|
مظلوميتها عليها السلام وما وقع عليها من الظلم |
|
1ـ قال ابن قتيبة: وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله على دابة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر، ما عدلنا به،، فيقول علي كرم الله وجهه: أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته لم أدفنه. وأخرج أنازع الناس سلطانه؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم. قال: وإن أبا بكر رضي الله عنه تفقد قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهموهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده، لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها، فقيل له: يا أبا حفص إن فيها فاطمة! فقال: وإن. فخرجوا فبايعوا إلا علياً فإنه زعم أنه قال: حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن. فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها، فقالت: لاعهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم تركتم رسول الله صلى الله عليه وآله جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا، ولم تردوا لنا حقاً. فأتي عمر أبا بكر، فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة؟ فقال أبو بكر لقنفذ وهو مولى له: اذهب فادع لي علياً. قال: فذهب إلى علي فقال له: ما حاجتك؟ فقال: يدعوك خليفة رسول الله، فقال علي: لسريع ما كذبتم على رسول الله. فرجع فأبلغ الرسالة. قال: فبكى أبو بكر طويلاً، فقال عمر الثانية: لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة، فقال أبو بكر رضي الله عنه لقنفذ: عد إليه، فقل له: خليفة رسول الله يدعوك لتبايع، فجاءه قنفذ، فأدى ما أمر به، فرفع علي صوته فقال: سبحان الله! لقد ادعى ما ليس له. فرجع قنفذ، فأبلغ الرسالة، فبكى أبو بكر طويلاً، ثم قام عمر، فمشى معه جماعة، حتى أتوا باب فاطمة، فدقوا الباب، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا أبت، يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة. فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تنصدع، وأكبادهم تنفطر، وبقي عمر ومعه قوم، فأخرجوا علياً، فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع، فقال: إن أنا لم أفعل فمه؟ قالوا: إذاً والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك، فقال: إذاً تقتلون عبد الله وأخا رسوله. قال عمر: أما عبد الله فنعم، وأما أخو رسوله فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلم، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟ فقال: لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه. فلحق علي بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله يصيح ويبكي، وينادي: يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني. فقال عمر لأبي بكر رضي الله عنهما: انطلق بنا إلى فاطمة، فإنا قد أغضبناها. فانطلقا جميعاً، فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما، فأتيا علياً فكلماه، فأدخلهما عليها، فلما قعدا عندها، حولت وجهها إلى الحائط، فسلما عليها، فلم ترد عليهما السلام، فتكلم أبو بكر، فقال: يا حبيبة رسول الله، والله إن قرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي، وإنك لأحب إلي من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات أبوك أني مت ولا أبقى بعده، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله إلا أني سمعت أباك رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (لا نورث، ما تركنا فهو صدقة). فقالت: أرأيتكما إن حدثتكما حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله تعرفانه وتفعلان به؟ قالا: نعم. فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني)؟ قالا: نعم، سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله، قالت: فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه. فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة. ثم انتحب أبو بكر يبكي، حتى كادت نفسه أن تزهق، وهي تقول: والله لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها(1). 2ـ قال ابن أبي الحديد:... واجتمع الناس ينظرون، وامتلأت شوارع المدينة بالرجال، ورأت فاطمة ما صنع عمر، فصرخت وولولت، واجتمع معها نساء كثير من الهاشميات وغيرهن، فخرجت إلى باب حجرتها، ونادت: يا أبا بكر، ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله! والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله. قال أبو بكر:(2) وحدثني المؤمل بن جعفر، قال: حدثني محمد بن ميمون، قال: حدثني داود بن المبارك، قال: أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام ونحن راجعون من الحج في جماعة، فسألناه عن مسائل، وكنت أحد من سأله، فسألته عن أبي بكر وعمر، فقال: أجيبك بما أجاب به جدي عبد الله بن الحسن، فإنه سئل عنهما، فقال: كانت أمنا صديقة ابنة نبي مرسل، وماتت وهي غضبى على قوم، فنحن غضاب لغضبها. قلت: قد أخذ هذا المعنى بعض شعراء الطالبيين من أهل الحجاز، أنشدنيه النقيب جلال الدين عبد الحميد بن محمد بن عبد الحميد العلوي، قال: أنشدني هذا الشاعر لنفسه ـوذهب عني أنا اسمه ـ قال: يــــــا أبــا حفص الهوينـى وما كنت ملــــياً بـــذاك لولا الحمام أتـموت البتول غضبى ونرضى مــــا كـــذا يصنع البنون الكرام يخاطب عمر ويقول له: مهلاً ورويداً يا عمر ـ أي ارفق واتئد ولا تعنف بنا ـ وما كنت ملياً، أي وما كنت أهلاً لأن تخاطب بهذا وتستعطف، ولا كنت قادراً على ولوج دار فاطمة على ذلك الوجه الذي ولجتها عليه، لولا أن أباها الذي كان بيتها يحترم ويصان لأجله، مات فطمع فيها من لم يكن يطمع. ثم قال: أتموت أمنا وهي غضبى ونرضى نحن! إذاً لسنا بكرام، فإن الولد الكريم يرضى لرضى أبيه وأمه، ويغضب لغضبهما والصحيح عندي أنها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر، وأنها أوصت ألا يصليا عليها(3). 3ـ في حديث: فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ستة أشهر(4). 4 ـ وفي حديث آخر: فأبى أبو بكر أن يرفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته، فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وآله ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها(5). 5ـ قال ابن حجر العسقلاني في ترجمة أحمد بن محمد السري بن يحيى بن أبي دارم المحدث أبو بكر الكوفي: قال محمد بن أحمد بن حماد الكوفي الحافظ بعد أن أرخ موته: كان مستقيم الأمر عامة دهره، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب، حضرته ورجل يقرأ عليه: (إن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن)(6). 6ـ قال الشهرستاني: قال إبراهيم بن سيار بن هانئ النظام: إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح: أحرقوا دارها بمن فيها، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام(7). 7 ـ قال أحمد بن يحيى البلاذري المتوفى 279: إن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة، فلم يبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة، فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الخطاب أتراك محرقاً عليَّ بابي؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك(8). 8 ـ قال ابن عبد ربه الأندلسي: الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر علي والعباس والزبير وسعد بن عبادة، فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فقالت: يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم(9). 9ـ قال صلاح الدين الصفدي الشافعي المتوفى 764 في ترجمة النظام في ذكر أقواله: وقال: إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت المحسن من بطنها(10). 10ـ قال المحدث القمي (ره) في ترجمة النظام: ذكر ترجمته الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات ونقلها منه صاحب (العبقات) مع بعض الأقوال منه كخبر المحسن، وأن الإجماع ليس بحجة، وكذلك القياس، وإنما الحجة قول المعصوم، وأنه نص النبي صلى الله عليه وآله على أن الإمام علي، وعينه وعرفت الصحابة ذلك، لكنه كتمه عمر لأجل أبي بكر(11). 11ـ قال المؤرخ الكبير إسماعيل أبو الفداء: خلا جماعة من بني هاشم والزبير وعتبة بن أبي لهب وخالد بن سعيد بن العاص والمقداد بن عمر وسلمان الفارسي وأبي ذر وعمار بن ياسر والبراء بن عازب وأبي بن كعب، ومالوا مع علي بن أبي طالب، وقال في ذلك عتبة بن أبي لهب: ومـا كنت أحسب أن الأمر منصرف عن هاشم ثـــم منهم عن أبي حسن عــــن أول الـــــناس إيماناً وسابقة وأعــــلم الـــــناس بالقرآن والسنن وآخـــر الــــناس عهداً بالنبي ومن جبـــريل عون له في الغسل والكفن مــــن فـــــيه ما فيهم لا يمترون به وليس في القوم ما فيه من الحسن وكذلك تخلف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان من بني أمية. ثم إن أبا بكر بعث عمر بن الخطاب إلى علي ومن معه ليخرجهم من بيت فاطمة رضي الله عنها، وقال: إن أبوا عليك فقاتلهم، فأقبل عمر بشيء من نار على أن يضرم الدار، فلقيته فاطمة رضي الله عنها وقالت: إلى أين يا ابن الخطاب؟ أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم(12). 12ـ قال محمد بن جرير الطبري: عن زياد بن كليب قال: أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فقال: والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة، فخرج عليه الزبير مسلطاً بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه(13). 13ـ قال عمر رضا كحالة: وتفقد أبو بكر قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي بن أبي طالب كالعباس والزبير وسعد بن أبي عبادة، فقعدوا في بيت فاطمة، فبعث أبو بكر إليهم عمر بن الخطاب، فجاءهم عمر فناداهم وهم في دار فاطمة، فأبوا أن يخرجوا، فـــــدعا بالحطب وقال: والذي نفس عـــمر بيده لتخرجن أو لأحــــرقنها على من فيها، فقيل له: يا أبا حفص إن فيها فاطمة، فقال: وإن(14). 