) .
عمرة الحديبية :
خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للعمرة في ذي القعدة سنة ست للهجرة (3) ، ومعه
ألف وأربعمئة (4) من أصحابه ، وساقَ من الهدي سبعين بدنة (5) ، كما ساق
أصحابه أيضاً. ومعهم السيوف في أغمادها ، وأعلن في أكثر أنحاء
____________
1) الكامل في التاريخ 2 : 75.
2) انظر إعلام الورى 1 : 382.
3) الطبقات الكبرى لابن سعد 2 : 72.
4) الكامل في التاريخ 2 : 86.
5) تاريخ اليعقوبي 2 : 54.
الجزيرة بأنَّه لا يريد حرباً ولا قتالاً ، وبلغ المشركين خروجه ، فأجمع رأيهم
على صدِّه عن المسجد الحرام..
فسار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بأصحابه حتَّى دنا من الحديبية ، وهي على تسعة
أميال من مكَّة ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى في المنام أنَّه دخل البيت
وحلق رأسه وأخذ المفتاح (1) .
أرسلت إليه قريش مِكرز بن حفص ، فأبى أن يكلِّمه ، وقال : « هذا
رجل فاجر » ، فبعثوا إليه الحُليس بن علقمة من بني الحارث بن عبد مناة ،
وكان من قوم يتألَّهون ، فلمَّا رأى الهدي قد أكلت أوبارها ، رجع؛ فقال : يا
معاشر قريش إنِّي قد رأيت ما لا يحلُّ صدُّه عن البيت..
وكان آخر من بعثوا سهيل بن عمرو ليصالحه على أن يرجع عنهم
عامه ذلك ، فأقبل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكلَّم رسول الله وأرفقه ، ثُمَّ جرى بينهم
الصلح ، فدعا رسول الله عليَّ بن أبي طالب عليه السلام فقال : « أكتب بسم الله
الرحمن الرحيم » (2) ، فقال سهيل : لا نعرف هذا ولكن اكتب.. باسمك
اللَّهمَّ ، فكتبها. وقيل : قال عليه السلام : « لولا طاعتك يا رسول الله لما محوت ».
ثُمَّ قـال : « اكتب : هذا ما صالح عليه محمَّد رسول الله سهيل بن
عمرو » (3) ةة فقال سهيل : لو نعلم أنَّك رسول الله لم نقاتلك ، ولكن اكتب
اسمك واسم أبيك. فقال لعليٍّ : « امحُ رسول الله » فقال : « لا أمحوك
____________
1) تاريخ اليعقوبي 2 : 54.
2) حسب رواية ابن الأثير في الكامل في تاريخ 2 : 90.
3) إعلام الورى 1 : 372.
أبداً » (1) ، فمحاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال له موضع رسول الله : محمَّد بن
عبدالله ، وقال لعليٍّ : « لتبلينَّ بمثلها » (2) ، واصطلحا على وضع الحرب عن
الناس عشر سنين ، وانَّه من أتى منهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغير إذن وليِّه ردَّه
إليهم ، ومن جاء قريشاً ممَّن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يردُّوه عليه ، ومن أحبَّ أن
يدخل في عهد رسول الله دخل (3) ..
روى ربعي بن خراش عن أمير المؤمنين عليه السلام ، أنَّه قال :
« أقبل سهيل بن عمرو ورجلان ـ أو ثلاثة ـ معه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في
الحديبية ، فقالوا له : إنَّه يأتيك قوم من سلفنا وعبداننا فارددهم علينا ،
فغضب حتَّى احمارَّ وجهه ، وكان إذا غضب عليه السلام يحمارُّ وجهه ، ثُمَّ قال :
لتنتهنَّ يا معشر قريش ، أو ليبعثن الله عليكم رجلاً امتحن الله قلبه للإيمان ،
يضرب رقابكم وأنتم مجفلون عن الدين. فقال أبو بكر : أنا هو يا رسول الله ؟
قال : لا ، قال عمر : أنا هو يا رسول الله ؟ قال : لا ، ولكنَّه ذلكم خاصف النعل
في الحُجرة. وأنا خاصف نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحُجرة ».
ثمَّ قال عليٌّ عليه السلام : « أما انَّه قد قال صلى الله عليه وآله وسلم : من كذب عليَّ متعمَّداً فليتبوَّأ
مقعده من النار » (4) .