14ـ قال العلامة المظفر (ره): وما زال أولئك المسلمون بعداء عن ذلك الإمام الأعظم إلى زماننا هذا حتى جاء شاعرهم المصري في وقتنا، فافتخر بما قاله عمر من التهديد بإحراق بيت النبوة وباب مدينة علم النبي وحكمته، وقال: وقـــــولة لعـــــلي قــــــالها عـــمر أكرم بسامعها أكــــــرم بــــــملقيها أحـــــرقت بــــابك لا أبقي عليك بها إن لم تبايع وبنـــت المصطفى فيها مــــن كان مثل أبي حفص يفوه بها أمــــام فـــــارس عــدنان وحاميها وظن هذا الشاعر أن هذا من شجاعة عمر، وهو خطأ، أولم يعلم أنه لم تثبت لعمر قدم في المقامات المشهورة، ولم تمتد له يد في حروب النبي الكثيرة، فما ذلك إلا لأمانه من علي عليه السلام بوصية النبي صلى الله عليه وآله له بالصبر، ولو هم به لهام على وجهه واختطفه بأضعف ريشة(15). أقول: ولقد أتى الشاعر بخلاف صريح التاريخ، وقد أجاد ابن أبي الحديد في ذلك شعراً، وأنا أورده رغماً لأنف هذا الشاعر، قال: ومـــــا أنـــس لا أنس اللذيـن تقدما وفرهمـا والفـــــرقـد عــــلما حوب وللـــــرايـة العظمـى قــــد ذهبا بها ملابـس ذل فوقـــــهـا وجـــــلابيب يشـــــلهما من آل موسـى شمـردل طويل نجاد الســــــيف أجيد يعبوب يـــــمـج مــــــنـونـاً سيفـه وسنانـه ويلهــــب نــــاراً غـمـده و الأنابيب أحـضرهما؟ أم حضر أخرج خاضب وذان هـما أم ناعم الخد مخضوب؟ إلى آخر الأبيات(16). 15ـ نقل ابن خيزرانة في غرره، قال زيد بن أسلم: كنت ممن حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة حين امتنع علي وأصحابه عن البيعة أن يبايعوا، فقال عمر لفاطمة: أخرجي من في البيت وإلا أحرقته ومن فيه، قال: وفي البيت علي وفاطمة والحسن والحسين وجماعة من أصحــــاب النبي صلى الله عـــليه وآله، فقالت فاطمة: تحرق على ولدي؟ قال: إي والله أو لـــيخرجن وليبايعن(17). 16ـ قال المؤرخ الكبير المسعودي: فأقام أمير المؤمنين عليه السلام ومن معه من شيعته في منزله بما عهد إليه رسول الله صلى الله عليه وآله، فوجهوا إلى منزله، فهجموا عليه، وأحرقوا بابه واستخرجوه منه كرهاً، وضغطوا سيدة النساء بالباب حتى أسقطت محسناً، وأخذوه بالبيعة فامتنع وقال: لا أفعل، فقالوا: نقتلك، فقال: إن تقتلوني فإني عبد الله وأخو رسوله(18). 17ـ قال ولي الله الدهلوي: عن أسلم أنه حين بويع لأبي بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله كان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة فقال: يا بنت رسول الله، والله ما من الخلق أحد أحب إلينا من أبيك ومنك، وأيم الله ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن آمر بهم أن حرق عليهم الباب(19). 18ـ قال ابن أبي الحديد: روى إبراهيم بن سعيد الثقفي، عن إبراهيم بن ميمون قال: حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب عليه السلام، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: جاءت فاطمة عليها السلام إلى أبي بكر وقالت: إن أبي أعطاني فدك، وعلي وأم أيمن يشهدان، فقال: ما كنت لتقولي على أبيك إلا الحق، قد أعطيتكها، ودعا بصحيفة من أدم فكتب لها فيها. فخرجت، فلقيت عمر، فقال: من أين جئت يا فاطمة؟ قالت: جئت من عند أبي بكر أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاني فدك، وأن علياً وأم أيمن يشهدان لي بذلك، فأعطانيها وكتب لي بها، فأخذ عمر منها الكتاب ثم رجع إلى أبي بكر فقال: أعطيت فاطمة فدك وكتبت بها لها؟ قال: نعم، قال: إن علياً يجر إلى نفسه، وأم أيمن امرأة، وبصق في الكتاب فمحاه وخرقه. وقد روي أن أبا بكر لما شهد أمير المؤمنين عليه السلام كتب بتسليم فدك إليها، فاعترض عمر قضيته وخرق ما كتبه(20). 19ـ قال برهان الدين الشافعي: وفي كلام سبط ابن الجوزي (ره): أنه كتب لها بفدك، ودخل عليه عمر فقال: ما هذا؟ فقال: كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها، فقال: مما ذا تــنفــــق على المسلميـــن وقد حاربتـــــك العرب كما ترى. ثم أخذ عمر الكتاب فشقه(21). 20ـ قال العلامة المقرم (ره): ودعا (أبو بكر) بكتاب كتب فيه بإرجاع فدك إلى الزهراء عليها السلام، فخرجت من عنده والكتاب معها، فصادفها عمر في الطريق وعرف أنها كانت عند أبي بكر، فسألها عن شأنها فأخبرته بكتابة أبي بكر برد فدك عليها، وطلب الكتاب منها، فامتنعت، فرفسها برجله وأخذ الكتاب منها قهراً، وبصق فيه وخرقه، وقال: هذا فيء للمسلمين يشهد بذلك عائشة وحفصة وأوس بن الحدثان، فقالت عليها السلام: بقرت كتابي بقر الله بطنك(22). 21ـ قال ابن حجر العسقلاني في ترجمة علوان: عن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه قال: دخلت على أبي بكر أعوده، فاستوى جالساً... ثم قال عبد الرحمن له: ما أرى بك بأساً والحمد لله، فلا تأس على الدنيا، فو الله إن علمناك إلا كنت صالحاً مصلحاً، فقال: إني لا آسى على شيء إلا على ثلاث وددت أني لم أفعلهن، وددت أني لم أكشف بيت فاطمة وتركته وإن أغلق على الحرب، وددت أني يوم السقيفة كنت قذفت الأمر في عنق أبي عبيدة أو عمر فكان أميراً وكنت وزيراً(23). وكذلك في كتاب (الأموال) للحافظ أبي القاسم بن سلام ص193، ط مكتبات الأزهرية، لكن حرفت الكلمات هنا، قال: فوددت أني لم أكن فعلت كذا وكذا. 22ـ روى إبراهيم بن سعيد الثقفي قال: حدثني أحمد بن عمرو البجلي قال: حدثنا أحمد بن حبيب العامري، عن حمران بن أعين، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: والله ما بايع علي حتى رأى الدخان دخل بيته(24). قال العلامة بحر العلوم في هامش (تلخيص الشافي): إن قصة هجوم عمر على دار فاطمة عليها السلام وعزمه على إحراقها بمن فيها لا مجال لنكرانها، فقد روتها عامة المؤرخين من السنة... ثم ذكر كلام المؤرخين. نعم أنكره ابن روزبهان في رده على العلامة الحلي (ره)، وأجابه العلامة المظفر بأدلة قاطعة في (دلائل الصدق) ج3، ص 78ـ95 ط القاهرة، قال (ره) في ص91: وبالجملة يكفي في ثبوت قصد الإحراق رواية جملة من علمائهم له، بل رواية الواحد منهم له لا سيما مع تواتره عند الشيعة، ولا يحتاج إلى رواية البخاري ومسلم وأمثالهما ممن أجهده العداء لآل محمد صلى الله عليهم أجمعين، والولاء لأعدائهم، ورام التزلف إلى ملوكهم وأمرائهم وحسن السمعة عند عوامهم. 23ـ في حديث المفضل عن الصادق عليه السلام:... وجمعهم الجزل والحطب على الباب لإحراق بيت أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وفضة، وإضرامهم النار على الباب، وخروج فاطمة إليهم وخطابها لهم من وراء الباب، وقولها: ويحك يا عمر ما هذه الجرأة على الله وعلى رسوله؟ تريد أن تقطع نسله من الدنيا وتفنيه وتطفئ نور الله؟ والله متم نوره، وانتهاره له، وقوله: كفي يا فاطمة فليس محمد حاضراً، ولا الملائكة آتية بالأمر والنهي والزجر من عند الله، وما علي إلا كأحد من المسلمين، فاختاري إن شئت خروجه لبيعة أبي بكر أو إحراقكم جميعاً... وإدخال قنفذ يده لعنه الله يروم فتح الباب، وضرب عمر لها بالسوط على عضدها حتى صار كالدملج الأسود، وركل الباب برجله حتى أصاب بطنها وهي حاملة بالمحسن لستة أشهر وإسقاطها إياه. وهجوم عمر وقنفذ وخالد بن الوليد، وصفقة خدها حتى بدا قرطاها تحت خمارها، وهي تجهر بالبكاء وتقول: وا أبتاه، وا رسول الله، ابنتك فاطمة تكذب وتضرب، ويقتل جنين في بطنها. وخروج أمير المؤمنين عليه السلام من داخل الدار محمر العين حاسراً، حتى ألقى ملاءته عليها وضمها إلى صدره... وصاح أمير المؤمنين بفضة: يا فضة مولاتك فاقبلي منها ما تقبله النساء، فقد جاءها المخاض من الرفسة ورد الباب، فأسقطت محسناً، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: فإنه لاحق بجده رسول الله صلى الله عليه وآله فيشكو إليه ـ الحديث(25). 24 ـ وقال (ره): فلما أخرجوه (علي عليه السلام) حالت فاطمة عليها السلام بين زوجها وبينهم عند باب البيت، فضربها قنفذ بالسوط على عضدها، فصار بـــعضدها مــــثل الدملوج من ضرب قنفذ إيــــاها ودفعــــها، فكسر ضلعاً من جنبها، وألقت جنيناً من بطنها(26). 25ـ إرشاد القلوب: من مثالبهم ما تضمنه خبر وفاة الزهراء عليها السلام، قرة عين الرسول وأحب الناس إليه، مريم الكبرى والحوراء التي أفرغت من ماء الجنة من صلب رسول الله صلى الله عليه وآله التي قال في حقها رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن الله يرضى لرضاك، ويغضب لغضبك) وقال صلى الله عليه وآله: (فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني). وروي أنه لما حضرتها الوفاة قالت لأسماء بنت عميس: إذا أنا مت فانظري إلى الدار فإذا رأيت سجفاً من سندس من الجنة قد ضرب فسطاطاً في جانب الدار فاحمليني وزينب وأم كلثوم، فاجعلوني من وراء السجف، وخلوا بيني وبين نفسي. فلما توفيت عليها السلام وظهر السجف، حملناها وجعلناها وراءه، فغسلت وكفنت وحنطت بالحنوط، وكان كافوراً أنزله جبرائيل عليه السلام من الجنة في ثلاث صرر فقال: يا رسول الله ربك يقرئك السلام ويقول لك: هذا حنوطك وحنوط ابنتك وحنوط أخيك علي مقسوم أثلاثاً، وإن أكفانها وماءها وأوانيها من الجنة. وروي أنها توفيت عليها السلام بعد غسلها وتكفينها وحنوطها، لأنها طاهرة ولا دنس فيها، وأنها أكرم على الله تعالى أن يتولى ذلك منها غيرها، وأنه لم يحضرها إلا أمير المؤمنين والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وفضة جاريتها وأسماء بنت عميس، وأن أمير المؤمنين أخرجها ومعه الحسن والحسين في الليل، وصلوا عليها، ولم يعلم بها أحد، ولا حضروا وفاتها ولا صلى عليها أحد من سائر الناس غيرهم، لأنها عليها السلام أوصت بذلك وقالت: لا تصلي عليَّ أمة نقضت عهد الله وعهد أبي رسول الله صلى الله عليه وآله في أمير المؤمنين علي عليه السلام، وظلموني حقي، وأخذوا إرثي، وخرقوا صحيفتي التي كتبها لي أبي بملك فدك، وكذبوا شهودي وهم والله جبرائيل وميكائيل وأمير المؤمنين وأم أيمن، وطفت عليهم في بيوتهم، وأمير المؤمنين عليه السلام يحملني ومعي الحسن والحسين ليلاً ونهاراً إلى منازلهم، أذكرهم بالله ورسوله ألا تظلمونا ولا تغصبونا حقنا الذي جعله الله لنا، فيجيبونا ليلاً ويقعدون عن نصرتنا نهاراً، ثم ينفذون إلى دارنا قنفذاً ومعه عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد ليخرجوا ابن عمي علياً إلى سقيفة بني ساعدة لبيعتهم الخاسرة، فلا يخرج إليهم متشاغلاً بما أوصاه به رسول الله صلى الله عليه وآله وبأزواجه، وبتأليف القرآن، وقضاء ثمانين ألف درهم وصاه بقضائها عنه عداة وديناً. فجمعوا الحطب الجزل على بابنا، وأتوا بالنار ليحرقوه ويحرقونا، فوقفت بعضادة الباب، وناشدتهم بالله وبأبي أن يكفوا عنا وينصرونا، فأخذ عمر السوط من يد قنفذ مولى أبي بكر فضرب به عضدي، فالتوى السوط على عضدي حتى صار كالدملج، وركل الباب برجله فرده علي وأنا حامل، فسقطت لوجهي والنار تسعر وتسفع وجهي، فضربني بيده حتى انتشر قرطي من أذني، وجاءني المخاض فأسقطت محسناً قتيلاً بغير جرم، فهذه أمة تصلي عليّ وقد تبرأ الله ورسوله منهم، وتبرأت منهم! فعمل أمير المؤمنين عليه السلام بوصيتها، ولم يعلم أحداً بها فأصنع في البقيع ليلة دفنت فاطمة عليها السلام أربعون قبراً جدداً. ثم إن المسلمين لما علموا بوفاة فاطمة ودفنها جاؤوا... فقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، تموت ابنة نبينا محمد صلى الله عليه وآله ولم يخلف فينا ولداً غيرها ولا نصلي عليها، إن هذا لشيء عظيم، فقال عليه السلام: حسبكم ما جنيتم على الله وعلى رسوله وعلى أهل بيته، ولم أكن والله لأعصيها في وصيتها التي أوصت بها في أن لا يصلي عليها أحد منكم... فقال أبو بكر: هاتوا من ثقات المسلمين من ينبش هذه القبور حتى تجدوا قبرها فنصلي عليها ونزورها، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام، فخرج من داره مغضباً وقد احمر وجهه وفاضت عيناه ودرّت أوداجه وعلى يده قباءه الأصفر الذي لم يكن يلبسه إلا في يوم كريهة يتوكى على سيفه ذي الفقار حتى ورد البقيع، فسبق الناس النذير فقال لهم: هذا علي قد أقبل كما ترون، يقسم بالله لئن بحث من هذه القبور حجر واحد لأضعن السيف على غابر هذه الأمة، فولى القوم هاربين قطعاً قطعاً(27). 