____________
1) ذكر في إعلام الورى 1 : 372 انَّه قال : « إنَّه والله لرسول الله على رغم أنفك » ، فقال
له صلى الله عليه وآله وسلم : « امحها يا علي » ، فقال له : « يا رسول الله ، إنَّ يدي لا تنطلق تمحو اسمك من
النبوَّة ».
2) « ستدعى إلى مثلها فتجيب ، وأنت على مضض » ، كذا ذكرها مسلم في صحيحه
3 : 1409|90.
3) انظر تفاصيل ذلك في : الكامل في التاريخ 2 : 90 ، طبقات ابن سعد 2 : 74.
4) صحيح الترمذي 5 : 634|3715 ، إرشاد المفيد 1 : 122 ، مستدرك
الحاكم 4 : 298 ، إعلام الورى 2 : 273 ، باختلاف.
وقعة خيبر :
غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، خيبر في جمادى الأولى سنة سبع من مهاجره ،
وهي على ثمانية بُرُد من المدينة (1) ، أي أربعة ليال ـ على التقريب ـ (2) ،
وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بالتهيُّؤ لغزوة خيبر ، وخرج معه
ألف واربعمائة رجل ، معهم مائتا فارس ، وأعطى لواءه لعليِّ بن
أبي طالب عليه السلام (3) .
ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يجدُّ السير باتِّجاه خيبر ، ونزل عليها ليلاً ، ولم
يعلم أهلها ، فخرجوا عند الصباح إلى عملهم بمساحيهم ، فلمَّا رأوه عادوا ،
وقالوا : محمَّد والخميس ، يعنون الجيش ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « الله أكبر خربت
خيبر ، إنَّا إذا نزلنا بساحة قوم ( فساءَ صباح المنذرين )! » (4) .
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد سلَّم أبابكر رايةالجيش ، ولكنَّ أبابكر عاد
بالراية دون أن يصنع شيئاً فرجع ، ثُمَّ جعل القيادة لعمربن الخطَّاب بعده ،
قال الطبري والحاكم : فعاد يجبّن أصحابه ويجبنونه (5) ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
فقال : « والله لأعطينَّها غداً رجلاً يحبُّ الله ورسوله ، ويحبُّه الله ورسوله (6) ،
____________
1) طبقات ابن سعد 2 : 81.
2) فضائل الإمام علي : 116.
3) الطبقات الكبرى 2 : 81.
4) انظر الكامل في التاريخ 2 : 100 ، طبقات ابن سعد 2 : 81.
5) تاريخ الطبري 3 : 93 ، المستدرك وتلخيصه للذهبي 3 : 37.
6) طبقات ابن سعد 2 : 85 ، وزاد على ذلك الذهبي في سير أعلام النبلاء
(الخلفاء الراشدون) : 228 :
يأخذها عنوةً » (1) . وفي رواية أخرى : « لأُعطينَّ الرآية غداً رجلاً يحب الله
ورسوله ، يفتح الله على يديه ليس بفرّار » (2) .
فتطاولت لذلك الأعناق ورجا كلُّ واحد أن يكون المقصود بهذا القول.
وفيها جاء عن عمر بن الخطَّاب انَّه قال : فما أحببت الإمارة قبل
يومئذٍ ، فتطاولت لها واستشرفت رجاء أن يدفعها إليَّ ، فلمَّا كان الغد دعا
عليَّاً فدفعها إليه ، فقال : « قاتل ولا تلتفت ، حتى يفتح الله عليك » (3) .
وفي تفصيل الخبر أن علياً عليه السلام كان قد أُصيب بالرمد ، فبصق رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم في عينيه ، ثم أعطاه الراية (4) ، فما شكا وجعاً حتَّى مضى لسبيله ،
فنهض بالراية وعليه حلَّة حمراء (5) ، إنطلق مهرولاً ، فركز رايته بين
حجرين أمام الحصن ، فأشرف عليه رجل من يهود يخطر بسيفه ، فقال له :
مَن أنت ؟ قال : « أنا عليُّ بن أبي طالب » ، فقال اليهودي : غُلبتم يا معشر
يهود ، وخرج مرحب اليهودي ، صاحب الحصن ، وعليه مغفر يماني ، قد نقبه
مثل البيضة على رأسه ، وكان مزهوّاً بشجاعته وبطولاته ، خرج يتبختر في
____________
=
« ويفتح الله على يديه » ، صحيح البخاري ـ كتاب الفضائل 5 : 87|197 و198 ، صحيح مسلم ـ كتاب الفضائل
4 : 1871|32 ـ 34 ، سنن الترمذي 5 : 638|3724 ، سنن ابن ماجة
1 : 43|117 ، مسند أحمد 1 : 185 ، 5 : 358 ، المستدرك 3 : 109 ،
الخصائص للنسائي : 4 ـ 8 ، تاريخ الاسلام للذهبي ـ المغازي : 407 ،
الاستيعاب 3 : 36.