26ـ لما أوقف علي عليه السلام تكلم فقال: أيتها الغدرة الفجرة... فاستعدوا للمسألة جواباً، ولظلمكم لنا أهل البيت احتساباً، أو تضرب الزهراء نهراً، ويؤخذ منا حقنا قهراً وجبراً، فلا نصير ولا مجير ولا مسعد ولا منجد؟ فليت ابن أبي طالب مات قبل يومه، فلا يرى الكفرة الفجرة قد ازدحموا على ظلم الطاهرة البرة، فتباً تباً، وسحقاً سحقاً، ذلك أمر إلى الله مرجعه، وإلى رسول الله مدفعه، فقد عز على علي بن أبي طالب أن يسوَّد متن فاطمة ضرباً وقد عرف مقامه وشوهدت أيامه... فالصبر أيمن وأجمل، والرضا بما رضي الله أفضل، لكيلا يزول الحق عن وقره، ويظهر الباطل من وكره، حتى ألقى ربي فأشكو إليه ما ارتكبتم من غصبكم حقي، وتماطلكم صدري، وهو خير الحاكمين وأرحم الراحمين، وسيجزي الله الشاكرين، والحمد لله رب العالمين. ثم سكت عليه السلام(28). 27ـ... فقال المفضل للصادق عليه السلام: يا مولاي ما في الدموع من ثواب؟ قال: ما لا يحصى إذا كان من محق. فبكى المفضل (بكاءً) طويلاً ويقول: يا ابن رسول الله إن يومكم في القصاص لأعظم من يوم محنتكم، فقال له الصادق عليه السلام: ولا كيوم محنتنا بكربلاء وإن كان يوم السقيفة وإحراق النار على باب أمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة وزينب وأم كلثوم وفضة وقتل محسن بالرفسة أعظم وأدهى وأمر، لأنه أصل يوم العذاب(29). وقال عليه السلام: ويأتي محسن مخضباً محمولاً تحمله خديجة بنت خويلد وفاطمة ابنة أسد أم أمير المؤمنين عليه السلام وهما جدتاه، وأم هانئ وجمانة عمتاه ابنتا أبي طالب، وأسماء ابنة عميس الخثعمية صارخات، أيديهن على خدودهن، ونواصيهن منشرة، والملائكة تسترهن بأجنحتهن، وفاطمة أمه تبكي وتصيح وتقول: هذا يومكم الذي كنتم توعدون، وجبرائيل يصيح ـ يعني محسناً ـ ويقول: إني مظلوم فانتصر، فيأخذ رسول الله محسناً على يديه رافعاً له إلى السماء وهو يقول: إلهي وسيدي صبرنا في الدنيا احتساباً، وهذا اليوم الذي تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء، تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً(30). 28ـ قال العلامة المجلسي (ره): وجدت في بعض الكتب خبراً في وفاتها عليها السلام فأحببت إيراده وإن لم آخذه من أصل يعول عليه: روى ورقة بن عبد الله الأزدي قال: خرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام راجياً لثواب الله رب العالمين، فبينما أنا أطوف وإذا أنا بجارية سمراء، ومليحة الوجه عذبة الكلام، وهي تنادي بفصاحة منطقها، وهي تقول: اللهم رب الكعبة الحرام، والحفظة الكرام، وزمزم والمقام، والمشاعر العظام ورب محمد خير الأنام، صلى الله عليه وآله البررة الكرام (أسألك) أن تحشرني مع ساداتي الطاهرين، وأبنائهم الغر المحجلين الميامين. ألا فاشهدوا يا جماعة الحجاج والمعتمرين أن موالي خيرة الأخيار، وصفوة الأبرار، والذين علا قدرهم على الأقدار، وارتفع ذكرهم في سائر الأمصار المرتدين بالفخار(31). قال ورقة بن عبد الله: فقلت: يا جارية إني لأظنك من موالي أهل البيت عليهم السلام فقالت: أجل، قلت لها: ومن أنت من مواليهم؟ قالت: أنا فضة أمة فاطمة الزهراء ابنة محمد المصطفى صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها. فقلت لها: مرحباً بك وأهلاً وسهلاً، فلقد كنت مشتاقاً إلى كلامك ومنطقك فأريد منك الساعة أن تجيبيني من مسألة أسألك، فإذا أنت فرغت من الطواف قفي لي عند سوق الطعام حتى آتيك وأنت مثابة مأجورة، فافترقنا. فلما فرغت من الطواف وأردت الرجوع إلى منزلي جعلت طريقي على سوق الطعام وإذا أنا بها جالسة في معزل عن الناس، فأقبلت عليها واعتزلت بها وأهديت إليها هدية ولم أعتقد أنها صدقة، ثم قلت لها: يا فضة أخبريني عن مولاتك فاطمة الزهراء عليها السلام وما الذي رأيت منها عند وفاتها بعد موت أبيها محمد صلى الله عليه وآله. قال ورقة: فلما سمعت كلامي تغرغرت عيناها بالدموع ثم انتحبت نادبة وقالت: يا ورقة بن عبد الله هيجت علي حزناً ساكناً، وأشجاناً في فؤادي كانت كامنة، فاسمع الآن ما شاهدت منها عليها السلام. اعلم أنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله افتجع له الصغير والكبير، وكثر عليه البكاء، وقل العزاء، وعظم رزؤه على الأقرباء والأصحاب والأولياء والأحباب والغرباء والأنساب، ولم تلق إلا كل باك وباكية، ونادب ونادبة. ولم يكن في أهل الأرض والأصحاب، والأقرباء والأحباب، أشد حزناً وأعظم بكاءً وانتحاباً من مولاتي فاطمة الزهراء عليها السلام، وكان حزنها يتجدد ويزيد، وبكاؤها يشتد. فجلست سبعة أيام لا يهدأ لها أنين، ولا يسكن منها الحنين، كل يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأول، فلما كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن، فلم تطق صبراً إذ خرجت وصرخت، فكأنها من فم رسول الله صلى الله عليه وآله تنطق، فتبادرت النسوان، وخرجت الولائد والولدان، وضج الناس بالبكاء والنحيب وجاء الناس من كل مكان، وأطفأت المصابيح لكيلا تتبين صفحات النساء، وخيل إلى النسوان أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد قام من قبره، وصارت الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم، وهي عليها السلام تنادي وتندب أباها: وا أبتاه، وا صفياه، وا محمداه! وا أبا القاسماه، وا ربيع الأرامل واليتامى، من للقبلة والمصلى، ومن لابنتك الوالهة الثكلى. ثم أقبلت تعثر في أذيالها، وهي لا تبصر شيئاً من عبرتها ومن تواتر دمعتها حتى دنت من قبر أبيها محمد صلى الله عليه وآله فلما نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المئذنة فقصرت خطاها، ودام نحيبها وبكاها، إلى أن أغمي عليها، فتبادرت النسوان إليها فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتى أفاقت، فلما أفاقت من غشيتها قامت وهي تقول: رفعت قوتي، وخانني جلدي، وشمت بي عدوي، والكمد قاتلي، يا أبتاه بقيت والهة وحيدة، وحيرانة فريدة، فقد انخمد صوتي، وانقطع ظهري، وتنغص عيشي، وتكدر دهري، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيساً لوحشتي، ولا راداً لدمعتي ولا معيناً لضعفي، فقد فني بعدك محكم التنزيل، ومهبط جبرائيل، ومحل ميكائيل. انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب، وتغلقت دوني الأبواب، فأنا للدنيا بعدك قالية، وعليك ما ترددت أنفاسي باكية، لا ينفذ شوقي إليك، ولا حزني عليك. ثم نادت: يا أبتاه والباه، ثم قالت: إن حـــــزني علـــيك حزن جديد وفؤادي والله صــــــب عــــنيد كــــل يــــوم يـزيد فيه شجوني واكتئابي عليـــــك ليـــــس يبيد جــــل خـطبي فبان عني عزائي فبكائــــــي كــــــل وقـــت جديد إن قـــــلباً عــــليك يــألف صبراً أو عــــــزاءً فــــــإنه لجــــــليد ثم نادت: يا أبتاه انقطعت بك الدنيا بأنوارها، وزوت زهرتها وكانت ببهجتك زاهرة، فقد اسود نهارها، فصار يحكي حنادسها رطبها ويابسها، يا أبتاه لا زلت آسفة عليك إلى التلاق، يا أبتاه زال غمضي منذ حق الفراق، يا أبتاه من للأرامل والمساكين، ومن للأمة إلى يوم الدين، يا أبتاه أمسينا بعدك من المستضعفين، يا أبتاه أصبحت الناس عنا معرضين، ولقد كنا بك معظمين في الناس غير مستضعفين، فأي دمعة لفراقك لا تنهمل، وأي حزن بعدك عليك لا يتصل، وأي جفن بعدك بالنوم يكتحل، وأنت ربيع الدين، ونور النبيين، فكيف للجبال لا تمور، وللبحار بعدك لا تغور، والأرض كيف لم تتزلزل؟ رميت يا أبتاه بالخطب الجليل، ولم تكن الرزية بالقليل، وطرقت يا أبتاه بالمصاب العظيم، وبالفادح المهول. بكتك يا أبتاه الأملاك، ووقفتك الأفلاك، فمنبرك بعدك مستوحش، ومحرابك خال من مناجاتك، وقبرك فرح بمواراتك، والجنة مشتاقة إليك وإلى دعائك وصلاتك. يا أبتاه ما أعظم ظلمة مجالسك، فوا أسفاه عليك إلى أن أقدم عاجلاً عليك، وأثكل أبو الحسن المؤتمن أبو ولديك، الحسن والحسين، وأخوك ووليك وحبيبك ومن ربيته صغيراً، وواخيته كبيراً، وأحلى أحبابك وأصحابك إليك، من كان منهم سابقاً ومهاجراً وناصراً، والثكل شاملنا، والبكاء قاتلنا، والأسى لا زمنا. ثم زفرت زفرة وأنت أنة كادت روحها أن تخرج، ثم قالت: قـــــل صـــبري وبان عنـي عزائـي بعـد فــــقـدي لـــخاتــــــم الأنبيـاء عـين يا عيـــــن اسكبي الدمع سحا وبك لا تــــبخلـي بــــــفيـض الدماء يــا رســـول الإلـــــــه يا خيرة اللـه وكـهــــف الأيــــتــــــام والضعفـاء قـد بكتك الجبال والــــــوحش جمعاً والطير والأرض بــعد يبكي السماء وبكـــاك الحـجون والــركن والمـشـــ ــــــعر يــــــــا سيـدي مـع البطـحاء وبـــكــــــاك المــــــحراب والـدرس للقرآن فـــي الصبح معلناً والمساء وبكاك الإسلام إذ صـــــار فـــي النا س غريــــــبـاً مــــن سائـر الغرباء لـــو ترى المنبر الذي كنت تــــــعلو ه علاه الظـــــلام بـــــعـد الضيـاء يا إلـــــهـي عـــــجل وفاتـي سريعاً فـــــلقـد تـنغصت الحياة يـا مولائي قالت: ثم رجعت إلى منزلها وأخذت بالبكاء والعويل ليلها ونهارها، وهي لا ترقأ دمعتها، ولا تهدأ زفرتها. واجتمع شيوخ أهل المدينة وأقبلوا إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام فقالوا له: يا أبا الحسن إن فاطمة عليها السلام تبكي الليل والنهار فلا أحد منا يتهنأ بالنوم في الليل على فرشنا، ولا بالنهار لنا قرار على أشغالنا وطلب معايشنا، وإنا نخبرك أن تسألها إما أن تبكي ليلاً أو نهاراً، فقال عليه السلام: حباً وكرامة. فأقبل أمير المؤمنين عليه السلام حتى دخل على فاطمة عليها السلام وهي لا تفيق من البكاء، ولا ينفع فيها العزاء. فلما رأته سكنت هنيئة له، فقال لها: يا بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ إن شيوخ المدينة يسألوني أن أسألك إما أن تبكين أباك ليلاً وإما نهاراً. فقالت: يا أبا الحسن ما أقل مكثي بينهم وما أقرب مغيبي من بين أظهرهم، فو الله لا أسكت ليلاً ولا نهاراً أو ألحق بأبي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال لها علي عليه السلام: افعلي يا بنت رسول الله ما بدا لك. ثم إنه بنى لها بيتاً في البقيع نازحاً عن المدينة يسمى بيت الأحزان، وكانت إذا أصبحت قدمت الحسن والحسين عليهما السلام أمامها، وخرجت إلى البقيع باكية. فلا تزال بين القبور باكية، فإذا جاء الليل أقبل أمير المؤمنين عليه السلام إليها وساقها بين يديه إلى منزلها. ولم تزل على ذلك إلى أن مضى لها بعد موت أبيها سبعة وعشرون يوماً، واعتلت العلة التي توفيت فيها، فبقيت إلى يوم الأربعين، وقد صلى أمير المؤمنين عليه السلام صلاة الظهر وأقبل يريد المنزل إذا استقبلته الجواري باكيات حزينات فقال لهن: ما الخبر وما لي أراكن متغيرات الوجوه والصور؟ فقلن: يا أمير المؤمنين أدرك ابنة عمك الزهراء عليها السلام وما نظنك تدركها. فأقبل أمير المؤمنين عليه السلام مسرعاً حتى دخل عليها، وإذا بها ملقاة على فراشها ـ وهو من قباطي مصر ـ وهي تقبض يميناً وتمد شمالاً، فألقى الرداء عن عاتقه والعمامة عن رأسه، وحل أزراره، وأقبل حتى أخذ رأسها وتركه في حجره، وناداها: يا زهراء! فلم تكلمه، فناداها: يا بنت محمد المصطفى! فلم تكلمه، فناداها: يا بنت من حمل الزكاة في طرف ردائه وبذلها على الفقراء! فلم تكلمه، فناداها: يا ابنة من صلى بالملائكة في السماء مثنى مثنى! فلم تكلمه، فناداها: يا فاطمة كلميني فأنا ابن عمك علي بن أبي طالب. قال: ففتحت عينيها في وجهه ونظرت إليه وبكت وبكى وقال: ما الذي تجدينه فأنا ابن عمك علي بن أبي طالب. فقالت: يا ابن العم إني أجد الموت الذي لا بد منه ولا محيص عنه، وأنا أعلم أنك بعدي لا تصبر على قلة التزويج، فإن أنت تزوجت امرأة اجعل لها يوماً وليلة واجعل لأولادي يوماً وليلة، يا أبا الحسن ولا تصح في وجوههما فيصبحان يتيمين غريبين منكسرين، فإنهما بالأمس فقدا جدهما واليوم يفقدان أمهما، فالويل لأمة تقتلهما وتبغضهما. ثم أنشأت تقول: ابـــــكني إن بكيت يا خير هادي واسبل الدمع فهــو يوم الفراق يا قــرين البتول أوصيك بالنسل فقد أصبحا حـــــليف اشــــتياق ابكنــــي وابـكي لليتامى ولا تنـ ـس قتيل العــــدى بطف العراق فــارقوا فأصبحوا يتامى حيارى يـــحلف الله فــــهو يوم الفراق قالت: فقال لها علي عليهما السلام: من أين لك يا بنت رسول الله هذا الخبر، والوحي قد انقطع عنا؟ فقالت: يا أبا الحسن رقدت الساعة فرأيت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله في قصر من الدر الأبيض فلما رآني قال: هلمي إلي يا بنية فإني إليك مشتاق. فقلت: والله إني لأشد شوقاً منك إلى لقائك، فقال: أنت الليلة عندي. وهو الصادق لما وعد، والموفي لما عاهد. فإذا أنت قرأت يس فاعلم أني قد قضيت نحبي فغسلني ولا تكشف عني فإني طاهرة مطهرة وليصل علي معك من أهلي الأدنى فالأدنى ومن رزق أجري، وادفني ليلاً في قبري، بهذا أخبرني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال علي: والله لقد أخذت في أمرها وغسلتها في قميصها ولم أكشفه عنها، فو الله لقد كانت ميمونة طاهرة مطهرة. ثم حنطتها من فضلة حنوط رسول الله صلى الله عليه وآله وكفنتها وأدرجتها في أكفانها، فلما هممت أن أعقد الرداء ناديت يا أم كلثوم! يا زينب! يا سكينة! يا فضة! يا حسن! يا حسين! هلموا تزودوا من أمكم، فهذا الفراق، واللقاء في الجنة. فأقبل الحسن والحسين عليهما السلام وهما يناديان وا حسرتا لا تنطفئ أبداً من فقد جدنا محمد المصطفى وأمنا فاطمة الزهراء. يا أم الحسن يا أم الحسين إذا لقيت جدنا محمد المصطفى فأقرئيه منا السلام وقولي له: إنا قد بقين بعدك يتيمين في دار الدنيا. فقال أمير المؤمنين علي عليه السلام: إني أشهد الله أنها قد حنت وأنت ومدت يديها وضمتهما إلى صدرها ملياً وإذا بهاتف من السماء ينادي: يا أبا الحسن ارفعهما عنها فلقد أبكيا والله ملائكة السماوات، فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب. قال: فرفعتهما عن صدرها وجعلت أعقد الرداء وأنا أنشد بهذه الأبيات: فــــراقك أعظــم الأشياء عنـدي وفــــقدك فــــاطم أدهى الثكول سأبكي حســـــرة وأنوح شجواً على خل مضــــى أسـنى سبيل ألا يا عين جــــودي وأسعدينـي فــــحزني دائـــــم أبكـي خليلي ثم حملها على يده وأقبل بها إلى قبر أبيها ونادى: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نور الله، السلام عليك يا صفوة الله مني، السلام عليك، والتحية واصلة مني إليك ولديك، ومن ابنتك النازلة عليك بفنائك، وإن الوديعة قد استردت، والرهينة قد أخذت، فوا حزناه على الرسول، ثم من بعده على البتول، ولقد اسودت علي الغبراء، وبعدت عني الخضراء، فوا حزناه ثم وا أسفاه. ثم عدل بها على الروضة فصلى عليه في أهله وأصحابه ومواليه وأحبائه وطائفة من المهاجرين والأنصار، فلما واراها وألحدها في لحدها أنشأ بهذه الأبيات يقول: أرى عــــلل الــــدنيا علي كثيرة وصاحبها حتــــى الممات عليل لـــــكل اجتماع من خليلين فرقة وإن بـــــقائي عــــــندكم لقليـل وإن افــــتقادي فاطماً بعد أحمد دلـــــيل على أن لا يدوم خليل(32) 29ـ قال الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود:... فهلا كان علي كابن عبادة حرياً في نظر ابن الخطاب بالقتل حتى لا تكون فتنة ولا يكون انقسام؟! كان هذا أولى بعنف عمر إلى جانب غيرته على وحدة الإسلام، وبه تحدث الناس ولهجت الألسن كاشفة عن خلجات خواطر جرت فيها الظنون مجرى اليقين... وكذلك سبقت الشائعات خطوات ابن الخطاب ذلك النهار، وهو يسير في جمع من صحبه ومعاونيه إلى دار فاطمة، وفي باله أن يحمل ابن عم رسول الله ـ إن طوعاً وإن كرهاً ـ على إقرار ما أباه حتى الآن، وتحدث أناس بأن السيف سيكون وحده متن الطاعة!... وتحدث آخرون بأن السيف سوف يلقى السيف!... ثم تحدث غير هؤلاء وهؤلاء بأن (النار) هي الوسيلة المثلى إلى حفظ الوحدة وإلى الرضا والإقرار!... وهل على ألسنة الناس عقال يمنعها أن تروي قصة حطب أمر به ابن الخطاب فأحاط بدار فاطمة، وفيها علي وصحبه، ليكون عدة الإقناع أو عدة الإيقاع؟... أقبل الرجل محنقاً مندلع الثورة على دار علي، وقد ظاهره معاونوه ومن جاء بهم، فاقتحموها أو أوشكو على اقتحام، فإذا وجه كوجه رسول الله يبدو بالباب حائلاً من حزن، على قسماته خطوط آلام، وفي عينيه لمعات دمع، وفوق جبينه عبسة غضب فائر وحنق ثائر... وراحت الزهراء وهي تستقبل المثوى الطاهر، تستنجد بهذا الغائب الحاضر: يا أبت رسول الله!... ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة؟! فما تركت كلماتها إلا قلوباً صدعها الحزن، وعيوناً جرت دمعاً(33). 30ـ قال العلامة الأميني (ره): والوصي الأقدس والعترة الهادية وبنو هاشم ألهاهم النبي الأعظم وهو مسجى بين يديهم وقد أغلق دونه الباب أهله، وخلى أصحابه صلى الله عليه وآله بينه وبين أهله، فولوا إجنانه، ومكث ثلاثة أيام لا يدفن، أو من يوم الاثنين إلى يوم الأربعاء أو ليلته، فدفنه أهله، ولم يله إلا أقاربه، دفنوه في الليل أو في آخره، ولم يعلم به القوم إلا بعد سماع صريف المساحي وهم في بيوتهم من جوف الليل، ولم يشهد الشيخان دفنه صلى الله عليه وآله. بعدما رأى الرجل عمر بن الخطاب محتجراً يهرول بين يدي أبي بكر وقد نبر حتى أزبد شدقاه. بعدما قرعت سمعه عقيرة صحابي بدري عظيم ـ الحباب بن المنذر ـ وقد انتضى سيفه على أبي بكر ويقول: والله لا يرد علي أحد ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف، أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب،(34) أنا أبو شبل في عرينة الأسد يعزى إلى الأسد، فيقال عليه: إذن يقتلك الله. فيقول: بل إياك يقتل، أو بل أراك تقتل، فأخذ ووطئ في بطنه، ودس في فيه التراب. بعدما شاهد ثالثاً يخالف البيعة لأبي بكر وينادي: أما والله أرميكم بكل سهم في كنانتي من نيل، وأخضب منكم سناني ورمحي وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم مع من معي من أهلي وعشيرتي. بعدما رأى رابعاً يتذمر على البيعة، ويشب نار الحرب بقوله: إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم. بعد ما نظر إلى مثل سعد بن عبادة أمير الخزرج وقد وقع في ورطة الهون ينزى عليه، وينادى عليه بغضب: اقتلوا سعداً، قتله الله، إنه منافق، أو: صاحب فتنة. وقد قام الرجل على رأسه ويقول: لقد هممت أن أطئك حتى تندر عضوك، أو تندر عيونك. بعدما شاهد قيس بن سعد قد أخذ بلحية عمر قائلاً: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة. أو: لو خفضت منه شعرة ما رجعت وفيك جارحة. بعد ما عاين الزبير وقد اخترط سيفه ويقول: لا أغمده حتى يبايع علي. فيقول عمر: عليكم الكلب، فيؤخذ سيفه من يده ويضرب به الحجر ويكسر. بعد ما بصر مقداداً ذلك الرجل العظيم وهو يدافع في صدره، أو نظر إلى الحباب بن المنذر وهو يحطم أنفه، وتضرب يده، أو إلى اللائذين بدارالنبوة، مأمن الأمة، وبيت شرفها بيت فاطمة وعلي ـ سلام الله عليهما ـ وقد لحقهم الإرهاب والترعيد، وبعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب وقال لهم: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل عمر بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا في ما دخل فيه الأمة. بعدما رأى هجوم رجال الحزب السياسي دار أهل الوحي وكشف بيت فاطمة وقد علت عقيرة قائدهم بعد ما دعا بالحطب: والله لتحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة ـ أو لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقنها على من فيها ـ فيقال للرجل: إن فيها فاطمة، فيقول: وإن. بعد قول ابن شحنة: إن عمر جاء إلى بيت علي ليحرقه على من فيه، فلقيته فاطمة فقال: ادخلوا في ما دخلت فيه الأمة. (تاريخ ابن شحنة، هامش الكامل، 7، ص164). بعد ما سمع أنة وحنة من حزينة كئيبة ـ بضعة المصطفى ـ وقد خرجت عن خدرها وهي تبكي وتنادي بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول الله: ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة؟! بعد ما رآها وهي تصرخ وتولول ومعها نسوة من الهاشميات تنادي: يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله! والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله. (شرح ابن أبي الحديد،1، ص134، ج2، ص19). بعد ما شاهد هيكل القداسة والعظمة ـ أمير المؤمنين ـ يقاد إلى البيعة كما يقاد الجمل المخشوش، ويدفع ويساق سوقاً عنيفاً، واجتمع الناس ينظرون، ويقال له: بايع. فيقول: إن أنا لم أفعل فمه؟ فيقال: إذن والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك، فيقول: إذن تقتلون عبد الله وأخا رسوله. بعد ما رأى صنو المصطفى علياً لاذ بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصيح ويبكي ويقول: يا ابن أم! إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني(35)... 31ـ قال المولى محسن الكاشاني (ره): ثم إن عمر جمع جماعة من الطلقاء والمنافقين، وأتى بهم إلى منزل أمير المؤمنين عليه السلام فوافوا بابه مغلق، فصاحوا به: اخرج يا علي، فإن خليفة رسول الله يدعوك، فلم يفتح لهم الباب، فأتوا بحطب فضعوه على الباب وجاؤوا بالنار ليضرموه، فصاح عمر وقال: والله لئن لم تفتحوا لنضرمنه بالنار. فلما عرفت فاطمة عليها السلام أنهم يحرقون منزلها قامت وفتحت الباب، فدفعوها القوم قبل أن تتوارى عنهم، فاختبت فاطمة عليها السلام وراء الباب والحائط. ثم إنهم تواثبوا على أمير المؤمنين عليه السلام وهو جالس على فراشه، واجتمعوا عليه حتى أخرجوه سحباً من داره، ملبياً بثوبه يجرونه إلى المسجد، فحالت فاطمة بينهم وبين بعلها وقالت: والله لا أدعكم تجرون ابن عمي ظلماً، ويلكم ما أسرع ما خنتم الله ورسوله فينا أهل البيت، وقد أوصاكم رسول الله صلى الله عليه وآله باتباعنا ومودتنا والتمسك بنا! فقال الله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى)(36). قال: فتركه أكثر القوم لأجلها، فأمر عمر قنفذ بن عمران يضربها بسوطه، فضربها قنفذ بالسوط على ظهرها وجنبيها إلى أن أنهكها وأثر في جسمها الشريف، وكان ذلك الضرب أقوى ضرر في إسقاط جنينها ـ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله سماه محسناً ـ وجعلوا يقودون أمير المؤمنين عليه السلام إلى المسجد حتى أوقفوه بين يدي أبي بكر، فلحقته فاطمة عليها السلام إلى المسجد لتخلصه، فلم تتمكن من ذلك، فعدلت إلى قبر أبيها فأشارت إليه بحزنة ونحيب وهي تقول: نـــفسي على زفراتها محبوسـة يا ليـــــتها خرجت مع الزفرات لا خــــير بعدك في الحياة وإنما أبــكي مخافة أن تطول حياتي(37) ثم قالت: وا أسفاه عليك يا أبتاه، واثكل حبيبك أبو الحسن المؤتمن، وأبو سبطيك الحسن والحسين، ومن ربيته صغيراً، وآخيته كبيراً، وأجل أحباءك لديك، وأحب أصحابك عليك، أولهم سبقاً إلى الإسلام، ومهاجرة إليك يا خير الأنام، فها هو يساق في الأسر كما يقاد البعير. ثم إنها أنت أنة وقالت: وامحمداه، واحبيباه، واأباه، واأبو القاسماه، واأحمداه، واقلة ناصراه، واغوثاه، واطول كربتاه، واحزناه، وامصيبتاه، واسوء صباحاه، وخرت مغشية عليها، فضج الناس بالبكاء والنحيب، وصار المسجد مأتماً. ثم إنهم أوقفوا أمير المؤمنين عليه السلام بين يدي أبي بكر وقالوا له: مد يدك فبايع. فقال: والله لا أبايع، والبيعة لي في رقابكم. فروي عن عدي بن حاتم أنه قال: والله ما رحمت أحداً قط رحمتي علي بن أبي طالب عليه السلام حين أتي به ملبياً بثوبه، يقودونه إلى أبي بكر وقالوا: بايع. قال: فإن لم أفعل؟ قالوا: نضرب الذي فيه عيناك. ـ قال: ـ فرفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إني أشهدك أنهم أتوا أن يقتلوني، فإني عبد الله وأخو رسول الله. فقالوا له: مد يدك فبايع. فأبى عليهم، فمدوا يده كرهاً، فقبض علي أنامله، فراموا بأجمعها (بأجمعهم ـ ظ) فتحها فلم يقدروا، فمسح عليها أبو بكر ـ وهو مضمومة ـ وهو عليه السلام يقول وينظر إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله: (يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني). قال الراوي: إن علياً عليه السلام خاطب أبا بكر بهذين البيتين: فــإن كنت بالشـورى ملكت أمورهم فكيف بهذا والمـــــشيرون غــــيب وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم فغـــــــيرك أولــــــى بالنبي وأقرب وكان عليه السلام كثيراً ما يقول: واعجباه! تكون الخلافة بالصحابة، ولا تكون بالقرابة والصحابة؟!(38) 32ـ قال سليم بن قيس الكوفي: فأغرم عمر بن الخطاب تلك السنة جميع عماله أنصاف أموالهم لشعر أبي المختار، ولم يغرم قنفذ العدوي شيئاً، وقد كان من عماله، ورد عليه ما أخذ منه وهو عشرون ألف درهم، ولم يأخذ منه عشره ولا نصف عشره، وكان من عماله الذين أغرموا أبو هريرة، وكان على البحرين، فأحصى ماله فبلغ أربعة وعشرون ألفاً، فأغرمه اثني عشر ألفاً. (قال أبان: قال سليم) فلقيت علياً صلوات الله عليه فسألته عما صنع عمر، فقال: هل تدري لم كف عن قنفذ ولم يغرمه شيئاً؟ قلت: لا، قال: لأنه هو الذي ضرب فاطمة بالسوط حين جاءت لتحول بيني وبينهم، فماتت صلوات الله عليها وأن أثر السوط لفي عضدها مثل الدملج. (قال أبان عن سليم) قال: انتهيت إلى حلقة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ليس فيها إلا هاشمي غير سلمان وأبي ذر والمقداد ومحمد بن أبي بكر وعمر بن أبي سلمة وقيس بن سعد بن (أبي) عبادة فقال العباس لعلي صلوات الله عليه: ما ترى عمر منعه من أن يغرم قنفذاً كما أغرم جميع عماله؟ فنظر علي عليه السلام إلى من حوله، ثم اغرورقت عيناه، ثم قال: نشكو له ضربة ضربها فاطمة بالسوط، فماتت وفي عضدها أثره كأنه الدملج(39). 33ـ في حديث فدك: ثم خرجت وحملها علي على أتان عليه كساء له خمل، فدار بها أربعين صباحاً في بيوت المهاجرين والأنصار والحسن والحسين عليهما السلام معها وهي تقول: يا معشر المهاجرين والأنصار انصروا الله فإني ابنة نبيكم وقد بايعتم رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بايعتموه أن تمنعوه وذريته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم، ففوا لرسول الله صلى الله عليه وآله ببيعتكم، قال: فما أعانها أحد ولا أجابها ولا نصرها، قال: فانتهت إلى معاذ بن جبل فقالت: يا معاذ بن جبل إني قد جئتك مستنصرة وقد بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله على أن تنصره وذريته وتمنعه مما تمنع منه نفسك وذريتك، وأن أبا بكر قد غصبني على فدك وأخرج وكيلي منها قال: فمعي غيري؟ قالت: لا، ما أجابني أحد، قال: فأين أبلغ أنا من نصرتك؟ قال: فخرجت من عنده ودخل ابنه(40) فقال: ما جاء بابنة محمد إليك؟ قال: جاءت تطلب نصرتي على أبي بكر فإنه أخذ منها فدكاً، قال: فما أجبتها به؟ قال: قلت: وما يبلغ من نصرتي أنا وحدي؟ قال: فأبيت أن تنصرها؟ قال: نعم، قال: فأي شيء قالت لك؟ قال: قالت لي: والله لأنازعنك الفصيح من رأسي حتى أرد على رسول الله صلى الله عليه وآله،(41) قال: فقال: أنا والله لأنازعنك الفصيح من رأسي حتى أرد على رسول الله صلى الله عليه وآله إذ لم تجب ابنة محمد صلى الله عليه وآله. قال: وخرجت فاطمة عليها السلام من عنده وهي تقول: والله لا أكلمك كلمة حتى أجتمع أنا وأنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله ثم انصرفت، فقال علي عليه السلام لها: ائت أبا بكر وحده فإنه أرق من الآخر وقولي له: ادعيت مجلس أبي وأنك خليفته وجلست مجلسه، ولو كانت فدك لك ثم استوهبتها منك لوجب ردها علي. فلما أتته وقالت له ذلك، قال: صدقت، قال: فدعا بكتاب فكتبه لها برد فدك. فقال: فخرجت والكتاب معها، فلقيها عمر فقال: يا بنت محمد ما هذا الكتاب الذي معك؟ فقالت: كتاب كتب لي أبو بكر برد فدك، فقال: هلميه إلي، فأبت أن تدفعه إليه، فرفسها برجله وكانت حاملة بابن اسمه المحسن فأسقطت المحسن من بطنها، ثم لطمها فكأني أنظر إلى قرط في أذنها حين نقفت(42). ثم أخذ الكتاب فخرقه. فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوماً مريضة مما ضر بها عمر، ثم قبضت. فلما حضرته الوفاة دعت علياً صلوات الله عليه فقالت: إما تضمن وإلا أوصيت إلى ابن الزبير. فقال عليه عليه السلام: أنا أضمن وصيتك يا بنت محمد، قالت: سألتك بحق رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أنا مت ألا يشهداني ولا يصليا علي، قال: فلك ذلك، فلما قبضت عليها السلام دفنها ليلاً في بيتها وأصبح أهل المدينة يريدون حضور جنازتها وأبو بكر وعمر كذلك، فخرج إليهما علي عليه السلام فقالا له: ما فعلت بابنة محمد أخذت في جهازها يا أبا الحسن؟ فقال علي عليه السلام: قد والله دفنتها، قالا: فما حملك على أن دفنتها ولم تعلمنا بموتها؟ قال: هي أمرتني، فقال عمر: والله لقد هممت بنبشها والصلاة عليها، فقال علي عليه السلام: أما والله ما دام قلبي بين جوانحي وذو الفقار في يدي، إنك لا تصل إلى نبشها فأنت أعلم، فقال أبو بكر: اذهب إنه أحق بها منا، وانصرف الناس ـ تم الخبر ـ(43). |
حديث سقيفة ساعدة |
|