1) الكامل في التاريخ 2 : 101.
2) ابن هشام | السيرة البوية 3 : 267 (ذكر المسير إلى خيبر).
3) الطبقات الكبرى 2 : 84.
4) الطبقات الكبرى 2 : 85 ، سير أعلام النبلاء (الخلفاء الراشدون) : 228.
5) ابن الأثير في تاريخه : 101.
مشيته ، وهو يقول :
فقال عليٌّ صلوات الله عليه وبركاته :
فاختلفا ضربتين ، فبدره عليٌّ عليه السلام فضربه فقدَّ الجحفة والمغفر ورأسه ،
وشقَّه نصفين حتى وصل السيف إلى أضراسه ، فوقع على الأرض ، وكان
لضربته عليه السلام دويٌّ كدوي الصاعقة ، فلمَّا رأى اليهود صنيع عليٍّ عليه السلام بفارسهم
مرحب ولَّوا هاربين ، وكان الفتح على يديه عليه السلام.
قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « خرجنا مع عليٍّ عليه السلام حين بعثه
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، برايته إلى خيبر ، فلمَّا دنا من الحصن خرج إليه أهله ،
فقاتلهم ، فضربه يهوديٌّ فطرح ترسه من يده ، فتناول عليٌّ عليه السلام باباً كان عند
الحصن فتترَّس به عن نفسه ، فلم يزل في يده وهو يقاتل ، حتى فتح الله
عليه ، ثُمَّ ألقاه من يده ، فلقد رأيتني في نفر سبعة ، أنا ثامنهم ، نجهد على أن
نقلب ذلك الباب فما نقلبه » (2) .
وقيل : « إنَّ الباب كان حجارة طوله أربع أذرع في عرض ذراعين في
سمك ذراع ، فرمى به عليُّ بن أبي طالب عليه السلام خلفه ودخل الحصن ودخله
____________
1) انظر : ابن الأثير في تاريخه 2 : 101 ، وابن سعد في طبقاته 2 : 85 ، مع
اختلاف يسير.
2) ابن الأثير في تاريخه 2 : 102.
المسلمون » (1).
ومهما يكن الحال فإن دلَّت هذه الروايات على شيءٍ ، فإنَّما تدلُّ على
شجاعة الإمام وقدرته الخارقة العجيبة في بدنه ، مع قوة إلهيّة معنوية عالية ،
وعليٌّ عليه السلام نفسه يقول عن هذا الحادث : « والله ما قلعت باب الحصن بقوَّة
جسدية ، ولكن بقوَّة ربَّانية » (2) .
وعن جابر بن عبدالله الأنصاري قال : « لمَّا قدم عليٌّ عليه السلام على رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم بفتح خيبر قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « لولا أن يقول فيك طوائف من
أُمَّتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم ، لقلت فيك اليوم قولاً لا تمرُّ بملأ
الا أخذوا من تراب رجليك ومن فضل طهورك فيستشفون به ، ولكن حسبك
أن تكون منِّي وأنا منك ، ترثني وأرثك ، وأنَّك منِّي بمنزلة هارون من موسى
الا أنَّه لا نبيَّ بعدي ، وأنَّك تؤدِّي ذمَّتي ، وتقاتل على سُنَّتي ، وأنَّك في
الآخرة غداً أقرب الناس منِّي ، وأنَّك غداً على الحوض خليفتي... إلى
آخره ».
فخرَّ عليٌّ عليه السلام ساجداً ، ثُمَّ قال : « الحمد لله الذي منَّ عليَّ بالإسلام ،
وعلَّمني القرآن ، وحبَّبني إلى خير البريَّة ، خاتم النبيِّين وسيِّد المرسلين ،
إحساناً منه إليَّ ، وفضلاً منه عليَّ ».
فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ذلك : « لولا أنت يا عليُّ لم يُعرف المؤمنون
بعدي » » (3) .
____________
1) تاريخ اليعقوبي 2 : 56 ، وانظر : سير أعلام النبلاء ( الخلفاء الراشدين )
: 229.
2) ارشاد القلوب 2 : 219.
3) إعلام الورى 1 : 366 ـ 367 ، ابن المغازلي | المناقب : 227|285 وقطعة
منه في مجمع الزوائد 9 :