أبو محمد، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن جده قال: ما أتى على علي عليه السلام، يوم قط أعظم من يومين أتياه، فأما أول يوم فاليوم الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، وأما اليوم الثاني فو الله إني لجالس في سقيفة بني ساعدة عن يمين أبي بكر والناس يبايعونه إذ قال له عمر: يا هذا لم تصنع شيئاً ما لم يبايعك علي؟ فابعث إليه حتى يأتيك فيبايعك. قال: فبعث قنفذاً، فقال له: أجب خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله، قال علي عليه السلام: لأسرع ما كذبتم على رسول الله صلى الله عليه وآله! ما خلف رسول الله صلى الله عليه وآله أحداً غيري، فرجع قنفذ وأخبر أبا بكر بمقالة علي عليه السلام فقال أبو بكر: انطلق إليه فقل له: يدعوك أبو بكر ويقول: تعال حتى تبايع فإنما أنت رجل من المسلمين، فقال علي عليه السلام: أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا أخرج بعده من بيتي حتى أؤلف الكتاب فإنه في جرائد النخل وأكتاف الإبل. فأتاه قنفذ وأخبره بمقالة علي عليه السلام، فقال عمر: قم إلى الرجل، فقام أبو بكر وعمر وعثمان وخالد ابن الوليد والمغيرة بن شعبة وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة وقمت معهم، وظنت فاطمة عليها السلام أنه لا تدخل بيتها إلا بإذنها، فأجافت الباب(44) وأغلقته، فلما انتهوا إلى الباب ضرب عمر الباب برجله فكسره ـ وكان من سعف ـ فدخلوا على علي عليه السلام وأخرجوه ملبباً(45). فخرجت فاطمة عليها السلام فقالت: يا أبا بكر وعمر تريدان أن ترملاني(46) من زوجي! والله لئن لم تكفان عنه لأنشرن شعري ولأشقن جيبي ولآتين قبر أبي ولأصيحن إلى ربي. فخرجت وأخذت بيد الحسن والحسين عليهما السلام متوجهة إلى القبر. فقال علي عليه السلام لسلمان: يا سلمان أدرك ابنة محمد صلى الله عليه وآله فإني أرى جنبتي المدينة تكفئان، فو الله لئن فعلت لا يناظر بالمدينة أن يخسف بها وبمن فيها. قال: فلحقها سلمان فقال: يا بنت محمد صلى الله عليه وآله إن الله تبارك وتعالى إنما بعث أباك رحمة فانصرفي، فقالت: يا سلمان ما علي صبر فدعني حتى آتي قبر أبي، فأصيح إلى ربي. قال سلمان: فإن علياً بعــثــــنـي إليك وأمرك بــــالرجوع، فقالت: أسمع له وأطــــيع. فرجعت، وأخرجوا علياً ملبباً. قال: وأقبل الزبير مخــــترطاً سيفه(47) وهو يقول: يا معشر بني عبد المطلب أيفعل هذا بعلي وأنتم أحياء! وشد على عمر ليضربه بالسيف فرماه خالد بن الوليد بصخرة فأصابت قفاه وسقط السيف من يده فأخذه عمر وضربه على صخرة فانكسر. ومر علي عليه السلام على قبر النبي صلى الله عليه وآله فقال: (يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني). وأتي بعلي عليه السلام إلى السقيفة إلى مجلس أبي بكر، فقال له عمر: بايع، قال: فإن لم أفعل فمه؟ قال: إذاً والله نضرب عنقك، قال علي عليه السلام: إذاً والله أكون عبد الله وأخا رسول الله صلى الله عليه وآله المقتول، فقال عمر: أما عبد الله المقتول فنعم وأما أخو رسول الله صلى الله عليه وآله فلا ـحتى قالها ثلاثاًـ وأقبل العباس فقال: يا أبا بكر ارفقوا بابن أخي، فلك علي أن يبايعك. فأخذ العباس بيد علي عليه السلام فمسحها على يدي أبي بكر وخلوا علياً مغضباً، فرفع رأسه إلى السماء، ثم قال: اللهم إنك تعلم أن النبي الأمي ـ صلى الله عليه وآله ـ قال لي: إن تموا عشرين فجاهدهم، وهو قولك في كتابك: (فإن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) اللهم إنهم لم يتموا ـ حتى قالها ثلاثاً ـ ثم انصرف(48). 34ـ (أمالي) الصدوق: المكتب، عن العلوي، عن الفزاري، عن محمد بن الحسين الزيات، عن سليمان بن حفص المروزي، عن ابن طريف، عن ابن نباتة قال: سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عن علة دفنه لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ليلاً؟ فقال: إنها كانت ساخطة على قوم كرهت حضورهم جنازتها، وحرام على من يتولاهم أن يصلي على أحد من ولدها(49). 35ـ أمالي الطوسي: المفيد، عن محمد بن أحمد المنصوري، عن سلمان بن سهل، عن عيسى بن إسحاق القرشي، عن حمدان بن علي الخفاف، عن ابن حميد، عن الثمالي، عن أبي جعفر الباقر، عن أبيه عليهما السلام، عن محمد بن عمار بن ياسر، عن أبيه، قال: لما مرضت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله مرضتها التي توفيت فيها، وثقلت، جاءها العباس بن عبد المطلب عائداً فقيل له: إنها ثقيلة، وليس يدخل عليها أحد، فانصرف إلى داره وأرسل إلى علي عليه السلام، فقال لرسوله: قل له: يا ابن أخ، عمك يقرئك السلام، ويقول لك: قد فجأني من الغم بشكاة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وقرة عينيه وعيني فاطمة ما هدني، وإني لأظنها أولنا لحوقاً برسول الله صلى الله عليه وآله، يختار لها ويحبوها ويزلفها لربه، فإن كان من أمرها ما لا بد منه، فاجمع ـ أنا لك الفداء ـ المهاجرين والأنصار حتى يصيبوا الأجر في حضورها والصلاة عليها، وفي ذلك جمال للدين. فقال علي عليه السلام لرسوله وأنا حاضر عنده: أبلغ عمي السلام، وقل: لا عدمت إشفاقك وتحيتك، وقد عرفت مشورتك، ولرأيك فضله، إن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله لم تزل مظلومة، من حقها ممنوعة، وعن ميراثها مدفوعة، لم تحفظ فيها وصية رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا رعي فيها حقه، ولا حق الله عز وجل، وكفى بالله حاكماً، ومن الظالمين منتقماً، وأنا أسألك يا عم أن تسمح لي بترك ما أشرت به، فإنها وصتني بستر أمرها. قال: فلما أتى العباس رسوله بما قال علي عليه السلام قال: يغفر الله لابن أخي فإنه المغفور له، إن رأي ابن أخي لا يطعن فيه، إنه لم يولد لعبد المطلب مولود أعظم بركة من علي إلا النبي صلى الله عليه وآله، إن علياً لم يزل أسبقهم إلى كل مكرمة وأعلمهم بكل فضيلة، وأشجعهم في الكريهة، وأشدهم جهاداً للأعداء في نصرة الحنيفية، وأول من آمن بالله ورسوله صلى الله عليه وآله(50). 36ـ قال العلامة الأمين (ره): إن فاطمة عليها السلام لم تزل بعد وفاة أبيها صلى الله عليه وآله مهمومة مغمومة، محزونة مكروبة باكية، ثم مرضت مرضاً شديداً، ومكثت أربعين ليلة في مرضها إلى أن توفيت صلوات الله عليها، فلما نعيت إلى نفسها دعت أم أيمن وأسماء بنت عميس، ووجهت خلف علي فأحضرته، فقالت: يا ابن عم إنه قد نعيت إلى نفسي، وإنني لا أرى ما بي إلا أنني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي. قال لها علي عليه السلام: أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله. فجلس عند رأسها، وأخرج من كان في البيت، ثم قالت: يا ابن عم ما عهدتني كاذبة ولا خائنة، ولا خالفتك منذ عاشرتني، فقال عليه السلام: معاذ الله، أنت أعلم بالله وأبر وأتقى وأكرم وأشد خوفاً من الله من أن أوبخك بمخالفتي، وقد عز علي مفارقتك وفقدك إلا أنه أمر لا بد منه، والله لقد جددت علي مصيبة رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد عظمت وفاتك وفقدك، فإنا لله وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضها وأحزنها! هذه والله مصيبة لا عزاء عنها، ورزية لا خلف لها. ثم بكيا جميعاً ساعة، وأخذ علي رأسها وضمها إلى صدره، ثم قال: أوصيني بما شئت، فإنك تجدينني وفياً، أمضي كل ما أمرتني به، وأختار أمرك على أمري. ثم قالت: جزاك الله عني خير الجزاء يا ابن عم، أوصيك أولاً أن تتزوج بعدي بابنة أختي أمامة، فإنها تكون لولدي مثلي، فإن الرجال لا بد لهم من النساء ـ فمن أجل ذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام: أربعة ليس إلى فراقهن سبيل، وعد منهن أمامة، وقال أوصت بها فاطمة عليها السلام ـ. ثم قالت: أوصيك يا ابن عم أن تتخذ لي نعشاً، فقد رأيت الملائكة صوروا صورته، فقال لها: صفيه لي، فوصفته، فاتخذه لها. ثم قالت: أوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني، ولا تترك أن يصلي علي أحد منهم،وادفني في الليل إذا هدأت العيون، ونامت الأبصار. ثم توفيت ـ صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها ـ، فصاح أهل المدينة صيحة واحدة واجتمعت نساء بني هاشم في دارها، فصرخن صرخة واحدة كادت المدينة تتزعزع من صراخهن، وهن يقلن: يا سيدتاه، يا بنت رسول الله، وأقبل الناس مثل عرف الفرس إلى علي عليه السلام وهو جالس، والحسن والحسين عليهما السلام بين يديه يبكيان، فبكى الناس لبكائهما، وخرجت أم كلثوم عليها برقعها، تجر ذيلها، متجللة برداء وهي تقول: يا أبتاه يا رسول الله الآن حقاً فقدناك فقداً لا لقاء بعده أبداً(51). واجتمع الناس فجلسوا وهم يرجعون وينتظرون أن تخرج الجنازة فيصلوا عليها، فخرج أبو ذر وقال: انصرفوا فإن ابنة رسول الله قد أخر إخراجها هذه العشية(52). فقام الناس وانصرفوا، فلما أن هدأت العيون، ومضى شطر من الليل أخرجها علي والحسن والحسين عليهم السلام وعمار والمقداد وعقيل والزبير وأبو ذر وسلمان وبريدة ونفر من بني هاشم وخواصه، وصلوا عليها ودفنوها في جوف الليل، وسوى علي عليه السلام حواليها قبوراً مزورة مقدار سبعة حتى لا يعرف قبرها، وقال بعضهم: سوى قبرها مع الأرض حتى لا يعرف أحد موضعه. وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام قام بعد دفنها، فحول وجهه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك زائرتك النازلة في جوارك، والبائتة في الثرى ببقعتك، والمختار الله لها سرعة اللحاق بك. قل يا رسول الله عن صفيتك صبري، ورق عنها تجلدي، إلا أن في التأسي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعز، فلقد وسدتك في ملحود قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسك، بلى وفي كتاب الله لي أنعم القبول: (إنا لله وإنا إليه راجعون). قد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة،(53) واختلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله، أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد، إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم، كمد مقيح، وهم مهيج، سرعان ما فرق بيننا، وإلى الله أشكو، وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها،(54) فأحفها السؤال، واستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً، وستقول، ويحكم الله وهو خير الحاكمين، والسلام عليكما سلام مودع، لا قال ولا سئم، فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين. واهاً واهاً، والصبر أيمن وأجمل، ولولا غلبة المتسولين لجعلت المقام واللبث عندك لزاماً معكوفاً، ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية، فبعين الله تدفن ابنتك سراً، وتهضم حقها، ويمنع إرثها، ولم يطل العهد، ولم يخلق منك الذكر، إلى الله يا رسول الله المشتكى، وفيك يا رسول الله أحسن العزاء، صلى الله عليك وعليك، وعليها السلام والرضوان. ولما دفنها علي عليه السلام قام على شفير القبر فأنشأ يقول: لــــكل اجـتماع من خليلين فرقة وكل الـــذي دون الــفراق قليل وإن افتــــقادي فاطماً بعد أحمد دليـــــل على أن لا يدوم خليل(55) |
|
كتاب طويل يعمر إلى معاوية فيما وقع عليها من الظلم |
|
37ـ قال العلامة المجلسي (ره) في البحار: أجاز لي بعض الأفاضل في مكة زاد الله شرفها رواية هذا الخبر وأخبرني أنه أخرجه من الجزء الثاني من كتاب (دلائل الإمامة) وهذه صورته: حدثنا أبو الحسين محمد بن هارون بن موسى التلعكبري قال: حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا أبو علي محمد بن همام قال حدثنا جعفر بن محمد بن مالك الفزاري الكوفي قال: حدثني عبد الرحمن بن سنان الصيرفي، عن جعفر بن علي الجواد، عن الحسن بن مسكان، عن المفضل بن عمر الجعفي، عن جابر الجعفي، عن سعيد بن المسيب قال: لما قتل الحسين بن علي صلوات الله عليهما وورد نعيه إلى المدينة وورد الأخبار بجز رأسه وحمله إلى يزيد بن معاوية، وقتل ثمانية عشر من أهل بيته، وثلاث وخمسين رجلاً من شيعته، وقتل علي ابنه بين يديه وهو طفل بنشابه، وسبي ذراريه، أقيمت المأتم عند أزواج النبي في منزل أم سلمة رضي الله عنها وفي دور المهاجرين والأنصار. قال: فخرج عبد الله بن عمر بن الخطاب صارخاً من داره، لاطماً وجهه، شاقاً جيبه يقول: يا معشر بني هاشم وقريش والمهاجرين والأنصار يستحل هذا من رسول الله في أهله وذريته وأنتم أحياء ترزقون؟ لا قرار دون يزيد. وخرج من المدينة تحت ليلة، لا يرد مدينة إلا صرخ فيها واستنفر أهلها على يزيد ـ وأخباره يكتب بها إلى يزيد ـ فلم يمر بملأ من الناس إلا لعنه، وسمع كلامه، وقالوا: هذا عبد الله بن عمر خليفة رسول الله وهو ينكر فعل يزيد بأهل بيت رسول الله ويستنفر الناس على يزيد، وإن من لم يجبه لا دين له ولا إسلام. واضطرب الشام بمن فيه، وورد دمشق وأتى باب اللعين يزيد في خلق من الناس يتلونه، فدخل أذن يزيد عليه فأخبره بوروده، ويده على أم رأسه والناس يهرعون إليه قدامه ووراءه، فقال يزيد: فورة من فورات أبي محمد، وعن قليل يفيق منها. فأذن له وحده، فدخل صارخاً يقول: لا أدخل يا أمير المؤمنين وقد فعلت بأهل بيت محمد ما لو تمكنت الترك والروم ما استحلوا ما استحللت، ولا فعلوا ما فعلت، قم عن هذا البساط حتى يختار المسلمون من هو أحق به منك. فرحب به يزيد وتطاول له وضمه إليه وقال له: يا أبا محمد اسكن من فورتك، واعقل، وانظر بعينك واسمع بأذنك، ما تقول في أبيك عمر بن الخطاب؟ أكان هادياً مهدياً خليفة رسول الله وناصره ومصاهره بأختك حفصة، والذي قال: لا يعبد الله سراً؟ فقال عبد الله: هو كما وصفت، فأي شيء تقول فيه؟ قال: أبوك قلد أبي أمر الشام أم أبي قلد أباك خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال: أبي قلد أباك الشام. قال: يا أبا محمد أفترضى به وبعهده إلى أبي أو ما ترضاه؟ قال: بل أرضى، قال: أفترضى بأبيك؟ قال: نعم، فضرب يزيد بيده على يد عبد الله بن عمر وقال له: قم يا أبا محمد حتى تقرأه. فقام معه حتى ورد خزانة من خزائنه، فدخلها، ودعا بصندوق، ففتحه واستخرج منه تابوتاً مقفلاً مختوماً، فاستخرج منه طوماراً لطيفاً في خرقة حرير سوداء، فأخذ الطومار بيده ونشره، ثم قال: يا أبا محمد، هذا خط أبيك، قال: إي والله، فأخذه من يده فقبله فقال له: اقرأ، فقرأه ابن عمر، فإذا فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، إن الذي أكرهنا بالسيف على الإقرار به، فأقررنا والصدور وغرة،(56) والأنفس واجفة، والنيات والبصائر شايكة(57) مما كانت عليه من جحدنا ما دعانا إليه، وأطعناه فيه رفعاً لسيوفه عنا، وتكاثره بالحي علينا من اليمن، وتعاضد من سمع به ممن ترك دينه وما كان عليه آباؤه في قريش. فبهبل أقسم والأصنام والأوثان واللات والعزى ما جحدها عمر مذ عبدها، ولا عبد للكعبة رباً، ولا صدق لمحمد قولاً، ولا ألقى السلام إلا للحيلة عليه وإيقاع البطش به، فإنه قد أتانا بسحر عظيم، وزاد في سحره على سحر بني إسرائيل مع موسى وهارون وداود وسليمان وابن أمه عيسى، ولقد أتانا بكل ما أتوا به من السحر، وزاد عليهم ما لو أنهم شهدوه لأقروا له بأنه سيد السحرة(58). فخذ يا ابن أبي سفيان سنة قومك، واتباع ملتك، والوفاء بما كان عليه سلفك من جحد هذه البنية التي يقولون إن لها رباً أمرهم بإتيانها والسعي حولها، وجعلها لهم قبلة، فأقروا بالصلاة والحج الذي جعلوه ركناً، وزعموا أنه لله اختلفوا، فكان ممن أعان محمداً منهم هذا الفارسي الطمطماني روزبه،(59) وقالوا: إنه أوحي إليه: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين)(60) وقولهم: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره)(61) وجعلوا صلاتهم للحجارة، فما الذي أنكره علينا ـ لولا سحره ـ من عبادتنا للأصنام والأوثان واللات والعزى وهي من الحجارة والخشب والنحاس والفضة والذهب؟ لا واللات والعزى ما وجدنا سبباً للخروج عما عندنا وإن سحروا وموهوا. فانظر بعين مبصرة، واسمع بأذن واعية، وتأمل بقلبك وعقلك ما هم فيه، واشكر اللات والعزى، واستخلاف السيد الرشيد عتيق بن عبد العزى على أمة محمد وتحكمه في أموالهم ودمائهم وشريعتهم وأنفسهم وحلالهم وحرامهم وجبايات الحقوق التي زعموا أنهم يجيبونها (يجيبونها ـ ظ) لربهم ليقيموا بها أنصارهم وأعوانهم، فعاش شديداً رشيداً، يخضع جهراً، ويشتد سراً، ولا يجد حيلة غير معاشرة القوم. ولقد وثبت وثبة على شهاب بني هاشم الثاقب، وقرنها الزاهر، وعلمها الناصر، وعدتها وعددها المسمى بحيدرة، المصاهر لمحمد على المرأة التي جعلوها سيدة نساء العالمين، يسمونها فاطمة، حتى أتيت دار علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين وابنتيهما زينب وأم كلثوم، والأمة المدعوة بفضة، ومعي خالد بن وليد، وقنفذ مولى أبي بكر، ومن صحب من خواصنا، فقرعت الباب عليهم قرعاً شديداً، فأجابتني الأمة، فقلت لها: قولي لعلي: دع الأباطيل، ولا تلج نفسك إلى طمع الخلافة، فليس الأمر لك، الأمر لمن اختاره المسلمون واجتمعوا عليه. ورب اللات والعزى لو كان الأمر والرأي لأبي بكر لفشل عن الوصول إلى ما وصل إليه من خلافة ابن أبي كبشة، لكني أبديت لها صفحتي، وأظهرت لها بصري، وقلت للحيين نزار وقحطان، بعد أن قلت لهم: ليس الخلافة إلا في قريش، فأطيعوهم ما أطاعوا الله. وإنما قلت ذلك لما سبق من ابن أبي طالب من وثوبه واستيثاره بالدماء التي سفكها في غزوات محمد، وقضاء ديونه، وهي ثمانون ألف درهم، وإنجاز عداته، وجمع القرآن، فقضاها على تليده وطارفه، وقول المهاجرين والأنصار لما قلت: إن الإمامة في قريش، قالوا: (هو الأصلع البطين أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب، الذي أخذ رسول الله البيعة له على أهل ملته، وسلمنا له بإمرة المؤمنين في أربعة مواطن، فإن كنتم نسيتموها يا معشر قريش فما نسيناها، وليست البيعة ولا الإمامة والخلافة والوصية إلا حقاً مفروضاً وأمراً صحيحاً، لا تبرعاً ولا ادعاءً). فكذبناهم،(62) وأقمت أربعين رجلاً شهدوا على محمد أن الإمامة بالاختيار، فعند ذلك قال الأنصار: (نحن أحق من قريش، لأنا آوينا ونصرنا، وهاجر الناس إلينا، فإذا كان دفع من كان الأمر له فليس هذا الأمر لكم دوننا) وقال قوم: (منا أمير ومنكم أمير) قلنا لهم: قد شهد أربعون رجلاً أن الأئمة من قريش، فقبل قوم وأنكر آخرون، وتنازعوا، فقلت ـ والجمع يسمعون ـ: إلا أكبرنا سناً، وأكثرنا ليناً. قالوا: فمن تقول؟ قلت: أبو بكر الذي قدمه رسول الله في الصلاة، وجلس معه في العريش يوم بدر يشاوره ويأخذ برأيه، وكان صاحبه في الغار، وزوج ابنته عائشة التي سماها أم المؤمنين. فأقبل بنو هاشم يتميزون غيظاً، وعاضدهم الزبير وسيفه مشهور وقال: لا يبايع إلا علي، أو لا أملك رقبة قائمة سيفي هذا. فقلت: يا زبير صرختك سكن من بني هاشم، أمك صفية بنت عبد المطلب، فقال: ذلك والله الشرف الباذخ، والفخر الفاخر، يا ابن ختمة ويا ابن صهاك، اسكت لا أم لك. فقال قولاً، فوثب أربعون رجلاً ممن حضر سقيفة بني ساعدة على الزبير، فو الله ما قدرنا على أخذ سيفه من يده حتى وسدناه الأرض، ولم نر له علينا ناصراً. فوثبت إلى أبي بكر، فصافحته وعاقدته البيعة، وتلاني عثمان بن عفان وسائر من حضر غير الزبير، وقلنا له: بايع أو نقتلك. ثم كففت عنه الناس فقلت له: أمهلوه، فما غضب إلا نخوة لبني هاشم. وأخذت أبا بكر بيدي فأقمته وهو يرعد، قد اختلط عقله، فأزعجته إلى منبر محمد إزعاجاً، فقال لي: يا أبا حفص أخاف وثبة علي، فقلت له: إن علياً عنك مشغول. وأعانني على ذلك أبو عبيدة بن الجراح، كان يمد بيده إلى المنبر، وأنا أزعجه من ورائه كالتيس إلى شفار الجارز متهوناً. فقام عليه مدهوشاً، فقلت له: اخطب، فأغلق عليه وتثبت، فدهش وتلجلج وغمض، فغضضت على كفي غيظاً وقلت له: قل ما سنح لك، فلم يأت خيراً ولا معروفاً، فأردت أن أحطه عن المنبر وأقوم مقامه، فكرهت تكذيب الناس لي بما قلت فيه، وقد سألني الجمهور منهم كيف قلت من فضله ما قلت، ما الذي سمعته من رسول الله في أبي بكر؟ فقلت لهم: قد قلت من فضله على لسان رسول الله ما لو وددت أني شعرة في صدره ولي حكاية فقلت: قل وإلا فانزل.... والله في وجهي وعلم أنه لو نزل لرقيت وقلت ما لا يهتدي إلى قوله، فقال بصوت ضعيف عليل: (وليتكم ولست بخيركم وعلي فيكم، واعلموا أن لي شيطاناً يعتريني، وما أراد به سواي، فإذا زللت فقوموني، لا أقع في شعوركم وأبشاركم، وأستغفر الله لي ولكم) ونزل. فأخذت بيده ـ وأعين الناس ترمقه ـ وغمزت يده غمزاً، ثم أجلسته، وقدمت الناس إلى بيعته، وصحبته لأرهبه وكل من ينكر بيعته ويقول: ما فعل علي بن أبي طالب؟ فأقول خلعها من عنقه وجعلها طاعة المسلمين قلة خلاف عليهم في اختيارهم، فصار جليس بيته. فبايعوا وهم كارهون. فلما فشت بيعته علمنا أن علياً يحمل فاطمة والحسن والحسين إلى دور المهاجرين والأنصار يذكرهم بيعته علينا في أربع مواطن، ويستنفرهم، فيعدونه النصرة ليلاً، ويقعدون عنه نهاراً، فأتيت داره مستشيراً لإخراجه منها، فقالت الأمة فضة وقد قلت لها: قولي لعلي يخرج إلى بيعة أبي بكر فقد اجتمع عليه المسلمون، فقالت: إن أمير المؤمنين علياً مشغول، فقلت: خلي عنك هذا وقولي له يخرج وإلا دخلنا عليه وأخرجناه كرهاً. فخرجت فاطمة فوقفت من وراء الباب، فقالت: أيها الضالون المكذبون ماذا تقولون؟ وأي شيء تريدون؟ فقلت: يا فاطمة، فقالت فاطمة: ما تشاء يا عمر؟ فقلت: ما بال ابن عمك قد أوردك للجواب، وجلس من وراء الحجاب؟ فقالت لي: طغيانك يا شقي أخرجني، وألزمك الحجة وكل ضال غوي. فقلت: دعي عنك الأباطيل وأساطير النساء، وقولي لعلي يخرج لا حب ولا كرامة، فقالت: أبحزب الشيطان تخوفني يا عمر؟ وكان حزب الشيطان ضعيفاً، فقلت: إن لم يخرج جئت بالحطب الجزل وأضرمتها ناراً على أهل هذا البيت، وأحرق من فيه، أو يقاد علي إلى البيعة، وأخذت سوط قنفذ فضربتها، وقلت لخالد بن الوليد: أنت ورجالنا، هلموا في جمع الحطب، فقلت: إني مضرمها، فقالت: يا عدو الله وعدو رسوله وعدو أمير المؤمنين. فضربت فاطمة يديها من الباب تمنعني من فتحه، فرمته، فتصعب علي، فضربت كفيها بالسوط، فآلمها، فسمعت لها زفيراً وبكاءً، فكدت أن ألين وأنقلب عن الباب، فذكرت أحقاد علي وولوعه في دماء صناديد العرب، وكيد محمد وسحره، فركلت الباب، وقد ألصقت أحشاءها بالباب تترسه، وسمعتها وقد صرخت صرخة حسبتها قد جعلت أعلى المدينة أسفلها، وقالت: يا أبتاه يا رسول الله هكذا كان يفعل بحبيبتك وابنتك، آه يا فضة إليك فخذيني، فقد والله قتل ما في أحشائي من حمل، وسمعتها تمخض وهي مستندة إلى الجدار، فدفعت الباب ودخلت، فأقبلت إلي بوجه أغشى بصري، فصفقت صفقة على خديها من ظاهر الخمار، فانقطع قرطها وتناثرت إلى الأرض(63). وخرج علي فلما أحسست به أسرعت إلى خارج الدار، وقلت لخالد وقنفذ ومن معهما: نجوت من أمر عظيم ـ وفي رواية أخرى: قد جنيت جناية عظيمة لا آمن على نفسي، وهذا علي قد برز من البيت ومالي ولكم جميعاً به طاقة ـ فخرج علي وقد ضربت يديها إلى ناصيتها لتكشف عنها وتستغيث بالله العظيم ما نزل بها، فأسبل علي عليها ملاءتها وقال لها: يا بنت رسول الله إن الله بعث أباك رحمة للعالمين، وأيم الله لئن كشفت عن ناصيتك سائلة إلى ربك ليهلك هذا الخلق لأجابك، حتى لا يبقي على الأرض منهم بشراً، لأنك وأباك أعظم عند الله من نوح الذي غرق من أجله بالطوفان جميع من على وجه الأرض وتحت السماء إلا من كان في السفينة، وأهلك قوم هود بتكذيبهم له، وأهلك عاداً بريح صرصر، وأنت وأبوك أعظم قدراً من هود، وعذب ثمود في اثنا عشر ألفاً بعقر الناقة والفصيل، فكوني يا سيدة النساء رحمة على هذا الخلق المنكوس، ولا تكوني عذاباً. واشتد بها المخاض، ودخلت البيت فأسقطت سقطاً سماه علي محسناً. وجمعت جمعاً كثيراً لا مكاثرة لعلي، ولكن ليشد بهم قلبي، وجئت وهو محاصر، فاستخرجته من داره مكرهاً مغصوباً، وسقته إلى البيعة سوقاً، وإني لأعلم علماً يقيناً لا شك فيه لو اجتهدت أنا وجميع من على الأرض جميعاً على قهره ما قهرناه، ولكن لهنات كانت في نفسه أعلمها ولا أقولها. فلما انتهيت إلى سقيفة بني ساعدة قام أبو بكر ومن بحضرته يستهزئون بعلي، فقال علي: يا عمر أتحب أن أعجل لك ما أخرته سوءً عنك (من سوأتك عنه خ ل)؟ فقلت: لا يا أمير المؤمنين. فسمعني والله خالد بن الوليد، فأسرع إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: ما لي ولعمر ـ ثلاثاً ـ والناس يسمعون. ولما دخل السقيفة صبا إليه أبو بكر، فقلت له: قد بايعت يا أبا الحسن فانصرف فأشهد ما بايعه، ولا مد يده إليه، وكرهت أن أطالبه بالبيعة فيعجل لي ما أخره عني. وود أبو بكر أنه لم ير علياً في ذلك المكان جزعاً وخوفاً منه. ورجع علي من السقيفة، وسألنا عنه فقالوا: مضى إلى قبر محمد، فجلس إليه. فقمت أنا وأبو بكر إليه، وجئنا نسعى، وأبو بكر يقول: ويلك يا عمر ما الذي صنعت بفاطمة؟ هذا والله الخسران المبين. فقلت: إن أعظم ما عليك أنه ما بايعنا، ولا أثق أن تتثاقل المسلمون عنه. فقال: فما تصنع؟ فقلت: نظهر أنه بايعك عند قبر محمد. فأتيناه وقد جعل القبر قبلة مسنداً كفه على تربته، وحوله سلمان وأبو ذر والمقداد وعمار وحذيفة بن اليمان، فجلسنا بإزائه، وأوعزت إلى أبي بكر أن يضع يده على مثل ما وضع علي يده ويقربها من يده، ففعل ذلك، وأخذت بيد أبي بكر لأمسحها على يده وأقول قد بايع، فقبض علي يده. فقمت أنا وأبو بكر مولياً، وأنا أقول: جزى الله علياً خيراً، فإنه لم يمنعك البيعة لما حضرت قبر رسول الله. فوثب من دون الجماعة أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري وهو يصيح ويقول: والله يا عدو الله ما بايع علي عتيقاً. ولم يزل كلما لقينا قوماً وأقبلنا على قوم نخبرهم ببيعته، وأبو ذر يكذبنا. والله ما بايعنا في خلافة أبي بكر ولا في خلافتي، ولا يبايع لمن بعدي، ولا بايع من أصحابه اثنا عشر رجلاً، لا لأبي بكر ولا لي. فمن فعل يا معاوية فعلي، واستثار أحقاده السالفة غيري؟ أما أنت وأبوك أبو سفيان وأخوك عتبة، فأعرف ما كان منكم في تكذيب محمد وكيده، وإدارة الدوائر بمكة، وطلبته في جبل حرى لقتله، وتألف الأحزاب وجمعهم عليه، وركوب أبيك الجمل وقد قاد الأحزاب، وقول محمد: (لعن الله الراكب والقائد والسائق)، وكان أبوك الراكب، وأخوك عتبة القائد، وأنت السائق. ولم أنس أمك هنداً وقد بذلت لوحشي ما بذلت، حتى تكمن نفسه لحمزة الذي دعوه أسد الرحمن في أرضه، وطعنه بالحربة، ففلق فؤاده، وشق عنه، وأخذ كبده فحمله إلى أمك، فزعم محمد بسحره أنه لما أدخلته فاها لتأكله صار جلموداً، فلفظته من فيها، وسماها محمد أو أصحابه: آكلة الأكباد، وقولها في شعرها لاعتداء محمد ومقاتليه: نـــــحن بـــــنــــــــات طــــارق نـــــمشي عــــــلى الـــــنـمارق كالــــــدر فـــــي المـــــــــخانق والـــــمسك فــــــي الـــــمفارق إن يقـــــــبلـوا نعــــــانــــــــــق أو يــــــدبــــــــروا نـــــــفارق فـــــــراق غيــــــــر وامـــــق ونسوتها في الثياب الصفر المرسبة، مبديات وجوههن ومعاصمهن ورؤوسهن، يحرضن على قتال محمد. إنكم لم تسلموا طوعاً، وإنما أسلمتم كرهاً يوم فتح مكة، فجعلكم طلقاء، وجعل أخي زيداً وعقيلاً أخا علي بن أبي طالب والعباس عمهم مثلهم. وكان من أبيك في نفسه، فقال: والله يا ابن أبي كبشة لأملأنها عليك خيلاً ورجلاً، وأحول بينك وبين هذه الأعداء، فقال محمد ـ ويؤذن للناس أنه علم ما في نفسه ـ: أو يكفي الله شرك يا أبا سفيان، وهو يري للناس أن لا يعلوها أحد غيري وعلي ومن يليه من أهل بيته. فبطل سحره، وخاب سعيه، وعلاها أبو بكر، وعلوتها بعده، وأرجو أن تكونوا معاشر بني أمية عيدان أطنابها، فمن ذلك قد وليتك وقلدتك إباحة ملكها، وعرفتك فيها، وخالفت قوله فيكم، وما أبالي من تأليف شعره ونثره أنه قال يوحى إلي منزل من ربي في قوله: (والشجرة الملعونة في القرآن)(64) فزعم أنها أنتم يا بني أمية، فبين عداوته حيث ملك، كما لم يزل هاشم وبنوه أعداء بني عبد شمس. وأنا مع تذكيري إياك يا معاوية، وشرحي لك ما قد شرحته ناصح لك ومشفق عليك من ضيق عطنك،(65) وحرج صدرك، وقلة حلمك أن تعجل فيما وصيتك ومكنتك منه من شريعة محمد وأمته أن تبدي لهم مطالبته بطعن، أو شماتة بموت، أو رداً عليه فيما أتى به أو استصغاراً لما أتى به فتكون من الهالكين، فتخفض ما رفعت، وتهدم ما بنيت. واحذر كل الحذر حيث دخلت على محمد مسجده ومنبره، وصدق محمداً في كل ما أتى به وأورده ظاهراً، وأظهر التحرز والواقعة في رعيتك، وأوسعهم حلماً، وأعمهم بروائح العطايا، وعليك بإقامة الحدود فيهم، وتضعيف الجناية منهم لسبا (كذا) محمد من مالك ورزقك، ولا ترهم أنك تدع لله حقاً، ولا تنقص فرضاً، ولا تغير لمحمد سنته، فتفسد علينا الأمة، بل خذهم من مأمنهم، واقتلهم بأيديهم، وأبدهم بسيوفهم وتطاولهم ولا تناجزهم، ولن لهم، ولا تبخس عليهم، وافسح لهم في مجلسك، وشرفهم في مقعدك، وتوصل إلى قتلهم برئيسهم، وأظهر البشر والبشاشة، بل اكظم غيظك، واعف عنهم، يحبوك ويطيعوك. فما أمن علينا وعليك ثورة علي وشبليه الحسن والحسين، فإن أمكنك في عدة من الأمة فبادر، ولا تقنع بصغار الأمور، واقصد بعظيمها، واحفظ وصيتي إليك وعهدي، وأخفه ولا تبده، وامتثل أمري ونهيي، وانهض بطاعتي، وإياك والخلاف علي، واسلك طريقة أسلافك، واطلب بثأرك، واقتص آثارهم، فقد أخرجت إليك بسري وجهري، وشفعت هذا بقولي: مــعاوي إن القوم جلت أمورهم بدعوة مـن عـم البرية بالوتري صـــبوت إلـى دين لهم فأرابني فأبعد بدين قد قصمت به ظهري إلى آخر الأبيات.(66) قال: فلما قرأ عبد الله بن عمر هذا العهد قام إلى يزيد، فقبل رأسه وقال: الحمد لله يا أمير المؤمنين على قتلك الشاري ابن الشاري،(67) والله ما أخرج أبي إلي بما أخرج إلى أبيك، والله لا رآني أحد من رهط محمد بحيث يحب ويرضى. فأحسن جائزته وبره، ورده مكرماً. فخرج عبد الله بن عمر من عنده ضاحكاً، فقال له الناس: ما قال لك؟ قال: قولاً صادقاً لوددت أني كنت مشاركه فيه. وسار راجعاً إلى المدينة، وكان جوابه لمن يلقاه هذا الجواب. ويروى أنه أخرج يزيد ـ لعنه الله ـ إلى عبد الله بن عمر كتاباً فيه عهد عثمان بن عفان فيه أغلظ من هذا وأدهى وأعظم من العهد الذي كتبه عمر لمعاوية، فلما قرأ عبد الله بن عمر العهد الآخر قام فقبل رأس يزيد ـ لعنهما الله ـ وقال: الحمد لله على قتلك الشاري ابن الشاري(68). 38ـ قال ابن أبي الحديد ضمن نقل قصة خروج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة: قال محمد بن إسحاق: قدم لها كنانة بن الربيع بعيراً فركبته، وأخذ قوسه وكنانته، وخرج بها نهاراً يقود بعيرها، وهي في هودج لها. وتحدث بذلك الرجال من قريش والنساء، وتلاومت في ذلك، وأشفقت أن تخرج ابنة محمد من بينهم على تلك الحال، فخرجوا في طلبها سراعاً حتى أدركوها بذي طوى، فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، ونافع بن عبد القيس الفهري، فروعها هبار بالرمح وهي في الهودج، وكانت حاملاً. فلما رجعت طرحت ما في بطنها، وقد كانت من خوفها رأت دماً وهي في الهودج، فلذلك أباح رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة دم هبار بن الأسود. قلت: وهذا الخبر أيضاً قرأته على النقيب أبي جعفر رحمه الله، فقال: إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله أباح دم هبار بن الأسود، لأنه روع زينب فألقت ذا بطنها، فظهر الحال أنه لو كان حياً لأباح دم من روع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها. فقلت: أروي عنك ما يقوله قوم: إن فاطمة روعت فألقت المحسن؟ فقال: لا تروه عني ولا ترو عني بطلانه، فإني متوقف في هذا الموضع لتعارض الأخبار عندي فيه(69). 39ـ فقالت فاطمة عليها السلام لأسماء بنت عميس: كيف أصنع وقد صرت عظماً وقد يبس الجلد على العظم(70). 40ـ وقالت سلام الله عليها: كيف أحمل وقد صرت كالخيال، وجف جلدي على عظمي(71). 41ـ قال الأستاذ أبو علم: في رواية: أن علياً عليه السلام بنى لها بيتاً في البقيع سمي ببيت الأحزان، وهو باق إلى هذا الزمان، وهو الموضع المعروف بمسجد فاطمة في جهة قبة مشهد الحسن والعباس، وإليه أشار ابن جبير بقوله: ويلي القبة العباسية بيت فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وآله ويعرف ببيت الحزن، يقال: إنه هو الذي آوت إليه والتزمت الحزن فيه منذ وفاة أبيها صلى الله عليه وآله(72). 42ـ وقال أيضاً: ولقد عاشت السيدة الزهراء بعد الرسول عليه الصلاة والسلام خمسة وسبعين يوماً. وعن الصادق رضي الله عنه: مائة وخمسة وسبعين يوماً، لم تر كاشرة ولا ضاحكة، تأتي قبور الشهداء في كل جمعة مرتين: الاثنين والخميس، فتقول: هنا كان رسول الله صلى الله عليه وآله، وها هنا كان المشركون. وفي رواية عن الصادق عليه السلام: أنها كانت تصلي هناك وتدعو حتى ماتت. وروي عن الباقر عليه السلام قال: ما رؤيت فاطمة ضاحكة قط منذ قبض رسول الله ص |